التعليق على لقاء عبد الله المديفر مع الدكتور نضال قسوم - 1


إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله، أما بعد، فقد طلب مني أحد الأفاضل النبلاء التعليق على لقاء أجراه من قريب مقدم البرامج "عبد الله المديفر" على قناة الخليجية، مع الدكتور نضال قسوم (أستاذ الفيزياء الفلكية بالجامعة الأمريكية في الشارقة)، لما وجد فيه من مخالفات، ولما فتحه ذلك اللقاء من ترويج واسع لفكر هذا الرجل ومنهجه بين شباب المملكة، وقد كان أكثرهم لا يعرفه ولا يسمع به أصلا، والله المستعان. 

يبدأ اللقاء بسؤال غلط من مبدأ الطرح، إذ يسأل المقدم الدكتور عن مصادر المعرفة، بهذا الإطلاق! وهذا غلط ظاهر، إذ لابد له من مقدمة خفية عند السائل مفادها أن العالم المتخصص في العلوم الطبيعية هو المرجع في كل ما يتعلق بالمعرفة البشرية وأسباب حصولها في الإنسان! وهذا لا يصح إلا على مذهب العلموية والوضعيين المنطقيين ومن شاكلهم من الفلاسفة، الذين لا يرون للمعرفة حصولا إلا من طريق التجريب، وإعمال آلة المنطق والقياس العقلي بأنواعه المطروقة عند التجريبيين، على مدخلات الحس. ولكن لما كان المقدم مطالبا في عرف تلك المهنة، بأن يطالع مؤلفات الضيف وأعماله قبل أن يلتقي به، فالظاهر أن الرجل قد أعد للحلقة بقراءة كتب الدكتور، فوقع فيها على كلامه عن المعرفة بعموم، ولهذا بدأ معه بهذا السؤال! وهذا مما يعاب على تلك الصنعة الإعلامية بعموم! إذ إن مقدم ما يسمى ببرنامج التوك شو، كهذا البرنامج، تكون وظيفته أن يستخرج من الضيف، أيا ما كان تخصصه، كلاما يجذب المشاهدين ويزيد من نسبة المشاهدة للقناة! لا يهم أن يكون الكلام حقا في نفسه أو نافعا للمشاهدين، ولا يهم أن يكون المقدم نفسه مؤهلا للقراءة في هذا الباب قبل أن يعد أسئلته بناء على تلك القراءة! المهم أن يكون الكلام مثيرا لاهتمام الغالبية العظمى من المشاهدين المحتملين للبرنامج Potential Viewers ومن الفئة المستهدفة بموضوع البرنامج Target Demographic! هذا ما يدرسه الإعلاميون في ذلك الباب! فمن محض العبث أن يتخصص رجل في مثل هذا، والله المستعان.

ولو أن هذا المقدم، هداه الله، سأل وبحث وتحرى عن حال هذا الضيف قبل أن يقرر استضافته أصلا، لما استضافه! فالدكتور لديه طوام في الاعتقاد، أطلنا النفس في الكلام عليها في كتاب المعيار، يقول بالحتمانية السببية الطبيعية أو السببية الطبيعية المغلقة، ويؤمن، كما هي طريقة الربوبيين المعاصرين، بأن ربه إنما خلق العالم وركب فيه طبيعته ثم ترك تلك الطبيعة لتخلق جميع الحوادث فيه، بمقتضى جريان القانون الطبيعي واطراده على جميع أنحاء الكون على نفس الوتيرة وعلى امتداد الزمان، بداية من الانفجار المزعوم ووصولا إلى يومنا هذا، وإلى النهاية الدهرية التي يعتقدونها لهذا الكون، كيفما اتفق لها أن تكون! ويؤمن بأن الإنسان إنما خلق من نسل القردة العليا بالتطور الدارويني الرتيب، بطفرات عشوائية مخلوقة، وله كلام في ذلك شديد الفساد، قد رددنا عليه ردا مفصلا في الكتاب المشار إليه، والله المستعان! فعندما يؤتى برجل هذه عقيدته وهذا حاله، ثم يروج لفكره وكتبه للمسلمين على هذا النحو، فهذه جناية لا يعلوها في الشناعة إلا الترويج للإلحاد المحض، وإلى الله المشتكى! يجب أن يفهم كل من له اهتمام بالعلوم الطبيعية، أن كل كلام للطبيعيين المعاصرين في قضايا النشأة، سواء نشأة الكون بكليته، أو نشأة الجنس البشري وجميع الأنواع الحية، فإنما هو ميثولوجيا دهرية صرفة، لا علاقة لها لا بالعلم الطبيعي الصحيح (منهجيا) ولا بالمعرفة أصلا من مبدأ الأمر! وأن أكثر من تصدروا للدعوة والترويج للعلوم، كما سلكه هذا الدكتور، فإنما يريدون إعادة تكييف عقائد الناس، بصرف النظر عن مللهم ونحلهم، بما يوافق تلك الميثولوجيا العصرية التي يقتاتون عليها في الجامعات والأكاديميات المتخصصة! لماذا يريدون ذلك؟ لأجل أن تكون لهم الرياسة العامة على عقائد الخلق ومعارفهم، وإلا فلأجل أن يسلموا، على رياستهم للباحثين المتخصصين في الأكاديمية خاصة، من اتهام الناس لهم بالكفر والزندقة والهرطقة!

فمما قاله الدكتور في الجواب: "إذا صحت التجربة، فهنا نتأكد أن التفسير الذي فرضناه لها تفسير صحيح، فنبني عليه." ونقول ليت الأمر كان بهذه السهولة التي يصورها بها الدكتور، في جميع تخصصات العلم الطبيعي! لكن ليس الأمر كذلك أبدا! ليست التفسيرات الطبيعية على درجة واحد، من حيث دلالة التجربة عليها، وأهم من ذلك أنه ليست دلالة التجربة دلالة تصحيح أصلا، بهذا الإطلاق، وإنما هي دلالة قبول أداتي مقيد، في ذلك الباب من المباحث التجريبية الذي يكون موضوعه محصورا في إطار العادة البشرية، أي العادة التي تشتمل على أشباهه ونظائره، من حيث تكرار التلازم الرصدي بين ما نزعمه سببا وما نزعمه نتيجة. فيقال فيها، هذه النظاميات المطردة تشبه (وأكرر: تشبه) أن يكون سببها المغيب عن حواسنا، هو كذا وكذا، مما نفرضه بقياس تمثيل على شيء يناظره أو علاقة سببية تشبهه في عادتنا، مما كان السبب والمسبب فيه واقعين جميعا تحت الحس باطراد. هذا التشابه لا يدل صدق التنبؤ التجريبي على مطابقته الواقع أصلا، وإنما يدل على أن النمط الرياضي أو الأنموذج الرياضي الذي أفادنا به هذا التشبيه، أو كما يسميه بعض الفلاسفة المعاصرين، هذا التصوير المجازي Metaphor، يوافق دائرة واسعة مما يقع في إطار عادتنا البشرية من العلاقات المطردة بين النظاميات المراد الربط بينها نظريا. وإلا لدلتنا كل تجربة نجريها الآن فنجد نتيجتها توافق تنبؤات نيوتن في الجاذبية، على صحة تفسيره النظري وتصوره الأنطولوجي (الوجودي) لحقيقة الجاذبية وسببها المغيب عن الحس، ومطابقته للواقع، خلافا لتصور وتفسير أينشتاين! وهذا لا يقوله أحد من الفيزيائيين أصلا، وأنت يا دكتور قسوم لا تقوله! فالإبدال النظري، أي ما يحدث عندما يتغلب بارادايم معين أكاديميا على بارادايم مخالف له (والبارادايم هو جملة النظريات المؤسسة على فروض ومسلمات ميتافيزيقية واحدة) فيما يقال له باصطلاح الفلاسفة Superseding Paradigm ليس أن القديم منهما يثبت بطلانه، في مقابل أن الجديد تثبت صحته ومطابقته الواقع! أبدا! وإنما الذي يحدث أن الأنموذج الجديد منهما، تثبت عن طريق التجريب، موافقته لمزيد من العلاقات النظامية المشاهدة، مما كان يتعذر التوفيق بينه وبين الأنموذج القديم! وهذا يقال على التسليم بالتعذر، وإلا فجميع المشاهدات التي استند إليها الفيزيائيون المعاصرون في ترجيح النسبية العامة على نظرية الجاذبية عند نيوتن، قد تمكن بعض الباحثين من إدخال تعديلات يسيرة على معادلات نيوتن بما يجعلها توافقها ولا تخالفها، ومن ثم يجيز تفسيرها بالأنطولوجيا التي فرضها نيوتن! وهو غيض من فيض فيما استدل به فلاسفة ما بعد الوضعية على أن الذي يُنتهى إليه في الترجيح تحقيقا بين النماذج النظرية في عامة أبواب العلم الطبيعي، إنما هو الذوق الأكاديمي العام في الحقيقة، وليس مدى أرجحية مطابقة أحد الأنموذجين أو البارادايمين للواقع مقارنة بالآخر! وهذا لا تأثير له بحال من الأحوال على نفعية أو أداتية أي من الأنموذجين، من حيث إفادة المعادلات الرياضية والنماذج النظرية نفسها في كل منهما، بالتنبؤات المطابقة للواقع، النافعة في مجالات عملية وتطبيقية مختلفة! وإنما يؤثر، ولا شك، على الاعتقاد الغيبي أو التصور الأنطولوجي الذي يعتنقه الفيزيائيون المعاصرون، لا سيما والمسألة تبحث أكاديميا في إطار مذهبين فلسفيين عصريين كبيرين، يقال لأحدهما المدرسة الواقعية العلمية Scientific Realism وللأخرى Anti-realism المذهب المعادي للواقعية! فالواقعيون يقولون بمثل ما قال به الدكتور هنا، وهو أن جميع الفروض التفسيرية المغيبة عن الحس Unobservables التي يفرضها الناظر، تترجح مطابقتها للواقع على النظرية المخالفة من طريق التجريب، أي "تثبت صحتها" كما عبر الدكتور هنا بكل أريحية! وأما أعداء الواقعية فيقولون: ليس الأمر كذلك، بل لا يمكن أن تدل التجربة، مهما تكررت، على مطابقة تلك الكيانات المغيبة المفروضة في النظرية للواقع، لأنها حقائق غير محسوسة ولا نرجو إخضاعها للحس يوما ما! وادعاء ثبوتها من طريق التجريب، يكون ادعاء لدلالة التجربة على حقائق ميتافيزيقية وليس على حقائق فيزيقية، وهذا خروج على موضوع العلم التجريبي من الأساس! والنزاع بين الفريقين مشهور في أدبيات فلسفة العلم المعاصرة، والأكثرون اليوم يقولون: لا يمكن الترجيح بين المذهبين، ولكل أحد أن يعتقد ما يحلو له! وما ذاك إلا لأنهم طبيعيون دهرية لا يقيمون وزنا لمسألة الإيمان بالغيب التي ينطلق منها المسلمون في جميع معارفهم، ويؤسسون عليها جميع علومهم! فالمسلمون يحتاجون، قطعا، إلى بحث هذه المسألة كما حقها أن تبحث، وإلى تحقيق مذهب فيها يوافق عقيدتهم وإيمانهم بالغيب، لا إلى من يأتيهم بعقيدة الواقعيين الطبيعيين الدهرية، يشربهم بها من حيث لا يشعرون، ثم هو يزعم بكل سهولة أن العلم إذا أثبت قضية ما، أيا ما كان موضوعها، فهي الحق المطابق للواقع على سبيل الأرجحية الاحتمالية، وليس لأحد أن يعارض "العلماء" فيما هو من صميم اختصاصهم! هذا هو أعظم مدخل للزندقة إلى عقائد المسلمين في هذا العصر، فيما أزعم، كما كانت فلسفة أرسطو هي مدخل الزندقة في القرون السالفة، سواء بسواء! والتصدي لهذا المدخل الخفي ليس بالأمر الهين، وليس بالعمل الذي تكفي فيه مقالة واحدة أو محاضرة أو كتاب واحد!

........... يتبع إن شاء الله تعالى.          

د. أبو الفداء حسام بن مسعود

أستاذ مشارك بكلية الهندسة جامعة عين شمس


إرسال تعليق