الجزء الأول (1 / 2)
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، فقد نشر الدكتور باسل الطائي من قريب منشورا خطيرا، على قصره ووجازته، في صفحته على الفيس بوك، جعله تحت عنوان: "الزماني واللازماني في دقيق الكلام: خلق القرآن وقدم العالم"، قال فيه:
"هذه المسألة الدقيقة تمت مناقشتها في علم الكلام القديم بما يخص مسألة (خلق القرآن) والتي ادت الى خلاف حاد وصراع بين المعتزلة وال
أشاعرة كانت له عواقبه على الفكر الإسلامي.
واليوم يوفر لنا الفهم الجديد للمكان والزمان من منظور الكون المغلق رؤية تتفق بدقة مع أحكام القرآن. وهذا ما يمكن أن يقدم حلاً رائعًا للجدل حول زمانية القرآن على حين إنه في علم القديم. كما تقدم بنفس المعيار حلاً لمشكلة زمانية الكون وقدمه.
ففي الكون المغلق Block Universe وكما بينت في بحث المراجعة حول الزمن الكمومي والساعات الكمومية الذي نشرناه العام الماضي، فإن اعتماد الزمن الكمومي لحوادث العالم يجعل جميع الحوادث الحاصلة في الكون معلومة بجملتها لمشاهد خارج الكون المغلق بماضيها وحاضرها ومستقبلها. على حين تكون تلك الحوادث نفسها وقائع محدثة تتوالى في الزمن منظوراً إليها من مشاهد داخل الكون المغلق. من إطارنا المرجعي داخل الكون فإن القرآن وحي محدث في الزمان ﴿مَا یَأۡتِیهِم مِّن ذِكۡرࣲ مِّن رَّبِّهِم مُّحۡدَثٍ إِلَّا ٱسۡتَمَعُوهُ وَهُمۡ یَلۡعَبُونَ﴾ إذ لكل آية من آياته وقت نزلت فيه، فكلما نزلت آية جديدة فهي محدثة في إطارنا المرجعي، وبالتالي فهي مخلوقة. أما من منظور الله سبحانه وتعالى فإن جميع القرآن كائن في علمه القديم فالقرآن كلام الله غير مخلوق لأن الله ليس في زمان ولا علمه في زمان. وبالتالي فإن آيات القرآن كلها موجودة قائمة في علم الله. إنما هي محدثة ومخلوقة في منظورنا فقط. وبهذا تحل المشكلة بين الأشاعرة والمعتزلة في قضية خلق القرآن.
وهذا المنظور يحل أيضا مشكلة زمنية وأبدية الكون. وهذه مشكلة ناقشها الفلاسفة والمتكلمون إذ قالت الفلاسفة أن الكون قديم لا بداية له. وقال المتكلمون مستندين الى ما جاء في القرآن أن الكون مُحدث أي له بداية. لكن بما أن الكون وكل مكوناته معروفة عند الله، لذلك من ذلك الإطار المرجعي فإن الكون أزلي وليس له بداية. لكن هذا المعنى صحيح في علم الله وليس في علمنا. على حين من إطارنا المرجعي (الإطار الداخلي) فإن الكون يبدأ مع بداية الزمن ومكوناته تتشكل في كل لحظة، فهي مُحدثة وبالتالي فإن جميعها زمنية والكون بكل ما فيه محدث.
وفي هذا السياق يأتي ما كان أثبته بحث لستيفن هوكنج وجيمس هارتل نشروه في الثمانينيات من القرن الماضي يقول بأن الكون ليس له بداية في الزمن لكونه كان قائماً دوماً في الزمن الرياضي الخيالي. فإن كان ذلك كذلك فهو في علم الله كائن. وهذا ما يتفق مع الرؤية الواردة هنا. لكن الكون في علمنا وفي الزمن الحقيقي له بداية دون شك سواء كانت مع الانفجار العظيم أو بدونه. هكذا يحل دقيق الكلام الجديد مشكلات فلسفية قديمة بمنظور علمي كلامي جديد. " اهـ.
انتهى المنشور.
ونقول في التعليق عليه، بحول الله وقوته، إن الدكتور لم يزل ماضيا في مشروعه العبثي المدمر فيما يزعمه تطويرا وتحديثا لعلم الكلام، والله المستعان! فهو يرى أنه إذا كان علم الكلام القديم قد قام على علوم الأولين، من كوزمولوجيا أرسطو وفيزيقاه وميتافيزيقاه ومنطقه المشائي، فاليوم قد آن الأوان لأن يعاد بناؤه على علوم الآخرين، على أساس أن العلم الحديث (الفيزياء النظرية والكوزمولوجيا والرياضيات)، وما يسميه "بالفهم الجديد"، قد أفاد المسلمين أخيرا بالأساس المعرفي الأرقى والأوثق والأقطع للنزاع، للمعرفة بشأن الوجود والموجود وأحكام الموجودات وصفة هذا العالم وما يجوز عليه وما يمتنع، ومن ثم للمعرفة بما وراء ذلك كله، لا سيما في الإلهيات! وبعيدا عن فساد المطلب من مبدأ الأمر، أعني مطلب تجديد علم الكلام، إذ إن علم الكلام إنما هو في حقيقته ذلك العلم الذي يعنى أصحابه بتكلف بناء أصول الدين الذي يدينون به، بداية من أسباب المعرفة بوجود الصانع والمعرفة بما يجوز له وما يمتنع عليه، فوق الميتافيزيقا السائدة في عصرهم في أكاديميات الفلاسفة، كيفما اتفق لها أن تكون، فإن الدكتور، وكما بينته في كل موطن رددت فيه عليه، جاهل بعلم الكلام الذي يريد أن يجدده، مع كونه مقلدا محضا في فلسفة العلم الذي يريد أن يؤسس عليه تجديده المزعوم! فالرجل يحسب أنه إذا قلب في كتب المتكلمين والفلاسفة الأقدمين، يستخرج منها كل كلام على العالم بكليته، بحيث إن كان عنده كلام يخالفه أو يفهم هو منه مخالفته من أبحاث الكوزمولوجيين والفيزيائيين الفلكيين المعاصرين، فإنه يرده ويبطله، لا لشيء إلا لأن هذا الذي جاء به، إنما هو العلم الحديث، وما في تلك الكتب القديمة، أوهام أو "فلسفات قديمة" فالأصل فيها أنها مجرد تخرصات وأوهام! وأما "العلم الحديث" فلابد أنه حق محض، على الأقل فيما خالف فيه ما كان عند السابقين في نفس الأمر! وأما إن وجد عنده كلاما يوافقه، فإنه يجعله من علامات نبوغ المتكلمين أو الفلاسفة السابقين، وقدرتهم على التوصل إلى معرفة الحقائق العلمية المطابقة للواقع في نفس الأمر، فيما لم يحكم به إلا تأسيسا على مجرد الموافقة "للعلم الحديث" كما مر! أي أنه يصبح انتصارا للتراث الإسلامي، من جهة كونه دليلا على إلهية أصل علم الكلام، على طريقة أصحاب الإعجاز العلمي في القرآن! وهذا منهج في غاية الفساد، حتى أهل الكلام يردونه عليه! ومعلوم ما جرى بينه وبين المنظر الأشعري سعيد فودة من جدال طويل لم يثن الرجل عن مسعاه الفاسد هذا كما هو واضح، بل لم يزده إلا إصرارا!
إن أصل الفساد في هذا المسلك، الذي لم نر، وما كنا لنرى، بيانا له عند سعيد فودة يقوم بالمطلوب، أن باسل الطائي من فرط إغراقه في تقليد أساتذته من الفيزيائيين العصريين، قد تشبع بجملة من المذاهب الفلسفية العصرية الفاسدة من حيث لا يدري ولا يشعر! على رأس تلك المذاهب، مذهب التجريبانية Empiricism، وهو الاعتقاد بأن المعرفة المسوغة أو المعتبرة بجميع ما يمكن التوصل إلى معرفته بشأن الموجودات في الأعيان، يمكن اكتسابها عن طريق الحس والتجربة الحسية، وما لم يمكن تسويغه من تلك الطريق، فليس بمعرفة. ومع أن هذه المدرسة ظهرت بحضور واضح في أوساط الفلاسفة الغربيين في القرن السابع عشر الميلادي، إلا أن أصولها ضاربة في طريقة فلاسفة اليونان القدماء، حيث كانوا يعتقدون أن الفيلسوف يكفيه أن يشهد شطرا ضئيلا من موجودات العالم، كما يشهده كل أحد في حياته اليومية، حتى يتمكن من إصدار الأحكام المعرفية بشأن جميع الموجودات في الأعيان بإطلاق، وهو جالس على أريكته! وهم وإن لم يصرحوا بهذا الأصل على نحو ما حررته الآن، إلا أنه كان هو مدار عملهم في جميع نظرياتهم الميتافيزيقية كما يعلمه كل دارس! فما الذي تغير في ذلك المذهب عبر القرون؟ ليس إلا أن دخل عليه استعمال المعادلات الرياضية المتقدمة في العبارة عن تلك الأفكار والأقيسة التفسيرية والنماذج التمثيلية التي يخترعونها لأنفسهم لتصور العالم بكليته، واستعمال آلات الرصد الدقيقة المتطورة لتصميم تجارب ينتصر بتأويل نتائجها لتلك النماذج والأقيسة. فكلما تعاظم انبهار الفيزيائيين بتطور آلات الرصد والتجريب، وبما للمعادلات الرياضية المستعملة في وصف النظاميات السببية المستقرأة فعليا (كمعامل لورنتز في النسبية الخاصة، الذي مكننا من اختراع الجي بي إس، وكقوانين ميكانيكا الكم مثلا) من نفع تطبيقي واضح، تغيرت به حياة الناس تغيرا لا ينكره إلا جاهل أو مكابر، تعاظمت ثقة الفيزيائيين – إلا من رحم ربك – في الأصول الفلسفية الكلية لصناعتهم، التي هم مقلدون فيها متمحضون في التقليد! فالواقع أن كل من اعتنق النسبيتين الخاصة والعامة، مثلا، على ما هما عليه من تصور أنطولوجي ميتافيزيقي قرره أينشتاين، فهو مقلد لأينشتاين في تجريبانيته، شعر بذلك أم لم يشعر. وهو تقليد كان أينشتاين نفسه يحذر منه تلامذته ويكرهه لهم.
ثم إنه يقلده كذلك من حيث لا يدري ولا يشعر، في مذهب فلسفي آخر لا يقل فسادا وخطورة، وهو ما يقال له الواقعية العلمية Scientific Realism، وهي اعتقاد أن التصور الأنطولوجي (الاعتقاد بحقيقة ما في الأعيان) الذي تأتي به النظرية، أي نظرية أيا ما كان موضوعها، لابد أن يكون مطابقا للواقع بحذافيره، تمام المطابقة، وأن تكون معادلات النظرية أو الأنموذج النظري مطابقة للواقع تمام المطابقة فيما تفيد من تنبؤات بشأنه، وبإطلاق تام، ما دامت مطردة عليه بما لا يمنعه مانع رياضي من نفس المعادلة أو من غيرها. ما دامت النظرية قد ثبت اتفاقها مع الواقع في القدر المحسوس، فلابد أن تكون جميع فروضها الأنطولوجية مطابقة للواقع تمام المطابقة! وهذا لا أساس له إلا الأماني.
وهو كذلك يقلد، من حيث لا يدري أيضا، ما يقال له دائرة فيينا Vienna Circle (وهم جملة من الفيزيائيين المتفلسفة في مطلع القرن العشرين، موريتز شليك وردولف كارناب وفيليب فرانك وهانز هان وغيرهم)، فيما بات يعرف بالوضعية المنطقية Logical Positivism، ويقال له أيضا التجريبانية المنطقية Logical Empiricism وهو اعتقاد أن المعرفة الوحيدة المعتبرة حقا بشأن الواقع وما فيه، هي تلك المعرفة التي "يتوصل إليها" بإعمال أقيسة العقل وآلة المنطق على مدخلات التجربة الحسية. فما دمنا نستعمل التجارب الدقيقة والمتطورة، والرصد الحسي المتطور، في الاستدلال لأي دعوى نظرية أو فرضية تفسيرية تولد بين أيدينا، إثباتا أو نفيا، فما نتوصل إليه من ذلك لابد وأنه هو العلم المعتبر المطابق للواقع، أيا ما كان موضوع الدعوى التي تستعمل تلك الأدوات في الاستدلال لها! فإذا كان السابقون من الفلاسفة إذا أعملوا أقيستهم وعقولهم في البحث والتأمل في الموجود من حيث هو، وفي العالم بكليته والكون بكليته، غير مستندين إلى نظير ما عندنا من أرصاد حديثة وتجارب متطورة، فلابد أن ما عندنا من مبان ميتافيزيقية وتصورات أنطولوجية بشأن ما في الوجود بإطلاق، هو أولى بالقبول مما كان عندهم في نفس الأمر! فهو إذن "العلم الحديث" في مقابل "أساطير الأولين" وأوهامهم وتخرصاتهم! ألسنا قد صرنا "نرى" ما لم يتمكنوا هم من رؤيته، ونعرف عن نظاميات العالم المطردة وقوانينه الفيزيائية ما لم يكونوا هم يعرفونه؟ فلابد إذن أن يكون لنا من المستند المعرفي في التنظير بشأن الواقع بكليته All of Reality ما لم يكن ليحلم به الأولون! نحن إذن أحق بمطابقة الواقع في نظرياتنا الميتافيزيقية وإطلاقاتنا بشأن جميع ما في الأعيان من أنواع الموجودات!
وهو لجميع ما تقدم، مقلد من حيث لا يشعر أيضا، في أصل تلك المذاهب كلها، وهو مبدأ الطبيعانية المنهجية Methodological Naturalism، وهو الاعتقاد بأن الفرض التفسيري في أي نظرية أو أنموذج نظري بشأن الواقع وما فيه (بهذا الإطلاق)، لابد أن يكون طبيعيا صرفا Natural، بمعنى أن يكون خاضعا مبدئيا لنفس السنن السببية الحاكمة لهذا الحيز المشاهد المعتاد من العالم، ولنفس طبائع المواد المعتادة فيه. فكل حادث وقع في تاريخ العالم، بما يشمل نشأة هيئته هذه التي نعرفها ونعتاد منها ما نعتاده، بعد أن لم تكن، عند من يقول بها منهم (وهم الأكثرون اليوم)، يجب أن يكون "طبيعيا" بهذا المعنى. وكل ما صح أن يكون قانونا أو طبعا مطردا في أنواع المواد المعتادة لنا في هذا العالم، فلابد أن يكون مطردا بإطلاق في كل مكان من العالم، بلا حد ولا قيد! وهذا المذهب كما بينته في غير مادة من مواد هذه القناة، راجع أصالة إلى الغطرسة اليونانية القديمة التي أعطى بها الفيلسوف الحق لعقله في أن يقتحم جميع المغيبات المطلقة في السماء والأرض، في الماضي والمستقبل، بأقيسة التمثيل والشمول، لأجل أن ينتهي إلى "نظرية ميتافيزيقية" يتقرر بناء عليها تفسير وجود كل موجود، وقيام الصفات به في الأعيان، فيكون بذلك قد كشف حقيقة ما هنالك، بما يرفعه فوق جميع أصحاب الدعاوى المعرفية بإطلاق، ويجعل نظريته تلك هي الأصل الذي يجب أن يتفرع عليه كل علم وكل معرفة، بما في ذلك ما يزعم الناس أنهم أخذوه عن رسول من رب العالمين!
إنني أكاد أجزم بأن الدكتور باسل لا يعرف أكثر هذه المذاهب التي ذكرنا، ولم يسمع بها أصلا! ولكنه مع هذا متلبس بها، هو وتلامذته ومحبوه، شعر بذلك أم لم يشعر! فإن أول سؤال نطرحه عليه هنا ونعلم أنه لن يدري كيف يجيب عنه، لأننا قد جابهناه به من قبل ولم نجد له جوابا، هو السؤال: ما الدليل على أن نظريات الفيزيائيين بشأن الكون بكليته والعالم بجملته، ترقى لأن تكون معرفة مقبولة، مع أننا نعلم أننا لم نشهد من هذا العالم إلا ذلك القدر الذي دلتنا عليه حواسنا؟؟ الرجل لا يشعر للأسف بأن هذا المبدأ، مبدأ اعتبار تلك النظريات من المعارف المعتبرة، بل المعارف التأسيسية التي ينبغي أن يقوم عليها اعتقاد الإنسان في الغيب وما فيه، إنما هو مبدأ فلسفي تحكمي فاسد، لا أساس له عند الفلاسفة الأوائل إلا اعتقادهم الدهري بأنه ليس في الوجود إلا هذا العالم كما نراه! كل ما هو مغيب وراءه (زمانا ومكانا) فهو مثله بالضرورة! وإلا فإن لم يكن مثله، فبأي شيء نعرف ذلك، ومن أي طريق، وقد قررنا ألا نجعل للمعرفة بالواقع وما فيه طريقا إلا عقولنا وأقيستنا؟ من طريق ما يزعمه الناس وحيا سماويا؟؟ إذن نصبح جميعا أتباعا لرؤوس المعباد أو المؤسسات الدينية ذات السيادة في المجتمع، ونحن ما نريد أن نكون تبعا لأحد! وإنما نريد أن يكون الناس تبعا لنا! هذه هي القضية كما أطلت النفس في بيانه في غير مادة من مواد هذه القناة المباركة! هذا هو أصل هذا المبدأ عند القوم! لو لم نفرض هذا الفرض التحكمي الفاحش، بشأن ما في الوجود بإطلاق، وبشأن كيفية التوصل إلى معرفته، فلن يحصل لنا من المعارف المزعومة ما يصبح الناس كلهم تبعا لنا، بل ويصبح كلامنا هو المعيار في قبول أو رد دعاوى كل من يزعمون الاتصال بما في الغيب من طريق بخلاف طريقنا! ولهذا لم يستطع الدكتور حين أراد أن يجيب عن هذا السؤال إلا أن يقول كما يقول أساتذته: لو لم نسلم بهذه الفرضية (فرضية التساوي في الحقائق والكيفيات والطبائع بين هذا القدر المعتاد من العالم، وبين جميع أجزائه المغيبة عن عادتنا، في الزمان والمكان بإطلاق) فلن نتمكن من أن نحصل "علما" أو "معرفة" في ذلك البتة!! وهو جواب راجع أصلا إلى نفس المبدأ الفلسفي القديم الذي صار يعبر عنه اليوم بالوضعية المنطقية والإمبريقية المنطقية كما مر! نريد أن نعرف ما في الواقع مما هو مغيب عنا! فإن لم يكن طريقنا إلى ذلك هو القياس العقلي من تمثيل واستقراء مطرد وقياس شمول وكذا، فكيف نحقق ذلك؟؟ لا تحقق له! فهل صاحب هذا الرأي يقيم وزنا للوحي والسمع من حيث هو طريق لإثبات المعارف بالموجودات في الأعيان؟؟ أبدا! هذا جواب من لا يرى إلا الحس والنطر القياسي في المحسوس، طريقا لأي معرفة ذات بال بما في الوجود!!
ولهذا فهو يرى أن ما تفيد به النظريات الفيزيائية العصرية بشأن الكون بكليته The Universe، هو المعرفة المقدمة وجوبا وضرورة على كل ما تكلم به الفلاسفة السابقون عبر القرون بشأن الكون أو العالم بكليته! نحن عندنا الآن "علم حديث" متطور، خلافا لما كان عليه السابقون من أوهام وتكهنات! مع أن السؤال ما زال قائما! نقول: سلمنا بأن التكنولوجيا العصرية أكثر تطورا في الرصد والتتبع وفي التجريب الدقيق، بأضعاف مضاعفة، مما كان عند الأولين! وهو كذلك ولا شك! فأين الدليل العقلي على أن هذا يكسبكم من الرجحان المعرفي في باب الميتافيزيقا وما وراء الحيز المحسوس من هذا العالم، ما لم يحلم به السابقون في نفس الأمر؟ هذا، كما مثلت له في بعض مواد القناة، كالذي يقف في كهف مغلق يبحث في كل ما يمكنه التوصل إلى معرفته بشأن ذاك الكهف، يبحث في صخوره ومواده وطبائعها وما يجري عليها من السنن السببية المطردة في أنحاء الكهف، بما يتأكد لديه في كل مرة يبحث في جانب من جوانب الكهف، ومهما حفر في جدران الكهف، لم يجد إلا مزيدا من الصخور، في أيما جهة حفر! ومن ثم ينتهي إلى الحكم بأنه ليس في الوجود إلا الصخور! كون لا نهاية له من الصخور المتلاصقة المصمتة، التي قد تتخللها بعض الكهوف كهذا الذي يجد نفسه فيه، مما يخضع كله إلى نفس السنن والقوانين التي توصل إليها باستقراء العلاقات السببية المطردة داخل كهفه ذاك! نعم قد تتطور أدواته في الفحص والتجريب بازدياد علمه بالسنن السببية للمواد التي يجدها تحت يديه داخل الكهف، ولكن هل إذا قدرنا أن بدل نظريته تلك ووضع نظرية أخرى بخلافها، من وحي ما أفادته به تلك الأدوات المتطورة، فإن نظريته الجديدة بشأن حقيقة العالم خارج الكهف، تكون أرجى لمطابقة الواقع من نظريته التي كان عليها قبل في نفس الأمر؟ الجواب لا! أبدا! كلتا النظريتين تظلان بالضرورة محض أوهام وأماني، القديمة والجديدة على السواء! فلا أصل لهما عنده على أي حال، ومهما تطورت أدوات فحصه في صخور الكهف، إلا طرد القياس بغير وجه حق، وبغير مستند من العادة! هذه هي الوضعية المعرفية الحقيقية Epistemic Status لكل نظرية وضعها الفلاسفة عبر التاريخ بشأن العالم بكليته أو الوجود بكليته! محض وهم! فلا ديموكريتوس كان يملك من أسباب المعرفة ما يجيز له ادعاء أن جميع الموجودات الخاضعة لمعاني الزمان والمكان، لابد وأن تكون مركبة بالضرورة من جسيمات متناهية الدقة تقبل الفك والتركيب كما يمكن فصل حبات الرمال من تلال الرمال، ولا هايزنبرغ في القرن العشرين الميلادي يملك من أسباب المعرفة المعتبرة ما يسوغ له الزعم بأن جميع الموجودات الخاضعة لمعاني الزمان والمكان – أيضا – لابد وأن تكون مركبة بالضرورة مما تأول هو مشاهدات آلات الرصد الكمومي على أنها تدل عليه! ولم يتحصل لأينشتاين من أسباب المعرفة بالغيب المطلق وما فيه، ما لم يحصل لنيوتن قبله، حتى يترجح زعمه بأن الحقيقة الغيبية للجاذبية إنما هي كما قرر، لا كما زعمه نيوتن، ولا كان لأي من الرجلين من مستند معرفي صحيح لإطلاق زعمهما بشأن تلك الطبيعة التجاذبية المطردة في عادتنا، بحيث ينطبق على جميع أنحاء العالم بإطلاق، زمانا ومكانا، بل وعلى كل ما يصح دخوله في معنيي الزمان والمكان مبدئيا! ليس لأي منهما الحق في أن يدعي معرفة تكيفية تفسيرية لحقيقة كل من المكان والزمان معا، لفساد نفس هذا المطلب الفلسفي عقلا أولا، ولمحدودية العادة البشرية وقصورها عن الاطلاع على الغيبيات المطلقة ثانيا! فالزمان ليس إلا تلك النسبة الذهنية الكلية بين الحوادث، المعروفة بتقدير عدد مرات التكرار لوقائع ثابتة الوتيرة، كدوران الشمس حول الأرض مثلا، التي تفصل بين حادث وغيره! فلماذا يمر الزمان؟ لأن جميع الموجودات ماضية في الحركة (أو السكون) حيث قدر وأراد باريها سبحانه! ما سماه الفيزيائيون بسهم الزمان، لا حقيقة له إلا هذا! وعليه فأفعال الباري سبحانه، التي لم يزل يأتي منها ما يريد وقتما يريد، هذه كلها حوادث Events لأن كل واحد منها يقع بعد أن لم يكن واقعا، وهي إذن داخلة كلها في علمه، وبالضرورة، تحت معاني التقدير الزماني! كل واحد منها يعلم سبحانه كم يفصل بينه وبين غيره مما وقع قبله أو بعده من الحوادث المعينة، بأيما مقياس يقدر به الرب سبحانه تلك المقادير في علمه. وكذلك أقواله وكلماته سبحانه، التي لم يزل يتكلم بما شاء منها وقتما شاء! كل ذلك يحدث بعد أن لم يكن، ويتتابع في معاني الزمان. فحقيقة الزمان إنما هي هذا المعنى الذي بينا، وإذن فلا يخرج عنها موجود في الأعيان أبدا، ما دام موجودا في الأعيان، أيا ما كان ذلك الموجود! أزلية الرب سبحانه وقدمه لا حقيقة لها أصلا إلا أنها امتداد وجوده في الزمان بلا لحظة أولى! أي بلا لحظة زمانية معينة – أيا ما كان ما تقدر به تلك اللحظة في علمه – بحيث يكون وجوده معدوما قبل تلك اللحظة! أي بلا لحظة في الماضي يقال إنه حدث فيها بعد أن لم يكن. هذا هو معنى القدم والأزلية، بعيدا عن سفسطة أهل الكلام (تقليدا لبعض الفلاسفة الأقدمين) وقولهم إن الأزل هو ما لا زمان فيه! لا حقيقة في العقل أصلا لوجود لا زمان فيه!! فعلى هذا الذي ترى، فليس للفيلسوف (سواء من الأقدمين أو من الفيزيائيين المعاصرين) أي حق في أن يجعل من حقيقة الزمان موضوعا لنظرية من نظرياته أو قياس من أقيسته، من مبدأ الطرح! والشيء نفسه يقال في المكان! المكان إنما هو نسبة ذهنية معينة بين الموجودات في الأعيان، لا يصح أن يوجد شيء في الأعيان أيا ما كان، دون أن تثبت له تلك النسبة إلى غيره من الموجودات! فهي وصف تجريدي ذهني لحقيقة وجودية لا تكييف لها أصلا! أي ليست مادة معينة لها خصائص معينة بحيث يمكن تتبعها أو رصدها بآلات الحس! ليست "عرضا" يقوم بالجوهر، بحيث إن قدرنا موجودا في الأعيان غير مركب من جواهر وأعراض، لم يجز أن تنسب إليه، بصرف النظر عن خرافية ما يقال له الجوهر والعرض من مبدأ الطرح!! وليست، كذلك، عنصرا وجوديا في شيء وجودي في الأعيان اسمه "الزمكان" بحيث يؤثر بالمادة ويتأثر بها على نحو ما قررته النسبية العامة! المكان أو الجهة إنما هي نسب ذهنية كما ذكرنا، تعبر عن علاقات وجودية لا حقيقة لها إلا أنها على نحو ما هي عليه! فلماذا تكون على ما هي عليه من ذلك لا على خلافه؟ أي لماذا يوجد (أ) فوق (ب) وليس العكس؟ هذا أمر تتفاوت فيه أنواع الموجودات بحسب طبائعها وحقائقها وما يجري عليها من الحركات والأحوال وكذا! فلا يجوز أن يوجد في الأعيان موجود حقيقي بلا نسبة زمانية أو مكانية لغيره من الموجودات في الأعيان! وعليه، فكل ما يعبر عنه الفلاسفة المعاصرون بقولهم "لازماني" A-temporal أو Tenseless فما هو إلا خرافة لا وجود لها إلا في أذهانهم.
والدكتور لا يشعر بخرافيتها، وما كان له أن يشعر، لأنه تربى على أيدي أساتذة لا يرون لأحد في العالم الحق في أن يتكلم في هذه المسائل، كما يرون للفيزيائي النسباني المعاصر! ميتافيزيقا الزمان وحقيقة الزمان هي من تخصصهم ومن موضوعات علومهم، رضي من رضي وكره من كره! دع عنك ما خرف به الفلاسفة السابقون، الفيزياء النظرية العصرية هي الفيصل وهي المبدأ والمنتهى! وبما أن "العلماء" (الفيزيائيون) قد خالفوا الفلاسفة الأقدمين في حقيقة الزمان وما عندهم من مزاعم بشأنه، فلابد أن تتغير العقائد اليوم عند المسلمين تبعا لذلك، وإلا بطل عليهم دينهم من أصوله الأولى! أليس علم الكلام هو العلم الذي يخضع أصول الدين والعقيدة والتوحيد عند المسلمين للميتافيزيقا السائدة في الأكاديميات الفلسفية كيفما اتفق لها أن تكون، بدعوى الانتصار للعقائد الإسلامية بالعقل والحجة العقلية؟؟ فاليوم العقل والحجة العقلية كلها في رياضيات النسبية العامة وفي تجارب الفيزيائيين وأرصاد الفلكيين، وليس في المقدمات الأرسطية السيلوغية القديمة لبراهين الحدوث عند الأولين! وإذن يجب إعادة بناء علم الكلام من أساساته الأولى إن أردنا أن يقوم اليوم بنفس الدور الذي لأجله أسسه الأولون! ما عاد يصلح أن نظل نتكلم في عصر الكوانطا والزمكان، بلغة الجوهر والعرض الأرسطيين، التي لم يعد لها وجود اليوم إلا في كتب تاريخ الفلسفة، وفي كتب الاعتقاد عند من أسسوا دينهم عليها!
لهذا كان مشروع هذا الرجل، خلاصته أننا نعرض كل ما عند الأولين من الفلاسفة والمتكلمين من قواعد عقلية وأصول اعتقادية وأحكام وجودية بشأن الإلهيات والغيبيات، على الميتافيزيقا العصرية المعتمدة عند الفيزيائيين والكوزمولوجيين اليوم، كيفما اتفق لها أن تكون، فما وافقها قدمناه وقبلناه وقلنا إنه من "بركات" الأساس "الإسلامي" لفلسفة القوم، وما خالفها رددناه واعتذرنا لأصحابه بأنهم لم يعلموا ما انتهى "العلماء" إلى معرفته اليوم!
والواقع أن أهل الكلام في عصرنا لا يقبلون مشروعه هذا، وما كانوا ليقبلوه، لأنه كما لا يخفى، ينقلهم عن عقائدهم الموروثة إلى عقائد جديدة مخالفة لا يملكون الانتقال إليها دون أن يتلبسوا بنفس الزندقة التي كانوا قد حكموا بها من قبل على الجهمية الغلاة وعلى الفلاسفة الإسلاميين، إظهارا لموافقة أهل الحديث والأثر! فهم الآن في ورطة وأزمة كبرى! فمن جهة هم يعلمون أن الأكاديمية الفلسفية العصرية ما عاد الناس فيها يقيمون وزنا لميتافيزيقا أرسطو التي أسسوا هم عليها أصول الدين قديما، فهم مضطرون فعلا لتجديد علم الكلام كما يطالبهم به الطائي، ومن جهة أخرى فهم يعلمون أن الميتافيزيقا العصرية لا تتفق بالضرورة مع ميتافيزيقا أرسطو في كثير من تفصيلاتها وأصولها! وهو ما يعني أنهم لو أعادوا تأسيس أحكامهم فيما يجوز وما يمتنع في حق الباري بناء على قواعد مستمدة من تلك الميتافيزيقا الجديدة، كما سلكه أساتذتهم الأقدمون، فلا يسلمون من أن يؤدي بهم ذلك إلى الخروج عن المذهب الموروث بالكلية! ولهذا فرح سعيد فودة وتلامذته أعظم الفرح بتصانيف ويليام لين كريغ، الفيلسوف النصراني، في محاولته الجمع بين ميتافيزيقا الغزالي التي راقت له، وميتافيزيقا النسبيتين العصرية وميكانيكا الكم في هذا العصر! فهم لا يرون الآن طريقا للبقاء على ميتافيزيقاهم القديمة إلا تكلف الجمع والتوفيق ما أمكنهم! ولهذا نقم فودة على مشروع الطائي، لأنه يتناول القضية من إطار متجاوز للإطار الكلامي الأشعري! هذا فيزيائي أكاديمي متفلسف هجم على تصانيف الفلاسفة الأقدمين والمتكلمين، لينتقي منها ما يحلو له مما يراه موافقا للنظريات العصرية التي ارتضاها لنفسه، دونما اعتبار أو التفات للمنظومة الفلسفية المتكاملة التي توارثها السادة المتكلمون الأشاعرة عبر القرون! وهذه عندهم جريمة في حق الدين والعقيدة ولا شك! وهو من جانبه لا يبالي بشيء من ذلك، وهذا من رعونته وخفة عقله! نعم أقول خفة عقله وأنا أدري عمن أتكلم وأي شيء أنسبه إليه! فالأقوال التي يتعامل معها الفلاسفة والمتكلمون، ليس القول الواحد فيها عاريا عن جملة كبيرة من اللوازم والمقتضيات التي يجب التنبه إليها، فيما لا ناقة له هو ولا جمل فيه! بل إنه مقلد متمحض في التقليد الأعمى للفلاسفة المعظمين في عصره كما بينا! فلا يرضى منا أن نقول له، مثلا، إن التصور الفلاني الذي اعتمده الفيزيائيون في هذا العصر، فاسد عقلا!! كيف يكون فاسدا عقلا، وعندنا معادلات تعبر عنه فعلا، وهي معادلات تصف قدرا لا بأس به من تجربتنا الواقعية وصفا دقيقا؟؟ فهذا من جهل الرجل وتقليده للمذاهب التي ذكرنا، فهو لا يجد دفعا لاعتراضنا هذا إلا أن يتحكم ويقول – كما سمعناه وقرأناه له في مواضع فعلا – أن الرياضيات تفيد بمعرفة قطعية بشأن الواقع وما فيه، خلافا للتنميق الكلامي والزخرف اللفظي الذي كان يتكلم به الفلاسفة الأقدمون!! فما الذي استند إليه في تسويغ ميتافيزيقا المعاصرين ورفعها فوق ما كان عند السابقين؟؟ أن حقيقة الحكم بأن 1 + 1 = 2، حقيقة قطعية لا مرية فيها! وإذن فكل ما يعبر عنه الفيزيائيون النظريون بمعادلات الرياضيات، فحكمه مثل هذا، ثبوتا أو انتفاء، ولابد! مع أنه يعلم تمام العلم أن طريقة الفيزيائيين في بناء تلك المعادلات، من الأصل، لا توجب ذلك ولا تقتضيه ولا تدل عليه أبدا! وإنما هي محاولات للمقاربة التمثيلية بين الأنماط الذهنية للكموم المتصلة والمنفصلة التي تمثل الرياضيات أحسن ما عندنا من عبارة لغوية عنها، وبين الأنماط المحسوسة والمعتادة للنظاميات الطبيعية المطردة في عالم الشهادة! وإذن فمهما كانت المعادلات محاكية محاكاة دقيقة للتجربة المحسوسة، فتظل حقيقة الأمر أنه تشبيه وتمثيل رياضي بناء على فروض ميتافيزيقية لا يلزم أن تكون مطابقة للواقع في نفس الأمر! وها أنت ترى كيف لم يزل الناس اليوم يستعملون معادلات نيوتن، مع أنهم لم يعودوا يقولون بميتافيزيقاه وأنطولوجياه بشأن الجاذبية وأسباب حركة الأجسام! ولكن الرجل مغموص عليه في التقليد كما ذكرنا، لا يرى إلا أن العلم الحديث قد قال كلمته، وإذن فعليكم جميعا يا أهل القبلة، أيا ما كانت مذاهبكم الاعتقادية، أن تعيدوا بناء اعتقادكم كله من أسفله إلى أعلاه، على هذا الذي عندنا اليوم! فما نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل.
............................ يتبع.
د. أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين.
