الحمد لله وحده، أما بعد. قال الدكتور قسوم في جواب سؤال المضيف حول مصادر المعرفة:
"المعرفة طبعا أوسع من العلم، أو من العلوم، لأن سنأتي إلى العلم والعلوم، وهي لها منهجية معينة، لها أدوات معينة، لها طرق لإثبات المعرفة التي تصل إليها، إلى آخره. لكن المعرفة أوسع بكثير، في مجالات مختلفة. وحسب المجالات تكون هناك مصادر، وتكون هناك منهجية، وتكون هناك أدوات لإثبات المعرفة هذه إلى آخره. فمثلا عندما نأتي إلى الطبيعيات، ما يخص عالمنا المحيط بنا، الكون، سنأتي إلى الكون، خلال الجلسة، هذه تأتي تحت باب العلوم الطبيعية، ولها منهجية، نفصل فيها فيما بعد. أما هناك مجالات أخرى، مثلا، مجالات الروحانيات أو الدين بشكل عام، فهذه تأتيه مصادر الوحي، مصادر الإلهام، مصادر التراث، بشكل عام نقول، يعني مثلا، السيرة النبوية الشريفة، الأحاديث، كتب الفقهاء الكبار، أصحاب مذاهب، فهذه كلها تعتبر مصادر للمعرفة."
قلت: هذا الكلام على وجازته، فيه من مداخل الغلط وأسباب التلبيس ما يطول بيانه، والله المستعان. والآفة أيها الكرام، أن أكثر السامعين والمشاهدين لذلك اللقاء، لا ينتبهون، بادي الرأي، لتلك الأغلاط والإشكالات التي تقتضيها تلك التقريرات الكلية الفضفاضة. والدكتور نفسه لا ينتبه إلى أكثرها، ومع ذلك يجيز لنفسه أن يطلق أمثال تلك التقريرات بكل سهولة، مع أنها تخرج مبدئيا عن دائرة اختصاصه الأكاديمي الدقيق، إلى دائرة أوسع بكثير، من غير أن يكون مؤهلا بما يكفي لتقريرها على نحو ما فعل، ولا للبحث في تلك الدائرة الواسعة العليا كما هو حقها أن يُبحث فيها. فالكلام هنا كما ترى، ليس في مسائل علم الفيزياء الذي هو من أساتذته، ولا فيما يقال له علم الكونيات ولا في علم الفيزياء الفلكية أو النجمية Astrophysics التي هي تخصصه الدقيق، وإنما هو كلام في المعرفة بإطلاق! ما مصادرها؟ وما مجالاتها؟ وما الفوارق المميزة والقواسم المشتركة بين تلك المجالات؟ فالمضيف، هداه الله، لما رأى الدكتور يكتب في هذه القضايا ويخوض فيها في بعض مؤلفاته، طرح عليه السؤال فيها، واختار أن يبدأ المجلس منه. ولكن هل هذا الجواب دقيق أو صحيح، كما قرره الدكتور ها هنا؟ وإن لم يكن مثله ممن يُرجع إليه في هذا الباب فإلى من نرجع؟ سأبدأ بجواب السؤال الثاني قبل الأول، لأن الأول جوابه يطول. فأقول وبالله التوفيق، إن أمثال هذه الأسئلة لا يجيبك أيها السامع المسلم المهتم بأنواع العلوم والمعارف المعاصرة، كما هو حقها أن يجاب عنها، إلا طالب علم شرعي من أهل السنة صحاح المنهج والاعتقاد، له دراسة تخصصية دقيقة في الفلسفة والكلام بعموم، وفي فلسفة العلم المعاصرة على وجه الخصوص. لا يُلجأ فيه إلى فيلسوف أكاديمي، كما قد يقع في نفس القارئ لأول وهلة، على أساس أنه فيلسوف متخصص، وهذه الأسئلة مما طال جدال الفلاسفة عليه عبر القرون! ما لم يكن ذاك المتخصص في الفلسفة أكاديميا، موصوفا بالصفة التي ذكرت لك (ولا أعلم أحدا منهم على هذه الصفة أصلا بكل أسف، ولا أظن أنك تجده إن طلبته أو بحثت عنه)، فلا يُرجع إليه في هذا الباب ولا يجوز! لماذا لا يجوز؟ لأنه إذن يكون قد تربى وتأسس على الطريقة اليونانية الجدلية السفسطائية في الطرح والجدال والبحث والنظر، التي تجيز النظر فيما لا يلجئ للنظر، والاستدلال فيما لا يُحتاج فيه إلى دليل أصلا، والنزاع فيما لا يجوز ولا يحسن النزاع فيه البتة! فالذي تخصص في أكاديمية فلسفية في مجال من مجالات الفلسفة، دون أن يكون قد تربى على طريقة أهل السنة والحديث في الطرح والأخذ والرد والنزاع، وفي تحديد مجالات النظر العقلي المستساغ تحديدا صحيحا، هذا لابد وأنه سيتشبع لا محالة بنزاعات ومذاهب كلية مفسدة للعقل والدين جميعا، تدير العاقل حول ذيله، نسأل الله السلامة! والفلسفة الأكاديمية، من حيث هي مجال تخصصي، على الرغم من قيامها على ما ذكرنا، إلا أن فيها مجالات فرعية نافعة يحتاج المتخصصون في مجالات أكاديمية دقيقة معينة إلى الاطلاع عليها والانتفاع بها، ولكن كما ذكرت، على شرط التقيد بطريقة أهل السنة.
فمثلا، المتخصصون في مجالات العلوم الطبيعية الدقيقة، لا يكون الواحد منهم إلا مقلدا محضا في قضايا المنهج العلمي Scientific Method ومنهجية البحث العلمي Research Method ما لم يدرس قدرا من فلسفة العلم، ويطلع على خلاف النظار فيما إذا كانت هذه الطريقة أو تلك من طرق الاستدلال بالمشاهدة تفيد بالمطلوب حقا، معرفيا (فيما يسميه الفلاسفة المعاصرون بالحجية المعرفية Epistemic Warrant)، أم لا تفيد، وما إذا كان منطق الاستدلال بالمشاهدة الرصدية على ذاك المطلوب صحيحا حقا أم لا! وما إذا كان الفرض التفسيري المقترح في هذه النظرية أو تلك معقولا أصلا أم غير معقول، وهل في جملة المعارف الصحيحة التي سبقت إلى نفس الباحث ما يمنع من قبوله مبدئيا أم لا! بل وأهم من ذلك: هل هذا السؤال مما يصلح، من مبدأ الطرح، أن يقال إنه سؤال "فيزيائي" أو "تجريبي"، وهل البحث فيه مستساغ في إطار العلوم الطبيعية خاصة أو التجريبية عامة، بأدواتها المعروفة، أم ليس كذلك، وإنما هو قضية ميتافيزيقية صرفة بمجرد تصورها، فليست مما يجوز للطبيعيين أو التجريبيين أن يطرحوه في أكاديمياتهم للنظر أصلا؟؟ هذه القضايا وغيرها، ليست مما يتدرب عليه الفيزيائي في الجامعات المعاصرة، ولا مما يُعرّض لجدال النظار فيه، وإنما يدرب على أن الطريقة (أ)، كيفما اتفق لها أن تكون، هي المطروقة المعتادة في بحث المسألة (س) وما شاكلها، وهي التي جرى العرف الأكاديمي، على الأقل في إطار البارادايم الحالي Received View / Normal Science، على استعمالها في بحث (س) هذه وما يناظرها، فيجري عليها كما جرت الجماهير! ولا يسعه إلا أن يفعل أصلا! فالدوريات العلمية المتخصصة في هذا الباب، إنما تطلب الإضافات الإمبريقية الجديدة التي يجاب منها على الأسئلة الدقيقة التي تتخصص فيها هذه الدورية أو تلك، وتجري عليها التمويلات البحثية الكبرى، وتكافئ عليها الجامعات بالترقيات العلمية! فمن من هؤلاء، والحالة تلك، وضغط الأقران على مثل هذا، يقدر على أن يقف وقفة منهجية كلية مع معقولية هذه الطريقة أو تلك في إفادة مطلوبهم، دع عنك معقولية طرح هذه المسألة أو تلك للبحث في هذا المجال وبأدوات أصحابه أصلا من مبدأ الطرح؟! لابد لأجل أن يكون باحثا ناجحا في الطبيعيات في مجال تخصصي دقيق، أن يركب عربة أصحابه، إن أراد أن يجد لنفسه منزلا بينهم، وإلا فلا محل له! فإن كان ممن تشغلهم تلك القضايا الكلية العليا، قيل له بلسان الحال، بل وبلسان المقال أحيانا: "فلتتخصص إذن في الفلسفة من أول الأمر، ولتتركنا نحن لتجري بنا عربتنا حيث ارتضينا لها أن تجري!" وإلا فإن دخل الأكاديمية الفيزيائية، مثلا، وانخرط فيها، وهو يرغب بعد ذلك في التخصص في فلسفة الفيزياء، فحسبه أن يمضي خمس سنوات غارقا إلى رقبته في الرياضيات المتقدمة بالغة الصعوبة للنسبية العامة وما تفرع عليها، حتى إذا ما أتقنها أخيرا وضبط تصورها وأمسك بأولها وآخرها، وأصبح متصدرا في شرح ذلك كله وبيانه للناس، على ما عليه رؤوس تلك الأكاديمية في ذلك، بعُد جدا، غاية البعد، إذا خاض بعد ذلك في فلسفة العلم، أو وجد أصلا ما يدعوه إلى ذلك، أن تراه يرفع عقيرته بالنقد الكلي والاعتراض المنهجي على الفروض الأنطولوجية الأولى والمسلمات العليا التي تقوم عليها تلك النظرية من الأساس!! وهذا ما بيّن الفيلسوف الأمريكي توماس كوون ما حاصله أنه هو السبب في أن الثورات العلمية لا تقع إذا وقعت إلا من شباب الباحثين الذين لم يبلغوا بعد من الغرق في الالتزامات الأكاديمية الكبرى كالتدريس والتأليف والإشراف على الأبحاث والمشروعات البحثية وهذه الأمور! ولابد أن تتوفر لهم مع ذلك ظروف اجتماعية معينة قل أن تتكرر! فالسياق الاجتماعي الأكاديمي عظيم النفوذ والتأثير على الباحثين المنخرطين في أي علم من العلوم الطبيعية أو التجريبية، شعروا بذلك أم لم يشعروا.
ولهذا فإنني أحمد الله - على حبي وتعلقي الشديد بالرياضيات والفيزياء منذ الصغر – على أني لم أنخرط في الدراسة النظامية الأكاديمية الدقيقة للفيزياء، كما كنت أرجو وأطمح إليه في أيام الصبا بل وأحلم به! فلو أنني فعلت، لكنت اليوم من الفيزيائيين الغارقين إلى أعناقهم في مثل ما غرق فيه هذا الرجل، من تقليد على أصول وفروع فاسدة، يجري عليها الأكاديميون وهم لا يرون معرفة تعلوها في قوة الثبوت، ولا علما أولى منها بأن يقبله الناس ويسلموا بصحته! فصدق القائل جل في علاه: ((وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)) الآية [البقرة : 216]
والقصد أن مباحث الفلاسفة الأكاديميين المعاصرين فيما يقال له (على سبيل الإضافة) Philosophy of X، حيث X هذا مجال من مجالات البحث التجريبي المعاصر، هذه يحتاج الباحث المتخصص في X هذا، أيا كان، إلى تحقيق المذهب الصحيح في كثير منها، حتى يعرف أين يضع قدميه! وقد يكون بعضها سفسطائيا عبثيا، ولا شك، بالنظر إلى طبيعة الصنعة والمسلمات المنهجية اليونانية عند أصحابها، فيحتاج كذلك إلى ما به يسلم من الغرق في ذلك! وأزعم كذلك أنه يحتاج إلى دراسة قضايا منهجية متعلقة بموضوع النظر التجريبي وحدوده وحدود الغيب وضوابط الإيمان بالغيب عند أهل السنة والجماعة، لن يجدها في تلك المباحث! وإذا كان متخصصا في العلوم السياسية والاقتصادية وما شاكلها، فيحتاج، مع هذا، إلى قضايا أخرى تتعلق بضوابط البحث النظري في الأيديولوجيات السياسية والاقتصادية، ومعيار القبول والرد الشرعيين فيها! وهذا كله مما قل أن تجد من طلبة العلم الشرعي من يشتغل به كما هو حقه، على أهميته البالغة للأسف! وهذا يرجع لأسباب متعددة عند التأمل، لا يتسع لها هذا المقام. منها أن أكثر طلبة العلم من أهل السنة والجماعة لا اشتغال لهم، إلى جانب طلبهم العلم الشرعي، بشيء من العلوم الدنيوية، سواء على مستوى التنظير الأكاديمي، أو التطبيق العملي. وهم كذلك قليلو الحظ، إلا قليلا، من الدراية بلسان العلوم الغربية العصرية، وهو اللغة الإنكليزية! ومعلوم أن من لم يتعلم لسان العلم، أي علم، فهو أجنبي عنه، مضطر للتقليد في كثير من أبوابه! فالذي يريد أن يتخصص في الفلسفات المعاصرة والقضايا الفكرية المعاصرة من طلبة العلم الشرعي من أهل السنة، هذا يجب عليه وجوبا، فيما أزعم، أن يتعلم اللغة الإنكليزية وأن يتقنها، وأن يكون له القدرة على التحصل على المراجع العلمية الغربية في مجالات شتى، ولديه القدرة على فهم تلك الكتب دون الحاجة إلى الاستعانة بمعجم أو قاموس إلا في القليل النادر! ولعلي لا أبالغ إن قلت إني لا أعلم اليوم أحدا من المتخصصين في هذا الباب، قد تحقق فيهم ذلك كما هو الواجب أن يتحقق، والله المستعان!
على أي حال، فالقصد أن الدكتور في تقريره ما قرر، يتكلم في باب ليس هو متخصصا فيه أصلا ولا يضبطه، ولا يدري هو ولا المضيف، غالبا، إلى من يرجعان فيه إن كانا فاعلين! وقد يظن أحدهما أن تعريف "المعرفة"، بإطلاق، مما يرجع فيه إلى الفلاسفة أصالة! أليس قد وصف الدكتور الفلسفة بأنها "أم المعارف"؟؟ أو على الأقل هكذا كان يقال لها في الماضي، فيما يرى؟ فلابد أن ما يقال له "فلسفة المعرفة" أو نظرية المعرفة، هو المرجع في ذلك! ولكن حقيقة الأمر أن المعرفة لا تُعرف أصلا، ولا يحتاج العاقل إلى من يعرفها له! بل إن مجرد تكلف تعريفها من مبدأ الأمر يكون ضربا من الدور القبلي البارد، يوقع الناس فيما يفسد عليهم عقولهم ويطيل الطريق بينهم وبين تحصيل العلوم النافعة! ألا ترى أنك حين تقدم تعريفا للمعرفة، فإنك تدعي المعرفة بصحة ذلك التعريف ابتداء؟ فإن كنت قبل تكلف التعريف، غير محتاج إلى تحريره حتى تعرف كيف تصل إلى معرفته وتقريره، فما الذي يلجئ إليه غيرك من الباحثين وما حاجة الناس إليه؟؟ بمثل هذا نقض ابن تيمية رحمه الله على المناطقة مبدأ الحد المنطقي عندهم في كتابه العظيم: النقض على المنطقيين! ومن نفس هذا المعنى انطلق كورت غودل في تقرير مبرهنته المعروفة باسم مبرهنة عدم الاكتمال Incompleteness Theorem، التي نقض بها مشروع وايتهيد وراسل في تأسيس الأصول المنطقية الأولى لعلم الرياضيات! والقصد أن المعرفة لا تحتاج إلى أن تعرف، ومن تكلف تعريفها، بهذا الإطلاق، تناقض! كل من عرف المعنى العربي للفظة "عرف" أو "يعرف" أو "معرفة" فهو يدري ما المعرفة، وإلى أي شيء يشار بها في كل استعمال! فإذا كان ذلك كذلك، فما هو "العلم" وما هي "العلوم"، وما تعريفها؟ العلم على معناه اللغوي هو بعينه المعرفة! فما يصح في معناها يصح في معناه ولا فرق! وقد فرق بعض الأقدمين فيما اشتهر بين أهل الكلام، بين معنى العلم ومعنى الظن، فقالوا العلم ما ثبت بدليل قطعي (وهو ما يثبت من طريق الحدود والقواعد والمقدمات الكلامية الميتافيزقية عندهم) فهو العلم، وما سوى ذلك فهو الظن! والتحقيق أن القطع والظن الراجح كلهما معرفة موجبة للاعتقاد والعمل جميعا. ومما قيل وارتضاه بعض العلماء أن العلم هو ما طابق (أو وافق) الواقع بدليل. فمن كان اعتقاده مطابقا للواقع لسبب صحيح، فهو يعلم، وإلا كان جاهلا، على طبقتين، الجهل البسيط، وهو أن يجهل وهو يعلم أنه يجهل، أو الجهل المركب وهو أن يجهل ويجهل أنه يجهل! ولا نحتاج إلى هذا التعريف، كما لا نحتاج إلى تعريف المعرفة، إذ معلوم أن العلم نقيض الجهل! ومع هذا، فقد تنازع الفلاسفة في هذا التعريف، على عادتهم في ذلك، نزاعا لا طائل تحته، وتعاظم ذلك النزاع في الستينات من القرن الماضي، وجنح إلى السفسطة، عندما طرح الفيلسوف الأمريكي إدموند غيتيير ورقة بحثية اعترض فيها على التعريف المشهور أن المعرفة هي الاعتقاد الصحيح المسوغ بدليل Justified True Belief! وأقول هو نزاع سوفسطائي محض لأنه من الواضح الجلي أنه لا تأثير له البتة على حكم الناس في شتى فنون المعارف ومجالاتها، على ما يكون معرفة وما لا يكون كذلك، في كل مجال بحسبه. هذا الصنف من الترف الفكري، ومن الشقشقة في الحدود والتعاريف والتنطع عليها، قطعا ليس هو ما نقول إن أمثال الدكتور يحتاجون إلى النظر فيه قبل أن يحرروا جوابا كهذا الذي حرره هنا! والذي لم يتأسس على طريقة أهل السنة في نبذ التكلف البارد والسفسطة والتعمق المذموم، وفي تمييزه إذا وقع عليه، لا يسلم من أن يغتر بأمثال تلك المباحث وأن يضيع فيها وقته وجهده، على ما قد يكون لها من تأثير سلبي على عقائده وتصوراته، يتجاوز بها كونها مجرد علم لا ينفع! لكن الرجل يطلق ويقول إن المعرفة، هكذا، أعم من العلم أو العلوم وأوسع! فماذا يقصد على وجه التحديد بالعلم أو العلوم؟ واقع الأمر أنه متعلق باصطلاح عصري أصبح هو السائد في أدبيات المفكرين والكتاب ومن شاكلهم، في ترجمة اللفظة الإنكليزية Science إلى اللفظة العربية "علم"! ومن ثم، وهذه هي الأهم، ترجمة اللفظة Scientist، التي أحدثها الفيلسوف البريطاني ويليام هيويل في ثلاثينات القرن التاسع عشر، إلى اللفظة "عالم"! مع أن الموصوف بها قد يكون باحثا صغيرا ليس له كبير تحصيل في العلوم التجريبية التي هو متخصص فيها! فعندما يصبح اسم "العلم" عنوانا على صنعة معرفية تخصصية معينة، ويصبح اسم "العالم" اسما للمتخصص فيها، وإن كان مقلدا محضا، فهذا ولا شك يولد مشكلة كبيرة في تصور العوام لما يستحق أن يقال له "علم"، ولمن هو أهل لأن يقال له "عالم"، وبأي شيء تحصل تلك الأهلية! فإن سلمنا بقبول هذا الاصطلاح وقبول ترجمته العصرية (وقد ذكرنا من قبل إن الصواب أن يقال: العلم التجريبي، وليس العلم بإطلاق، ويقال في ترجمة Scientist باحث تجريبي، وليس "عالم") فيبقى الإشكال الأهم هنا: وهو: ما هو العلم التجريبي، أو ما هو العلم الطبيعي، وما تعريفه وما حده الصحيح؟
يقول الدكتور: "لكن المعرفة أوسع بكثير، في مجالات مختلفة. وحسب المجالات تكون هناك مصادر، وتكون هناك منهجية، وتكون هناك أدوات لإثبات المعرفة هذه إلى آخره. " قلت: وهذا، على الاصطلاح الذي قبلناه، حق لا مرية فيه! لكن أين ينتهي العلم الطبيعي وتبدأ تلك المجالات الأخرى عندك يا دكتور؟ ومن أين جئت بضبط هذا الأمر؟ قطعا لم تأت به من حيث ينبغي أن يؤتى به! ذلك أنك تقول: "فمثلا عندما نأتي إلى الطبيعيات، ما يخص عالمنا المحيط بنا، الكون، سنأتي إلى الكون، خلال الجلسة، هذه تأتي تحت باب العلوم الطبيعية، ولها منهجية، نفصل فيها فيما بعد. أما هناك مجالات أخرى، مثلا، مجالات الروحانيات أو الدين بشكل عام"! قلت: فهذه القسمة ليست هي قسمة المسلمين! فأولا، الطبيعيات، على التعريف الصحيح الذي يجب أن يكون عليه كل مسلم له ممارسة في هذه العلوم، ليست هي ما يخص عالمنا بكليته، أو ما فسرته أنت بالكون بعموم! وإنما هي ما يخص الطبائع المعتادة للمواد المحسوسة، في إطار خبرتنا البشرية! هذه المادة ما الذي اعتدناه من طبيعتها؟؟ كذا وكذا! وهذه الموجات ما الذي دلتنا الخبرة على أنه من طبعها؟؟ كذا وكذا! وما العلاقة السببية التي اعتدنا على رصدها بين كذا وكذا من المحسوسات؟ هي كذا وكذا، ويمكن نمذجتها بالقياس على النمط الرياضي الفلاني! هذا ما يكون به العلم الطبيعي علما نافعا، مثمرا لكل تطبيق يحتاج إليه الناس، وتجري عليه الصناعات والتكنولوجيا النافعة في كل مجال! أما أن يقال إن موضوعها ومجالها هو الكون بكليته، ويقال إن "الكون" (هكذا) مما يبحث فيه بآلات البحث الطبيعي والتجريبي، تحقيقا للمعرفة بشأنه، بينما الدين فموضوعه "الروحانيات" (يعني الإنشاء منه دون الخبر)!! فهذا، يا دكتور، أنت به مقلد متمحض في التقليد، لفلاسفة لا يؤمنون بالغيب أصلا، ولا يرفعون رأسا بخبر الغيب عند أهل الملل الكتابية، وإنما هو عندهم علم أخلاقي صرف، لا يؤخذ منه إلا الأخلاق والمعاملات وما شاكل ذلك! وهو يجلب إلى الذهن تلك القسمة الضيزي التي زعمها ستيفن جاي غولد، الأحيائي الأمريكي المعروف، في السبعينات من القرن الماضي، بين الدين والعلم (هكذا)، فيما سماه بدوائر الاختصاص التي لا تتداخل Non-Overlapping Magisteria، أو NOMA على سبيل الاختصار! قال ما حاصله: العلم الطبيعي هو المختص بكل ما يتعلق بالواقع الخارجي ما هو وكيف هو وما نظامه، وما الذي يخفى عنا منه، بينما الدين موضوعه ما يجب أن يكون عليه الناس، أفرادا وجماعات! فليس "للدين" أن يعترض على شيء من مباحث "العلم"، ولا للعلم أن يتدخل فيما يقرره أهل الدين! وهذا التصور في الحقيقة راجع إلى قسمة الفلاسفة الأقدمين للعلوم والمعارف إلى فلسفة الفيزيقا والميتافيزيقا (ومنها الإلهيات) من جانب، وفلسفة الأخلاق من الجانب الآخر (ومنها الدين وما يتعلق به)! ففلاسفة اليونان كانوا يسفهون أهل الملل المعاصرة لهم في كل كلام يقررونه بشأن الإلهيات، لأنهم يعتقدون أن العلم الحق المطابق للواقع في هذا الباب لا يوصل إليه إلا من طريقهم! من التأسيس النظري على الفيزيقا والميتافيزيقا! خلافا لما يزعم أهل الأديان أنهم يرثونه من معرفة بهذا الشأن، فهذا كله محض أسطورة عندهم، لا عبرة به ولا معرفة فيه! أما الأخلاق والتعاليم الأخلاقية، فلينظر الفيلسوف فيها، فما أعجبه ووافق رأيه في إطار فلسفته الأخلاقية، أقره وقبله، وإلا رده ولا عليه من شيء! فما الذي جرأ القوم على ذلك السخف؟ إنه الاعتقاد الدهري اليوناني عند أولئك الجحدة، بأن العقل كاشف لكل ما في الوجود، قادر على ذلك قدرة ذاتية! ليس في الواقع الخارجي موجود إلا وجب أن يكون العقل موصلا إلى الحكم إما بجواز أو امتناع أو وجوب وجوده، وكذلك الشأن في أنواع صفاته، أينما وجد ومتى وجد! يحكم بذلك بقياس الغائب على الشاهد، بلا حد ولا قيد! مع أن الفطرة دالة وجوبا على ضرورة التقييد، حتى من قبل ورود السمع! وهي قاضية بأن الإلهيات لا يوصل فيها إلى شيء من طريق قياس التمثيل أو الشمول أبدا، لأن الرب الذي صنع المخلوقات لابد أنه لا يماثل ما خلق، فلا تقتضي مشابهته إياهم في بعض المعاني، مشابهتهم في غيرها من المعاني، مما لا يدلنا على تلازمه النوعي إلا ما اعتدناه في أنواع المخلوقين!
لما حرر ويليام بيلي برهانه التليولوجي المشهور في كتابه "الثيولوجيا الطبيعية"، اعترض عليه ديفيد هيوم بأن قال ما حاصله: على أي أساس عقلي قست الكون بكليته على ما في الشاهد منه؟ وعلى أي أساس حكمت بأن استقراء ما في العادة، لابد وأن يدلنا على جميع ما في الكون مما هو مغيب عنا؟ وبعيدا عما إذا كان هذا الاعتراض يرد على ما اعتقده بيلي من مخلوقية الكون وإحكامه التام، أم أنه يرد فقط على برهانه النظري والطريقة التي صاغه بها في كتابه، فنحن هنا نورده عليك أنت يا دكتور! فنقول لك: بأي مستند في العقل، يُنتقل بالحكم، بقياس التمثيل، من جزئيّ العالم المحسوس إلى كليّه، أو من بعضه إلى كله؟ من الذي قال إن ما وراء العالم المشاهد، مما هو غيب مطلق لا رجاء لنا في مشاهدته، لابد وأن يكون مماثلا لما هو مشاهد منه؟ هذه قضية لا أرتاب في أننا سنرجع إليها فيما بعد في تعليقنا على هذا اللقاء، إن مدّ الله في أعمارنا، ويسر لنا، لكن حسبي أن أبين هنا، أن اعتراض هيوم المشهور على المنطق الاستقرائي إنما يصح على من يسيئون تطبيقه، لا على من عرفوا أن لهم خالقا قد سخر لهم أسباب الأرض والسماء، فمهما امتدت أيديهم إلى مادة الأرض، فسيجدونها ولابد على ما عهدوها عليه من الطبع والنظام السببي المطرد، إلا أن يشاء الله، لأن هذا من مقتضيات الحكمة الإلهية من خلقهم في هذا العالم، تلك الحكمة التي دلتهم عليها الفطرة إجمالا وفصلها لهم السمع! هذا هو أساس العلم التجريبي عند المسلمين، وهو أساس حكمهم الفطري بمعقوليته ونفعه! هو يفيدنا بمعرفة الأسباب وحسن الانتفاع بها، لأن الله تعالى ضمن لنا ذلك! قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)) [البقرة : 172]! فلأجل أن يأكل الناس من طيبات ما رزقهم ربهم، فلابد من أن يتعلموا الطبائع التي ركبها الله في مادة الأرض وفي مائها، وما به تنبت لهم، بإذنه، ما رزقهم إياه! وهو ما يطرد في أجيال المخاطبين بالقرآن كافة ولابد، ولا يتخلف ((لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)) الآية [الروم : 30]! هذا هو أساس الضرب في الأرض وطلب الرزق! وقال تعالى: ((وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) [الحج : 36]، فلابد أن تطّرد طبائع البُدن، مما جعل الله فيه الخير للناس عبر الأجيال، حتى تحصل الحكمة والغاية من خلقهم ما شاء الله لهم أن يبقوا في الأرض! ولهذا نظائر كثيرة في القرآن لا يتسع لها هذا المقام. بل كل عمل يعمله الإنسان، فلا يؤتي ثمرته الدنيوية، على ما فيها من نفع وما فيها من ابتلاء، إلا بأن تطرد سنن الطبائع فيما يراه البشر من حولهم وما يصلون إليه من مادة العالم! فاطراد السنن والطبائع ضرورة ثابتة بالعقل والنقل معا! ولكن هل هو اطراد مطلق لا حد ولا قيد له في الزمان والمكان، كما هو أساس الفلاسفة في نظرياتهم بشأن الموجود في الأعيان، وأساس الطبيعيين والتجريبيين الغربيين على أذيالهم، بشأن "العالم" (هكذا)، أو "الكون" كما يسمونه؟ أبدا! فالفطرة الدالة على وجوب الاطراد، هي نفسها الدالة على وجوب تقييده في الزمان والمكان جميعا! سيأتي مزيد بيان في هذا إن شاء الله تعالى فيما بعد، وإنما أردنا أن نبين أن قسمة الدكتور لما يراه هو "مجال" العلم الطبيعي، وما يراه هو "مجال" العلم الديني، قسمة يونانية فاسدة، لا يجوز للمسلم أن يقبلها! فلا النظر التجريبي في الكون بكليته، هو علم معتبر ومعرفة مستساغة نوعا Warranted Knowledge، ولا النص الشرعي محصور في دائرة "الروحانيات" كما عبر الرجل هنا! بل في نصوص الوحيين أخبار مفصلة بشأن الغيب وما فيه، غيب الزمان والمكان جميعا! ففيها خبر النشأة، نشأة الكون كيف كانت، ونشأة الإنسان كيف كانت، وفيها خبر مآل العالم ومصيره، وفيها خبر السماوات، ما هي "السماوات" وما حقيقتها، وما المسافات الفاصلة بينها، ومن لقي النبي عليه السلام في كل واحدة منها، وماذا فوق السماوات السبع وأين الجنة وأين النار، هذه كلها أمور جاءت في نصوص الدين أخبار مفصلة بشأنها، يجب على المسلم اعتقادها على ما كان عليه اعتقاد الصحابة والتابعين فيها، بلا تحريف ولا تعطيل ولا تأويل! ومصادر المعرفة في الدين ليست كما سمى، وإنما هي الكتاب أولا ثم السنة (التي منها الحديث) ثم الإجماع، ثم القياس، وهذا الأخير هو ما تظهر فيه مذاهب الفقهاء!
..... يتبع إن شاء الله تعالى ......
د. أبو الفداء حسام بن مسعود
أستاذ مشارك بكلية الهندسة جامعة عين شمس
