قوله: "هذه المسألة الدقيقة تمت مناقشتها في علم الكلام القديم بما يخص مسألة (خلق القرآن) والتي ادت الى خلاف حاد وصراع بين المعتزلة والأشاعرة كانت له عواقبه على الفكر الإسلامي. واليوم يوفر لنا الفهم الجديد للمكان والزمان من منظور الكون المغلق رؤية تتفق بدقة مع أحكام القرآن. وهذا ما يمكن أن يقدم حلاً رائعًا للجدل حول زمانية القرآن على حين إنه في علم القديم. كما تقدم بنفس المعيار حلاً لمشكلة زمانية الكون وقدمه"
قلت: تأمل عبارات الرجل وطريقته في الكلام على هذه القضايا، وكأنما نتكلم عن اكتشافات جديدة "مذهلة" قد جاءت المسلمين أخيرا بما لا حسم له من طريقهم، فيما هو أصل اعتقادهم بشأن ربهم وباريهم جل في علاه!! فبالله ما فائدة الوحي الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلا، لو سلمنا بأنه قد كان الناس كلهم فيما مضى على جهالة وضلالة وعماية فيما تجادلوا فيه من أمر القرآن، هل هو مخلوق أم لا، حتى جاء "العلم الحديث" اليوم بما يحل ذلك حلا "رائعا"؟؟ حلا رائعا؟؟ الله المستعان! الرجل جاءني قديما يجادل في تعليق كتبه على محاضرة من محاضراتي في سلسلة بيان منهج أهل السنة في التجريبيات، يقول: من أين لك العلم بأن السلف قد أجمعوا على شيء أصلا؟؟ لا حقيقة للإجماع البتة، وكل من زعمه في مسألة ما فهو كاذب! إي وربي! هكذا! فهذا رجل يسقط ثالث مصادر التلقي في التشريع الإسلامي، بجرة قلم كما يقولون، في تعليق عابر كتبه على فيديو على اليوتيوب! فأي شيء تنتظره منه بعد؟؟ نسأل الله العافية!
ما هو الفهم الجديد للمكان والزمان هذا، وبأي مستند عقلي رجحته على الفهم القديم في نفس الأمر؟؟ الفهم الجديد هذا، يا دكتور، نظرية فلسفية ميتافيزيقية جديدة لا فرق بيها وبين النظريات القديمة إلا في طبيعة المزاعم التي يتعلق بها الفيلسوف العصري في الانتصار لها! فكما لم تصلح الأقيسة القديمة في إثبات صحة شيء من تلك المزاعم بشأن حقيقة الزمان والمكان، فكذلك لا تصلح المزاعم العصرية، مهما تعقدت في العبارة الرياضية، ومهما تقدمت في آلات التجريب والرصد! الزمان والمكان ليس لهما إلا المفهوم الذي ذكرنا! وهو ما يخرج بهما من أن يكونا موضوعا للتنظير التجريبي من مبدأ الطرح! نعم الفيزيائي يستعمل هذه المفاهيم ولا شك في تتبع الحركات والتأثيرات وهذه الأشياء، ولابد من ظهروهما في معادلاته على نحو ما! ولكن ليس له من حق – عقلا - في أن يصور الزمان والمكان تصويرا وجوديا عينيا تشييئيا كما سلكه أينشتاين وكما سلكه جميع الفلاسفة من قبله! فلا حقيقة في العقل لهذا الذي تسميه بالكون المغلق أصلا يا دكتور! المقصود بالكون المغلق عند بعض النسبانيين (وليس هو نظرية يتفقون عليها بالمناسبة، وهو يعلم ذلك)، هو أن جميع ما يصح أن يقال له إنه حادث Event أو حدث happened في الزمان، فهو بالضرورة شيء وجودي قائم في الأعيان، داخل شيء مغلق تام هو زمكان الكون بكليته، الذي يمر سهم الزمان عبره كالقطاع المائل، بالنسبة لكل واحد منا بحسب حركته أو سكونه النسبيين! أي أن جميع الحوادث الماضية والمستقبلة بالنسبة لأحدنا، كلها موجودة "الآن" في الأعيان على السواء، فيما شبههوه بالطوبة Block التي لا تكون اللحظة الحاضرة فيها إلا ما يمر به الواحد منا في إطاره الإسنادي التخيلي، من شعور متدرج بالحوادث الواقعة كلها في قلب تلك الطوبة! وهذا التصور في الحقيقة من أفسد وأسخف ما وقع في عقول الناس على الإطلاق! لن أطيل النفس في نقض أصوله عند أينشتاين ومينكاوسكي، لضيق المقام هنا عن ذلك، فمن أراد الزيادة فليستمع إلى محاضرات النسبية الخاصة والعامة على سلسلة "بيان منهج أهل السنة في التجريبيات" المنشورة على هذه القناة. ولكن يكفي هنا أن نقول إن هذا التصور هو أعظم ما انتهى إليه الفلاسفة من إغراق في مغالطة تصيير الكليات الذهنية حقائق وجودية في الأعيان! فبينما كان الفلاسفة الأقدمون يعاملون الحادث على أنه أمر يقع ثم يمضي، أي ينعدم من الوجود، حتى على قول بعضهم بجعل معنى الحدوث الكلي حقيقة عينية لا تثبت في الواقع إلا أن تتلبس موجودات مزعومة يقال لها الجواهر بموجودات أخرى يقال لها الأعراض، صار ثلة من أبتاع أينشتاين يعاملون الحادث على أنه عين وجودية لم تزل قائمة في الأعيان من الأزل وإلى الأبد، في بحر متصل يشمل جميع ما يصح أن يقال له إنه حادث، على هذا التصور الذي ذكره الدكتور! فإذا صار الزمان والمكان نفسيهما عنصرين وجوديين في الأعيان تقع الحوادث عليهما كما في التمثيل الذهني التجريدي لمخطط الزمكان عند مينكاوسكي، أي أن المخطط التجريدي يصبح تصويرا لشيء وجودي مطابق لما في ذلك التجريد، من حيث كون كل حادث نقطة عالقة في بحر ذلك المخطط، فكما أن الزمان والمكان يوجدان في الأعيان على هذا النحو، فكذلك الحوادث، ولا إشكال! ولم لا؟ إذا كان الأصل قد راج على الفيزيائيين وارتضاه الفلاسفة، فالفرع كذلك! ولكن الحق الذي لا يماري فيه إلا مغالط، أن ما يقال له الحادث هذا إنما هو تغيرات وأحوال وحركات تطرأ على موجودات في الأعيان، وليس هو نفسه موجودا في الأعيان، قائما في بحر وجودي اسمه الزمكان! هذه كلها حقائق عدمية لا وجودية، وإن اتفقت الأكاديميات الغربية العصرية على خلاف ذلك!
فالرجل لما أعجبته تلك الفكرة، وأصبح عنده تصوران ميتافيزيقيان مستقلان للزمان، التصور النسباني الكلاسيكي كما يسمونه، وهو ذلك الزمان المحصور عنده بكليته في الكون القالب المزعوم هذا، ومعه الحوادث كلها ومبدأ الحدوث نفسه، والتصور الكمومي الذي لا تنتهي فيه المعادلات إلى نقطة ينعدم فيها الزمان والمكان معا، بل يمكن نظريا أن تمدد من الأزل وإلى الأبد، لتصف موجودات أزلية أبدية، تفتق ذهنه عن فكرة رآها ألمعية، تحل الإشكال القديم! قال: لنجعل الزمان الذي به نحكم على القرآن بالحدوث وعلى العالم نفسه بالحدوث، هو الزمان النسباني الكلاسيكي، الذي لا يتصور الحدوث (على معنى المخلوقية) إلا في إطاره، بينما الزمان الذي نحكم به على القرآن بالقدم وعلى العالم كذلك بالقدم، هو الزمان الكمومي! فنقول إن القرآن حادث قديم معا، والعالم كذلك حادث قديم معا، ونحن سالمون من التناقض! وإذن يكون القائلون بخلق القرآن مصيبين من وجه، والقائلون بقدمه مصيبون أيضا من وجه آخر! وكذلك في شأن العالم نفسه! وبهذا ينحل الإشكال! والواقع أنه لا يزداد به إلا إغراقا في الفساد والتناقض البين والضلال المبين! فمن الواضح بداهة أن الشيء الوجودي في الأعيان، أيا ما كان، إما أن يكون مبدوءا بعد عدمه، وإما أن يكون قديما لا ابتداء لوجوده! أما أن يكون قديما حادثا معا فمحال قطعا! وكذلك فلا يقال في الشيء القائم في الأعيان إنه مخلوق وغير مخلوق معا! هذا تناقض بين! الوجود وعدمه نقيضان لا يجتمعان في موجود واحد ولا يرتفعان جميعا عنه! وكذلك كون الشيء مخلوقا مصنوعا وكونه غير مصنوع، نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان! وهو بهذا يدخل ذلك التناقض على كل موجودات العالم بلا استثناء! إذ إنها كلها على هذا تكون حادثة بالنسبة لمن هو في داخل العالم، قديمة بالنسبة لمن هو خارجه!
والواقع أن هذا التناقض راجع إلى الخلل الفلسفي والمغالطة الأينشتاينية الفجة في مفهوم الزمان في النسبية العامة. فمجرد دعوى أن الزمان الذي تقع فيه الحوادث (التي هي في تعريفهم حركات الأجسام ذات الكتلة والموجات الكهرومغناطيسية) إنما هو الزمان النسباني، بينما الزمان الكمومي زمان آخر من نوع آخر، هذا كلام فاسد للغاية! وهو من أسباب عجز الفيزيائيين في هذا العصر عن الجمع بين ميكانيكا الكم والنسبية العامة كما يطمعون! فالزمان Time بهذا الإطلاق لا يجوز في العقل أن تكون له حقيقتان مستقلتان! والذي يفرق فيقول إن الحقيقة الكلاسيكية أو النسبانية تنطبق على الأجسام في المقياس الكبير، بينما الحقيقة الكمومية تنطبق على الأجسام في المقياس الصغير، هذا تفريقه مغالط فاسد مبدئيا! إذ حقيقة الزمان في جميع المقاييس واحدة، وعلى جميع الموجودات في الأعيان واحدة، وهي ما يعبر به عن تتابع الحوادث وتراتبها تقاربا أو تباعدا، وعن التزامن بين الموجودات! ما يقال له "قبل" و"بعد" بإطلاق! فالمعاني التي تنطبق على الجسيم الكمومي في القبلية والبعدية الزمانية تنطبق هي نفسها على الأجسام الكبيرة، والعكس صحيح! ولكن لما غالط أينشتاين وصير الزمان في نسبيتيه عينا وجودية في الأعيان، تؤثر في المادة وحركتها وتتأثر بها، أصبحت تلك العين الوجودية نفسها داخلة بالضرورة في معاني الامتداد الزماني والتتابع الزماني! وهو ما أدخل عليه الدور والتناقض، كما دخل على جميع الفلاسفة من قبله، الذين صيروا تلك الكليات الذهنية موجودات في الأعيان! فإنك لن تتكلم عن عين قائمة خارج الذهن، إلا وجب أن تثبت لها وجودا في معاني الزمان! هي موجودة الآن! فهل كانت موجودة من الأزل أم كان لوجودها ابتداء ما؟؟ فلما مدد القوم معادلات النسبية العامة على تصور معين لشمولها للكون بكليته، في جهة الماضي تمديدا مطلقا، قالوا إن ذلك يقتضي الوصول إلى نقطة لا زمان قبلها ولا مكان، لأن الزمكان المزعوم يكون عندها صفري الامتداد في الجهات، فيما يقال له الفردية! وحينئذ ظهر الإشكال! كيف نقول إن الزمان ابتدأ في الزمان بعد أن لم يكن؟ إذا كان الزمان أصلا (على ميتافيزيقا الزمكان النسباني) لم يكن له وجود أصلا حتى يبدأ فيه أي شيء، بعد أن كان معدوما فيه؟ هنا ظهرت مخارج، فقال بعضهم بما قال به هوكينغ وهارتل، من نفي الفردية نفسها، والقول بتصور هندسي تخيلي لا ينتهي فيه الزمكان المزعوم إلى نقطة في الماضي ولكن إلى سطح كروي لا فرق فيه بين نقطة ونقطة! وهم يظنون بذلك أنهم خرجوا من الإشكال، ولكنهم إنما زادوه تناقضا وفسادا، إذ يثبتون الابتداء وينفونه معا!! وقال آخرون نخرج من ذلك بأن نضع نماذج نظرية للكون بحيث يكون الزمكان هذا مبتدئا في الماضي في إطار الزمان الكمومي الذي لا ابتداء له! وإذن نقول إنه لم يزل من الأزل في الوجود مجال كمومي ما، بحيث لا تزال تبدأ فيه العوالم بالانفجار أو ما يشبهه، ثم تتمدد زمكاناتها وتنتشر ثم تنكمش وتضمحل وتنعدم، بلا ابتداء ولا انتهاء! ولكنهم لا ينتبهون إلى أن مجرد ابتداء الزمكان المزعوم في الزمان الكمومي، هذا لا يخرج به من معنى الحادث Event، الذي حصره أينشتاين في نسبيته العامة فيما يكون قائما بالزمكان الوجودي المزعوم! هو حادث أيضا بالضرورة فلماذا لا تجري عليه ميتافيزيقا النسبية العامة؟؟ لأن المعادلة تمنع من ذلك؟؟ إذن في الميتافيزيقا نفسها خلل واضح ولابد! ولهذا قلنا إن جميع الطبيعيين المعاصرين يقولون بقدم العالم على سبيل التناقض الميتافيزيقي (وحدوث هيئته)، ومن قال منهم بحدوثه مطلقا تناقض أيضا، غاية التناقض!
فقول الدكتور: "ففي الكون المغلق Block Universe وكما بينت في بحث المراجعة حول الزمن الكمومي والساعات الكمومية الذي نشرناه العام الماضي، فإن اعتماد الزمن الكمومي لحوادث العالم يجعل جميع الحوادث الحاصلة في الكون معلومة بجملتها لمشاهد خارج الكون المغلق بماضيها وحاضرها ومستقبلها. على حين تكون تلك الحوادث نفسها وقائع محدثة تتوالى في الزمن منظوراً إليها من مشاهد داخل الكون المغلق. من إطارنا المرجعي داخل الكون فإن القرآن وحي محدث في الزمان ﴿مَا یَأۡتِیهِم مِّن ذِكۡرࣲ مِّن رَّبِّهِم مُّحۡدَثٍ إِلَّا ٱسۡتَمَعُوهُ وَهُمۡ یَلۡعَبُونَ﴾ إذ لكل آية من آياته وقت نزلت فيه، فكلما نزلت آية جديدة فهي محدثة في إطارنا المرجعي، وبالتالي فهي مخلوقة. أما من منظور الله سبحانه وتعالى فإن جميع القرآن كائن في علمه القديم فالقرآن كلام الله غير مخلوق لأن الله ليس في زمان ولا علمه في زمان. وبالتالي فإن آيات القرآن كلها موجودة قائمة في علم الله. إنما هي محدثة ومخلوقة في منظورنا فقط. وبهذا تحل المشكلة بين الأشاعرة والمعتزلة في قضية خلق القرآن."
قلت: الحوادث تبقى حوادث سواء نظر إليها ناظر أم لم ينظر! ولابد لها من تتابع مطلق (وهو ما تكون عليه في علم الباري سبحانه) سواء تفاوت الناس في دركها والشعور بها أم لم يتفاوتوا! أي إن فعل الله تعالى الماضي بالنسبة إلى فعله الحاضر، هو كذلك في الواقع وفي علمه هو سبحانه، بصرف النظر عن إدراك الناس لما يدخل حواسهم من الحوادث، وتفاوتهم النسبي فيه! ونفي التزامن المطلق هو مما نرده على أينشتاين في نسبيته الخاصة، ولا يتسع المقام هنا لبيانه. فما كان قديما، فهو قديم في الحقيقة سواء من داخل الكون أو من خارجه! وما كان حادثا فهو حادث أيضا من داخل الكون ومن خارجه على السواء! وهذا لضرورة امتناع التناقض كما بينا آنفا. فلا تأثير لما يسميه بالإطار المرجعي داخل الكون على كون القرآن حادثا في الزمان! الله تبارك وتعالى تكلم بالقرآن حقيقة بعد أن لم يكن قد تكلم به، ولا فرق في حقيقة ذلك الموضوعية وجوديا، بين من يكون موجودا داخل الكون ومن يكون موجودا خارجه! فإن من مغالطات النسبية الخاصة أنها تجوز التناقض بين الأطر المرجعية، بدعوى نسبية الإدراك! يكون الحادث (أ) واقعا قبل (ب) في الأعيان موضوعيا ويكون واقعا بعدها موضوعيا أيضا، بحسب إدراك كل راصد! فالقبل والبعد الزمانيين أوهام محضة، لا سيما على تصور الكون القالب الذي أعجب به هذا الدكتور! وهذا مناقض للعقل وللسمع من وجوه شتى لا يتسع المقام لبيانها. كل آية في القرآن ذكر الله فيها أنه فعل أو يفعل شيئا قبل شيء، فإن هذا التصور يبطلها، كما أطلت النفس في بيانه في كتاب المعيار! هو يقصد بقوله: " فإن اعتماد الزمن الكمومي لحوادث العالم يجعل جميع الحوادث الحاصلة في الكون معلومة بجملتها لمشاهد خارج الكون المغلق بماضيها وحاضرها ومستقبلها" أي الموجود الذي يكون في الزمان الكمومي واقعا خارج الكون، كما هو اعتقاده في ذات الله تعالى، فإنه يبصر القالب المزعوم هذا، الذي تكون فيه جميع الحوادث، ماضيها وحاضرها ومستقبلها محصورة فيه، قائمة به قيام البعض المخلوق من الكل المخلوق! فإذا كان ذلك القالب قديما أزليا في الزمان الكمومي، فلا يزال الرب ينظر إليه من الأزل بلا ابتداء، يراه بجميع حوادثه موجودة معه من الأزل بلا ابتداء! وإذن فالقرآن مخلوق (وهذا كفر)، والعالم قديم (وهذا كفر آخر مستقل)، ولكن لأن حدوثه (مخلوقيته في الزمكان، كل آية في وقتها) إنما هو جملة حوادث قائمة بقالب الزمكان القديم المزعوم، فيصح من هذا الوجه أن يقال إنه كذلك قديم ولا إشكال!! ولأن حادث ابتداء العالم له حدوث على الزمكان أيضا، فيما ندركه نحن من داخل العالم في الزمان النسباني، فيصح أيضا أن يقال إن العالم حادث مخلوق ولا إشكال!! العالم حادث والقرآن حادث في إطارنا المرجعي، ولكن في الزمان الكمومي من خارج العالم، فكل شيء قديم في الحقيقة! العالم والقرآن وكل ما نشعر نحن بحدوثه من جهتنا!
هذا، يا كرام، ما به يتوهم الرجل أنه يحل النزاع بين الجهمية ومخالفيهم من فرق أهل القبلة في مسألة خلق القرآن!!
ولهذا يقول: "وهذا المنظور يحل أيضا مشكلة زمنية وأبدية الكون. وهذه مشكلة ناقشها الفلاسفة والمتكلمون إذ قالت الفلاسفة أن الكون قديم لا بداية له. وقال المتكلمون مستندين الى ما جاء في القرآن أن الكون مُحدث أي له بداية. لكن بما أن الكون وكل مكوناته معروفة عند الله، لذلك من ذلك الإطار المرجعي فإن الكون أزلي وليس له بداية. لكن هذا المعنى صحيح في علم الله وليس في علمنا. على حين من إطارنا المرجعي (الإطار الداخلي) فإن الكون يبدأ مع بداية الزمن ومكوناته تتشكل في كل لحظة، فهي مُحدثة وبالتالي فإن جميعها زمنية والكون بكل ما فيه محدث. وفي هذا السياق يأتي ما كان أثبته بحث لستيفن هوكنج وجيمس هارتل نشروه في الثمانينيات من القرن الماضي يقول بأن الكون ليس له بداية في الزمن لكونه كان قائماً دوماً في الزمن الرياضي الخيالي. فإن كان ذلك كذلك فهو في علم الله كائن. وهذا ما يتفق مع الرؤية الواردة هنا. لكن الكون في علمنا وفي الزمن الحقيقي له بداية دون شك سواء كانت مع الانفجار العظيم أو بدونه." اهـ.
قلت: هو هنا يلبس أو يقع في سوء عبارة، لا أدري، لأن الصواب على الصورة الهزلية التي يريد أن يصورها لقرائه أن يقول: لكن بما أن الكون وكل مكوناته موجودة في الزمان الكمومي بالنسبة للصانع من خارجه، في ذلك القالب الأزلي المزعوم الذي لا تكون الحوادث كلها (بما فيها حادث ابتداء الكون) إلا نقاطا تقع عليه، لذلك فمن ذلك "الإطار المرجعي" فإن الكون أزلي وليس له بداية!! ولهذا يقول هو صحيح في علم الله وليس في علمنا! ونحن نسأل الدكتور ونقول: الله يعلم أن العالم قديم أزلي، هو كذلك في علمه، ومع ذلك يخبرنا في القرآن بأنه أحدثه وخلقه، فهل الله عندك يكذب علينا؟؟ الله يخبرنا بالكذب في القرآن؟؟ ليس هذا وحسب، بل كل ما أخبرنا الله في القرآن بأنه يحدث بعد أن لم يكن، كل ذلك هو يكذب علينا في إخبارنا بأنه يحدث بعد أن لم يكن؟؟
هذا التصور الذي جئت به يا دكتور يجرد رب العالمين من جميع أفعاله وأقواله ويوجب انحصارها كلها في إطار الزمكان الوجودي المخلوق المزعوم، فكل فعل له هو عين مفعوله، كما عليه المعتزلة وأذنابهم من المتكلمين، وإذن فلا قيام لفعل خلق العالم به أصلا لأنه إنما هو بالنسبة إليه، شيء قديم واقع على القالب الزمكاني الأزلي المزعوم، فلا حدوث للعالم في الحقيقة في الزمان الكمومي كما يدعي، إذ إن جنس الحدوث نفسه محصور ميتافيزيقيا على مذهبه الفاسد هذا في أن يكون شيئا قائما بجسم الزمكان المزعوم! وهو نفس ما نلزم به الأشاعرة بقدم العالم، لأن مبدأ الحدوث عندهم مسبوق بعدمه، وإذن فليس قبل حدوث العالم زمان يكون فيه انعدامه، ومن ثم يتصور حدوثه! فالعالم قديم فعليا، والقرآن مخلوق، لأنه محصور عندك في معنى الحدوث النسباني المخلوق، الله لم يتكلم به على الحقيقة وإنما أحدثه داخل بلوك الكون الزمكاني المزعوم!
والقصد أن الدكتور انتهى به جهله إلى مذهب هو أشد إغراقا في الزندقة من القول بخلق القرآن وقدم العالم مجتمعين، من حيث يحسب ويزعم أنه قد قدم حلا جديدا "علميا"، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
انتهى
وكتب
د. أبو الفداء حسام بن مسعود
غفر الله له
