ردا على كلام أحدهم في مسألة "المعايرة" والتواطؤ النظري بين وسائل تقدير أعمار الأحافير - 2



 ثم يقول: "نفس الإشي في عمر الأحافير (يعني نفس ما شرحه في مثال الرجل الواقف فوق المبنى). معدل اضمحلال العناصر، معدل تحول الأحماض الأمينية، وطريقة المغنطة الأولية، وحبس الإلكترونات في الأحفورة، وعشرين طريقة أخرى أعطت نفس النتيجة! إذن الافتراض إن معدل اضمحلال العناصر هو معدل ثابت، افتراض صحيح! لأنه تمت معايرته مع طرق ثانية! لأن مستحيل عشرين طريقة بمتغيراتها المختلفة، يعطونا نفس النتيجة! يعني كيف ممكن طريقة العناصر المشعة، تعطي نتيجة نفس الطرق الثانية، إذا كان فيه اختلاف في معدل العناصر عبر الزمن؟ هذا أول جواب لكيف عرفنا إن معدل الاضمحلال هو معدل ثابت. بالإضافة إن معدل الاضمحلال هو خاصية بالذرة لا تتأثر بالعوامل الثانية، لا تتأثر بالرطوبة ولا المجال المغناطيسي، ولا الذرات التي بجانبها، ولا الحرارة! إذن افتراضك أن معدل الاضمحلال تغير بدك تجيب عليه دليل! وبدك تفسر كيف كل الطرق باختلافها، تعطي نفس النتيجة." 

قلت: هذا الكلام غير دقيق، وفيه تهويل ومبالغة ظاهرة! فحقيقة لم يحدث في التاريخ أصلا أن استعملت عشرون طريقة في قياس عمر أحفورة واحدة!! هذا لا وجود له إلا في وهمه! بل أحسن ما يكون من ذلك عندهم، أن تستعمل طريقتان مختلفتان أو ثلاثة على الأكثر في تقدير عمر أحفورة واحدة! والقوم يعتمدون أكثر على تكرار التجربة من نفس النوع في أكثر من معمل، كما يعرفه من قرأ في أدبياتهم في هذا الباب! والواقع أن طريقة الكربون المشع، تختلف عن غيرها من طرق تقدير معدل الاضمحلال في النظائر المشعة (كطريقة البوتاسيوم أرغون، وطريقة الروبيديوم سترونشيوم، وطريقة اليورانيوم ثوريوم، وغيرها)، في مقادير الأعمار التي يمكن تقديرها من طريقها عندهم، ومن ثم في مجالات تطبيق كل طريقة منها! ذلك أن عنصرا يعتقد فيه أن معدل اضمحلاله يقدر بآلاف السنوات، مثلا، ليس كعنصر مشع آخر قدروا معدل اضمحلاله بملايين السنوات! فإذا أتوا إلى حفرية هم يفترضون سلفا أن عمرها يقدر بالملايين، فلن يلجؤوا أصلا إلى التقدير بنظائر الكربون، لأن العمر المطلوب إثباته أبعد من ذلك! مع أنهم لو استعملوا فيه طريقة الكربون، فلن يظهر في نفس تطبيق الطريقة ما يدل على أنهم أخطأوا في اختيارها، بل سيفيد بنتيجة تتلاءم مع فروض الطريقة نفسها ولابد، بما يخالف ما يريدون! سيدل على عمر هم عندهم سبب سابق لاعتقاد أنه ليس محصورا في بضعة آلاف من السنوات كما تدل عليه تلك الطريقة! وهو ما يعني أنهم لا يمكنهم الاستناد إلى "عشرين طريقة" من طريقة في تقدير أعمار الحفريات، كما يتوهم هذا المسكين! بل مهما طمعوا في المعايرة كما يفهمها الأخ، فلن يجدوا إلا طريقتين أو أكثر للموافقة والمواطأة على ذلك النحو في كل حالة، بالنظر إلى الخلفية النظرية التي أسسوا عليها كل طريقة من تلك الطرق أولا، والخلفية النظرية التي تدعوهم لافتراض أعمار الحفريات والعينات الصخرية وما شاكلها، من قبل الدخول بها إلى المعمل ثانيا! ولهذا قلت إنهم غالبا ما يلجؤون إلى التحقق من طريق تكرار نفس الطريقة في أكثر من معمل، لا بإعمال عدة طرق على نفس الشيء المراد تقدير عمره! ولكن إذا كانت الطريقة المناسبة من الأصل تُختار بناء على المواءمة النظرية بين المدى الزماني الذي يفترض في فروض الطريقة نفسها أنها تفيد به، وبين العمر المتوقع استخراجه للحفرية أو للعينة الصخرية، فكيف يقال إن الطرق كلها يؤكد بعضها بعضا، وتؤكد بمجموعها صحة الفروض المفترضة في كل طريقة منها كما يتصوره هذا الشاب؟؟     

ومع هذا فقد بينا أنه حتى لو فرضنا أنهم قد انتهوا إلى التوفيق بين عشرين طريقة في نتيجة واحدة، كما يهول هذا الشاب في كلامه، فالأصل العقلي الذي تجري عليه تلك التوفيقات كلها بالضرورة، لا يوصل منه إلى التحقيق التقاطعي Cross Validation على أي صورة من صوره المعتبرة كما بينا، لأن حقيقة الأمر أن بين يديك بحر من الفروض التي لا يمكن التحقق من أي واحد منها على حدة باستقراء معتبر، فكيفما شئت أن توفق بينها لتتحصل على نتيجة معينة تمليها عليك نظريتك، فلن يمتنع ذلك مبدئيا! 

والواقع الذي يعرفه كل من طالع في هذا الباب، أن طرق تقدير الأعمار الأكثر شهرة والأقصر في مداها العمري (كطريقة الكربون المشع وطريقة دوائر الأشجار) ليست فقط تعاني من الدوران المنطقي في استعمالها كما ذكرنا، ولكنها كذلك تعاني من مخالفة الطرق التاريخية المعتمدة في معرفة أعمار كثير من الآثار المادية التي استعملت تلك الطرق في تقدير أعمارها، لا سيما في بقايا المصريين القدماء! فعندما يؤتى بإناء من آنية الفراعنة، مثلا، عثر عليه في مقبرة ترجع إلى ملك من ملوك القرن الخامس قبل الميلاد، ثم تؤخذ منه عينات، ويجرى عليها اختبار الكربون المشع، لتكون النتيجة أن عمرها من عشرين إلى ثلاثين آلف سنة، مع أننا نجزم بطرق أقوى في تقدير أعمار الآثار بالنظر إلى الوثائق المكتشفة فيها والنقوشات وكذا، بأن عمر تلك المقبرة لا يمكن أن يتجاوز تلك الفترة الزمانية المذكورة، فإن هذا ليس بالخطأ الذي يتهاون فيه! وعندما يؤتى إلى صخور بركانية (كما وقع مؤخرا في بركان في نيوزيلندا) نحن نعلم يقينا أنها ما تكونت إلا في الخمسين عاما الأخيرة فقط، ثم نجري عليها اختبار البوتاسيوم-أرجون، فنخرج بعمر يقدر بثلاثة ونصف مليون سنة، ثم يقال لمن أجروا ذلك الاختبار، بآلات لا شك في دقتها معمليا: أنتم أخطأتم لأن هذه الطريقة إنما تستعمل في الصخور التي نتوقع أن يتجاوز عمرها المليون سنة، فعلى أي شيء يدل ذلك إن لم يدل على أن تلك الطرق كلها إنما اخترعت كل طريقة منها بحيث تنتقى لمصلحة تقدير العمر المطلوب في الإطار المطلوب نظريا، بصرف النظر عن مطابقة الواقع في نفس الأمر؟؟ الواقع أن هذه الطرق ليست متعددة عندهم من أجل أن تؤكد إحداها نتيجة الأخرى كما يتوهم هذا الشاب! وإنما من أجل أن تخصص كل طريقة منها للشيء المطلوب تقدير عمره داخل الإطار الزماني الذي تتحرك فيه تلك الطريقة ابتداء، بالنظر إلى الفرضيات المبنية عليها في استعمالها، وإلى البناء النظري السابق الذي يراد منها أن تواطئه وتوافقه عند من يريد إجراء الاختبار! فبأي عقل يقال بعد ذلك إن تلك النتائج تفيد بالمطلوب، إفادة الدليل بمدلوله؟؟ هذا دوران فج!     

أي أنك تحتاج إلى أن تكون العينة التي تريد تقدير عمرها، هي في اعتقادك السابق يقدر عمرها – سلفا - بملايين السنين، من أجل أن تتمكن من استعمال طريقتين أو أكثر يتوافقان أو يتواطآن (تقريبيا) في تقدير ذلك العمر في نطاق معقول، لا بسبب موافقة هذا العمر للواقع في نفس الأمر، ولكن لأن هذه الطريقة والأخرى مصممتان خصيصا من أجل أن تفيدا بأعمار تقدر بملايين السنين! هكذا! تنظر إلى مواد معينة تفترض أنها تراكمت في الشيء المفحوض، تحت شروط تاريخية معينة، بحيث إن عثر عليها في العينة على حالة معينة، أفاد الفحص، بمقدار يتحرك بالضرورة داخل الإطار الذي تؤدي إليه جملة تلك الفروض، وإلا استبعدت العينة! فإذا تحكمنا في القبول والرد بناء على ذلك، أمكن استخراج نتائج قريبة من العمر المطلوب من كل منهما، في كل حالة، ولا إشكال! ثم يقال بعد الجمع بينها، بكل سذاجة، إن هذه الطريقة قد "عايرت" الأخرى! 

فأين هذا العبث والدوران الهزلي، من طريقة العلوم التجريبية المعتبرة في إجراء ما يقال له التحقيق التقاطعي Cross Validation كما وصفناها؟؟ المفترض أن تكون أمثال هذه المخالفات التي ذكرنا (وهي كثيرة) دليلا على أن تلك الوسائل قد ثبت بالفعل أنها لا تفيد بتقدير صحيح Valid estimate وأنها لا يمكن الاعتماد عليها Unreliable! ولكن لأن الوسط الأكاديمي الذي يتبنى تلك الطرق لا يعرف طريقا لإثبات المعارف في كثير من أبواب البحث المعاصر، إلا الموافقة والمواءمة بين جملة الفروض النظرية المقبولة أكاديميا، لم يعجز القوم عن تكلف التأويلات والفروض التي تبقي تلك الأساليب طافية على وجه الماء، أكاديميا، على الرغم من الفساد العقلي الذي بيناه في مبدأ استعمالها أولا، ومن المخالفات الصريحة الكثيرة التي تتولد عنها، لمصادر معرفية أخرى أقوى منها ثانيا!

قوله: " إذن الافتراض إن معدل اضمحلال العناصر هو معدل ثابت، افتراض صحيح! لأنه تمت معايرته مع طرق ثانية!" قلت أبدا! لأن الأمر مداره عقلا على ما بينا! ولو أنك قرأت في الطريقة الثانية التي عايروها مع طريقة الكربون المشع، وهي طريقة حلقات الأشجار (الحلقات التي تظهر في مقطع جذع الشجرة ودلالة عددها على عمرها)، لوجدت أنها مغرقة في نفس الدوران، إذ إن انتقاء الحلقات التي يعتد بها في تقدير العمر، والحلقات التي لا يعتد بها، عند إجراء تلك المعايرة، يجري ابتداء على فرض التوافق بين معدل ظهور تلك الحلقات في عمر الشجرة، ومعدل اضمحلال الكربون المشع في نفس الشجرة، وأنهما جميعا ثابتان مطلقا لا يتغيران! فالذي يجري إنما هو توفيق ومواطأة بين الفروض الأولى عند استعمال كلتا الطريقتين، بفروض جديدة من نفس النوع، ومن ثم فمن غير المتصور أصلا ألا يفيدا بنفس النتيجة في نفس الحفرية!! هذا محال!     

قوله: " بالإضافة إن معدل الاضمحلال هو خاصية بالذرة لا تتأثر بالعوامل الثانية، لا تتأثر بالرطوبة ولا المجال المغناطيسي، ولا الذرات التي بجانبها، ولا الحرارة! إذن افتراضك أن معدل الاضمحلال تغير بدك تجيب عليه دليل! وبدك تفسر كيف كل الطرق باختلافها، تعطي نفس النتيجة." قلت هذا كلام من لا يدري ما هو معدل الاضمحلال، وما جملة الفروض النظرية التي يضطر القوم لافتراضها قبل الحكم باطراده مطلقا على وتيرة واحدة! يا أخانا تلك العناصر المشعة لا يكتسبها الكائن الحي أصلا إلا من البيئة المحيطة به! ليست خاصية ذاتية في المادة التي تتكون منها خلايا جسده! فهل ورث بعضها في المادة التي ولد بها قبل أن يتعرض للبيئة الخارجية أم لا؟ هذا سؤال يورد على تلك الطريقة! وكيف كان انتشارها في البيئة التي عاش فيها بخصوصها، ومن ثم تعرضه لها في التربة أو فيما يقال له إجمالا دورة الكربون المشع Radioactive Carbon cycle؟ هذا سؤال ثان معهم لا يسعهم إهماله! وهل تعرضت جثته بعد موته لأسباب بيئية يمكن أن تؤثر على انتشار تلك المادة في خلاياه زيادة أو نقصا أم لا؟ هذا سؤال ثالث، وغير ذلك من مثله يجيب القوم عنه كله بفرض تحكمي محض مفاده أن التأثر ثابت مطلقا مطرد مطلقا بالضرورة والانتشار البيئي ومعدل التكون في الغلاف الجوي ثابت تاريخيا مطلقا بالضرورة أيضا، وجميع ما يمكن تصور دخول التغير عليه من حيث الجواز العقلي، يستبعد تغيره استبعادا تحكميا صرفا، لا لشيء إلا لمصلحة أن تفيد الآلة في كل مرة بالنتيجة المطلوبة!! فإن لم تفد بها، أمكن تفسير ذلك كله Explaining it away بما يحلو لأحدهم من التأويلات ولا إشكال!! نحن لسنا نتكلم عن اطراد تدل عليه العادة باستقراء معتبر كما في سرعة شعاع الضوء وسرعة موجة الصوت في الهواء، في المثال الذي ضربته يا أخانا! وإنما نتكلم عن اطراد مزعوم يجاوز العادة البشرية بملايين السنين، فإن جوزنا وقوعه عقلا، كان ذلك هو أحسن ما يمكن الحكم به عليه (في الحدود التي ذكرنا)! أما أن يحكم بأنه كان كذلك فعلا، ووقع حقا كما في الفرض، ثم يؤسس عليه ما شيدتموه من الجبال الرواسي من الفروض والنظريات، فهذا ليس علما ولا هو من العلم المعتبر في شيء!! ولا يقال في الفرض التوهمي إنه يعضد Confirms فرضا توهميا آخر مثله، مهما كثرت الفروض المتوافقة من نفس النوع! البناء كله توهمي صرف! فليس في مجرد ثبوت التناسق الداخلي بين أجزائه، ما يثبت لأي جزء منه مطابقة الواقع! وهذا مما اعترف به فلاسفة العلوم في النصف الثاني من القرن العشرين، ولم يجدوا مناصا من التسليم به، إلى حد أن جنحوا إلى نسبية المعرفة Epistemic Relativism كما هو مشهور، وكما تجده عند كواين وفايرابند وغيرهما! 

يقول: "شوف لو كانت فيه طريقتين بس اللي يعطوا عمر الأحافير، وأعطوا نفس النتيجة، ينتهي النقاش، فما بالك بعشرين طريقة؟؟ هذا نقاش بثوابت أوضح من رؤية الشمس!!" 

قلت: أين يا بني وقع لك أن عشرين طريقة أعطت في يوم من الأيام عمرا لأحفورة واحدة مقداره 18 مليون وستمائة واثنان وثلاثين ألف سنة كما مثلت به على الشاشة، أو غير ذلك من الأعمار؟؟ هذا لم يقع أبدا، وأتحداك أن تأتي بدليل عليه! النقاش منتهي من قبل أن يبدأ أصلا ولكنك لا تدري!! 

ثم ينتقل إلى الاعتراض الثاني فيقول: "وهو كالتالي، طريقة قياس الأعمار بالتاريخ الإشعاعي، تعتمد على معرفة نسبة الكربون المشع في جسم الكائن الحي. الآن، من أين لهم هذه النسبة؟ إيش معرفهم إن هاي النسبة نفس النسبة اللي كانت في الكائنات الحية؟ للتذكير، أنا شرحت كيف عرفنا نسبة الكربون المشع في الكائنات الحية، لكن لأختصر هذا الشرح، كانت الخلاصة، نسبة الكربون المشع في الغلاف الجوي هي نفسها في الكائن الحي!" ثم يقول إن السؤال يتحول إلى الصورة: كيف عرفنا أن نسبة الكربون المشع في الغلاف الجوي في وقت تشكل الأحفورة هو نفس النسبة الحالية؟ الجواب: إن عندنا عشرات الطرق لمعرفة مكونات الغلاف الجوي في هذاك الوقت! مثل فحص فقاعات الهواء في الجليد في تلك الفترة! مثل استخراج الهواء من مسامات أحافير النبات من نفس الفترة، تعرف شو الأجمل من هذا كله؟ لما نقيس عمر الأحافير بطرق أخرى، غير الإشعاع، ويعطينا رقم، هذا الرقم بطريقة عكسية، راح نقدر نعرف مكونات الغلاف الجوي في وقت تكون الأحفورة، ومن الصدفة راح يطلع تطابق تام مع مسامات الأحافير في النباتات وفقاعات الهواء والطرق الثانية لمعرفة مكونات الغلاف الجوي! وهون لاحظ إنه صارت عملية معايرة ثلاثية، يعني هذا أوضح من الشمس! تسلسل القصة لا يمكن التشكيك فيه أبدا! يعني هون صار كل طريقة تؤكد الطريقة الثانية! ففي حال إنه طرق من أطراف القصة تغير، هذا التسلسل انهار بالكامل!

قلت: يا بني، كل هذا الذي ذكرته لا يدل على المطلوب أصلا لرجوع الجميع إلى نفس الأصل الفلسفي الذي ذكرنا. كل طريقة من تلك الطرق التي سميتها، إنما توضع فيها الفروض الأولية الكثيرة التي يشترط في افتراضها ابتداء أن تكون متناسقة داخليا مع جملة الفروض الأخرى التي سبق أن اعتمدت أكاديميا في المسائل ذات الصلة! فمن غير المتصور أصلا أن يظهر التفاوت في ورقة بحثية محكمة أكاديميا Peer Reviewed Paper، على نحو يشعر القوم بفساد الطريقة نفسها مبدئيا! ومن غير المقبول عقلا أن يجعل مجرد ذلك التناسق والتوافق، مهما اتسعت دائرته (وهو متسع إلى أكثر مما قلت لا محالة)، دليلا على مطابقته كله للواقع!! هذا لا يصح إلا على مذهب الواقعيين Scientific Realists من فلاسفة العلم، وهو مذهب فاسد عليه من الردود والأجوبة والاعتراضات ما يكون من المعيب جدا أن يتكلم أحدكم في مسألة كهذه وهو لا يدري أصلا بوجوده في أدبيات القوم!! ليس مجرد تحويل السؤال من كيف عرفنا معدل الكربون المشع في الكائن محل البحث عند موته، إلى كيف عرفنا نسبة الكربون المشع في الغلاف الجوي عند موته، بالذي يخرجه عن محل الاعتراض!! بل إنه يزيد من الأسئلة التي لا يكون لديهم من الجواب عنها إلا التحكم! وإلا فلنا أن نسأل: كيف عرفوا أن ما في مسام هذا الكائن المتحفر أو ذاك، من نسب جزيئات الغازات على ما وجدوها عليه، مطابق لما كان عليه انتشار نفس تلك الغازات في الغلاف الجوي حين مات؟ ألا يرد أن تتغير تلك النسبة عبر السنوات التي بقي فيها مدفونا في التربة، بالنظر إلى تفاعلات التحلل الكيميائي التي يتعرض لها، وما قد يمر عليه من مياه جوفية ومؤثرات كيميائية أخرى لا يمكن التنبؤ بها؟ بلى قطعا! يرد! وليس عندنا في العادة ما نرجح به عدم ذلك! بل إن طول بقائه مدفونا حيث وجد، تتضخم معه احتمالية وقوع ما يسميه القوم بالشذوذات anomalies عما هو متوقع نظريا من الاطراد غير المنقطع، كما في مذهب القائلين بالكارثية catastrophism في فلسفة الجيولوجيا! ولكنك وأمثالك للأسف لا تقرؤون إلا في جهة معينة، لكتاب معينين، يأتي كلامهم على هواكم، هداكم الله! والذي يحصل أنهم لا يعجزون أبدا عن استخراج أمثال تلك الاحتمالات لمصلحة الحفاظ على هذه الصورة الجميلة المتناسقة التي تعجبك، مهما أفادتهم النتائج التجريبية والمشاهدات بالشذوذات والمخالفات لما هو متوقع! التفسير الملائم والفرض الموافق، حاضر دائما ولا صعوبة ولا عجب! وهذا يعرفه كل من له أدنى اطلاع على أبحاثهم! فاعتقادك أن التسلسل المذكور لا يمكن التشكيك فيه أبدا، أي في مطابقته كله للواقع في نفس الأمر، هذا مجرد إيمان غيبي أعمى Blind Faith لا دليل عليه إلا الهوى والأماني! فلتكن المعايرة المزعومة ثلاثية أو رباعية أو خسمينية حتى، لا يفيد ذلك بشيء فيما تريد! الاختلافات التي يجوز أن تظهر تجريبيا وبسببها ينهار البناء بالكامل، إنما يتصور وقوعها عندما يكون موضوع الفرض والتنظير محصورا في إطار الحيز المكاني والزماني للعادة البشرية التراكمية، كما في المثال الذي ضربته أنت في أول المقطع! وسبب ذلك أن الأساس الاستقرائي المستقر عند العلماء، يقبل التغير مبدئيا، بمزيد من المشاهدات والتجارب والأرصاد، فيصبح القانون الواحد قانونين، تحت ظرفين مختلفين، أو يصبح لطرده قيدا لم يكن معروفا من قبل، أو تظهر متغيرات لم تكن قد شوهدت من قبل فتغير في جريان القانون وشروطه وموانعه السببية، وهكذا. فعندما يكون الحال في مثل هذا، بحيث أننا لا نجد في كل مشاهدة إلا ما يوافق البنيان النظري القائم والتنبؤ المبني عليه، فإننا والحالة تلك، تزداد ثقتنا في مشابهته الواقع جملة، وفي نفع تلك المشابهة في الأغراض التي لأجلها وضعت تلك النظريات والنماذج وأسست على القوانين والسنن السببية المعتادة من طريق الاستقراء! أما عندما يكون موضوع ذلك البنيان إنما هو توهم وتخمين ما كان عليه العالم قبل مئات الآلاف من السنوات بل ملايين السنوات، فلا دلالة في كون المشاهدات الجديدة كلها بحيث يمكن تأويلها بما يوافق الأنموذج النظري المعتمد ولا ينافيه، على صحة ذلك الأنموذج نفسه في الإخبار عن ذلك الماضي السحيق وتفسير ما جرى فيه! بل لا يمتنع أن يكون البناء كله وهما في وهم، لا صلة له بما وقع في ذلك الماضي تحقيقا، على الرغم من ذلك التناسق والتوافق التام الذي تتغنى به في كلامك! هذا كما بينا في غير موضع، من أجلى صور المغالطة المشهورة: تأكيد التبعات Affirming the Consequent! يقال إذا صحت (أ) لزم أن نشاهد (س)! شوهدت (س) إذن لابد أنه لم يقع إلا (أ)! وهذه مغالطة لأنه يجوز أن يقع (ب) ومع هذا تشاهد (س) أيضا لا غيرها! وقد تقع (ج) وتشاهد (س) أيضا، ولا فرق! فإن لم يكن لدينا من المعرفة الاستقرائية من عادتنا التراكمية، ما به نرجح أن ما حصل هو (أ) وليس (ب) أو (ج)، بطريقة الاستبعاد التفسيري الصحيحة التي بسط الكلام عليها في كتاب معيار النظر وغيره، فلا أساس إذن إلا انتقاء الفرض الأنسب للنظرية المعتمدة، كيفما اتفق لها أن تكون! وإذن لزم الدوران القبلي والتكافؤ الدلالي على نحو لا خروج منه أصلا! وكيف يخرجون منه والحال أن موضوع الافتراض كله غيب مطلق لا سبيل للوقوف على مشاهدته صراحة؟؟ محال! 

يقول الشاب هداه الله: "متذكرين لما قلت لكم إن أول ما يتشكل الصخور، فهي تؤشر إلى المجال المغناطيسي للأرض في وقت تشكلها؟ لما عملنا معايرة بين عمر الأحافير وبين المغنطة الأولية اللي شرحتها، وبين سرعة الطبقات التكتونية راح نعرف شكل القارات، في السابق! لتفهم كلامي خذ هذا المثال، فحصنا عدة صخور من نفس الفترة، نجد إن اتجاه الشمال في تلك الصخور لن يصبح منطقي، إلا بعد إضافة عامل تحرك الطبقات التكتونية، وتكون فعلا مؤشرة للمجال المغناطيسي. لما نجمع المعلومات مع بعض، راح نعرف شكل القارات قبل مليارات السنين! وأيضا أحب أنوه إنه نسبة العناصر في الأحفورة، يتم معرفتها بطرق أخرى غير مكونات الغلاف الجوي، مثل طريقة نسبة العناصر الأم إلى الابنة! لكن شرحها يحتاج رياضيات وحلقة إضافية، ربما للمستقبل! وأخيرا خلصت شرح! صراحة، الحلقة متعبة! من أكثر الحلقات تعقيدا، لكن الأسئلة العميقة، تحتاج إلى أجوبة عميقة! عملت الحلقة بس لأثبت إنه العلوم الكاملة، لا تنتقض بدون التعمق فيها! مش بس لأني ما أعرف كيف استخرجوا معلومة معينة، معناه العلماء ما فكروا بسؤالي! عملت الحلقة لأثبت إنه لما العلم يثبت إن عمر الأحافير رقم معين، ولما يحكوا نسب العناصر في الغلاف الجوي قبل مليون سنة، كانت هيك، وشكل القارات قبل مليار سنة كان هيك، أكون متأكد إنهم ما حطوا الرقم عبثا! ما كانوا فيه شخصين صحوا من النوم وقالوا هالرقم عاجبني! لأ! بل الأشخاص اللي وضعوا هاي الأرقام، وضعوها بعد ما كرسوا حياتهم كاملة ليثبتوا صحة هاي الأرقام! وبالتأكيد خطرت عليهم كل هاي الأسئلة! اللي راح تيجي بخاطرك! أكيد إنهم جاوبوا على أسئلتك! كشخص مش مختص بمجالهم، حتى قبل ما تفكر تسأل هالأسئلة! لأن هاي وظيفتهم!"

قلت: نفس الشبهة التي يتعلق بها أصحاب كل عقيدة غيبية فاسدة إذا قيل لهم: عقيدتكم لا أساس لها إلا الإيمان الأعمى!! يقول قائلهم هذه العقائد عندنا قرون من العلماء الكبار أفنوا أعمارهم في تحريرها والانتصار لها والرد على مخالفيها، فكيف تريد نسفها هكذا بكل سهولة بمجرد طرح أسئلة تدعي أنهم ما فكروا فيها؟؟ بل قطعا فكروا فيها وعندهم لها مئات الأجوبة! وصحيح إنهم فكروا فيها، بل لا شك في أنهم فعلوا! وصحيح أن عندهم أجوبة لها، ولكن هذا لا تأثير له على حقيقة أن المنظومة الاعتقادية الفاسدة، التي يعلم فسادها بالتأمل في أصلها الأول، لا يحتاج من ينقدها إلى أن يرد على جميع تلك الأجوبة التفصيلية عند علمائها المتخصصين في تأصيلها والتفريع عليها وتعليمها للناس! أنا أعلم أن الثالوث، مثلا، باطل، بمجرد التأمل في معناه! فإذا جاءني رجل نصراني يقول: بل الثالوث حق وهذه الاعتراضات التي ذكرتها لا تخلو مصنفات علماء النصرانية من الرد المفصل عليها، وإذن فأنت لا تعدو أن تكون جاهل تردد جهلا بدلا من أن تسأل أهل الشأن فيعلموك، فلن أحتاج إلى أن أرد عليه أصلا!! لو أنه صدق وتجرد للحق وتأمل في الأصل الذي نعترض عليه، لبان له وجه فساده عند أصحابه، كما حقه أن يتبين لكل عاقل! وإذن، لما وجد في تلك الأدبيات مهما كثرت، ما يدفع ذلك الفساد، أو يبطل وجه الاعتراض عليه! ولكن هذا مسلك من يحمل الناس حملا على التقليد دون أن يبلغوا من العمق (على عبارته هو نفسه) في فهم أصول تلك النظريات، ما كان واجبا عليه هو نفسه أن يحققه قبل أن يدعوهم لتقليد من اختار هو أن يقلدهم! ومهما حاول أحد من الناس أن ينبههم إلى فساد الأصل الفلسفي الكلي الذي تقوم عليه تلك النظريات، قوبل بالتشنيع والتجهيل، وقيل للناس: هذا غير متخصص، دخيل على هذا العلم، ولو كان متخصصا لوقف على ردود العلماء على أسئلته! وإذن لما أقدم على طرحها أصلا!! التوافق بين تلك النظريات والأدوات التي ذكرتها، كله راجع إلى التوفيق الافتراضي من مبدأ الطرح! أصحاب تلك الفروض لا ينشئونها في رؤوسهم بمعزل عما قد سبق أن اجتمع في التراث الأكاديمي الذي ينتسبون إليه من فروض متلائمة في نفس المسألة وفي المسائل ذات الصلة! ولو فعلوا لما قبل كلامهم أصلا ولما أجيز للنشر! فمحاولتك صدم المخالفين بمجرد مبلغ ذلك التوافق عند القوم لا تأثير لها على ما يعترضون به! بل إنها تزيد من تراكم الأسئلة التي لا يجيبون هم عنها إلا تحكما بالافتراض لمصلحة التوفيق والتأليف بين الفروض! وهو ما قد يرجع على بعض الفروض القديمة بالتعديل بالمناسبة، ولا إشكال، لأن الغرض بناء صورة واحدة تامة التناسق، بتأويلات متلائمة معها لجميع المشاهدات! وهذا كله لا يكون معايرة ولا Cross Validation كما تتوهم أنت أو توهم به من يسمعونك، وإنما هو توليد للفروض الجديدة بحيث تكون متناسقة بالضرورة من مبدأ الطرح! فإذا كان موضوع الطرح والنظر غيبيا مطلق التغييب، فلا فضل فيه لمنظومة متكاملة من الفروض أو سلسلة من النظريات أو بناء نظري ما، أو باراديم معين، مهما بلغ من الضخامة والتناسق البديع بين أجزائه، على ما يخالفه من مثله، ولا دلالة في نفس المشاهدات لرجحان أي منهما على الآخر! وهذا ما ندعوك نحن لأن تقرأ فيه، لأنه من الواضح الجلي أنك مقلد مغرق في التقليد لمذهب فلسفي معين من حيث لا تشعر! وهو مذهب مخالف لما يجب على المسلمين أن يعتقدوه، كما بينت ذلك وأطلت النفس في بيانه في غير موضع في سلاسل هذه القناة المباركة، والله الهادي إلى سواء السبيل.

تم المقصود من الجواب، والحمد لله أولا وآخرا

أبو الفداء ابن مسعود

غفر الله له ولوالديه وللمسلمين.

إرسال تعليق