التعليق على لقاء عبد الله المديفر مع الدكتور نضال قسوم - 3



الحمد لله وحده، أما بعد، يقول الدكتور: "ثم هناك مصدر العقل، يعني عندما بدأت.. حتى قبل العلوم الطبيعية هذه والعلم الحديث، كانت هناك الفلسفة، كانت هي أم المعارف، الفلسفة طبعا تقوم على العقل! كيف تقوم على العقل؟ تقوم على التحليل المنطقي، ما يصل إليه العقل بأدوات سليمة منطقية، من منطلقات نعتبرها معقولة، فنصل إلى نتائج. لكن هذه النتائج، تختلف في حقيقتها وفي إثباتها عن الحقائق العلمية، التي لها طرق إثبات مختلفة، وإن كانت تشترك، يعني يشترك هذان المجالان في الاعتماد على العقل والمنطق"

قلت: هذا الموضع أيضا، يبدو لأول وهلة سهلا واضحا لا غبار عليه، عند من درس ولو دراسة أولية لمقررات الفيزياء في المرحلة الثانوية في أي مدرسة من المدارس! قارن إن شئت بين مقرر الفيزياء للصف الثاني الثانوي عندنا في مصر، مثلا، ومقرر الفلسفة لنفس المستوى الدراسي! كلاهما يستند إلى العقل ولا شك، ويدعي أن دعاواه منطقية معقولة! لكن الفارق بين نوع الدعاوى التي يتناولها الفيزيائيون النيوتونيون بالتوصيف الرياضي الدقيق في موضوعات المقرر المذكور، ونوع الدعاوى التي يناقشها الفلاسفة في موضوعات المقرر الآخر بالحجاج العقلي، كما بين السماء والأرض! في مقرر الفلسفة، يدرس الطالب فلسفة الأخلاق ومذاهبها، مذهب الضمير عند بطلر، الفلسفة السياسية عند أفلاطون، وما شاكل ذلك! بينما في المقرر الآخر، يتعرض الطالب لفيزياء ماكسويل في الكهرومغناطيسية، التي كانت ولم تزل حجر الزاوية في التكنولوجيا العصرية، وغير ذلك مما يطبقونه تطبيقا مباشرا في كليات الهندسة إذا دخلوها! 

فبينما يبدو المقرر الفلسفي مثخنا بالأوهام والتحكمات الواهية، مثقلا بالمقدمات المغرقة في الإجمال الفاحش، التي لا تسمن ولا تغني من جوع، لا تحسم جدلا ولا تقطع نزاعا، وهي إلى إفساد العقل والدين معا أقرب منها إلى النفع والفائدة، وفيها من تجاوز التشريع الإلهي ما فيها، وفي مجرد تدريسها لأبنائنا في المدارس جناية عليهم لا يتسع هذا المقام لبيان وجوهها، ترى مقرر الفيزياء، في المقابل، منضبطا رياضيا وتجريبيا، إجمالا، وله من المنافع الدنيوية ما لا ينكره عاقل، ولا يماري فيه إلا مكابر! نعم، العلم يفيدنا "بالحقائق" كما عبر الدكتور، بينما الفلسفة لا تفيد بالحقائق ولا بقريب منها!! بل لا يدعي إنسان أنه يعرف حقيقة ما، أي حقيقة، على أي مبلغ من مبالغ الثقة واليقين، إلا وجد بين الفلاسفة من يعتنق مذهبا ينقضها عليه نقضا! ولو كان المنطق الأرسطي الذي صدعوا به رأس الطالب في نفس المقرر، مفيدا حقا، مطلوبا معرفيا، حتى يضبط الباحث به عقله ونظره، لرأينا أشد الناس عناية به في أبحاثهم، الفيزيائيين أصحاب تلك المعادلات الدقيقة الرائقة والقوانين المحكمة المطردة التي يدرسها الطلبة في المقرر الآخر، ويجدون ثمرتها في كل معمل وفي كل مصنع! لكن أين؟؟ لا أثر لهذا المنطق المتكلف عندهم ولا وجود له أصلا!! حتى باب تعريف المغالطات المنطقية الذي أسسه أرسطو قديما وتوسع فيه المناطقة المعاصرون، وهو من أبواب مقررهم المذكور، لا يجدون له أثرا ولا يشعرون بالحاجة إليه في أي مجال من مجالات المعرفة النافعة التي يتعرضون لها في المقررات الأخرى! فمن تأسس على هذا التصور السطحي الساذج لجملة ما يقال له الفيزياء عند الأكاديميين المعاصرين، في مقابل جملة ما يقال له "الفلسفة"، فلا عجب من أن تراه يقبل كلام أمثال برتراند راسل وستيفن هوكينغ وغيرهما في أن الفلسفة قد ماتت، و"العلماء" Scientists (على اصطلاح هيويل الذي ناقشناه آنفا) هم اليوم حملة مشعل المعرفة بشأن الواقع وما فيه، وطريق تحقيقها على وجه التمام! وهي قسمة ثنائية تامة كما ترى Absolute Dichotomy: إما الفلسفة وإما العلم! هذه هي مصادر المعرفة بشأن الواقع وما فيه، في نمط الفكر الغربي الذي أنشأته الأكاديمية اليونانية قبل ثلاثين قرنا من الزمان! كل ما جاز أن يكون معرفة مطابقة للواقع في موضوعها، فإما أن يؤتى به من الفلسفة، أو من الطبيعيات! من الفيزيقا ومن الميتافيزيقا ومما بينهما! المعرفة من أجل أن تكون معرفة حقا، فلابد أن تكتسب من طريق القياس على المحسوس، على نحو ما! فلما كان القياس على المحسوس فيما مضى هو صنعة الفلاسفة، أكاديميا، كان السلطان لهم! ثم لما تحول الأمر في القرن التاسع عشر الميلادي، وأصبح من يقال له "العالم" Scientist (بعد أن كان يقال له الفيلسوف الطبيعي) متخصصا في توليد واستيلاد "الحقائق العلمية" على عبارة الدكتور، تلك الحقائق التي تفتح أبواب التحكم في أسباب الدنيا والعلو فيها وبها كما لم يعرفه الناس من قبل، بينما الفيلسوف هو من صارت شغلته توليد الأسئلة والاعتراضات، والخوض في الجدل السرمدي في مسائل لا تفيد بمثل ذلك ولا بقريب منه! فالحقائق بشأن الواقع ما عادت تطلب من هؤلاء، وإنما تطلب من "العلماء"! أصحاب "العلم الأعلى بالواقع وما فيه"! 

والحق، كما بينا آنفا، أن المعرفة بالواقع وما فيه ليست من نوع واحد، حتى يستجاز أن يقصر طلبها على هاتين الأكاديميتين: أكاديمية الطبيعيين، وأكاديمية الفلاسفة! وليست كذلك، أي من نوع واحد، من حيث مصدر تلقيها، إلا عند آباء المدرسة اليونانية القديمة، الذين أورثوا الغربيين طريقتهم في النظر والبحث، تلك الطريقة المتغطرسة المتعالية التي ما خرجوا منها إلى اليوم، ولا يبدو أنهم خارجون منها أبدا إلا أن يشاء الله. ذلك أن الفيلسوف اليوناني هو أول من استجاز لنفسه أن يكتسب المعرفة بكل ما في الوجود، سواء كان حقيقة كلية ذهنية أو حقيقة متعينة خارج الأذهان، من طريق العقل وأقيسته النظرية بأنواعها! إن كان من حق يرام بشأن ما في الأعيان من أنواع الموجودات، فطريق ذلك هو القياس على المحسوس بأنواعه! وإن كان من حق يرام في الأخلاق والسياسة وما يتعلق بها، فلا طريق لذلك إلا القياس في الذهنيات والمعاني الكلية بأنواعه! يبدأ الفيلسوف بذلك، فيؤسس لنفسه نظرية بشأن الوجود العيني خارج الذهن وما يجوز فيه وما يمتنع، ونظرية بشأن ما يجب وما ينبغي أن يكون عليه الواقع، على مستوى الفرد والجماعة، ونظرية كذلك بشأن ما يصلح أن يكون معرفة معتبرة وما لا يصلح، ثم يجلس يعلم الخلق كيف يفكر أحدهم إذا أراد أن يفكر، وكيف يتعقل إن كان لمثله أن يتعقل، وكيف يرد أي دعوى أيا ما كان موضوعها، وكيف يقبلها، وهو ما يرجى به عندهم للعامي أن يتخلص من أواصر التقليد واتباع الآباء بلا دليل ولا بينة، وأن يقدر – تبعا – على أن يمحص العقائد الدينية الموروثة التي تأتيه من رؤوس المعبد وأكابر أهل الملة التي ورثها من أبويه، ويميز ما كان منها معقولا وما كان منها فاسدا لا يجاوز منزلة السفسطة والأسطورة الواهية، أيا ما كان موضوع تلك العقائد ومصدرها عند من يتعلق بها! فالأكاديمية الغربية قائمة من مبدأ التأسيس، على إغفال وإسقاط كل من الفطرة والمعرفة السمعية (الوحي الإلهي) وجعلهما وهما لا حقيقة له إلا أن تتابع الناس على تقليد بعضهم بعضا في التعلق به، ولا فرقان بين الحق والباطل في دعاوى الناس أيا ما كان موضوعها إلا أنواع القياس النظري المعتبرة منطقيا بمقاييس أرسطو وأفلاطون وأساتذتهما من قبلهما! وهو ما أوجب أن تكون جميع الدعاوى قضايا نظرية نوعا، والخلاف عليها مستساغ مبدئيا أيا ما كان موضوعها! وأوجب ألا تثبت الضرورة العقلية Rational necessity في الدعاوى المعرفية، أيا ما كان موضوعها، إلا فيما يكون قيام النظرية التي يؤسسها الفيلسوف المتبوع لنفسه، مرهونا بالبناء عليها والتسليم بها! فإنه لو لم يصل الفيلسوف مع خصومه إلى نقطة يتهمهم عندها بجحد الواضحات الجليات البديهيات، لساخت الأرض تحت قدميه، ولما وجد أساسا يقيم عليه شيئا من نظرياته، وإذن لذهب كل شيء أدراج الرياح! فما يراه الناس ضروريا بديهيا لا يماري فيه إلا مسفسط، ويرى هو أنه لو سلم لهم بضروريته لاضطر للنزول عن نظريته، فهو يماريهم فيه لا محالة، ويدفع في وجوههم بكل اعتراض منمق جذاب Sophisticated Refutation، ولو أنشأ على أثر ذلك مذهبا فلسفيا معتبرا في الأكاديمية من أجل أن يتترس به ويرد به على كل معترض! وإذن فالضرورة نسبية، عندما يُعترض بها عليه، فقط! يقال: هي كذلك عندك أنت، ولا يلزمني! ولو شئت أن أنقضها عليك لما أعجزني ذلك! وهي، في المقابل، حقيقة موضوعية قاطعة لكل جدل، ويوجب جحدها التهمة على العقل نفسه، عندما يكون موضوعها بحيث إن أنكره الخصم، أسقط على الفيلسوف بناءه وتأسيسه، أيا ما كان! يقال: هذه حقيقة جلية جلاء الشمس، والذي ينكرها كالذي ينكر أن الواحد نصف الاثنين! فهل في العقل ما هو أسخف من ذلك؟ مع أنها، أي تلك الدعوى، قد تكون من أبعد أنواع الدعاوى عن العقل السوي أو عن مشابهة تلك المسألة التي مثل بها (أن الواحد نصف الاثنين)! وهذا كثير عند القوم! ولكنه يعلم أنه لو فتح الباب للجدال عليها لتسلسل عليه الأمر! ولهذا ما زلت ترى الخصومات تعقد بين الفلاسفة بحيث يسلم الخصمان بضرورية دعوى معينة في خصومة من الخصومات، ثم يتنازعان عليها هي نفسها في خصومة أخرى! ولا يزال الفيلسوف يتقلب بين المذاهب والملل والنحل كما يغير أحدهم نعليه، ولا يبالي، أو على الأقل هكذا يُظهر للناس! ولهذا يحبون الخلاف جدا، لأنه يخلق لهم سحابة الدخان الاجتماعية الضخمة التي يتترس بها كل زنديق وكل مجرم غوي يريد أن يدرأ عن نفسه نقمة الناس وبطشهم بالمخالف! ولهذا انتهى بعض حذاقهم إلى الحكم بأن الفلسفة لا يوصل منها إلى الحق أبدا! وإنما تبنى بها ظنون تقابلها ظنون أخرى، مكافئة لها في قوة الثبوت والمستند العقلي على التحقيق! وإذن فغايتها أن تستخرج منها الأسئلة المثيرة الحافزة على البحث والنظر، لا أن تفيد بالأجوبة والحقائق! 

ففي بيئة فكرية فوضوية عبثية سفسطائية كهذه، لا يكون من عجب أبدا أنه بمجرد أن تبدأ الطريقة الاستقرائية في تتبع النظاميات السببية المحسوسة في توليد ثمرة مادية ملموسة ينتفع بها الناس ويتفقون على الانتفاع بها بلا مخالف، فإنها تصبح عندهم بمنزلة طوق النجاة ومعيار المعرفة الأعلى والأوثق والأقطع لكل جدل! فلما أحدث بعض العرب ما أحدثوا من اختراعات باهرة في القرون الوسطى، تقوم على استقراء وتتبع النظاميات السببية والتحكم بها، كبصريات ابن الهيثم وميكانيكا البيروني وأبي البركات البغدادي وابن بجة وغيرهم، ممن سبقوا نيوتن إلى مفاهيم التعجيل والعزم والقوة والطاقة (أو الميل كما سماه ابن سينا) وغير ذلك، مما كان أمراء أوروبا يبعثون بأبنائهم ليتعلموه عن القوم في الأندلس، طلبا في أن يأخذوا عن المسلمين أسباب تطورهم المادي والتقني وتفوقهم الدنيوي آنذاك، مع قيام عامة تلك الاستقراءات، جملة، على الميتافيزيقا الأرسطية التي أخذها العرب كما أخذها غيرهم، ثم أعادوا نقلها إلى أوروبا بعد أن انقطعت صلتهم بها أو كادت، لما كان ذلك كذلك، انطبع في العقلية الغربية تصور كلي فاسد غير محرر ولا ملفوظ، مفاده أن التطور المادي القائم على استعمال النظاميات السببية الثابتة من طريق الاستقراء، دليل كاف على صدق ومطابقة المفاهيم الميتافيزيقية الأولى التي انطلق منها مؤسس تلك الاستقراءات في نظره إلى الوجود والموجود، بل وأنها لا يستدل لإثبات صحتها بشيء أوثق أو أثبت من ذلك! حتى لقد رأينا من يستدل، مثلا، على فساد ميتافيزيقا أرسطو في دعوى أن جميع الحركات ناشئة عن أثر المحرك الذي لا يتحرك، بتقرير الحقيقة المشاهدة المعتادة التي مفادها أن الأجسام قد تستمد حركتها المشاهدة من مصادر أخرى (باستحالة أنواع من الطاقة إلى الحركة)! هذا استدلال معتمد مشتهر اليوم لا يرى الفيزيائيون المعاصرون داعيا لتقليب النظر فيه! مع أنه بقليل من التدبر والتأمل، ينكشف لك أن هذا ليس دليلا على بطلان دعوى أرسطو، إن سلمنا بمعقوليتها في نفس الأمر (أي في مسألة المحرك الذي يوصف بأنه لا يتحرك هذه!)! فدعوى أرسطو تقرر إطلاقا ميتافيزيقا مفاده أنه لا يتحرك شيء في الوجود البتة إذا تحرك، أيا ما كانت حقيقته، إلا بأن يكون سبب حركته فعل محرك غيبي معين، هو الذي يحرك كل شيء! فسواء كان ذلك المحرك يفعل فعله في المتحركات على صورة مباشرة أو غير مباشرة، أي بتوسط أسباب أو لا بتوسط أسباب بينه وبين كل متحرك، فنفي فعله المذكور، فضلا عن نفي وجوده، لا يوصل إليه من طريق المشاهدة والاستقراء أصلا! ولكن كذلك إثباته لا طريق إليه من العادة، كما كانت هي حقيقة ما استند إليه أرسطو نفسه ابتداء في القول به! ونحن المسلمين نؤمن فعلا بأن لله ملائكة بالغيب تحرك كل متحرك في هذا العالم، وتقوم على إبقاء الطبائع في المواد على ما عليه عادتنا من ذلك، وهذا مما لا يوصل إلى نفيه من استقراء العادة، ولا إلى إثباته! ولكن كما تقدم، فلما افتتن الغربيون بنفع النظر الاستقرائي خاصة في تتبع نظاميات العالم والتنبؤ بها واستعمالها فيما سخرت لأجله من ابتلاء البشر، وكانوا، وكان العرب كذلك من قبلهم للأسف، متشبعين بميتافيزيقا أرسطو وطريقته وأصحابه وأستاذته من قبله في إطلاق النظر على شرط الوجود، أصبح الاعتقاد السائد أن النظرية الميتافيزيقية التي تتعلق باستقراء ما في النظاميات السببية المعتادة، لا سيما مع كون ذلك الاستقراء قد انتفع به الناس في يومهم وليلتهم بوجه ما، هذه النظرية تكون أحرى وأجدر بمطابقة الواقع من خلافها مما ليس له حظ من ذلك! هذا الميل كان من جملة المبادئ العقلية الكلية المضمرة التي تأسست عليه الطريقة العلمية العصرية Modern Scientific Method في القرون الخمس الأخيرة للأسف، بسبب ذلك الأصل المنهجي اليوناني الذي بينت لك، وهو ما صاغه المعاصرون فيما بات يقال له مذهب الواقعية العلمية Scientific Realism. وخلاصته أن النظرية التي تصف الواقع بإطلاق (على طريقة اليونانيين في إطلاق مفهوم الواقع Reality)، إذا دلت العادة على صدق بعض تنبؤاتها الاستقرائية الداخلة في بنائها بوجه ما، في إطار العادة البشرية، ولو من باب مشابهة النسق الرياضي المصوغ لها، لما في الواقع مما اعتاده الناس، كان ذلك دليلا على مطابقة جميع دعاواها الأنطولوجية (الوجودية الغيبية) للواقع جملة! وكأن الذي يضع النظرية لا يأتي بها من كيسه على سبيل الفرض التشبيهي التمثيلي لما في الواقع، ويؤسس عبارته النمطية الرياضية على ذلك التشبيه، وإنما ينكشف له حجاب من حجب الغيب، انكشافا عقليا Rational Revelation، فيرى واقع العالم كله على ما هو عليه، كما تفيده به الآلهة التي تفضلت عليه بكشف جانب لما في عالم المثل المزعوم من قوانين رياضية عليا كانت هي السبب الوجودي في كون العالم المحسوس على ما هو عليه، عند أفلاطون وأتباعه!     

ولهذا، ومع أننا نفاخر بأن المسلمين هم الذين علموا الغربيين فنون الاستقراء والنظر التجريبي الذي هو عماد جميع العلوم التجريبية النافعة وأوكد أصولها، إلا أنهم كذلك هم الذين أحيوا في الغربيين في القرون الوسطى، ميتافيزيقا أرسطو وأفلاطون وطريقة اليونانيين الدهرية في وضع النظريات في الموجود ومبدأ الوجود بإطلاق، والله المستعان! ولولا ترجمات المسلمين في القرون الوسيطة لفلسفة اليونانيين، ما استمر فسادها وما بقي في الأكاديمية الغربية إلى اليوم! فكما أن نظرية أرسطو كانت تروم تفسير مبدأ الحركة بإطلاق، أي مهما وجد موجود بحيث يوصف بأنه يتحرك، فتكون النظرية تفسيرا لحركته، أو "لقيام ذلك المعنى به"، فكذلك جميع نظريات من جاؤوا بعده، وصولا إلى ميكانيكا نيوتن ثم أينشتاين! لا يمكن ولا يصح على تلك الطريقة أن يوصف موجود ما بأنه "يتحرك" ومع هذا لا يكون قيام ذلك المعنى به على الحقيقة أو الكيفية التي تفرضها النظرية (فعل المحرك الذي لا يتحرك عند أرسطو، أو ميل ذاتي يكتسبه الجسم من "القوى" المؤثرة عليه في الخلاء المطلق عند نيوتن، أو تأثير القوى عليه في خلاء وجودي تتغير هيئته وزمانه، تحت تأثير كتل الأجرام المحيطة به عند أينشتاين)! وهذا هو منشأ التعطيل عند الفلاسفة والمتكلمين كافة، كما بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع. وبكل أسف، لم نر من المسلمين الذين ترجموا أدبيات اليونانيين وأسسوا عليها نظرهم، ثم نقلوها لأوروبا في القرون الوسيطة، من ينتبه إلى فساد ذلك المبدأ الميتافيزقي اليوناني الدهري في طريقة الفلاسفة في النظر في الطبائعيات، وتجويز اقتحام جميع أنحاء الزمان والمكان بقياس الغائب على الشاهد في الكيفيات وفي تفسير كون الموجود موجودا، موصوفا بما له من المعاني التي يشترك فيها كل موجود بمقتضى وجوده في الأعيان على الحقيقة، ككونه تتناوله معاني الزمان والمكان، وكونه له امتداد في الجهات، وكونه يمتاز منه جانب عن جانب، أو حد عن حد، أو بعض عن بعض، وكونه يقبل الحركة والانتقال والتغير ونحو ذلك، ويمتاز عن غيره من الموجودات بحقائق تخصه، تقوم به قياما حقيقيا! هذه المعاني ونحوها لا تحقق لموجود خارج الذهن أصلا إلا بالتحقق بها على النحو اللائق به! ومع هذا، فقد صيرها الفلاسفة اليونانيون موضوعا لنظرهم وتفسيرهم بأقيسة التمثيل والشمول، لأجل أن يصلوا لأن يقولوا: إن نظريتهم هي أساس "العقل" في تحقيق المعرفة بما يجوز وما يجب وما يمتنع وجوده في الأعيان! أو للدقة، أن يكون ما عندهم أساسا لتسليط العقل وتحكيمه في الوجود من حيث هو وجود! هذا هو موضوع النظرية عند الفلاسفة المؤسسين للمدرسة اليونانية، وهو كذلك موضوع الفيزيائيين اليوم في عامة نظرياتهم وقوانينهم، اتباعا منهم وتقليدا للفلاسفة الأولين من حيث لا يشعرون: كشف وفهم الواقع بكليته Reality والعالم بكليته The Universe! 

والحق أن كثيرا من الفيزيائيين، بل أكثرهم، كبارا وصغارا، كالدكتور قسوم والطائي وغيرهما، هم في الحقيقة مقلدون متمحضون في التقليد والمتابعة لأساتذتهم من قبلهم على جملة من المسلمات الفلسفية الأولى التي لا ينتبهون ولا يشعرون بافتقارها لما يُنتصر لها به عقلا، بل ولا يشعرون بفساد بعضها تحقيقا! فصحيح إنك إذا قارنت تلك القوانين التي يتعلمها طلبة الصف الثاني الثانوي في مقرر الفيزياء، التي أشرنا إليها آنفا على سبيل ضرب المثل، بتلك البضاعة "العقلية" المدخولة التي يتعلمونها هم أنفسهم في مقرر الفلسفة والمنطق، لوجدت بينهما من الفارق في النفع وموافقة الواقع كما بين السماء والأرض كما ذكرنا آنفا، إلا أن ما يقال له العلم التجريبي أو الطبيعي أو الفيزياء خاصة، في عصرنا هذا، ليس كله بهذه المثابة وعلى هذه المرتبة، سواء من حيث الوثوقية المعرفية Epistemic Warrant أو من حيث الفائدة النفعية التي ترجى منه! ومن محض التلبيس أن يوهم الناس بأن الأمر كذلك! بل إن منه ما يقوم على مقدمات فلسفية أحط، في الحقيقة، من حيث الثبوت العقلي، من كثير مما يمرون به في ذلك المقرر الفلسفي المذكور! وما يقدمونه للناس لا يوصف بأنه "حقائق علمية"، بل ولا يستحق حتى أن يوصف بأنه "تخمين علمي" له قيمة ما!! وكل ما يزعمه أصحابه دليلا عليه فهو من جنس استدلالات القوم على "حقيقة الحركة" بهذا الإطلاق، التي ضربنا المثل عليها آنفا، سواء في كلام أرسطو أو في كلام مخالفيه ممن جاؤوا بعده! ومما يعظم من المشكلة هنا، أن تلك الفتنة بالتجريب والطريقة التجريبية التي أشرنا إليها آنفا، وعلاقتها بالنمذجة الرياضية الدقيقة، قد تنامت في نفوس الطبيعيين الغربيين عبر القرون الأخيرة، انطلاقا من أصول الأفلاطونية الحديثة في مفهوم الرياضيات وحقيقتها وحقيقة العلاقة بينها وبين الواقع الفيزيائي المحسوس، حتى أصبح القوم يعتقدون اعتقادا راسخا أن للنظر الرياضي نفسه طبيعة خاصة توجب نوعا من أنواع العصمة العقلية لمن يشتغل به، أيا ما كانت مادة ذلك النظر وموضوعه، حتى أنك تجد أمثال الدكتور باسل الطائي يغضبون غضبا عظيما ممن ينتقد على الفيزيائيين مبحثا من مباحثهم من أصل الطرح وموضوعه، لا لشيء إلا لأن صاحب النقد ليس فيزيائيا متخصصا في الرياضيات المتقدمة كتخصصه هو وأقرانه! مع أن العاقل لا يحتاج إلى أن يكون متخصصا في الرياضيات البحتة أو المتقدمة، حتى يجزم بأن ثمة خللا عقليا عميقا في ادعاء أن مشاهدة حال العالم على ما هو عليه الآن، وما ركب فيه من طبائع وتغيرات طبيعية، تكفي لبناء النظريات والتصورات المعرفية المعتبرة عقلا بشأن الكيفية التي نشأ بها العالم نفسه بكليته بعد أن لم يكن! من الواضح بادي الرأي أن هذا المسلك في غاية الفساد! وهو في الحكم العقلي كالذي يقول: إنما نشأ جهاز الحاسب الآلي، مثلا، نشأة رقمية Digital Origins بعدما اتفق لبعض البرامج الحاسوبية أن أحدثته وركبته تركيبا! فهل حقيقة ما تحدثه برامج الحاسوب من نواتج رقمية، يمكن أن تشبه حقيقة آلة الحاسوب نفسها، أو أن تقاربها ولو من بعيد؟ أبدا! ولكن طريقة القوم تجري على مقدمة ميتافيزيقية دهرية (خفية غالبا Implicit) مفادها أنه لا تكون طبائع الأشياء في الأعيان إلا على ما عليه المواد المعتادة من حولنا إجمالا، وجوبا، أو على ما دلتنا العادة وطردها المطلق النظري عندنا، على أنها "يمكن" أن تتغير إليه أو تتحول إليه، أو منه! وهو إمكان لا دليل عليه إلا التحكم، إطلاقا للقياس (ومنه الاستقراء) بلا حد ولا قيد، على طريقة فلاسفة اليونان، التي لم يتخلص منها الفلاسفة الأكاديميون عبر القرون! فالأصل عند الفلاسفة أن المعادلة إذا وضعت لوضع وصف مشابه لنظامية معينة من النظاميات المحسوسة المعتادة من حولنا، التي استقر العلم بها عندنا من طريق الاستقراء، فلابد أن تصح وتطابق الواقع من جميع الوجوه، في كل مكان وزمان وعلى كل حال بإطلاق، ما لم تدلنا المعادلة نفسها أو معادلات أخرى على أن ثمة حدا لذلك الانطباق ينتهي عنده (رياضيا)! أي أن الفيزيائيين عامة يقلدون فلاسفة اليونان في أصول فلسفية كلية لا ينتبهون إلى المصدر الذي دخلت عليهم منه، ولا إلى حقيقة أنها لا أساس لها إلا محض التحكم بالهوى! هذه الأصول والمسلمات المنهجية اليونانية يمكن إيجازها فيما يلي:

• وظيفة النظريات المتعلقة بالواقع الخارجي The Function of an Ontological Theory عند الفيلسوف (أي النظريات التي تصف ما في الواقع أو تتناوله بالتفسير)، ليست هي تفسير وتتبع بعض الظواهر المخصوصة محل البحث في إطار ما يحقق المنفعة التطبيقية للناس وحسب، وإنما وظيفتها الأساسية وغايتها العليا هي كشف حقيقة الوجود بإطلاق (أو الوجود من حيث هو، كما كانوا يعبرون قديما) Existence Qua Existence، بما يحقق العلو الفكري والمعرفي التام لأصحابها على جميع أهل المعارف في الأرض، لا سيما أهل الأديان من أتباع الرسل! ولهذا كانت ولم تزل العلاقة بين مجال النظر الفيزيقي (البحث في الطبائعيات) والنظر الميتافيزيقي (على ما عرفه عليه اليونانيون قديما) علاقة عميقة التداخل، لا يمكن فضها أو التخلص منها في تصورهم، كما يأتي مزيد كلام عليه لاحقا بحول الله تعالى! 

• لا حد ولا قيد لقدرة العقل البشري على استكشاف ما في الوجود، وعلى التوصل إلى معرفة حقائق وكيفيات الأشياء، وتفسير كونها على ما هي عليه! وليس في النفس البشرية فطرة معرفية قاضية بتقييد قياس الشمول (ومنه الاستقراء) وقياس التمثيل في الموجودات بحدود العادة التراكمية، وبقبول ما ينضاف إلى ذلك (وجوبا) من قيود سمعية تأتي من طريق الوحي! بل يجب أن تكون النظرية والقياس الذي أطلق فيها، حاكما على كل معرفة بما في الأعيان، بإطلاق، متسلطا على ما عند أهل الأديان البتة.  

• التعبير الرياضي ليس تمثيلا وتشبيها بين نظامية محسوسة Observed Regularity ونمط عقلي لغوي مطرد A Symbolic logical/linguistic pattern، يبدو موافقا له في إطار محدود بدلالة العادة، من حيث تحديد مجال انطباق المعادلة أو مشابهتها للواقع Domain of the Equation، وإنما هو استكشاف لمفتاح الوجود نفسه، وللسبب الأنطولوجي الخفي في كون تلك النظاميات على ما هي عليه وفي اطرادها كما نجده في العادة! أي أن المعادلة الفيزيائية عندهم "تكتشف" ولا "تخترع"، وكأنما يراها الفيزيائي بعيني رأسه، كما ترى الموجودات الدقيقة تحت الميكروسكوب! وهذا راجع إلى تصور أفلاطون المثالي للرياضيات ومفاهيمها الأساسية كما مرت الإشارة إليه.

• جميع المذاهب الميتافيزيقية سواء في قدرة صاحب كل مذهب منها على تقرير ما يدعيه بشأن "الوجود" من طريق قياس الشمول والتمثيل، وإطلاق ذلك بلا حد، كما كانت طريقة الفلاسفة الأوائل! فإذا كانت القضية على وجه التكافؤ من حيث الأصل والمستند العقلي إثباتا ونفيا، فلابد من التماس المرجح في استقراء المحسوس بوجه ما، لما لآلة الاستقراء نفسها من نفع ظاهر مباشر يعترف به جميع العقلاء كما مر! لذا ترتب أن كلما كانت النظرية أقدر على استيعاب العادة المطردة في المحسوسات بالوصف والتفسير، كانت "أرجح" في مطابقة الواقع مطابقة تامة من كل وجه، مما يخالفها، وكانت أوجب للقبول والتسليم. 

• ما يجوز على المحسوس، يجوز على الموجود بإطلاق، وما يجب للمحسوس، يجب للموجود بإطلاق، وما يمتنع في حق المحسوس، يمتنع على الموجود بإطلاق! وما ذاك إلا لأن النظرية التي ينبني عليها الحكم العقلي، إنما استمدت من المحسوس أصالة، لتتناول كل موجود. ولهذا كانت كل نظرية توضع بحيث يكون موضوعها هو الكون بكليته Universe، والكون هو كل ما في الوجود عندهم، كل ما في الأعيان، وما يدخل تحت معاني الزمان والمكان. لا موجود إلا العالم المحسوس من حيث الأصل، إلا إن استجازوا بقياسهم إثبات شيء ما وراءه. وهو ما لأجله قاس بعضهم فقالوا بأكوان متعددة بدلا عن كون واحد، Multiverse، وهو ما يكون جميعه، أيضا، موضوعا لنفس النظريات وجوبا، داخلا تحت ميتافيزيقاهم في الوجود والموجود وفي معاني الزمان والمكان جملة ولابد! ولهذا كان موضوع النظرية هو العالم بكليته، شهادته وغيبه بإطلاق، ماضيه وحاضره ومستقبله بإطلاق، وكذلك موضوع كل قانون أو نظامية سببية مطردة، توصلوا إليها من طريق الاستقراء! وإلا فعلى أي أساس يجزم الدكتور قسوم وأمثاله بأن الجاذبية، مثلا، ظاهرة كونية لا يخلو منها موضع من مواضع "الكون" ولا لحظة من لحظات الزمان بإطلاق، من حيث هي قانون مطرد على كل "جسم"، يقررون ذلك تقرير المعتقد؟؟ هل جربوا بأنفسهم السفر إلى حدود الكون في كل جهة، حتى يروا هل يسري قانون الجاذبية (أيا ما كانت حقيقته الغيبية) على كل موضع ذهبوا إليه، أم لا؟؟ أبدا! فما الأساس إذن؟ لا أساس إلا الإطلاق الميتافيزيقي الفلسفي الذي اعتنقه أينشتاين من مبدأ الطرح عند وضعه نظريته، على أنه منهج وموضوع كل نظرية وكل قانون طبيعي، كما اعتنقه نيوتن من قبله، كما اعتنقه جميع الفلاسفة منذ الرعيل الأول، المؤسسين الأوائل لتلك الطريقة اليونانية! القانون يُكتشف والنظرية توضع، لأجل ألا يكون في الوجود محل ولا لحظة من لحظات الزمان إلا استوعبتها استيعابا تاما وتناولتها بالتفسير الكاشف! هذا هو غرضه وهذا هو موضوعه! وهذا ما يفترق فيه المؤمنون بالغيب والمكذبون به افتراقا مبدئيا لا يجوز للمسلمين إغفاله، كما أطلنا النفس في الكلام عليه في كتاب معيار النظر، وفي سلسلة "بيان منهج أهل السنة والجماعة في التجريبيات" على قناة إقناع، وكما يأتي مزيد من الكلام عليه في أثناء التعليق على كلام الدكتور، والله المستعان لا رب سواه.

..... يتبع إن شاء الله تعالى ......

د. أبو الفداء حسام بن مسعود

أستاذ مشارك بكلية الهندسة جامعة عين شمس


إرسال تعليق