الحمد لله وحده، أما بعد، فقد راسلني أحد إخواني الكرام النبلاء بسؤال مهم، فرأيت أن أنشره وجوابه هنا لتعم الفائدة.
قال وفقه الله:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مساكم ﷲ بالخيرات شيخنا الحبيب
عساكم ومن تحبون بخير حال
سألني بعض الأقارب المتخصصين في التقنية وقد عزموا على إنشاء مشروع مفتٍ الكتروني باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي
بحيث يُغذى بالمصادر الشرعية ثم يصدر الفتوى بناء على ما غذي عليه
فما حكم هذا المشروع وما حكم الفتوى التي تصدر عن مثل هذا المشروع
وجزاكم ﷲ خير ا
فقلت في الجواب، مشترطا على نفسي الإيجاز ما استطعت:
عليكم السلام ورحمة الله وبركاته. لا يجوز إنشاء مفت بالذكاء الصناعي، على طريقة بوت الدردشة المشهورة حاليا لأسباب:
أولا: آلية الذكاء الاصطناعي لا يتحقق فيها شروط المفتي في الشرع، فشروط المفتي أن يكون مكلفا مسلما ثقة مأمونا متنزها عن أسباب الفسق وخوارم المروءة فقيه النفس سليم الذهن رصين الفكر صحيح التصرف والاستنباط متيقظا، وهذا كله لا يصح على ماكينة لا تزيد على أن تأخذ الكلام بما يشبهه في تركيب الحروف ورص الكلمات!!
ثانيا: المفتي البشري يسأل ويناقش لأنه إنسان متصف بشروط الفتوى كما مر، فيعرف كيف يستنبط حكم النازلة الجديدة بما عنده من القواعد العلمية، فإذا تكلمت الماكينة مع المستفتي وكأنما هي شخص واع ينسب إلى نفسه الفهم والوعي والدراية، كما هي طريقة نظم الذكاء الاصطناعي اللغوي الضخمة هذه في محاكاة ذلك، فقد كذب صانعها بمجرد ذلك! وإذن فقد سقطت مروءته التي هي من شروط المفتي!
ثالثا: المفتي البشري يعرف متى يحل له الاجتهاد ومتى يضطر هو نفسه للتقليد، وهذا غير متصور في الماكينة، إذ هي لا تزيد على أن تكون ناقلة للأشباه بمجرد التشابه اللفظي والبنيوي في بحر المادة التي غذيت بها!
رابعا: الذي يغذي الماكينة هذا لن ينشئ فيها إلا الفوضى المذهبية لا محالة، مهما كان حريصا على التزام مذهب معين في التغذية، لأنه يريد الكثرة والوفرة، حتى تتمكن الآلة من بناء الأنماط الكثيرة المعقدة التي تمكنها من استيلاد إجابة لكل سؤال، على تلك الطريقة الشكلية التي تعمل بها! وهو ما يعني أنه يحتاج في كل مسألة إلى عدد وافر من الأسئلة ومن صياغات الأجوبة في فتاوى المفتين المتعددين ليحصل له ذلك المطلوب! وهذه هي الفوضى بحذافيرها!
خامسا: الآلة مع كونها لا تميز ولا تفرق، ولا تعقل طريقة تفريع المسائل على أصولها المذهبية، فهي لا تعي أصلا معاني الكلمات التي تشحن فيها عند التغذية، فإذا تشابهت مسألتان في الألفاظ، مع اختلاف الأدلة، لم تعقل اختلاف الأدلة ولا مناطات النظر والاستدلال، ولم يؤمن عليها من التخليط في الأبواب والمسائل، وهذا معروف مشاهد في تشات جي بي تي وغيره! فإذا كان وقوع ذلك التخليط في مسائل دنيوية هينة، مما يتجاوز عنه غالبا، فالفتوى دين، والقول على الله بغير علم كبيرة من الكبائر! فصانع تلك الآلة إذن يكون قد عرض نفسه للوعيد من حيث لا يشعر، والله أعلى وأعلم.
انتهى.
قلت: وللأمر وجوه أخرى قد يظهر الداعي للتفصيل فيها فيما بعد. وللأسف أنا أكاد أجزم بأن مثل هذا الروبوت المفتي سيظهر في يوم من الأيام لا محالة، إلا أن يشاء الله! فالناس لا تزال فتنتها بالذكاء الاصطناعي ماضية في ازدياد وإلى الله المشتكى! وهي نازلة إن لم ننتبه إليها قبل الفوات الأوان، فسنصبح ونحن لا ندري من أين يأخذ الناس علمهم ودينهم، ومن الذي يربي لهم أولادهم، وإنا لله وإنا إليه راجعون!
أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له ولوالديه
