إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله،
أما بعد، فقد عرفت أن بعض من يتابعون محاضراتنا على قناة إقناع، يرون أني أبالغ في نسبتي ما نسبته من المذاهب العصرية إلى الجهمية، حتى استشكل بعضهم أني أربط بين الداروينية والجهمية! وأنا أدعو كل من يرى هذا الرأي ويتهمني بهذه التهمة إلى أن ينصفني من نفسه أولا، ثم ينتبه ثانيا إلى كل موضع تكلمت فيه عن أصول طريقة الجهمية في تقديم فلسفات الغربيين على النقل وعلى فهم السلف للنصوص، وأصل ذلك الهوى لديهم والمنهج الفلسفي الفاسد الذي تشربوا به في تحقيق المعرفة بالمغيبات عامة والإلهيات خاصة، فقد أطلت النفس في ذلك وكررت الكلام ولم أزل أكرر وأعيد المرة بعد المرة، ومن تابع سلسلة "لكل قوم وارث" وجدها إنما وضعت من أجل بيان أن الطريقة الجهمية ليست محصورة في منهج المتكلمين القدماء وطوائفهم التي لم نزل ندرس بدعها وأصول تلك البدع في كتب من رد عليهم من الأئمة السابقين رحمهم الله تعالى! الطريقة الجهمية، التي نشأ منها علم الكلام نفسه، حقيقتها التلبس بتعظيم الفلسفة والفلاسفة والتورط بقبول نظرياتهم المبنية على طريقتهم الفاسدة في اقتحام الغيبيات بالقياس العقلي والتنظير الميتافزيقي، وعلى التسليم لهم بشرطهم في إثبات الباري، القائم على سفسطتهم الجدلية الخبيثة على المعرفة الفطرية بوجود الباري جل شأنه وبخلقه هذا العالم وكل ما فيه! هذه الطريقة هي نفسها التي حملت أناسا لم يحققوا من العلم بالشرع وبأصول الاعتقاد أولا، ثم من العلم بالفلسفة والكلام وأصول النظريات الطبيعية العصرية وفلسفتها ثانيا، على اختراع بدع عصرية في قضايا خلق السماوات والأرض وخلق الأنواع الحية على الأرض، هي في حقيقة الأمر بدع جهمية على الإطلاق المنهجي العام لمصطلح الجهمية، وهم بكل أسف يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ويكافحون الإلحاد ويحصنون شباب المسلمين منه! ولو أنهم حققوا من العلم ما يلزم، لعلموا أن مصطلح الجهمية أو التجهم عند أهل العلم إذا أطلق، لم يلزم أن يكون متوجها إلى من كانوا على اعتقاد الجهم بن صفوان وحسب، أو إلى المعتزلة الغلاة الذين عطلوا رب العالمين سبحانه عن جميع صفاته تصريحا وتحقيقا، فاتفق السلف على إكفارهم من أجل ذلك! وإنما يطلقونه إطلاقا آخر في أحيان، يراد به الطريقة أو المنهج الجهمي الذي أفضى بالجهم نفسه من قبل إلى ما غرق فيه من التعطيل والضلال المبين! فإنه هو بعينه منهج أهل الكلام كافة، وإن تفاوتوا فيما أسفر عنه لدى كل طائفة منهم من التحريف لدين الله تعالى ومن الإلحاد في أسمائه وصفاته! فمن وصف الأشاعرة بالجهمية أو بالتجهم من أهل العلم فإنما يقصد الجهمية على هذا المعنى، لا المعنى الذي يختص به أتباع الجهم وأتباع واصل بن عطاء وغيرهم من المعتزلة الأوائل الذين كفرهم السلف، فليفهم هذا فإنه مهم للغاية!
فالحق أني لست أنا من يتوسع في استعمال مصطلح الجهمية فوق ما ينبغي، وإنما إخواننا هم الذين ضيقوه عما كان عليه استعمال أهل العلم رحمهم الله تعالى، ومن ثم أخرجوا منه ما حقه أن يدخل فيه عند دراسة الفرق والطوائف المعاصرة. ومعلوم أن شيخ الإسلام رحمه الله ذكر في كلامه ثلاث طبقات من الجهمية، ما بين الغلاة ومن فيهم تجهم، فلم يجعلهم كلهم على طبقة الجهم ومن شاكله! فإن قيل ولكن الشيخ جعل الطبقات كلها تشترك في التصريح بنفي بعض الصفات، وأنت تدخل في اسم الجهمية أو التجهم أناسا لم يصرحوا بنفي شيء من الصفات! ونقول فمن أين لكم أنهم لا ينفون شيئا من الصفات أو الأفعال الإلهية؟ وهل يلزم في النفي والتعطيل أن يكون النافي مصرحا بالنفي، وهل يكفي في تقرير البراءة من النفي والتعطيل، أن يصرح الرجل بأنه على مذهب السلف رحمهم الله تعالى في الإثبات؟ من قال هذا؟ الأشاعرة، حتى المتأخرين منهم، ينسبون أنفسهم إلى موافقة السلف في الإثبات، فكان ماذا؟ لا يخرجون بمجرد ذلك من معنى الجهمية أو التجهم إجمالا، إذ العبرة في المذاهب والعقائد بالحقائق لا بالأسماء! كل أحد يدعي وصلا بليلى، ولكن ما حقيقة القول وما مقتضاه، هل يزعم الرجل أنه مثبت للصفات بلا تعطيل، مع أن كلامه يقتضي التعطيل من حيث لا يشعر؟ وما طريقته في الانتصار للعقائد والمحاججة عنها، هل هي طريقة أهل السنة أم طريقة الجهمية أهل الكلام؟ وهل علم بأن الأئمة كأحمد وغيره رحمهم الله تعالى كانوا يخرجون الرجل من مسمى أهل السنة لمجرد سلوك طريقة الكلام، وإن انتهت به إلى تقرير اعتقاد السلف؟؟ فما هي طريقة الكلام هذه وما تحقيقها، وما الحيلة وقد أصبح اليوم لدينا طوائف من المتشرعين المنتسبين إلى السلفية، يظنون أنها محصورة (أي تلك الطريقة) فيما نشأت به عقائد الفرق الكلامية القديمة كالمعتزلة والأشاعرة والكرامية والكلابية وغيرهم؟؟ ما الحيلة وعندنا اليوم أناس تشبعوا ببراهين الحدوث العصرية عند متكلمة النصارى، وهم يجهلون ما يلزم منها من تعطيل لصفات رب العالمين وأفعاله، كما التزمه أولئك المتكلمة الغربيون أنفسهم في كتبهم وجعلوه هو اعتقادهم في صفة الرب الذي ينتصرون له، من حيث لا يشعر هؤلاء ولا يعلمون؟؟ نقول إنهم ليسوا على طريقة جهمية وليس فيهم تجهم، لأنهم لم يعلموا مقتضيات براهينهم وأقوالهم؟ لو درسوا اعتقاد السلف في مظانه، لعلموا ذمهم تلك الطريقة الخبيثة التي سلكوها ونقلوها عن فلاسفة النصارى، ولعلموا أنهم داخلون في ذم السلف للكلام وأهله، ولو فهموا ما لم نزل نبينه بحول الله وقوته في سلاسلنا العلمية على هذه القناة المباركة لأدركوا سبب ذم السلف للكلام وأهله إجمالا بلا تفصيل! المتجهم (الداخل في الطبقة الدنيا من طبقات الجهمية) هو من قال بالتعطيل والنفي، أو من قال بأقوال تقتضي التعطيل والنفي، شعر بذلك أم لم يشعر! فهو ما كان ليقول بتلك الأقوال التي تقتضي التعطيل من الأساس، لولا أنه قد سبق منه التلبس بمنهج الجهمية وطريقتهم من حيث لا يشعر، وهذا واضح!
تحضرني الآن مناظرة وقعت بيني وبين متجهم عصري من متجهمة العلوم الطبيعية، من غير ترتيب أو اتفاق، يوم كنت أكتب على بعض المنتديات الشرعية قديما، فكان الرجل يعتقد، بناء على نظرية الانفجار العظيم، أن أيام الخلق لم تنقض إلى الآن، لماذا؟ لأن النظرية تنص على أن الكون لم يزل يتوسع باطراد على وتيرة واحدة لم تتغير من أول الأمر! فلما ألزمته بأنه ليس لديه إذن ما يفرق به بين يوم ويوم أصلا، وبنفي صفة الاستواء، إذ كيف يكون قد حصل الاستواء كما جاء به القرآن والحال أنه يزعم أن اليوم السادس – أيا ما كانت حقيقته في خياله – لم ينته بعد، لما ألزمته بذلك التزمه مضطرا، فيما تبين لي من طريقته في الكلام، أنه أمر لم يسبق له أن تأمل فيه أصلا من قبل! ثم أخذ يتعسف في تأويل لفظة "ثم" في قوله تعالى (ثم استوى على العرش) يزعم أنها لا تفيد الترتيب الزماني! فالسؤال الآن: هل كان هذا الرجل سلفيا على طريقة أهل السنة قبل المناظرة، ثم خرج منها وفيه تجهم؟؟ الجواب لا! أبدا! بل كان متلبسا بطريقة الجهمية وهو لا يدري، وكان التعطيل لازمه ومقتضى مذهبه من حيث لا يشعر، ثم لما نبهته إلى ذلك انتبه وازداد تجهما!
وقد رأيت من مقلدة ويليام لين كريغ النصراني، كالداعية البريطاني حمزة تزورتسيس مثلا، من يوافق الرجل في قوله بأن الزمان نفسه قد بدأ بالانفجار، وإذن فالرب كان قبل ذلك "غير متزمن" أو "لازماني" ثم دخل في الزمان لما بدأ الزمان! وهو اعتقاد تلزمه معه جميع اللوازم التي ألزم بها شيخ الإسلام رحمه الله الأشاعرة في قولهم بحادث أول (نفي التسلسل في الماضي)، وفوقها لوازم أخرى من نسبة اللازمانية المزعومة هذه إلى ذات الرب جل شأنه! والعجيب أنه يعلم أن أصل ذلك البرهان عند كريغ هو برهان الحدوث الكلامي عند الغزالي رحمه الله، الذي أجمع أهل السنة على بدعيته، ومع ذلك يزعم، وفي نفس الوقت، أنه على طريقة شيخ الإسلام ابن تيمية في الاعتقاد! فأنا لا أدري والله أين تعلم هؤلاء اعتقاد شيخ الإسلام وأين تعلموا اعتقاد أهل السنة، ومن الذي أذن لهم بالتصدر في تلك الأبواب أصلا، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى: "ومن رزقه الله معرفة ما جاءت به الرسل وبصرا نافذا وعرف حقيقة مأخذ هؤلاء، علم قطعا أنهم يلحدون في أسمائه وآياته وأنهم كذبوا بالرسل وبالكتاب وبما أرسل به رسله، ولهذا كانوا يقولون إن البدع مشتقة من الكفر وآيلة إليه، ويقولون إن المعتزلة مخانيث الفلاسفة والأشعرية مخانيث المعتزلة"
وقال رحمه الله: "وكان يحيى بن عمار يقول: المعتزلة الجهمية الذكور، والأشعرية الجهمية الإناث. ومرادهم الأشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية...." ونحن نقول، قد رأينا في عصرنا هذا من صاروا هم مخانيث الأشعرية من حيث لا يشعرون، والله المستعان لا رب سواه! تأمل قول يحيى بن عمار السجستاني في المعتزلة: المعتزلة الجهمية، وفي الأشعرية، الأشعرية الجهمية، فإن فيه محل الشاهد لمن تدبر، ونظير ذلك كثير في مظانه، ولكن لست في مقام يناسبه التطويل!
يا إخوان لا تعيبوا علينا ما قصرتم أنتم عن تحقيق العلم اللازم لفهمه!
أنتم – والله – قد عجلتم على أنفسكم، وغرقتم من حيث لا تشعرون في نظير ما غرق فيه من نقلوا كتب الفلاسفة واللاهوتيين النصارى من قبل للسان العرب في زمان المأمون! عجلتم على أمر "المراكز" ودور النشر والقنوات الفضائية وهذه الأشياء، فتصدرتم وأكثركم بعد دون الأهلية! هذه هي الحقيقة بكل أسف، ولكن الحق ثقيل على النفوس! فتجردوا من الهوى وأدركوا أنفسكم قبل ألا يجدي الندم! اسمعوا حججنا وتدبروا في ردودنا وأجوبتنا بتجرد وروية، وناقشونا فيها إن ظهر لكم أننا غلطنا أو تحاملنا عليكم، ونحن على استعداد للرجوع – بإذن الله تعالى – عما أخطأنا فيه من فهم لكلام بعضكم أو اتهام له بما ليس فيه، نرجع إن شاء الله تعالى ونحن صاغرون، نعلن ذلك ونصرح به ونعلن التوبة عنه على نفس الملأ الذي نشرنا عليه ما نشرنا ولا نبالي! فإن الحق أحق أن يتبع، وإن ظهر على يدي من تكرهون! هذه المذاهب اللاهوتية والكلامية العصرية التي نقلتموها إلى بلاد المسلمين وقد كانوا منها في عافية، أنتم لم تتكلفوا حتى محاولة فهم عقائدهم كما هو حقها أن تفهم! يترجم الكتاب ثم يرمى بين أيدي الشباب ويقال لهم هذا ما فيه تحقيق الموقف العلمي الصحيح من نظرية داروين ومن نظرية كذا وكذا، وفيه الرد العلمي العصري على الملاحدة وكذا، فإذا شددنا عليهم وبينا لهم أنهم لم يتمهلوا ريثما يحقق الواحد منهم الفهم في هذه البضاعة كما يجب عليه، رمونا بأننا غلاة في التجريح والتبديع، مع أنهم – والله – هم المفرطون المميعون لو كانوا يعلمون! راجعوا أنفسكم، يرحمكم الله، وحققوا النية وانظروا هل خضتم في تلك الأبواب لله حقا وصدقا كما تزعمون، أم دخل عليكم من حظ النفس ومن استعجال الثمرة ما دخل على غيركم من حيث لا تشعرون!! فإن أهل الكلام السابقين لم يؤتوا من جهلهم بقدر ما أتوا من أهواء خفيت عليهم، وكانوا يرون أنهم منها في عافية، وأنهم على الثغر واقفون، نسأل الله لنا ولكم السلامة!
هذه نصيحة من لا يكره شيئا كما يكره مفاصلة الناس ومباغضتهم، لا سيما إذا كانوا ممن يتطلع إليهم جمهور من المسلمين ليأخذوا منهم الدين! وهل يكره عاقل أن ينصرف عنه الناس وأن ينفر الأكثرون عنه؟ أبدا والله! ولكنه حق الله علينا الذي لا يجوز لنا التفريط فيه، وإن كره من كره، وإن وقفنا به وحدنا، كما في قوله تعالى: ((وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ)) [آل عمران : 187]
فالحمد لله أولا وآخرا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وكتب
أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
