الرد المتين على الأستاذ سعيد فودة في تفريقه بين الفلاسفة والمتكلمين (الجزء السابع)



فنحن أهل السنة نقول إن وجود الباري وحدوث العالم هو من جملة الضروريات والبدهيات المعلومة ابتداء في الفطرة البشرية خلافا للمتكلمين وعموم الفلاسفة! ونقول إن آفة الكلام أنه يبدأ مع الخصم بالتسليم له بأنه لا يجد في نفسه معرفة سابقة بهاتين القضيتين العظيمتين (أي بما تقوم به الحجة الرسالية عند سماعها)، ثم يسلم له بصحة دعاواه الميتافزيقية الكلية بشأن العالم وبنائه وما فيه وما بعده، ليبني عليها برهانه الكلامي لإثبات الصانع إثباتا يرتضيه الفيلسوف الجاحد، ثم يجد نفسه مسحوبا لاستخراج اللوازم والمقتضيات ودفع الإلزامات والاعتراضات أشكالا وألوانا، حتى تسلم له براهينه التي أسسها من قبل تسليما، فإذا ما وصل الجدال مع الخصم إلى منطقة يخشى المتكلم عندها أن يلحق به تكفير أو تبديع، فإنه يتترس – عندئذ وعندئذ فقط – بالقطعية والضرورية وكذا (أي في مفردات دعاواه النظرية التي تكلفها ليبني براهينه)، ليقطع الخصومة عند ذلك الحد، ثم يدعي جحود خصمه للواضحات الجليات إن طالب بمزيد من الاستدلال والنظر! وإلا فقد سبق من المتكلم فتح باب النظر والجدال فيما هو أظهر وأوضح مما يزعم قطعيته وضروريته من عقائد الملة بكثير، لا عند أهل الملة وحسب بل عند عامة العقلاء، كقضية وجود الباري نفسها! فالمتكلم لا يصل في الحقيقة إلى إثبات آحاد ومفردات الاعتقاد "القطعي!!" عنده إلا من طريق بناء النظرية فوق النظرية فوق النظرية! فبأي سلطان نسب القطع والضرورية إلى شيء من تلك العقائد النظرية بالغة التعمق والتراكب إلا أن يكون محض التحكم؟ 

خذ على سبيل المثال نظرية الكلابية في الأعراض القائلة بأن "العرض لا يبقى زمانين"! فالأشاعرة والكلابية يعتبرون هذه المسألة من جملة القطعيات العقلية المنتهية! فلماذا جعلوها كذلك؟ لأنهم عندما خاضوا المناظرات مع المعتزلة نفاة الصفات، وأرادوا أن يردوا عليهم ببراهين كلامية نابعة من نظرياتهم هم في الحوادث والجواهر والأعراض، مضت بهم مجاري الخصومة والجدال إلى الخروج بتلك الدعوى الوهمية العجيبة وبجعلها من جملة الضروريات، مع أنها تقوم بجملتها على ميتافزيقا الجوهر والعرض الأرسطية التي ما أنزل الله بها من سلطان! فما الشأن فيمن لا يسلم بنظرية الجوهر والعرض هذه نفسها ولا يقبلها من الأساس؟ كيف يحصل "القطع" عند هذا بمسألة العرض الذي لا يبقى "زمانين" هذه ومن أين يتحصل عليه؟ وكيف يكون من الضرورة اعتقاد أن اللون الأسود الذي أراه الآن في شعر رأسي، خلاف اللون الأسود الذي كنت أراه قبل دقائق، وأنه مخلوق آخر بخلاف الأول، على أساس أن الألوان أعراض، والأعراض تتوارد على الجواهر خلقا بعد خلق؟ أم أنه ليس للعاقل أن يخالف أرسطو في دعواه تركب العالم من أوله إلى آخره من جواهر وأعراض؟؟ وحتى وإن نسبتم القطع والضرورة إلى تلك النظرية اليونانية (وهو غير صحيح، وقد علمتم انصراف الفلاسفة الأكاديميين عنها اليوم في ميتافزيقاهم المعاصرة وليس هذا بخاف عنكم!)، فمن أين يأتي القطع بصحة ما هو مترتب عليها مستمد منها؟ لا يأتي عندهم إلا من حرصهم على التزام نظرياتهم الفلسفية في إثبات العقائد ونفيها (كنظرية الجوهر والعرض اليونانية وما تفرع عليها لديهم وما صيروها إليه بالنظر بعد النظر)، وإلا فقد خالفتهم جماهير العقلاء في كثير مما جعلوه هم من قطعيات العقل وضرورياته!

وتأمل إن شئت في نظريتهم العريضة القائلة بأن "ما يتسلسل لا يتحصل"! هذه النظرية يعتبرها الأشاعرة من الضروريات العقلية الواضحة الجلية، ويسفهون من يخالفهم في ذلك أشد التسفيه، مع أنها في الحقيقة دعوى نظرية مجملة متنطعة لا وضوح فيها ولا جلاء ولا شيء! ولست أرتاب في أنهم إذا ما أرادوا الآن الرد على كلامي هذا فسيسارعون باتهامي بأني أنا الجاهل الذي لم أفهم كلام الأئمة والسادة المتكلمين لقصور في عقلي ونقص في علمي .. إلخ، كما هي طريقة الفلاسفة في تسفيه كل من يخالفهم في نظريات لم يصلوا إليها إلا بقياس متكلف واه أصلا! فالعقلاء يقولون: ليس كل ما يتسلسل في الماضي لا يتحصل وليس كل تسلسل ممتنعا بالضرورة! وإنما يمتنع من التسلسل ما تنبني منه كل حلقة (أي من حلقات السلسلة) على سابقتها بناء المسبب على سببه أو الأثر على مؤثره، بحيث إن قدر انعدام السابقة وجب انعدام اللاحقة كذلك لا محالة! هذا ما ترد عليه أمثلتهم الشهيرة كتصورهم للبناء الذي لا تقوم لبنته اللاحقة إلا على سابقتها ونحو ذلك! أما آحاد الأفعال الإلهية – مثلا – فلا تزال تحدث من الله تعالى (ونقول تحدث على المعنى اللغوي المعروف، وإن رغمت أنوع الجهمية!) كما يشاء وقتما يشاء، من الأزل وإلى الأبد، كل فعل منها معلل تمام التعليل بمشيئته جل وعلا، فلا يصح في العقل السوي – السالم من زبالة الفلاسفة – أن يقال إنها لابد لها من بداية في الماضي لأن ما يتسلسل لا يتحصل! وقد اضطرهم ذلك التنظير إلى إفساد معنى اسم الله الأول وصفة الأزلية لله تعالى، إذ جعلوا الزمان محصورا في ابتداء الجواهر والأعراض، فلا حقيقة للزمان نفسه (بحسب النظرية اليونانية) إلا تقلب الأعراض! ولكن أصحاب النظرية اليونانية كانوا يقولون بقدم العالم، فالزمان عندهم لا ابتداء له لأن الأعراض لا ابتداء لتقلبها على الجواهر! ولهذا كان معنى الأزلية (الذي هو معنى اسم الله الأول) في حق الله تعالى صحيحا عندهم: أنه ما من فترة في الماضي إلا وكان لله تعالى وجود وفعل قبلها، بلا ابتداء! أما المتكلمون فقابلتهم ها هنا ورطة كبرى، إذ كيف يتعلق القوم بنظرية الجوهر والعرض لداعي الكلام وإثبات الصانع عندهم، مع نفيهم أزلية العالم وتكفيرهم من يقول بها، ثم يقرروا اعتقادهم – في نفس الوقت – بأزلية الله تعالى (أنه هو الأول الذي ليس قبله شيء)؟ لابد إذن من أن تكون منظومة الجواهر والأعراض المزعومة هذه حادثة بعد أن لم تكن، وإذن، فلابد وأن يكون الزمان حادثا بعد أن لم يكن، وألا يصح أن يوصف الباري بمعنى يرتبط بالزمان فيما قبل خلق العالم، فلا يجوز أن يقال ماذا صنع الله قبل خلق السماوات والأرض (مثلا)، لأنه إذن لا يكون للسؤال معنى عندهم أصلا، كما سلبوا المعنى عن قول السائل: "أين الله؟" لجعلهم المكان كالزمان من جملة الأعراض! فلما قيل لهم بأي برهان "عقلي" زعمتم أن الجواهر والأعراض حادثة في الماضي وليست أزلية، لم يجدوا إلا أن يخترعوا نظرية "ما يتسلسل لا يتحصل"، تعميما على كل ما سموه إجمالا "بالتسلسل"!    

فإذا كان الزمان نفسه غير متسلسل في الماضي (لقيام تعريفه الميتافزيقي عندهم على نظرية الجوهر والعرض)، لزم أن تؤول صفة الأزلية والأولية لله تعالى تأويلا يلزم منه على التحقيق القول بحدوث الباري نفسه، أو بحدوث صفاته بعد أن كان مجردا منها! وقد أطال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله النفس في الرد على تلك الخرافات بما لا مزيد عليه ولله الحمد والمنة.

والقصد هنا وحتى لا نطيل: ما الذي حمل الأشاعرة على جعل هذا التعميم الفاسد (ما يتسلسل لا يتحصل) قاعدة ضرورية لا يجوز للعاقل أن يخالف فيها؟ الحامل أنهم حصروا معنى الحدوث والحوادث (التي هي بحسب نظريتهم الميتافزيقية اليونانية: المخلوقات) في مفهوم "الأعراض" الميتافزيقي الأرسطي، حتى يتمكنوا من مواصلة الجدال الفلسفي مع خصومهم من المعتزلة والجهمية والفلاسفة جريا على نفس الشرط النظري الكلي المعتمد عند الجميع! فلما أوشكوا على الغرق في "سلسلة" الاستدلال والنظر التي انفتحت بين أيديهم بلا بداية ولا نهاية، تعين أن يمسك الناظر منهم بأهداب بعض تلك النظريات والدعاوى الكلية لديهم يجعلها من نوع القطعيات والضروريات العقلية تحكما ودفعا بالصدر، حتى لا يلزمه من تجويز الخلاف عليها انهيار ذلك البناء النظري الضخم على رأسه وزواله كله من أوله إلى آخره، فاتفق أن كانت تلك المسألة عندهم من ذلك النوع وفي تلك المنزلة المركزية، كقولهم "ما تحل به الحوادث فهو حادث"! 

هذا هو مناط الحكم على دعوى من الدعاوى بأنها "ضرورية" أو "قطعية" عند أهل الكلام على التحقيق، وليس الجلاء والوضوح والبداهة في نفس الأمر كما يزعمون! هذه هي القضية الكلية التي أدعو القارئ الكريم لاستيعابها جيدا وأدعو كل متكلم صادق في طلب الحق لأن يتأمل فيها بتجرد وروية!            

نحن أهل السنة عندما ندعي في مسألة من المسائل الخبرية أنها عقيدة راسخة وأنها قطعية لا يجوز النزاع عليها ولا يخالف فيها إلا أهل الأهواء، فإنما يرجع ذلك عندنا لنص (أو أكثر) واضح ظاهر الدلالة، قد أجمع الأولون من الصحابة والتابعين على فهمه الموروث، وعلى مقتضيات ذلك الفهم دون أن يرد أي احتمال للمخالفة في ذلك الفهم ولوازمه بوجه من الوجوه! فهذا عند العقلاء أساس متين وركن ركين للقطع وبناء اليقين! بل إنني أزعم أنه لا يحصل القطع المعرفي المنصرم عند الإنسان في شيء مما عدا البدهيات الأولى إلا من ذلك الطريق أصلا! حتى الاستقراء في المحسوسات لا يفضي إلى قطع تام لا احتمال معه، وإنما إلى قوة في الرجحان الاحتمالي يبقى الاحتمال معها واردا بحصول ما يخالف الاستقراء، وإن كان ضئيلا! فحتى ثقتي في أني لو قفزت الآن من شباك غرفتي فسأسقط إلى الأرض ولن أرقى إلى السماء، هذه ليست عندي من اليقين المنصرم النهائي الذي لا يرد عليه أي احتمال ولو ضئيل لانخرام ما عرفته استقراءً في ذلك! بل يجب علي أن أعترف بورود الاحتمال الضئيل (للغاية) لأن أجد نفسي معلقا في الهواء – مثلا - أو صاعدا إلى أعلى بدلا من الهبوط إلى أسفل! أما ما ورثه أئمة هذا الدين من إجماع مستفيض متصل من جيل الصحابة إلى جيلنا هذا، فهو استقراء منصرم منته، لا يرد عليه احتمال المخالفة أصلا ولا يدخل عليه من أي مدخل! فالقطع فيه واليقين به ليس مشروطا بعدم المعارض، كما هو قطع النظار فيما ينتهي إليه نظرهم! لذا نقول إن النص الظاهر الموروث مع إجماع السلف على فهمه، مع ما يقوم عليه الإيمان بصحة مصدر النص نفسه في نفوس المسلمين من فطرة ظاهرة، هو المادة الوحيدة (نوعا) في معرفة البشر التي يتأسس على مثلها الإيمان الصحيح الذي كلف الله به عباده، وترتاح النفس إلى التسليم به تمام التسليم والانقياد إلى صاحبه تمام الانقياد من غير نظر ولا ارتياب ولا تشكك ولا شيء من ذلك، ولا يقال لمن اعتنقه من غيرما "نظر" إنه "مقلد" ولا يذم بذلك، وإنما يذم غاية المذمة من سفسط عليه وادعى أنه لا يظهر له ولا يثبت عنده (معرفيا) بعدما سمع ما بمثله آمن الناس، فالحمد لله على نعمة الإسلام والسنة! 

أما المتكلمون فهم فلاسفة في مصادر تلقي الاعتقاد الأولى عندهم على التحقيق، مهما زعموا اليقين بما بين أيديهم من أسس ذلك الاعتقاد! فهم لا يستمدون أصول عقائدهم على الحقيقة من النص الموروث، وإنما من نظرياتهم الميتافزيقية التي بها تحصّل لهم ما عندهم من براهين ودعاوى كلية بشأن الباري وصفاته وأفعاله وما يجوز عليه وما لا يجوز، لزمهم معها – بعد النظر – أن يطرحوا كل ما يخالفها من فهم موروث للنص الموروث، متخذين لأنفسهم من ألوان التأويل والتعطيل في محله ما يلائم جملة عقائدهم ونظرياتهم التي انتهوا إليها كيفما كانت! فإذا ما سألتهم في ذلك، قالوا لك بما سموه "بقانون الإسلام": "لا تثريب علينا ما دمنا لا نخالف معلوما من الدين بالضرورة ولا ننازع في القطعيات"! فإن سألتهم فما مناط الحكم على اعتقاد من الاعتقادات بأنه معلوم من الدين بالضرورة أو بأنه قطعي عندكم، وجدت الأمر يرجع عندهم إلى النظر ومحصول النظر، مخالفين بذلك ما زعموا أنه منهجهم في إثبات البدهيات والضروريات، ولا حول ولا قوة إلا بالله! 

فلا يغرنك – أيها القارئ الكريم – تباكي الأستاذ فودة على ضياع "القطعيات" في هذا الزمان! فإن الفلاسفة لم يعرفوا ولن يعرفوا القطع أصلا إلا على شرط كل واحد منهم كما قدمنا! وحتى تلك الشروط نفسها عندهم، التي تستقل بها كل مدرسة من مدارسهم وتمتاز عن غيرها، هي عندهم خاضعة – بدورها – للنظر والجدال الفلسفي (نوعا)، يتجادلون عليها هي نفسها، على ما يتشارط عليه المتجادلان من مذهب معرفي (إبستمولوجي) كلي كإطار حاكم للمناظرة، سواء صرحوا به أو أضمروه! وإنما شاع في هذا الزمان مذهب (شرط) طائفة منهم يقال لها "ما بعد الحداثة"، تزعم أن كل قطع أو يقين في دعوى من الدعاوى فإنما هو موقف سوسيولوجي خاص بأصحابه وبالمجتمع المعين الذي نشأ فيه، فلا قيمة للدليل (أي دليل) إلا "عند" ذلك المجتمع بعينه وخصوصه، كيفما اتفق ذلك لهم! وهذه الفلسفة النسبية غير ذات نفوذ أو انتشار كبير بين الفلاسفة المعاصرين كما يزعم الأستاذ (اللهم إلا في مجال التنظير السياسي والاجتماعي نظرا لغلبة النظرية الديموقراطية على دوائر البحث الأكاديمي في العلوم السياسية المعاصرة)، بل إن أكثر الفلاسفة المعاصرين يسفهونها ويسفهون أصحابها لأنها تأتي على أصول العلوم الطبيعية بالهدم! وأكثر الفلاسفة المعاصرين يعظمون العلوم الطبيعية غاية التعظيم كما هو معلوم، ولا يقبلون – ولو تعريضا – أي مذهب فلسفي يعرض أصول تلك العلوم للزوال! 

ونحن نقول إن مذهب النسبانيين هؤلاء مذهب تغني حكايته عن تكلف إبطاله، إذ لو صح ما يقولون للزمهم اعتقاد أن مذهبهم هذا نفسه لا هو حق في نفسه ولا هو باطل في نفسه، وإنما هو دعوى كلية اتفق لذلك المجتمع المعين من الفلاسفة (الذي هم أفراد منه) أن يعتنقها وأن يبني عليها تصوره للمعارف البشرية كلها! فليست المشكلة التي تعانيها قطعيات الملة عند عموم المسلمين في زماننا راجعة إلى مذهب هؤلاء بالذات كما يزعم صاحبنا، وإنما هي راجعة إلى أصل مبدأ النظر الفلسفي في الغيبيات والبدهيات الأولى، وهو المذهب المعرفي الجدلي الذي أسسه فلاسفة اليونان قبل ثلاثين قرن من الزمان كما بينا، واتخذه المتكلمون مذهبا لهم من حيث لا يشعرون! فمن دعا لتدريس "علم الكلام" في مدارس المسلمين ومعاهدهم، فقد دعاهم إلى ما تزول به القطعيات الواجب اعتناقها حقا على كل مسلم، وينقلب به اليقين الفطري في نفوسهم إلى الشك والريبة والاضطراب والتقلب بين العقائد من مناظرة إلى مناظرة، إذ يجعل في محل رواسخه الاعتقادية مزاعم المتكلمين فيما جعلوه قطعا وما جعلوه ضرورة تحكما على أثر النظر، والله المستعان! ولهذا ذم بعض أئمة السلف أهل الكلام بأنهم يجعلون دينهم عرضة للخصومة والجدال، فلا يدري الواحد منهم على أي معتقد ينام غدا!    

وتأمل قول الأستاذ: "مجرد سماعه (أي علم الكلام)، توحي لهم بأننا نرجع إلى عصور سحيقة! بالعكس! أنا سأبرهن الآن بإذن الله سبحانه وتعالى، على أن منهجية علم الكلام هي في الحقيقة، وليس مجرد ادعاء كما يحلو للبعض أن يقول، هي المنهجية العلمية الصحيحة! آخر نظرة توصل إليها - كما يحلو لهم أن يقولوا - آخر نظرة توصل إليها علماء وباحثون في العلوم وفي فلسفة العلوم، هي النظرة التي ينبني عليها علم الكلام وليست النظرة التي تنبني عليها الفلسفة! " اهـ. قلت لو رأيت ما لمع في عيني الرجل من النشوة والزهو وهو يقول "سأبرهن الآن ... إلخ"! هذا يكشف لك عن أصل المرض عند المتكلمين في كل عصر من العصور، ألا وهو الحرص الشديد على موافقة فلاسفة العصر وإظهار قيام الإيمان والاعتقاد عندهم على "آخر ما توصل إليه العلماء"! فبدلا من أن يقال لمن نقل الأستاذ زعمهم بأن دراسة الكلام ترجع الناس إلى عصور سحيقة: "فمن أي عصر إذن تريدون أن تتلقوا دينكم الموروث عن نبيكم وتلامذته؟ ومن أين يؤخذ الاعتقاد الديني الصحيح إن لم يكن فهم النص الديني الموروث موروثا معه من القرن الأول، محفوظا بحفظه، مقطوعا بصحته؟" بدلا من أن يجيبهم بهذا الجواب الحازم، أبى إلا أن يعتذر إليهم بأن علم الكلام الذي "اتهموه" بأنه يرجع بالناس إلى الماضي، يقوم في أصوله على نفس الأصول التي يقوم عليها "العلم الحديث"! فإذا كانوا يعظمون العلم الحديث، فيلزمهم إذن أن يعظموا علم الكلام تبعا! 

هذه هي طريقة الكلام من يوم أن عرف الناس شيئا يقال له علم الكلام: إن كنتم أيها الفلاسفة لا ترون علما ولا معرفة إلا في نظرياتكم العريضة تلك، فهلموا إلينا نبرهن لكم على صحة ديننا واعتقادنا بالتأسيس على تلك النظريات نفسها، وسنريكم أننا لا ندعوكم إلا إلى البناء على ما هو حاصل عندكم ابتداءً وعلى "آخر ما توصلتم إليه" كيفما كان! هذه دعوى الجبناء المفتونين أيها القارئ الكريم، مخانيث الفلاسفة كما سماهم شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه، وليست دعوى أهل الحق الصادقين المتيقنين – حق اليقين – فيما ورثوا من الدين، الذين لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم من عرب أو عجم مهما ظهروا على الخلق ومهما طفحت بهم الأرض! يقال لهم: دينكم هذا فيه ما يخالف "حقوق الإنسان" (مثلا)، فتراهم يسارعون كالمحموم في التماس كل طريق لتأويل النصوص ولي أعناقها حتى يظهروا للمعترض أن الإسلام جاء بعين ما عظم عند القوم من فلسفات أخلاقية وسياسية معاصرة! فهم لا يتصورون لأنفسهم أن يوضعوا في موضع التهمة بأنهم لا يقيمون وزنا لتلك الفلسفات السائدة بين الصفوة المثقفة والنخبة المعظمة عند العامة في زمانهم، لا سيما في دوائرهم الأكاديمية ومدارسهم العلمية! تريد أن تلحق بالنخبة المثقفة وأنت لا تقول بالديموقراطية ولا ترى مشروعيتها ولا معقوليتها؟ والله لا نرضى بك بيننا حتى تعتصر النصوص اعتصارا لتجعل الديموقراطية هي الشورى وهي نظام الإسلام في الحكم، وإلا فلا حاجة لنا فيك! فإذا بالمتكلم يخضع ويجيب! تريد أن تعد من صفوة المفكرين وخيرة الناظرين والباحثين، وأنت لا تقول بشناعة الرق (من حيث المبدأ) وملك اليمين وبأنه مناقض لحقوق الإنسان؟ والله لا نرضى بك بيننا حتى تخرج لنا من النصوص ما يثبت أن دينك لا يقر العبودية ولا يجيزها، وإلا فلا حاجة لنا فيك! وإذا بالمتكلم يخضع ويجيب! تريد أن تقنع رجلا غربيا معاصرا (في القرن الواحد والعشرين الميلادي) بأن الإسلام هو الدين الحق، وأنت تقول بقرار المرأة في بيتها وبأنها عورة وإذا خرجت من بيتها استشفرها الشيطان؟ والله لا يقبل منك أحد دعوتك حتى تأتيهم بما يرتضونه من "تحرير المرأة" وتسويتها بالرجل! وإذا بالمتكلم يتكلف ما يريدون أو قريبا منه! تريد أن تدعو أحدهم إلى الإسلام في عصر العلم والتكنولوجيا، من غير أن تظهر له موافقة نصوص الإسلام تمام الموافقة للنظريات الطبيعية المعاصرة السائدة أكاديميا التي يعظمها الغربيون اليوم غاية التعظيم، بل وتظهر له أن القرآن نطق بها من قبل أن يقولوا هم بها بقرون وقرون؟ لا حيلة لك في الدعوة إذن ولا طريق إلى قلوب الغربيين يا مسكين، وخير لك أن تبحث لنفسك عن حفرة ترقد فيها أو صخرة تنام تحتها! وإذا بأبحاث ما يسمى "بالإعجاز العلمي" تتكاثر وتتساقط كالسيل المنهمر!   

هذه – أيها القارئ الكريم – هي آفة الكلام وأهله من يوم أن ظهر عند أهل الكتاب من قبل (ثم ظهر نظيره عندنا) وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: التبعية المخزية للفلسفة السائدة بين النخبة الأكاديمية في كل عصر كيفما كانت، وتطويع الدين والإيمان لها، رجاء السلامة من التهمة "بإيمان السفهاء"! هي طريقة المفتونين بالنظريات السائدة وبأصحابها في إظهار أن إيمانهم لا يحجزهم عن اعتناق تلك النظريات نفسها والظهور بها بين الناس، بل إنه قائم عندهم على تلك النظريات نفسها، فهي طريقهم النظري القياسي الذي به عرفوا بأن العالم حادث أصلا (فيما يزعمون كذبا على أنفسهم قبل غيرهم)، كما هو شرط معاصريهم من الفلاسفة في المعرفة! والطامة الحقيقية أنك ترى هؤلاء يعتقدون أنهم يخدمون الدين ويدفعون الشبهات ويثبتون العقائد أحسن إثبات، وترى العامة تتابعهم وتتلقى عنهم من أجل ذلك، مع أنهم في الحقيقة إنما يقدمون للخصم المخالف دينا على شرطه هو، واعتقادا على مزاجه هو، مع تطويع النص الموروث لموافقته ما وجدوا إلى ذلك سبيلا! فبالله أي خزي وأي خذلان أعظم من هذا لو كنتم تعقلون؟

يتبع إن شاء الله تعالى

د. أبو الفداء ابن مسعود

عفا الله عنه

إرسال تعليق