الجواب متوجه لصاحبة هذا الكلام:
هذه رسالة من إحدى الأخوات تريد ردا على هذا الكلام في الصورة
الحمد لله وحده، أما بعد، فلا يفوتني أن أبدأ أولا بنصيحة الأخت السائلة وفقها الله تعالى بعدم التعرض لبضاعة هؤلاء الجحدة المستكبرين، صيانة لدينها وعقلها من زبالتهم! فصحيح إنها لا نهوض لها بشيء مما يريدون، وأنه ستظل البداهة والفطرة تصرخ في كل عاقل ببطلان مطلبهم مهما قالوا مهما عملوا، إلا أن الفطرة المعرفية ليست هي المحرك الوحيد عند البشر لقبول الأقوال وردها، بل يدخل في الأمر أهواء النفس وميلوها وحظوظها كذلك. فمن سبق له الفضل من رب العالمين أن كان هواه وميل قلبه لا يحيد به عن الفطرة ومقتضاها، الذي هو الحكمة التي بعث الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، فهذا هو الموفق المسدد، وإلا دفنت المعرفة الفطرية والبدهية في النفس تحت ركام الأهواء، وإذا بما كان المرؤ يراه بالأمس حقيقة بدهية وضرورة عقلية، يشك فيه غدا، ثم ينقلب عليه يرده ويبطله، نسأل الله السلامة والعافية! فكيف يحدث ذلك ومن أين يدخل على النفس؟؟ يدخل من الهوى والميل الخفي! فما أكثر ما يكون أحدنا في هذا الصدد الذي نحن فيه، يظن أنه يعمل ما يعمل لله تعالى ويكت ما يكتب خالصا لله تعالى، مع أن في نفسه في الحقيقة دخنا ودغلا يخفى عليه! يحب أن يطالع بضاعة الفلاسفة ويحب أن يختبر فيها ذكاءه وقوة عقله، حتى يثبت لنفسه – إشباعا لحظ النفس وهواها – أنه أقوى من أصحابها، وهو مع ذلك يحسب أنه يريد أن ينتصر للحق وأن ينصر الدين على أعدائه!
أقول هذا الكلام لا لأتهم الأخت السائلة وفقها الله بميل النفس أو الهوى، لا والله، وإنما أقوله لأحذر نفسي قبل غيري من خطر الهوى الخفي، وأنه هو الذي إن تعاظم على صاحبه من حيث لا يشعر، ذهب ببصيرته وبنور الإيمان واليقين في قلبه، فإذا به ينقلب على الحق فيراه باطلا، ويأتي على الباطل فيراه حقا! فالحق الذي عندنا، خلافا للجهمية والمتكلمين ومن لف لفهم من أصحاب النظريات الفلسفية و"المشروعات الفكرية" وهذه الأشياء، واضح جلي لا يحتاج إلى توضيح!
ونحن ما سمينا هذه القناة وهذا الموقع "إقناع" لأن مقصودنا منها إقناع الناس بأن الإسلام حق أو بأنه جاء بالحق! هذا أوضح الواضحات، ولا يماري فيه إلا مكابر! وإنما سميناها بهذا الاسم لأننا أردنا أن نقدم للمسلمين الذين سبق لهم التعرض لسخافات الفلاسفة، على قلة حظ من العلم بالدين وبغيره من العلوم ذات الصلة، ما يقنعهم بوهاء تلك السخافات وبأنها لا تبلغ مهما كثرت أو تراكمت، أن تشوش على مصادر المعرفة في دين المسلمين أو أن تشكك العقلاء في صحتها! كما أردنا أن نقدم لطلبة العلم السلفيين من أهل الحديث ما يمكنهم من الآلة الصحيحة والمنهج الصحيح لتحذير هذه الفئة من المسلمين تحديدا، مما يستجد من تلك النوازل.
نحن قوم قد من الله تعالى علينا بمحجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك! ليس ديننا أو اعتقادنا أو موضوع إيماننا تنظيرا فلسفيا تقصر دونه أفهام الكافة من الناس! وليست أصوله عندنا من قبيل الرأي النظري الذي يلجئنا البقاء عليه لمدافعة كل معترض والنظر في أدلته المزعومة، لعلها تدعونا لمراجعة ما نعقد عليه قلوبنا في كل مرة نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله! وإنما هو اعتقاد ليس في الأرض ما هو أوفق للفطرة والبداهة منه ولله الحمد والمنة! فالذي يكابر فيه ويماري، فإنما يتنطع ويسفسط بما علمنا دون تكلف النظر فيه أنه باطل فاسد أيا ما كان، ومن غير حتى أن نجد ما يدعونا لمطالعة كلامه حتى نرد عليه بتفصيل يقابل تفصيله! بل مثل هذا الأصل في إبطاله الإجمال، كما كانت طريقة أئمة السلف رضي الله عنهم، إلا إن دعت الضرورة إلى البسط والتفصيل!
فإذا كان ذلك كذلك، وكان إيماننا واعتقادنا بهذه المنزلة عندنا، فأي شيء يدعونا لمطالعة زبالة القوم، المعلومين منهم والمجاهيل،
هذه الرسالة التي سقتيها إلينا أيتها الأخت الكريمة، لا نعلم أصلا من كتبها، ولا نريد أن نعلم! ولولا اغتنامي الفرصة لتقديم هذه النصيحة العامة على صفحات هذا الموقع المبارك، ما جاز لي أن أتكلف الرد عليها أصلا لما في ذلك من مفسدة لفت الأنظار إليها! كان الإمام أحمد رحمه الله وغيره من الأئمة ينهون عن تصنيف الكتب في الرد المفصل على بعض أهل الباطل مخافة أن ينشروا باطلهم فيزداد إقبال الناس عليه! فما أكثر ما يظن الواحد منا أنه بتصنيفه ما يصنف وكتابته ما يكتب، يقدم للمسلمين ما تمس حاجتهم إليه، مع أن الواقع على خلاف ذلك، ولو أنه سكت وأهمل كلام المخالف ولم يرد عليه، لخمل ذكره ولما التفت الناس إليه! فلو خير طالب العلم صحيح المنهج سليم القصد، بين أن يكتب ردا يطبق الآفاق وينتشر في الأرض على مبتدع أو جاهل لم يكن له ذلك السيط وتلك الشهرة من قبل، وبين أن يتركه على خموله لا يتأثر بكلامه إلا تلك القلة من الناس التي تخالطه وتجالسه، لاختار ألا يرد عليه ولا شك! ولكن لأن كثيرا من الناس يحركهم حب الرياسة وشهوة الظهور على المخالفين، صار الناس يتعرضون للضلالات والطوام في كلام من يزعمون الرد عليها، فوق ما كان يحصل لهم لو أن هؤلاء ما ردوا ولا نشروا، وإلى الله المشتكى ولا حول ولا قوة إلا بالله!
فصاحب هذا الكلام الذي نقلتيه إلينا، يكابر في المعقولات والبدهيات مكابرة واضحة، وحسب امرئ عاقل أن يتأمل في الفقرة الأولى من كلامه حتى يتبين له وهاء ما هو قائل بعد أيا ما كان ذلك! لا يأتينا من يعترض على قولنا "الواحد نصف الاثنين" مثلا، ببحث فلسفي، ثم نتكلف نحن عناء الرد عليه ردا مفصلا (من غير أن يكون قد سبق لكلامه فيه انتشار بين المسلمين أو افتتان للناس به) إلا كان في ذلك ما يوهم أو يشعر الناس بأن الدعوى التي أراد صاحب الكلام أن يبطلها، تفتقر إلى ما يدفع الشكوك عنها ويبين بطلان "الشبهات" التي يطلقها المخالف فيها حتى يظل اليقين والجزم منعقدا في نفوسنا بصحتها!! أصحاب هذه الزبالة لا مغنم لهم أعظم من أن يستدرجونا جميعا للرد على كل شاردة وواردة يتقيأ بها أحدهم هنا أو هناك، فانتبهوا لهذا يرحمكم الله! صحيح إنني أنا – أبو الفداء – لست بالذي ذاع صيته وانتشر بين المسلمين حتى إنه ليخشى من ردي على فلان أو فلان أن يكون سببا في شهرة المردود عليه بين المسلمين، من بعد أن كان خامل الذكر، ولكن مجرد تعريض من يعرفونني من المسلمين لما كانوا منه في عافية هو أمر ممنوع شرعا، وتكلف الخوض التفصيلي في إبطال ما يعرف بطلانه بإجمال، من شأنه أن يشوش على ما هو مركوز في الفطرة من دواعي إبطال ذلك الباطل، ويفتح أبوابا لميول النفس والأهواء الخفية لا يحصيها إلا الله! تلك الأهواء التي ذكرنا فيما تقدم أنها هي التي يؤتى منها الاعتقاد والإيمان وينخرم بها اليقين!
فعندما يقول هذا الجهول المجهول إن عبارة "يستحيل أن ينتج نظام من عشوائية" لا تروقه "مهما كان تبريرها الفلسفي والمنطقي" على حد كلامه، لا سيما والموضوع هو "خلق الكون"، فهذا جاحد للبداهة وهو يعلم أنه مكابر! فالعشوائية والفوضوية التي يريد هذا الجاحد وأمثاله أن يجعلوها حقيقة وجودية في العالم نفسه وفي جريان الحوادث فيه، بل وفي أصله الذي خلق منه، هذه ليست في الحقيقة إلا شهادة على صاحبها بالجهل! إذا كان العاقل لا يملك إن دخل غرفة أخيه يوما ما فوجد الأشياء فيها موضوعة في غير مواضعها التي اعتاد هو على أن يضع نظائرها فيها في غرفته، أن يحكم بأن صاحب تلك الغربة إنما حصل له ذلك حصولا عشوائيا من غير ترتيب منه، فكيف ونحن نتكلم عن صنعة من حكمت البداهة والضرورة العقلية بكونه لا يصدر عنه الفعل والأمر والقضاء إلا بحكمة وتدبير، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا؟؟
والذي يلتقي برجل يعرفه في الطريق صدفة، يصادفه من غيرما ترتيب سابق بينهما، هذا ليس له أن يحكم بقوله "صدفة" بأنه محال أن يكون ثم سبب أو ترتيب سابق عند أناس قد رتبوا لذلك اللقاء، من غير أن يدري هو ولا صاحبه بذلك! وإنما يحكم بذلك بجهله هو بالأسباب والعلل والغايات لا أكثر! فيقول صادفته، أي من غير ترتيب سابق بيني أنا وبينه، من غير ترتيب أو نظام أو خطة كنت أنا طرفا فيها! فكيف والكلام عن حوادث خلق هذا العالم بكليته، بأي عقل يدخل معنى الصدفة في شيء من ذلك أصلا؟؟
لهذا قلنا مرارا إن الصدفة ليست إلا حقيقة ذهنية عند من يثبتها في أمر ما، وليست حقيقة عينية في نفس الأمر! فإنه ليس في العالم شيء يحدث إلا وله عند باريه أسباب ومقدمات وغايات ومقاصد، علمها من علمها وجهلها من جهلها، وهذه مسألة نثبتها إثباتا بدهيا فطريا ولا ننتظر من مجهول من مجاهيل الفيس أن يأتينا بسفسطة في نظرية الاحتمالات حتى يقنعنا ببطلانها! نظرية الاحتمالات كما أطلنا النفس في بيانه في محاضرة من محاضراتنا على هذه الصفحة، ليس موضوعها إلا ما سبق جريانه تحت العادة! فبحسب مقادير العادة هذه عندنا، نقدر أرجحية أن يجري الأمر على نظير ما كان من قبل أو على خلافه! فلا يقال في جملة من المشاهدات إنها "عشوائية" لتساوي احتمالية حدوثها تمام التساوي عند التكرار، إلا لزم أن يكون المقصود هو أن عادتنا نحن الباحثين فيها تخلو من العلم بمرجحات لأي حالة من الحالات الممكنة على خلافها! ولا ينتقل من ذلك إلى الحكم بعدم تلك المرجحات عند رب العالمين نفسه سبحانه، إلا جاحد مكابر لا خلاق له ولا عقل! والقصد أن المسألة كلها مدارها على مغالطة توقيع ما في الأذهان على ما في الأعيان، بما حاصله أن عدم العلم يعني العدم!
نعم كل من استعمل حسابات الاحتمالات في إثبات أن الإنسان لا يمكن أن يكون قد خلق صدفة فهو جاهل، ولكن أجهل منه وأضل ولا شك من زعم أن حسابات الاحتمالات تفيده في إثبات العكس من ذلك! أجهل منه وأغرق في الضلال من يقول إن "حركة الإلكترونات عشوائية بشكل كامل" وهو يعني بذلك أنها ليس لها عند رب العالمين علل وأسباب وغايات وحكم، لمجرد أنه يجد هو نفسه جاهلا بجميع ذلك، عاجزا عن تصوره!
والقصد، بارك الله فيك، أننا لا نحتاج إلى الخوض في تلك القوانين والنظريات التي ذكرها هذا السفساط حتى نبين بطلان ما يريد! هو باطل واه بالغ غاية السخف بما يظهر جليا بمجرد التدبر في أول سطرين من المقال كما ذكرنا! فمن جديد نكرر النصيحة لله تعالى للأخت السائلة وفقها الله ولغيرها من إخواننا، بألا يعرضوا أنفسهم لقراءة مقالات هذا هو موضوعها: محاولة الطعن في البدهيات والضروريات بهذيان الفلاسفة وسفسطة الطبيعيين، والله يهدينا وإياكم للرشاد، والحمد لله أولا وآخرا..
والسلام عليكم ورحمة الله
وكتب
أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له ولوالديه ولأهل بيته وللمسلمين

