رفع الإشكال عن بعض المواضع من كلام شيخ الإسلام في طريقة الفلاسفة

 


الحمد لله وحده، أما بعد، فقد سألني أحد الإخوة في التعليق على هذه المحاضرة 

https://youtu.be/qRcfKdHWhfw

سؤالا رأيت أن أجيبه جوابا علنيا للفائدة، قال:

ما الموقف من قول شيخ الإسلام في منهاج السنة: ”والفلسفة الصحيحة المبنية على المعقولات المحضة توجب عليهم تصديق الرسل فيما أخبرت به“. [منهاج السنة النبوية ٣٦٥/١] فلو كانت الفلسفة هي: ”المنهج الجدلي السفسطائي“، فإذن لا وجود لفلسفة ”صحيحة“ كما قال الإمام. 1:29:09 ”فإن المشهور في جميع الأمم لا بد أن يكون له موجب في الفطرة المشتركة بين جميع الأمم، فعلم أن الموجب لاعتقاد هذه القضايا أمر اشتركت فيه جميع الأمم وذلك لا يكون إلا من لوازم الإنسانية، فإن الأمم لم تشترك كلها في غير لوازم الإنسانية“. [الرد على المنطقيين ٤٣٠] ”العادة التي تعم بني آدم مع تباين حالهم وأديانهم واختلاف علومهم وإراداتهم لا تكون إلا عادة صحيحة“. [بيان تلبيس الجهمية ٦٠١/٤]

فقلت في الجواب:

جزاك الله خيرا. ليس في هذه المواضع التي ذكرت، كما سنبين، ما يؤخذ منه أن ابن تيمية رحمه الله كان فيلسوفا أو كان مقرا للفلاسفة على أصل صنعتهم والمسلمات المنهجية التي تأسست عليها أكاديميتهم اليونانية. ولكن دعني أولا أبدأ بالتنبيه على أنه من أعظم الغلط أن يأتي طالب العلم إلى مواطن من كلام عالم من العلماء أو إمام من أئمة أهل السنة، فينتزعها من حيث وجدها، ليجعلها دليلا على مسألة قد علم من أصل منهج ذلك العالم نفسه ومن المصادر التي تلقاه منها، ومن كلامه وتأصيله في عامة كتبه وتصانيفه، أنه لا يقول بها، أو يقول بخلافها. موقف أهل السنة أخي الكريم من الفلسفة نفسها، ليس مسألة نتعلمها نحن إذا تعلمناها من ابن تيمية رحمه الله، ولكن ممن تعلم منهم ابن تيمية نفسه منهج أهل السنة! 

ثانيا: ليكن معلوما أن الشيخ رحمه الله كان ينكر على الفلاسفة جملة ما ننكره نحن عليهم من تخوض بالعقل والنظر فيما لا متسع فيه لقياس ولا لنظر، ويعد ذلك من السفسطة، ومن تكليف البشر بما لا خير فيه ولا يورث إلا الضرر. وقد بينا كلامه الكلي وتقعيده في نقضه عليهم في غير موضع، وهذا ما سميناه نحن بالمنهج الجدلي السفسطائي الذي قامت عليه صنعة الفلاسفة نفسها فيما نزعم، وكان هو سبب كل فساد عند الفلاسفة وعند المتكلمين تبعا. فحقيقة أنه لم يسم ذلك المنهج الكلي باسم ما، يجمع جميع ما حرره في كتبه من انتقادات كلية على الفلاسفة ليرجعها جميعا إلى تلبسهم به في أصل صناعتهم، هذا لا يعني أنه كان لا يرى بأسا بتلك الطريقة نفسها. وإذا وقفنا على موضع في كلامه وجدناه فيه يقول إن من يرد عليهم لو كانوا على "فلسفة صحيحة" لما وسعهم إلا أن يتبعوا الرسل، علمنا بأنه يتنزل في ذلك الموضع بمخاطبة هؤلاء بما اصطلحوا هم على تسميته بالفلسفة، إذ كانوا يزعمون أن الفلسفة هي محبة الحكمة، فلو صدقوا في كونهم يحبون الحكمة كما زعموا، وسلمنا لهم بأن هذه هي حقيقة ما يسمونه بالفلسفة، لما اتخذوا بضاعة المرسلين ظهريا، ولما غاصوا فيما غاصوا فيه من السفسطة والمغالطات التي أفسدوا بها العقل والدين جميعا. لو كانوا محبين للحكمة حقا، لما وسعهم إلا أن يصدقوا الرسول يتبعوهم. ولو رجعت بضعة صفحات في هذا الموضع الأول الذي نقلت منه ما نقلت، من كتاب مناج السنة النبوية، لرأيته رحمه الله يقول (ص. 359): "والمقصود هنا أن يقال لأئمتهم وحذاقهم الذين ارتفعت عقولهم ومعارفهم في الإلهيات عن كلام أرسطو وأتباعه، وكلام ابن سينا وأمثاله، ما الموجب أولا لقولكم بقدم شيء من العالم، وأنتم لا دليل لكم على قدم شيء من ذلك؟ وأصل الفلسفة عندكم مبني على الإنصاف واتباع العلم، والفيلسوف هو محب الحكمة، والفلسفة محبة الحكمة، وأنتم إذا نظرتم في كلام كل من تكلم في هذا الباب وفي غير ذلك لم تجدوا في ذلك ما يدل على قدم شيء من العالم، مع علمكم أن جمهور العالم من جميع الطوائف يقولون بأن كل ما سوى الله مخلوق كائن بعد أن لم يكن، وهذا قول الرسل وأتباعهم من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم.. " إلى أخر كلامه رحمه الله، فهو هنا في مقام إلزام للفلاسفة بما زعموه حقيقة الفلسفة ومعنى الفلسفة من حيث هي، محتجا عليهم بتحرر من تحرر منهم من سلطان أرسطو وابن سينا ومن شاكلهما! يريد أن يقول لهم: إن كانت الفلسفة حقا هي محبة الحكمة والإنصاف في اتباع العلم والدليل، فما الدليل على ما تقولون؟؟ إن كانت هذه هي الفلسفة (إذا كان هذا هو أصل الفلسفة عندكم)، فالفلسفة الصحيحة تلزمكم باتباع الرسل، إن كنتم صادقين. 

ولهذا يواصل في نفس الكتاب فيقول في موضع لاحق (ص. 369):

الخامس: أنه معلوم بالفطرة والضرورة أنه لابد من محدث للمحدثات، وفاعل للمصنوغات، وأن كون المفعول مقارنا لفاعله لم يزل ولا يزال معه ممتنع في فطر العقول، وهذا مما يحتج به على هؤلاء، كما قد بسط في موضعه، فإنه إذا بين لهم فساد قول إخوانهم، وتبين لهم أن الفاعل لابد أن يقوم به من الأحوال ما يصير به فاعلا، امتنع مع هذا أن يكون مفعوله المعين مقارنا له أزلا وأبدا، فإن هذا إخراج له عن أن يكون مفعولا به. السادس أن يقال لهؤلاء وهؤلاء جميعا: أصل ما أنتم عليه الرجوع إلى الوجود، والفلسفة معرفة الوجود على ما هو عليه، والفلسفة الحقيقية هي العلوم الوجودية التي بها يعرف الوجود، وأنتم لا تثبتون شيئا في الغالب إلا بقياس: إما شمولي وإما تمثيلي، فهل علمتم فاعلا يلزمه مفعوله أو يقارنه في زمانه لا يحدث شيئا فشيئا، سواء كان فاعلا بالإرادة أو بالطبع؟..." إلى آخر كلامه. 

فالمقام مقام إلزام بارك الله فيك، وليس مقام إقرار على منهج قد تبين لنا بما لا يدع مجالا للشك أن الشيخ رحمه الله كان من ألدّ أعدائه، فانتبه! 

وأما الموضعين الآخرين، فهل تريد بنقلهما أن تلزمني بأن الشيخ رحمه الله لم يكن يثبت الفطرة إلا بالنظر في "الإجماع الإنساني"، فما كان الناس مجمعين عليه، عرف بناء على ذلك أنه أمر فطري ومعرفة فطرية؟؟ هذه سفسطة بارك الله فيك، والشيخ كان من أشد الناس تنفيرا منها ومن أصحابها. وإنما يقال هنا كما قال في الموضع السابق، إنه يتنزل مع من يرد عليهم لينقض ما هم عليه. فيقول ما حاصله إن كنتم تزعمون أن الفطرة لا وجود لها، فبأي شيء تفسرون اتفاق جماهير الناس من جميع الأمم والعقائد والنحل، على قضايا معينة يشنعون على المخالف فيها ويقبحون عليه، إن لم يكن مبدأها في نفوسهم راجعا إلى قوى فطرية (على حد عبارته) هي التي جعلتها كذلك؟ لولا أن كان الأمر كذلك ولم يوجد من سفسط على تلك المسائل، يشوش عليها بادعاء ما يخالفها، ما اشتهرت بين الأمم. ولهذا يرد الشيخ في نفس الموضع على ابن سينا زعمه أن المشهورات لا تعرف بقوى النفس! فالشيخ لم يقل لهم استقرئوا الإجماع الإنساني حتى تعرفوا الدعاوى الفطرية مما ليس فطريا، يكون ذلك هو طريقكم لإثبات ما تثبتون منها، كما يجعله الفلاسفة هو طريق معرفة الدعاوى الضرورية مما ليس بضروري، بالنظر إلى معنى الضرورة نفسها عندهم، أنه ما يضطر الناس إلى قبوله والتسليم به حتى لا تفسد عليهم أحوالهم، إجمالا. الشيخ كأنه يريد أن يقول: إذا كنتم تتنكرون لوجود معراف جبلية في نفوس الناس تشترك جماهيرهم في القول بها، فكيف تفسرون أن عامة الناس يتفقون، مثلا، على أن الظلم قبيح، وعلى أن العدل حسن، وعلى أن الكذب مشين لصاحبه .. إلخ؟؟ وإلا فحتى هذه المسائل من أراد أن يحتج فيها بالإجماع فلن يتمكن من إثباته قطعا، لأنه حتى الظلم يوجد من شذاذ البشر من يستحسنه، سواء بالتصريح أو بالمقتضى. ولهذا قلت إن مسلك من أرادوا أن يتحذوا من الإجماع الإنساني طريقا لإثبات وجود الفطرة إثباتا تأسيسيا، بمعنى أننا لا نشهد بوجود الفطرة في نفوسنا حتى ننظر فيما أجمع عليه الناس، هذا مسلك سفسطائي فاسد يقلب العقل على أصحابه، وليس من طريقة شيخ الإسلام في قليل ولا كثير! وأنت قد تحتج على متكلم يقول إن الله ليس في جهة العلو بأن الناس من جميع الملل، حتى القائلين منهم بوحدة الوجود، إذا أرادت الدعاء توجهت بأيديها وأعينها إلى أعلى، فإن لم تكن فيهم فطرة جبلية وقوة نفسيه تحملهم على ذلك وتجيزه لهم معرفيا، لما فعلوه، فلا يلزم من كلامك بمثل هذا، كما جرى في كلام ابن تيمية في مواضع شتى، أن تكون الفطرة عندك لا تعرف أصلا إلا بالنظر فيما يتفق عليه الناس! بل هو يلزمهم ببطلان نفيهم إياها، ببيان ظهورها في أقوال الناس وأحوالهم وأفعالهم في المشهورات بين الأمم. أي أن ذكر هذا التلازم بين الاشتهار والانتشار في الأمم، والبداهة أو الفطرية، يأتي في جميع كلام الشيخ في مقام النقض على من يزعمون أن الإنسان ليست فيه معارف فطرية، لا في مقام التأسيس الفلسفي النظري لوجود تلك المعارف نفسها ابتداء، ولمعرفة ضابطها وما تمتاز به عن غيرها، كما سلكه صاحب كتاب "الإجماع الإنساني" ونحوه ممن يريدون تلبيس الشيخ رحمه الله "بنظرية معرفية" مما يستحسنون!! هؤلاء خلطوا الحابل بالنابل، ولبسوا الشيخ بعكس منهجه وطريقته، والله المستعان.  

أبو الفداء ابن مسعود

غفر الله له

إرسال تعليق