الرد على كلام "مولود السريري" في مسألة التجسيم وتفويض الكيف - الجزء الرابع



الحمد لله وحده، أما بعد، فيواصل الشيخ مولود أصلحه الله فيقول:

"قلنا بأنك إذا فوضت في هيئة المحسوس، فقد فوضت في صورة العرض القائم بذلك المحسوس فقط، وهكذا الأمر في الفعل. تقول مثلا: ذهب، جاء، جلس، إلى آخره، هذه كلها أفعال. فإذا أثبت لها المعنى اللغوي، خلاص! لابد أن تكون الهيئة المخصوصة التي وضع لها هذا اللفظ قد ثبتت لهذا الشيء. ما الذي يبقى؟ يبقى الهيئة والصفة التي هي أمر عرضي. تفوض في العرض وتثبت المعروض. وإثبات المعروض هو محل الإشكال الكبير، الذي (غير واضح) في المعتقد (غير واضح) كما سيأتي. نعم! والكيفيات كلها، كيفما كانت، هذا هو حالها! سواء كانت هذه الكيفية محسوسة، أو كانت هذه الكيفية نفسية أو كانت الكيفية المختصة بالكم، أو كانت من الكيفيات الاستعدادية. فهذه كلها أعراض! التفويض فيها، هي تفويض خارج الماهية التي (غير واضح)! وإذا تقرر عندنا هذا وآمنا به على هذين الأساسين، أولا أن الإثبات يردنا إلى الوضع اللغوي، وأن التفويض في الكيف هو تفويض في الصفة، تفويض في الهيئة، وأن هذا منفصل عن الأمر الذي أثبته أولا باللغة، ثبت هذان الأصلان، فلننتقل الآن إلى المثيل!

ما يمكن أن يمثل به (غير واضح) المسألة مسألة عقدية، ما يمكن أن يمثل به لذلك، اليد، العين، الرجل. فاليد مثلا، إذا قلت أثبت لها المعنى اللغوي، فمقتضى كلامك أنك تثبت عضوا من الجسم. ولست أنا من قال هذا، اللفظ يشهد على ذلك! لأن اللفظ، هذا ما وضع له! أليس كذلك؟ ستقول لا لا لا، (غير واضح) اللفظ! يقول لماذا دللت (غير واضح) دللت على عضو قائم بجسم! إذن فاللغة هي التي فرضت علينا هذا الحكم وألزمتنا به! وإذا أثبتّ أنه عضو في جسم، فإنه يستلزم محلا، أولا، هذه طبيعة (غير واضح)! وجسمية أيضا! أمرين! أثبت أولا هذا الذي ذكرنا، وأثبت أيضا الجسمية في ذلك الشيء الذي فسرته باللغة! لماذا؟ لأن اليد جسم! اليد، إذا فسرنا الجسم بالمعنى الفلسفي، اليد فيه طول وعرض وعمق، وإن فسرته بما يقبل العرض، يذهب إلى ذلك من يذهب إليه، فلا مشاحة في الاصطلاح! فعلى كل حال فهو جسم! فإن تفلسفت وقلت لا أقصد الجسم أقصد الجوهر، فأطرح عليك السؤال: هل تؤمن بالأعراض المجردة؟ فإن قلت أؤمن بالأعراض المجردة، قلت خلاص! أشكرك! اليد لم توضع للأعراض المجردة! اليد لم توضع للأعراض المجردة! اليد لفظة موضوعة لشيء محسوس معروف هو هذا العضو الذي يتصل بالجسم على هيئة مخصوصة، هكذا! الأمر الثالث، أنك تثبت له الآثار التي تثبت عن الأعراض. أن اليد تأتي بآثار، تتصل بها! هكذا! هكذا! لأن اليد جسم فيه طول وعرض وعمق، هكذا! وهذه الجسمية لها هيئة مخصوصة هي قوام حقيقتها، فإذا ارتفعت هذه الهيئة ارتفعت حقيقتها، ويستلزم أن يكون محلها جسما كذلك. هذه كلها لغة! لوازم اللغة العربية! 

فإذا أثبت ذلك، أثبت كل هذه الأشياء. ولست أنا مستنبطا، اللغة تنطق. وهكذا! فإذا فوضت كيفيته وأسندت العلم بها إلى الله، فهذا لا ينفي الجسمية. وإنما ينفي العلم بالعرض. ينفي العلم بالعرض القائم بذلك الجسم. لأن هذا التفويض لا يتعلق حينئذ بما أثبته، بل يتعلق بشيء آخر، وهو العرض. فلان عنده سيارة، لكن لا أعلم كيفيتها. أي لا أعلم هيأتها ولا طريق ... فلان قتل فلانا، لكن لا أعرف الهيئة، لا أعرف كيفية ذلك! فلان يفعل كذا، لكن لا أعرف كيفية ذلك! أنت أثبت يا رجل الفعل وأثبت .. وتقول بأنك لا تثبت الحقيقة اللفظية؟! تريد أن تبني هذا الأمر المتناقض؟" اهـ.

قلت: هذا الكلام يكشف لك جليا مبلغ الخلل العميق الذي يعانيه أهل الكلام في تصورهم لمسألة الوضع اللغوي وحدود الحقيقة اللغوية التي ينطلق إليها اللفظ عند استعماله، على أثر تشبعهم بطريقة فلاسفة اليونان في القرصنة على تلك المعاني والحقائق والتحكم فيها بالقياس على شرط الإطلاق! الكيفيات كلها لا تكون إلا أعراضا!! فما هي الكيفية؟؟ هي ما يكون عليه تكون الصفة (أي صفة أيا ما كانت في أيما موصوف أيا ما كان) خارج الذهن، أو ما به يتحقق المعنى في الموصوف به خارج الذهن، أو صفة الصفة إن شئت! فهل يعقل أن يقال في معنى ما، الفرض فيه أنه صفة لموجود خارج الذهن، إنه لا كيفية له؟؟ أبدا! هذا ممتنع عقلا! لماذا؟ لأنك إن قلت الشيء الفلاني (الموجود في الأعيان) موصوف بمعنى كذا، بلا كيفية على الإطلاق، فحقيقة ذلك أنك تقول: إنه لا يوصف به البتة! لأن الكيفية ضرورة قيام المعنى بالموصوف به وتحققه فيه في الخارج! يوصف بمعنى لا تحقق له في الأعيان، فكيف يكون موصوفا به على الحقيقة إذن؟؟ لا يكون كذلك! الكيفية يا إخوان، بإيجاز، وبعيدا عن مصطلحات الفلاسفة، هي صفة الصفة، أو ما تكون عليه في الموصوف بها. ولهذا عبر عنها بالحقيقة، أي ما به تتحقق الصفة في الموصوف بها. فكما أنه لا يعقل موجود في الأعيان لا صفة له البتة، فكذلك لا يعقل صفة تقوم بمعين بحيث تكون لا صفة لها البتة!! وصفة المعين أو صفة صفته، هي أمر ذهني يتعلق بأمر موجود في الأعيان. 

فإن أردت أن تلزم المتكلم الأشعري أو الماتريدي بنفي علم الله بذاته، فاسأله: هل تثبت أن الله يعلم حقيقة صفة السمع التي هو موصوف بها (مثلا)، أم لا تثبت ذلك؟ فإن قال نعم أثبت علم الله بذلك، فقد أثبت الكيفية وجوديا، أو ما نقول إنه صفة الصفة وحقيقتها القائمة بذاته سبحانه في الأعيان، تلك الكيفية التي يزعمون أنها لا تكون إلا عرضا قائما بجسم مخلوق! وإذن يلزمه ما يرمينا به من التجسيم ولا فرق! وإن قال بل أنفي علم الله بكيفية صفة السمع في حقه، لأني لا أثبت لها كيفية أصلا على المعنى الذي تقولون، فقد نفى علم الله تعلى بذاته وحقيقتها، أي علمه بما يكون عليه تحقق تلك الصفة في ذاته في الأعيان سبحانه! ولا ريب أنهم سيحاولون الانفصال من ذلك الإلزام بتقرير أن السمع عندهم صفة معنوية لا ذاتية، فلا يرد عليها هذا الإيراد أصلا! وهو ما يؤكد فساد تفريقهم بين ما يثبتون وما ينفون من هذا الوجه، إذ ما معنى الصفة المعنوية على هذا التفريق؟ أنها لا "حقيقة" لقيامها بذات الله تعالى في الأعيان البتة؟ إذن فلا ثبوت لها أصلا، والإلزام يظل واردا عليكم، إذ يبقى رب العالمين غير عالم بما به يمتاز سمعه عن أسماع المخلوقين، وما به يتحقق فيه هذا المعنى الذي تزعمون أنكم تثبتونه له سبحانه! فالنفي الوجودي للكيفية أو الحقيقة أو صفة الصفة عن أيما صفة نثبتها لموجود ما في الأعيان، هو في الحقيقة نفي لتلك الصفة ولقيامها بالموصوف بها قياما حقيقيا في الأعيان، ونفي لأن يكون معلوما لدى من يصح وصفه بالعلم، أن الموجود موصوف بها البتة! ولهذا نقول إنه محال أن يكون مقصود السلف بقولهم "لا كيف" أي: لا كيفية في الأعيان على الإطلاق! وإنما المقصود لا كيف أي لا نسأل نحن فنقول "كيف؟"، لأن هذا مما لا يعلمه إلا الله! ولو كانوا يقصدون لا كيف أي لا يقوم بذاته كيفية معينة لمعنى الاستواء المثبت له، (كما زعموه في أثر الإمام مالك المشهور في الاستواء)، لتعين لا أن يبينوا ذلك وحسب، بيانا لا اشتباه فيه، بل وأن يبينوا كذلك ما الذي يحملهم على هذا المنع عقلا، أو يدعوهم إليه! لأنه إن كانت الكيفية، كما تقدم، هي ما به يتحقق معنى الصفة في الموصوف بها في الأعيان، المعنى الكلي الذي يأخذه الذهن ويثبته ولا ينفيه، فهذه لا يجوز في صريح المعقول نفيها في نفس الأمر! والذي يدعي وجوب نفيها وجوديا هو المطالب بنصب البرهان العقلي عليه، وليس العكس، أي أن البينة عليه لا علينا، لأننا إنما نقرر حقيقة عقلية بديهية، عندما نقول إن الاستواء الذي نثبته لله تعالى (مثلا) لا يعلم حقيقته وكيفيته إلا الله، وكذلك في السمع والبصر وغير ذلك مما نثبت! وهي حقيقة نقطع بأنك ما كنت لتسأل أحدا من الصحابة والتابعين عن أي صفة من الصفات التي يثبتونها لله تعالى، بداية من وجوده نفسه، إلا أجابوك بإثباتها مع التفويض فيها! الله وحده هو العالم بحقيقة ذاته، وبالكيفية أو الحقيقة التي عليها صفاته سبحانه! هذا نقوله تأسيسا على إثبات الصفة نفسها من جهة المعنى، خلافا للذي ينفي أصل المعنى، فهذا لا يبالي بالكيفية هل تثبت أو لا تثبت، وجوديا، هذا نفى المعنى أصلا وأراح رأسه، كما نزعم أنه لازمكم في كل صفة تزعمون إثباتها! 

فلماذا يحكمون بنفي الكيفية وجوديا، على الرغم من الجلاء العقلي الشديد لضرورة إثباتها لكل معنى ينسب لموجود متعين خارج الذهن؟ لأن نظرية الجوهر والعرض اليونانية قد استغرقت ما به تتحقق أي صفة في أيما موصوف بها بإطلاق، وما به يثبت قيامها به في الأعيان! هذا هو أصل الأمر وسببه عندهم وعند غيرهم من فرق الجهمية والمتجهمة القدماء. وأقول المتجهمة القدماء لأن في هذا العصر متجهمة لا ينطلقون من نظرية الجوهر والعرض هذه أصلا في تجهمهم، ولا يشعرون أصلا بأنهم على طريقة الجهمية والمتكلمين. فالآفة العقلية الأصلية التي تشترك فيها تلك الطوائف كلها، قديمها وحديثها، ليست بالظاهرة الجلية التي لا يرد عليها الاشتباه والخفاء، على تفاوتهم فيما أفضت بهم إليه تلك الآفة من نقض لعرى الاعتقاد الذي ورثه المسلمون عن أصحاب نبيهم صلى الله عليه وسلم، ما بين مستقل ومستكثر! فنظرية الجوهر والعرض تقول بإيجاز: إنه لا تقوم الصفة (أي صفة) بالشيء الموصوف بها في الأعيان، فيما تتفاوت فيه الموجودات العينية ويمتاز بعضها عن بعض، إلا بأن يكون ذلك الشيء "جسما" مركبا من "جواهر" و"أعراض"! فتفسير مبدأ اتصاف الشيء المتعين خارج الذهن بمعنى يعبر عن حقيقة تقوم به في الأعيان، إنما هو تركبه من عنصرين وجوديين يقال لهما "الجوهر والعرض"، فما الذي به تتفاوت الحقائق والكيفيات في جميع الصفات التي توصف بها "الأجسام" (وكل ما يكون من موجود خارج الذهن، هو على أصل النظرية: جسم)؟ إنما هو ما يقال له "العرض"! كل ما يجوز عقلا أن يكون صفة للصفة التي تنسب لموجود في الأعيان، أيا ما كان ذلك الموجود، فهو، على النظرية، "عرض" قد سبق تركيبه في "جوهر"! فالنظرية كما ترى، تفرض حقيقة معينة وكيفية معينة لمبدأ اتصاف الصفة الوجودية بما به تمتاز في موجود معين موصوف بها، عما هي عليه في موجود آخر موصوف بها كذلك، على شرط الإطلاق لا على شرط العادة، ألا وهي حقيقة التركب من عنصرين وجوديين يقال لأحدهما الجوهر وللآخر العرض. 

وهو قياس تركيبي فرضه صاحب النظرية في غيرما محل للقياس أصالة من مبدأ النظر! فإن مبدأ اتصاف الموجود في الأعيان بصفة ما، ليست حقيقته ولا تفسيره أنه "مركب" من كذا وكذا، هذه سفسطة ودور قبلي بارد كما بينا! الصفة ليست حقيقة متعينة خارج الذهن حتى تكون حقيقتها أو كيفيتها أو صفتها أنها عنصر وجودي تتركب منه الموجودات الموصوفة بها! الصفة (بهذا الإطلاق) معنى كلي يقوم بالذهن، فلا يوجد في الخارج في موصوف معين إلا في حقائق عينية هي ما بجملته يقال له "الكيفية" أو "الحقيقة"، وهي ما به نقول إن تحقق هذا المعنى في كل نوع من الموجودات في الأعيان يكون بما يليق به أو بما يناسبه! فصفة النزول مثلا، ليست عينا وجودية يقال لها "النزول"، حتى يكون تفسير قيامها بأيما موجود وصف بها بإطلاق، هو أنها "عرض" مركب في الجسم المخلوق بما يقبل الانفكاك عنه ليركب في محله عرض آخر هو "القعود" أو "الصعود" أو غير ذلك، فيما حقيقته هو نفسه أنه "عرض" يقال له "التغير"! ولكن لأن النظرية تدعي تفسير مبدأ اتصاف موجود ما، أي موجود بإطلاق، بأيما معنى يوصف به بإطلاق، بحيث يختلف فيه عن غيره من الموجودات في الأعيان (وهو ما لأجله وضعت النظرية بالأساس، على الطريقة الميتافزيقية اليونانية في بناء النظريات بشأن الموجودات بإطلاق)، لهذا، لم يجد واضعها إلا أن يعتمد قياس التركيب، فيقول إن الصفة لا تكون إلا شيئا وجوديا تخيليا فرضه هو في ذهنه، قياسا على أي موجود مركب من عنصرين قابلين للفك، فيما جرت عليه عادته، فيكون على ما نراه عليه أو نعرفه عليه، لكون ذلك الشيء الوجودي مركبا في جسم ما أو في جوهر ما تركب العنصرين القابلين للانفكاك في بعضهما البعض! من هنا، ولهذه الاختزالية السخيفة، وبسبب أصل موضوع النظرية والسؤال السوفسطائي المطلق الذي وضعت للإجابة عنه عند اليونايين، تلبس القوم بمغالطة تصيير ما في الأذهان حقيقة ماثلة في الأعيان، أو مغالطة الإسقاط الذهني كما سماها بعض المعاصرين Mind Projection Fallacy، حتى غرقوا فيها غرقا لا يكاد يرجى لهم نجاة منه إلا أن يرحمهم الله! وقد أطلت النفس في بيان ذلك في غير موضع، بما لا يتسع له المقام هاهنا، ولكن القصد أن منشأ الفساد كله والمغالطة كلها هو في ادعاء الفلاسفة أصحاب النظرية أن كيفيات الصفات وما به يوصف بها الموجود في الأعيان، إنما هي ذلك العنصر الوجودي في الأعيان الذي يقال له "العرض" الذي لابد وأنها تتركب منه ومن عنصر آخر يقال له "الجوهر"! هذا القياس، نحن أهل السنة أهل الحديث والأثر، نرفضه ونرده من مبدأ الطرح! وكما سترى فالرجل جميع كلامه، كما هو الشأن في جميع أهل نحلته، مداره على إلزامنا بما تقتضيه تلك النظرية وما تمليه عليهم من عبث بكليات اللغة وبعمل اللسان نفسه عند بني آدم!! 

ولا شك عندي في أنه لو شعر يوما من الدهر بأن أساس تصوراته التي يخالفنا فيها إنما هو نظرية واهية فاسدة من مبدأ القياس فيها كما بيناه هنا بإيجاز يلائم المقام، لتاب منها وخرج من الكلام بالكلية، وإذن لسلم له عقله ودينه ولسانه من هذا الفساد العريض! ولكن للأسف هذا مما يبعد غاية البعد، لأن القوم يتربون على تراث طويل عريض من تصانيف أناس هم – بالفعل – أئمة ورؤوس في أكثر فنون العلم الشرعي، مشهود لهم فيها بالفضل والريادة وعلو الكعب، وبدقة النظر وطول النفس في الأخذ والرد والتحقيق والبحث والمناقشة، فإذا كان هذا هو أصول الدين فيما اتفق عليه هؤلاء الأكابر، فلابد أن يكون هو الحق الذي لا محيد عنه، وألا يكون المخالف له، بوجه ما، إلا ضالا غويا مفسدا في الأرض، كائنا من كان، وقائلا ما قال! حتى وإن كان ما يدعوهم إليه هو، على التحقيق، ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم، الذين ما عرفوا الجوهر والعرض وما تفرع عليهما من مباحثهم، ولا خطر ذلك ببالهم طرفة عين! فالمطلب ثقيل جدا على نفوسهم ولا شك! ولهذا لا تجد أكثرهم إلا متعلقين بحيلة الإنكار النفسي، التي تصور من يدعوهم للخروج من التراث الكلامي بكليته، في صورة الجاهل السفيه الذي يعادي ما يجهل، ولا يفهم ما أتقنه وأحسنه كبراؤهم وبلغوا فيه المنتهى! هي نفس التهمة التي رماهم بها الفلاسفة من قبل، ففزعوا إلى نظرية اليونان المعرفية وطريقتهم الجدلية من أجل أن يتخلصوا من تلك التهمة بأيما سبيل، فكانت تلك الجناية العريضة التي قل أن يخرج منها من دخلها، نسأل الله السلامة! فنحن نتفهم صعوبة هذا الأمر وثقله على النفوس، ولولاه ما التمسنا العذر لأئمة كبار ممن تتلمذت الأمة على كبتهم، لترديدهم عقائد المتكلمين كما تعلموها من مشايخهم ومعظميهم من قبل! 

تأمل إذ يقول الشيخ أصلحنا الله وإياه: "قلنا بأنك إذا فوضت في هيئة المحسوس، فقد فوضت في صورة العرض القائم بذلك المحسوس فقط، وهكذا الأمر في الفعل." قلت: ما المقصود بهيئة المحسوس؟ وما المقصود "بصورة العرض القائم"؟؟ 

يا شيخ مولود، ويا كل متكلم أو متفلسف يقرأ هذا الكلام: نحن قوم لا ترهبنا المجملات ولا تهزنا الإطلاقات الجوفاء، فقد بصرنا ربنا بما تحتها، ولله الحمد والمنة! نحن فوضنا العلم بالصفة التي يكون بها تحقق معنى الصفة المثبتة في ذات الرب سبحانه، وقيامها به في الأعيان كما يليق به، وهذا في جميع صفاته سبحانه! نقول الله أعلم ما حقيقة يده، وكيف يكون لذاته يدا في الأعيان، وكيف تقوم به أو ما صفة قيام ذلك المعنى به، والله أعلم ما حقيقة استوائه وكيف يكون موصوفا به في الأعيان، والله أعلم كيف هي قدرته وكيف يريد ما يريد وكيف يعلم ما يعلم وكيف يخلق ما يخلق وكيف يفعل ما يفعل وكيف يتكلم بما يتكلم به، هذا كله نفوض له العلم بما به تقوم حقائقه بذاته العلية سبحانه! لكن إن لم نثبت لتلك المعاني حقيقة وجودية تقوم بذاته في الأعيان، على الوجه اللائق بها، الذي لا يعلمه أحد سواه، فلن نكون مثبتين لأي منها أصلا، مهما ادعينا لأنفسنا الإثبات! أنتم إن سئل أحدكم ما حقيقة صفة العلم لله تعالى، لم يجب إلا بأن يقول: حقيقته لا يعلمها إلا هو! مع أنه ليست الحقيقة إلا الكيفية، وليست الكيفية إلا الحقيقة! فلماذا أثبتم للعلم الإلهي حقيقة تقوم بذاته ويكون بها مستحقا للدخول في معنى العلم سبحانه، وفوضتم العلم بها له وحده، وأنكرتم علينا سلوك المسلك نفسه فيما سوى ذلك؟ لأن نظرية العرض اليونانية تجعل كيفيات الصفات التي نثبتها نحن، أعراضا مركبة في جواهر بالضرورة؟؟ أي ضرورة هذه يا عقلاء إن صدقتم وتجردتم؟؟ ضرورة العقل أم ضرورة الخضوع للنظرية اليونانية؟ 

أنتم والله كالذي وقف على السلم، فلا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى! فلا الفلاسفة أصحاب النظرية يقرونكم على ما اعتمدتموه من مفهوم شائه مجتزأ لما يقولون له "العرض"، ولا أهل السنة يقرونكم على ما تزعمونه إثباتا لما تثبتون من صفات الرب جل في علاه! فالنظرية كما تقدم، تجعل العرض هذا تفسيرا ميتافيزيقيا وتحقيقا وتكييفا مطلقا على شرط الوجود، لكل معنى يقال له "صفة" فيما ينسب إلى موجود ما في الأعيان، وليس لنوع معين مخصوص من صفات المحسوسات دون غيره! ولهذا لم ينصبوا للعرض هذا تعريفا واحدا معتبرا مفيدا للعلم والمعرفة بوجه من الوجوه كما بينا! واختلافهم فيه لم يكن إلا ضربا من التحكم بالحد اعتباطا لا غير! وإلا فبأي برهان يقال، مثلا، إن نوع الصفات التي حقيقتها أنها (س) أو تشترك في المعنى الكلي (س) تكون أعراضا، بينما الصفات التي حقيقتها (ص) لا تكون أعراضا؟؟ هذا من أين يؤتى به من العقل، والعرض كما ترى ليس إلا وهما ذهنيا صرفا زعمه صاحبه من مبدأ الأمر تفسيرا لكل اقتران بين صفة ما وموصوف ما بإطلاق؟؟ لماذا لا يكون العلم عرضا قائما بذات الموصوف به أيا ما كان، كما تكون اليد عرضا قائما بذاته أيا ما كان؟؟ أليس للعلم كيفية وحقيقة تفوضون العلم بها لله إن سئلتم عنها؟؟ فما الذي أخرجها على فلسفتكم (أو فلسفة من قلدتموهم من المعتزلة، التي هم فيها مقلدون للفلاسفة أصالة) من أن تكون عرضا هي الأخرى؟؟ الشيخ مولود يدعي أن هذه الأسئلة عندنا إنما هي أسئلة درسية، أي حق أحدنا أن يتقدم بها بين يديه وهو يشرح الدرس ليجيبه عنها فيعلمه ما كان به جاهلا، لا أن يرفع عقيرته بالتحدي بها والمبارزة، يجعلها إلزامات واعتراضات وكذا! ونحن نقول: لا يا شيخ هداك الله، بل هي إلزامات واعتراضات دامغة بفضل الله ومنته، ولكن على بصر الواحد منكم من الغشاوة الثقيلة المانعة من رؤيتها كذلك، ما لا يرتفع ولا يرجى له أن يرتفع إلا أن يشاء الله! سألناك ما الذي يخرج معنى "العلم" القائم بذات الرب بضرورة إثباته، من أن تكون حقيقته وكيفيته عرضا مخلوقا مركبا على "جسم"، لأننا نعلم أنك لن تجد ما تجيب به بحيث تكون به سالما من أن يرد نفس الجواب على ما نفيت كما أوردته أنت على ما أثبتّ! قال الباجوري في معنى صفة العلم في حاشيته على الجوهرة: "وهو صفة أزلية متعلقة بجميع الواجبات والجائزات والمستحيلات على وجه الاحاطة على ما هي به من غير سبق خفاء."، فعلى هذا التعريف، يبقى أن نسأله، هذه الصفة المتعلقة بما ذكرت، قائمة بذات الموجود الموصوف بها أم غير قائمة بها؟ إن قلتم قائمة بها، أوردنا عليكم أن تكون عرضا مركبا في جسم، ضرورة استغراق معنى العرض في النظرية لكل ما يقال إنه "قائم بغيره"، وهو ما يمتنع معه أن تكون أزلية كما في التعريف، لأن العرض لا يكون إلا حادثا في النظرية! وإن قلتم ليست قائمة بذاته، تلبستم بنفيها عنه البتة ضرورة أن قيام الصفة بالموصوف إنما هو حقيقة معنى اتصافه بها، لا حقيقة له إلا هذا! فتأمل كيف أن تمسككم بنظرية العرض اليونانية هذه يلزمكم بأمرين أحلاهما مر! إما تعطيل جميع صفاته بلا استثناء، أو تصييره بها جميعا، جسما مركبا من أشياء تقبل الفك من بعضها البعض!! 

قول الشيخ: "تقول مثلا: ذهب، جاء، جلس، إلى آخره، هذه كلها أفعال. فإذا أثبت لها المعنى اللغوي، خلاص! لابد أن تكون الهيئة المخصوصة التي وضع لها هذا اللفظ قد ثبتت لهذا الشيء. ما الذي يبقى؟ يبقى الهيئة والصفة التي هي أمر عرضي. تفوض في العرض وتثبت المعروض." قلت: هنا تتبين لك المكابرة في المعقول، وتحميل مفهوم "الوضع اللغوي" ما لا يحتمل، ولم تعرفه العرب! فالعرب تقول "جاء" مثلا، لكل ما لا يكون حاضرا ثم يحضر، بصرف النظر عن "هيئته" وصفته، وكيفية ذلك التحول من حال الغيبة لحال الحضور! هذا يكون في كل موصوف بمعنى المجيء بحسبه! وادعاء تعلق المعنى الكلي المشترك للفظة "جاء" بهيئة معينة مخصوصة مما يكون به مجيء بعض أنواع المحسوسات الموصوفة بهذا المعنى في عادتنا، تحكم فاسد لا علاقة له بالوضع اللغوي ولم تعرفه العرب، وإنما اضطر إليه أهل الكلام انصياعا لنظرية العرض والجسم اليونانية، التي تجعل كل تحول من حال إلى حال، وكل تغير من صفة إلى صفة أو من "هيئة" إلى "هيئة" تقلبا للأعراض على الجواهر المركبة فيها، ومن ثم "حلولا للحوادث"! فليس في أذهاننا هيئة معينة مخصوصة للمجيء بحيث إن سمعنا تلك اللفظة تطلق على موجود ما، وجب أن تكون فيه على هذه الهيئة أو الصورة بخصوصها لا على غيرها! ومن ادعى ذلك، فهل يزعم أنه إذا سمع رجلا يقول: "جاء زيد"، فإن الصورة أو الهيئة التي تنقدح في ذهنه، هي نفس الهيئة التي تقوم بنفسه إذا سمع أحدهم يقول: "جاء الحصان" أو "جاء الطائر" أو "جاء القطار" أو غير ذلك؟ أبدا! فلا نحتاج أصلا إلى التدليل على أن الهيئات والصور، التي هي من صفة الصفة في كل موصوف بها ومما يتعلق بكيفيتها، تختلف وتتفاوت بحسب نوع الموصوف وحقيقته، دون أن يؤثر ذلك في فهمنا لمعنى الصفة الكلي، ولا في اشتراك أنواع الموصوفات بها في ذلك المعنى! ونظير ذلك يقال في كل ما يصح فيه معنى لفظة "فعل"، بما في ذلك فعل الخلق الذي لا يملك المتكلم، مهما أغرق في جهميته، أن ينفيه عن ربه، لأنه لا يثبته إلا "صانعا للعالم" على وجه ما! فلا تتعلق أذهان العرب بهيئة مخصوصة لفعل الصنع أو الخلق أو التكوين، فيما عهدوه في المخلوقات الموصوفة به، بحيث إن وصفوا به ربهم، لم تنفك أذهانهم عن تلك الهيئة أو الصورة التي يلزمكم القول بملازمتها لمعنى الفعل في أصل وضعه اللغوي! أنت لا ترى موجودا يوصف بأنه "يخلق" شيئا ما، إلا الإنسان، يمسك الأشياء بيديه يركب بعضها في بعض، أو يغير في هيئتها بالحفر أو النحت أو الحمل أو ما شاكل ذلك من صور فعل الخلق والتكوين وهيئاته في العادة البشرية! ومع هذا لا ترى أنك إن أثبت للباري صفة الخلق وفعل الخلق، فإن الوضع اللغوي يلزمك بإثبات تلك الهيئة أو الصورة أو الكيفية بخصوصها، التي ما رأيت موجودا يوصف بالصنع والخلق والتكوين إلا وهو عليها!! فما الذي به يخرج هذا الفعل بخصوصه من عموم ما أصلت وقعّدت؟؟ لا شيء إلا التحكم بالهوى! 

قوله: "وإثبات المعروض هو محل الإشكال الكبير، الذي ( غير واضح) في المعتقد ( غير واضح) كما سيأتي. نعم! والكيفيات كلها، كيفما كانت، هذا هو حالها! سواء كانت هذه الكيفية محسوسة، أو كانت هذه الكيفية نفسية أو كانت الكيفية المختصة بالكمّ، أو كانت من الكيفيات الاستعدادية. فهذه كلها أعراض! التفويض فيها، هي تفويض خارج الماهية التي ( غير واضح)!"

قلت: هذا الكلام يكشف لك حجم الجناية التي جناها المتكلمون على عقولهم وعلى ألسنتهم لما أخضعوا رؤوسهم راغبين مريدين، لحدود الفلاسفة وتقسيماتهم التالفة! تقدم أن الكيفية التي نثبتها لرب العالمين، والتي كانت هي المرادة بتفويض السلف دون أصل المعنى، إنما هي ما به يتحقق المعنى الكلي الذهني في العلن الخارجية الموصوفة به، فيكون صفة قيام ذلك المعنى به. لكن على اصطلاح فلاسفة اليونان المتكلف، الذي خضع له الشيخ واشترط على نفسه التقيد به: الكيفية لها معان مخصوصة لا نسلم بانصراف المعنى الذي نتنازعه معهم إليها، ولا نجيز حصر معنى اللفظة فيها عند كل استعمال! فهم يحصرون معنى الكيفية فيما ذكره الشيخ، فيقولون إما أن تكون: 

- كيفيات محسوسة، ويقصدون بذلك ما يكون ملازما للشيء بحيث يحس به الإنسان في أي وقت وفي أي حال، كرطوبة الماء وبرودة الثلج وحلاوة العسل وما شاكل ذلك، ويقال لها انفعاليات، وما لا يكون ملازما للشيء ملازمة مطردة أو راسخا فيه، كغليان دم الإنسان عند الغضب، وسخونة الماء، وقالوا لها انفعالات، لكونها سببا في انفعال نفس من يحس بها، وهي تكون ناشئة عن استحالة من حال إلى حال! 

- أو كيفيات نفسانية، ويقصدون بها ملكات معينة للنفس البشرية، كملكة قوة الحافظة أو سرعة البديهة أو ما شاكل ذلك مما يكون راسخا فيها، وأحوال النفس البشرية التي تكون عارضة غير راسخة. 

- أو كيفيات مختصة بالكميات، سواء كانت متصلة كالاستقامة والتكور والانحناء والانكسار ونحو ذلك، أو منفصلة كالزوجية والفردية.

- أو كيفيات استعدادية، ويقصدون بها ما يتعلق بمعنى القابلية وعدمها، فالقبولي كاللين والمرونة والنعومة ما شاكل ذلك، ويقال له ضعف، واللاقبولي كالصلابة والصحاحية وما شاكل ذلك، ويقال له قوة. 

هذه الأقسام الأربعة كما ترى، لو شئت أن تجعلها صفات، وتجعل الكيفية هي ما به تكون عليه كل واحدة منها في الموصوف بها على وجه أدق، لم يمنعك من ذلك مانع! بل إن هذا هو الأقرب في أكثرها عند التدبر! فرطوبة الماء، صفة للماء، وليست صفة لصفة معينة في الماء! وكذلك العسل من صفته الحلاوة! والماء يكون موصوفا بالسخونة أحيانا، وبعكسها في أحيان أخرى، ولعل استحالته من السخونة إلى البرودة أو العكس هو ما يسأل عنه "بكيف"، وقد يسأل عن كيفية كونه ساخنا وكيفية شعور الإنسان بسخونته، وهكذا. وكذلك الاستقامة ليست كيفية! الخط يوصف بأنه مستقيم أو منحني، لا أننا قد نجيب بالاستقامة أو الانحناء عن سؤال عنه "بكيف"! فهذا تحكم بالغ التعنت في معنى الكيفية عند التأمل! ولو أنك قلت أنا أعرف الكيفية على أنها هي هي الصفة، فمهما سألت عن شيء بقولك: كيف هو، فأنت تسأل عن الصفة، هكذا بإطلاق، لكان هذا تحكما منك ومصادرة لا نقبلها! 

فنحن نقول الكيفية التي نفوض فيها فيما يتعلق بصفات الله تعالى وأفعاله، إنما هي صفة الصفة كما ذكرنا! والمسمى بالكيفية على هذا المعنى، قد يكون نسبيا أحيانا من حيث هو معنى إضافي إلى معنى أصلي. فعندما أقول: فتحت الباب، مثلا، فأنا إذن موصوف بأني قد تلبست بفعل فتح الباب! فإذا سُئلت عن هذا بكيف، أجبت بقولي: فتحته بأن قمت إليه ثم قبضت بيدي على مقضبه وأدرته فانفتح! فهذه كيفية للصفة أو للفعل من هذا الوجه. تفصيل الصفة المجملة أو الفعل المذكور إجمالا، يدخل في معنى الكيفية على ما قررنا. ولكن فعل فتح الباب نفسه يصح أن يكون كيفية لفعل يكون هو من إجراءاته أو خطوات إتمامه، وهو فعل الدخول إلى الغرفة! يقال فلان موصوف بأنه تلبس بفعل دخول الغرفة. فإذا سألنا كيف، أجيب بأنه قام إلى الباب ففتحه ومشى إلى داخل الغرفة! والقصد أن ادعاء الفلاسفة انحصار "الكيفيات" (هكذا) في هذه الأنواع التي ذكروا، تحكم واه بالحد والتعريف، مما درجوا عليه في صناعتهم اليونانية الفاسدة! ولا يخفى أن تلك الأقسام غير متمانعة فيما بينها أصلا not mutually exclusive، بمعنى أنها تتداخل معنويا من وجوه، فجميع الأقسام داخلة في معنى القسم الأول الذي سموه بالمحسوس عند التأمل! وهذا من سوء التصرف العلمي بالسبر والتقسيم في الحقيقة، أي أنه من سوءات الفلاسفة ومخازيهم العقلية، لا مما يتابعون عليه! 

فنحن نطالب الشيخ الآن بأن يقيلنا من هذه القسمة بالكلية، ومن هذا الاصطلاح اليوناني المتعسف! فإن قال: لا انفكاك لكم منه، لأن هذا ما درج عليه أهل العلم في معنى "الكيفية"، قلنا بل هو ما درج عليه الفلاسفة ومن أخذ عنهم، وإجماعهم – إن قدرنا وقوعه في هذه المسألة بخصوصها أو بإطلاق – ليس حجة على أحد أصلا، وأنت لا تلتزم ذلك ولا تشترطه على نفسك على أي حال، فلا تطالب به غيرك! 

قوله: "وإذا تقرر عندنا هذا وآمنا به على هذين الأساسين، أولا أن الإثبات يردنا إلى الوضع اللغوي، وأن التفويض في الكيف هو تفويض في الصفة، تفويض في الهيئة، وأن هذا منفصل عن الأمر الذي أثبته أولا باللغة، ثبت هذان الأصلان، فلننتقل الآن إلى المثيل!" قلت أما أن الإثبات يردنا إلى الوضع اللغوي، فهذا نسلم به. ولكن لا نسلم لكم بما تزعمونه داخلا في أصل الوضع! وأما أن التفويض في الكيف هو تفويض في الصفة، فلا نسلم ولا نقبل. 

قوله: " ما يمكن أن يمثل به (غير واضح) المسألة مسألة عقدية، ما يمكن أن يمثل به لذلك، اليد، العين، الرجل. فاليد مثلا، إذا قلت أثبت لها المعنى اللغوي، فمقتضى كلامك أنك تثبت عضوا من الجسم. ولست أنا من قال هذا، اللفظ يشهد على ذلك! لأن اللفظ، هذا ما وضع له! أليس كذلك؟"

قلت: مهلا يا شيخ عفا الله عنك! أنت عندما تقول "عضو من الجسم"، فلا تقصد إلا أن يكون شيئا قابلا للانفكاك عن الجسم، مركبا فيه بالخلق والإحداث! لماذا؟ لأنك اضطررت، تبعا لنظرية العرض اليونانية، لأن تدخل في أصل المعنى والوضع اللغوي للفظة "يد"، كونها من أيدي المخلوقين القابلة للفك والبتر والانفصال وكذا! لماذا؟ لأنها على النظرية لا تكون إلا عرضا قائما بجسم! ولو أنك حررت عقلك من تلك النظرية البائسة ساعة من الدهر، لبان لك أن لسان العرب ليس فيه ما زعمته من أن اليد إنما هي العرض القابل للفك من جسم مركب من جواهر وأعراض، الذي هيئته كذا وكذا! هذا ما فرضه الفلاسفة فرضا تحكميا على كل حقيقة تقوم بالموصوف بها في الأعيان: أن تكون أعراضا مركبة في جسم! فإن قلت بيننا المعاجم نرجع إليها، قلت لك إذن أشترط عليك ألا تستخرج منها وجها واحدا يذكره مصنف المعجم من باب إيراد أشهر الاستعمالات، كقولهم: عضو من الجسد يمتد من المنكب إلى أطراف الأصابع، وما شاكل ذلك، وتهمل غيره! فأنت تعلم كما نعلم، وكما تدلك عليه المعاجم، أن هذا ليس هو الاستعمال الوحيد عند العرب لهذه اللفظة، وأن يد الإنسان والحيوان ليس من شرط استعمال العرب لتلك اللفظة أن تكون هي الحقيقة الوضعية الأولى وما سواها مجاز! هذا لو نهضت به فلن تسعفك فيه المعاجم ولن تجد فيها ما تدلل به عليه! ومن تكلف إثبات ذلك، فدونه إليه خرط القتاد! لا دليل أبدا على أن اللفظ إنما أريد به في الوضع الأول اليد المخلوقة في الإنسان والحيوان! 

فإن كان المقصود بالعضو من الجسم، أنها تكون بعضا من كل ذات الله تعالى، فنعم ألتزم ذلك ولا أرى في العقل ولا في النقل ما يمنعه، ولا ما يوجب أن تكون ذاته سبحانه جسما مخلوقا تحل به الحوادث المخلوقة بمجرد الإثبات! لماذا؟ لأني لم أعلق تلك النظرية اليونانية في عنقي بفضل الله ومنته، كما وقع لكم! نسأل الله أن يخلص المسلمين منها ومما أحدثته في تراثهم من فساد العقل والاعتقاد! 

قوله: " إذن فاللغة هي التي فرضت علينا هذا الحكم وألزمتنا به! وإذا أثبتّ أنه عضو في جسم، فإنه يستلزم محلا، أولا، هذه طبيعة (غير واضح)! وجسمية أيضا! أمرين! أثبت أولا هذا الذي ذكرنا، وأثبت أيضا الجسمية في ذلك الشيء الذي فسرته باللغة! لماذا؟ لأن اليد جسم! اليد، إذا فسرنا الجسم بالمعنى الفلسفي، اليد فيه طول وعرض وعمق، وإن فسرته بما يقبل العرض، يذهب إلى ذلك من يذهب إليه، فلا مشاحة في الاصطلاح! فعلى كل حال فهو جسم! "

قلت: فأما أنه يستلزم محلا، فنلتزمه ولا إشكال، إن كان المقصود بالمحل ما به يكون الجزء قائما بالكل قياما حقيقيا في الأعيان، متصلا به! فإن هذا لا يقتضي على نحلتنا العرضية ولا قابلية الانفكاك والانفصال ولا حلول الحوادث المخلوقة بذاته سبحانه! وأما الجسمية، فمجمل آخر نستفصل فيه، فنقول: هل تقصدون الجسم على المصطلح اليوناني: المركب من جواهر وأعراض تتحقق بها صفاته؟ إن كان هذا فلا يلزمنا لأننا لا نقول بتلك النظرية أصلا وهي عندنا تحت الأقدام! وإن كان المقصود ما يشار إليه من موجود في الأعيان، له ذاته الممتدة امتدادا حقيقيا في الخارج، كما هو الواجب في كل موجود متعين في الخارج، فنقول بها ولا نرى مانعا في الشرع ولا في العقل. فعلى هذا المعنى الأخير، نقول نعم اليد جسم، ولا ضير! ومما يدلك على تناقض أهل الكلام، أن الشيخ من أول الكلام لم يزل يصر على أن متعلقه إنما هو اللغة ومستنده الوضع اللغوي لا غير، ومع هذا تراه يحشر المصطلح الفلسفي والكلامي المرة بعد المرة، إلى حد أن قال في هذه الفقرة: اليد، إذا فسرنا الجسم بالمعنى الفلسفي، هي كذا وكذا! ونحن نقول: نقبل منك أن تحاكمنا إلى اللغة لا إلى كتب الفلاسفة ومصطلحاتهم يا شيخ! ولكنا نعلم سلفا أنه لا يلتزم ذلك ولا يصبر عليه، لأن القوم ما أسسوا مذهبهم، أصلا، إلا على النظرية الفلسفة ومصطلحات أصحابها! ولولا هذا ما نشب النزاع بيننا وبينهم أصلا، ولما وجدوا إلا أن يقولوا بما نقول، وبما قاله السلف والصحابة من قبلنا، بلا زيادة ولا نقصان، ولا تأويل ولا تحريف ولا بهتان! ولكن لله في قلوب عباده شؤون، والله المستعان! نعم نشاححك في الاصطلاح قطعا، كيف لا مشاحة في الاصطلاح، ونحن ما اختلفنا أصلا إلا بسبب الاصطلاح؟؟ اللهم إلا إن كنت تقصد لا مشاحة فيما بين الفلاسفة، فهذا شأنك! 

أرأيت لو أننا اخترنا أن نصطلح على الجسم بأن نقول: هو كل ما يوجد في الأعيان خارج الأذهان، مثلا، أفكنتم تقبلون منا هذا الاصطلاح؟ أبدا! مع أن هذه هي حقيقة معنى الجسم في النظرية عند واضعيها، إذ موضوعها كما بينا إنما كان هو تفسير اتصاف الموجودات بالصفات بإطلاق، لكن لا تقبلونه لأن الرب يدخل في معنى الوجود في الأعيان، وأنتم تتعلقون باصطلاح قائم على نظرية تحصر معنى "الجسم" في كل استعمال يقع فيه هذا اللفظ، فيما هو مركب من الحوادث المخلوقة (تقوم به الأعراض)! فاليد إنما هي جسم أو عرض في جسم على اصطلاح النظرية، ونحن لا نقبل النظرية ولا نقول بها، ولا نراها من كمال العقل كما زعمتموها، بل نراها تقوم على الغاية في ترديه وانحطاطه! 

قوله: " فإن تفلسفت وقلت لا أقصد الجسم أقصد الجوهر، فأطرح عليك السؤال: هل تؤمن بالأعراض المجردة؟ فإن قلت أؤمن بالأعراض المجردة، قلت خلاص! أشكرك! اليد لم توضع للأعراض المجردة! اليد لم توضع للأعراض المجردة! اليد لفظة موضوعة لشيء محسوس معروف هو هذا العضو الذي يتصل بالجسم على هيئة مخصوصة، هكذا! الأمر الثالث، أنك تثبت له الآثار التي تثبت عن الأعراض. أن اليد تأتي بآثار، تتصل بها! هكذا! هكذا! لأن اليد جسم فيه طول وعرض وعمق، هكذا! وهذه الجسمية لها هيئة مخصوصة هي قوام حقيقتها، فإذا ارتفعت هذه الهيئة ارتفعت حقيقتها، ويستلزم أن يكون محلها جسما كذلك. هذه كلها لغة! لوازم اللغة العربية!"

قلت: يا شيخ اتق الله! كيف يكون هذا كله من لوازم اللغة العربية وأنت تحشوه حشوا بالفلسفة ومصطلحات الفلاسفة القائمة على نظرياتهم الميتافيزيقية؟؟ تأمل أخي القارئ المنصف، إذ يقول الشيخ: إن قلت أؤمن بالأعراض المجردة، قلت خلاص أشكرك! اليد لم توضع للأعراض المجردة! فأين ما به حكمت أنت بأنها إنما وضعت للجسم المركب من الجواهر والأعراض معا، أو للعرض القائم بالجسم، دون المجرد (عند من يقول به)؟؟ يا شيخ اللغة لم يضعها الفلاسفة أصلا، حتى يكون من شرط من وضع هذه اللفظة (إن سلمنا بأنها من وضع البشر) ألا تنصرف عند الاستعمال إلا إلى ما يكون جسما مركبا من جواهر وأعراض!! العرب ما عرفوا الجسم بهذا المصطلح ولا عرفوا الجواهر ولا الأعراض!! فعن أي وضع وأي لغة تتكلم؟؟ والله حتى لو كان موضوع الكلام هنا هو اللغة اليونانية أو اللاتينية التي صنف بها الفلاسفة تلك النظرية البائسة في أول مرة دونت فيها، لما جاز لك أن تقول إن لفظة يد في اللغة اللاتينية إنما يراد بها الجسم على هذا المصطلح أو العرض القائم بالجسم! فليس هذا من اللغة، لا لغة العرب ولا غيرها أصلا!! هذا اصطلاح فلاسفة مستمد من نظرياتهم، وليس وضعا لغويا، فلا تلبس على الناس! 

قوله: "فإذا أثبت ذلك، أثبت كل هذه الأشياء. ولست أنا مستنبطا، اللغة تنطق. وهكذا! فإذا فوضت كيفيته وأسندت العلم بها إلى الله، فهذا لا ينفي الجسمية. وإنما ينفي العلم بالعرض. ينفي العلم بالعرض القائم بذلك الجسم. لأن هذا التفويض لا يتعلق حينئذ بما أثبته، بل يتعلق بشيء آخر، وهو العرض. فلان عنده سيارة، لكن لا أعلم كيفيتها. أي لا أعلم هيأتها ولا طريق ... فلان قتل فلانا، لكن لا أعرف الهيئة، لا أعرف كيفية ذلك! فلان يفعل كذا، لكن لا أعرف كيفية ذلك! أنت أثبت يا رجل الفعل وأثبت .. وتقول بأنك لا تثبت الحقيقة اللفظية؟! تريد أن تبني هذا الأمر المتناقض؟" اهـ.

قلت أرجو أنه قد ظهر الآن جليا لكل صادق منصف متجرد، طالب للحق، من الذي يتناقض، ويلبس الفلسفة اليونانية لبوس الدين واللغة ظلما وزورا، والله الهادي إلى سواء الصراط! 

يتبع إن شاء الله تعالى.

أبو الفداء حسام بن مسعود

غفر الله له ولوالديه ولأهله وللمسلمين.


إرسال تعليق