جواب موجز في بيان الموقف الصحيح من برهان التصميم (اللاهوت الطبيعي)

الحمد لله وحده، أما بعد

فقد راسلني أحد الإخوة الكرام جزاه الله خيرا، بكلام يريد به مخاطبة غير المسلمين من الغربيين، يحتج عليهم بدقة وبديع الصنع الإلهي في تصوير الأنواع الحية، فرأيته نقل كلاما لبعض العلماء والمهندسين في مسألة استلهام تصاميمهم من آليات طبيعية موجودة في نظم حيوية مخلوقة، وهو أمر طيب حسن ولا شك، بيد أنه عقب عليه بقوله "المنتجات التي صنعها الإنسان والعالم الطبيعي لها نفس الخصائص، إنها وظيفية ومنظمة بطريقة دقيقة ومعقدة، إذا اعتبرنا أن المنتجات التي من صنع الإنسان يجب أن تكون مصممة، بسبب الخصائص التي يمكننا ملاحظتها، فعندئذ يكون الأمر كذلك مع العالم الطبيعي. لا نحتاج إلى رؤية خالقنا أو معرفة كيف خلقنا لنفهم أننا مخلوقون بالفعل، وأننا لسنا نتيجة عمليات عشوائية غير اختيارية، من الواضح أن الذي خلقنا فعل ذلك عمدا، وأنه أبدى بالجملة قوة وعلما وحكمة."

فقلت معقبا إن أضبط وأدق ما يقال في التعليق على كلام القوم في بيان استمدادهم واستلهامهم من النظم الحيوية في كثير مما بدعوا من الآلات والأدوات وما شاكلها، هو أن يقال إن هذا وكثير غيره من إبداعات المهندسين والمصممين في عامة المجالات النافعة للناس، إنما يستوحى ويستلهم ويتعلمه المصممون بصورة مباشرة أو غير مباشرة مما في النظم الحيوية من نظم بديعة فائقة في الدقة والفاعلية في أداء ما يظهر لنا من وظائفها، فبأي عقل يقال في الفرع إنه نتاج علم وحكمة وقدرة، وينفى ذلك عن الأصل الذي قيس عليه واستلهم منه، فلا يقال إنه مخلوق أصلا، ولا فيه مشيئة ولا علم ولا حكمة ولا قدرة ولا شيء؟؟ هذا وأيم الله من أسخف ما وقع في عقول الناس من الظنون والعقائد منذ أن وطئ بنو آدم هذه الأرض! أنتم يا هؤلاء تشهدون بأنكم تستمدون تصاميم أدواتكم ومعداتكم وتستلهمون أحسن الحلول وأضبطها وأمضاها أثرا مما ترونه في المخلوقات الحية! فبأي عقل استجزتم نسبة الحكمة والعلم والقدرة إلى المنقول ونفيتموها عن المنقول عنه؟؟ هذا محض سفه

الذي استلهمتم منه آلاتكم وأدواتكم ولم تزاولوا أولى وأحق بأن يوصف بكمال الحكمة والعلم والقدرة يا سفهاء! فما لكم كيف تحكمون ؟؟

هذا هو أحسن ما يعلق به على مثل هذا.

ثم قلت:

تأمل أخي هذا النظم وطريقة المحاججة، ثم قارن بينه وبين من يقول مثلا: 

مقدمة 1: كل ما تظهر عليه آثار التصميم، فلابد أن وراءه مصمما ما، 

مقدمة 2: النظام الحيوي تظهر فيه علامات التصميم،

النتيجة: إذن لابد له من مصمم! 

الكلام على النظم الأول، هو من استعمال قياس الأولى مع التبكيت والتقريع لمن ينفي تلك الأولوية في حق الباري جل شأنه، ببيان شناعة ما يلزم من ذلك وفساد مقتضياته الظاهر للغاية! فمن مقتضى ذلك الموقف الذي هم عليه، المقتضى الظاهر الجلي: نسبة المهندسين والمصممين البشريين للحماقة والسخف إذ يستلهمون النظام الدقيق من شيء هم لا يعتقدون أن ثمة من نظمه أو خلقه أصلا! فليس هو استعمالا لقياس الأولى في مقام إعلام المخاطب بوجود الرب سبحانه من الأساس، فإن هذا يكون ضربا من السفسطة يتنزه رب العالمين عنها، وإنما هو استعمال له في مقام نقض الإشراك به وتوبيخ المشرك لإصراره، بعدما بلغته الرسالة، على العمل بخلاف ما يقتضيه العلم الحاصل في فطرته تحقيقا بوجوده سبحانه! 

وأما الصورة الثانية أو النظم الثاني، فيُستند فيه إلى قياس الشمول: توضع قضية شمولية عليا، يقال فيها إن كل ما كان كذا فلابد أنه كذا، (كل ما كان فيه من الصفات كذا وكذا، فهو "مصمم"، وما ليس فيه هذه الصفات فغير مصمم!!)، ثم يؤتى بصنع الرب جل في علاه ليجعل فرعا على تلك القضية الكلية العليا،المثيل المجانس لعامة ما يدخل تحت تلك القضية الكلية العليا في معارفنا (قضية الحد الميتافيزيقي المتكلف لحقيقة ما يقال له "مصمم")، وهذا في مجرده فساد ظاهر، راجع إلى سفسطة اليونانيين على المعارف الفطرية، وإنزالها منزلة المسائل النظرية المفتقرة إلى التفريع بالقياس على أصل كلي عام، يوضع بقياس ميتافيزيقي متكلف كما ترى! 

وهذا ما لأجله قرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في عامة كتبه أن قياس الأولى هو النوع الوحيد المطروق في القرآن والمستساغ عند الكلام عن رب العالمين وصفاته، وما يجوز وما يمتنع عليه، خلافا لطريقة الفلاسفة القائمة على بدعة اليونانيين في وضع النظريات الكلية الميتافيزيقية التي تشمل كل موجود بتفصيل أو تكييف معين لمعن من المعاني المشتركة، ثم تفرع من ذلك التفصيل الكلي على كل فرع بمجرد إثبات دخوله تحت أصل المعنى الكلي! فهي طريقة موقعة في التمثيل وتشبيه الأفعال لا محالة، وهي التي أوقعت الجهمية والمتكلمين في التمثيل الذي فروا منه بالتعطيل كما قرره الشيخ وبينه تلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى. فالله جل في علاه إذا حاجج المشركين في القرآن، فإنه يبكتهم ببيان أنهم إذا كانوا ينسبون إلى أنفسهم الكمالات، فلابد أن الذي خلقهم أولى بها منهم، كيف يأنفون من أن يولد لأحدهم البنات، ثم هم ينسبون ذلك إليه، وهو بالتنزيه عنه أولى بداهة وفطرة؟

وكيف يرون أنهم يفتقرون إلى الولد، ومع ذلك ينسبون ذلك إليه سبحانه؟ 

وكيف يرون أنهم إذا اشترك منهم اثنان في أمر ما، تنازعا أو علا بعضهما على بعض ومن ثم فسدت الشركة، ومع هذا ينسبون ذلك إلى ربوبية العالم الذي يرونه قد أحكم خلقه وضبط أتم ما يكون الضبط؟

وكيف يعبدون بعض خلقه من دونه، وكأنما خلقوا من غير شيء أو كانوا هم الخالقين؟ وكيف يعبدون ما لا يملك لهم ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، أيعبدون ما يخلقون، والله خلقهم وما يعملون؟؟ أيزعمون أن الرسول افترى القرآن على ربه، وهم يرون ما فيه من الحق المبين الذي لا يتصور في رب العالمين أن يدعو خلقه إلى خلافه، ويرونه مع هذا منظوما على ما لا يرقى إليه كلام البشر من كمال المعنى والمبنى معا؟؟؟ فليأتوا بكتاب أهدى منه إذن إن كانوا صادقين!! بل فليأتوا بسورة من مثله، وما كانوا ليفعلوا! 

هذا كله ونحوه من حجج القرآن فيه معنى التشنيع على القوم ببيان تناقضهم وسخافة ما يقتضيه كلامهم، وليس التمثيل أو إدخال الرب سبحانه تحت قاعدة كلية لابد أن تنطبق على كل موجود من هذا النوع أو ذاك! 

هذا هو محل النقد الأصيل الذي وجهته في كتاب المعيار وغيره لطريقة اللاهوتيين الطبيعيين في البرهنة على وجود الباري، كما في برهان بيلي المعروف بصانع الساعات Watchmaker Argument ، فإنها تبدأ بتشبيه صنعة الرب سبحانه بصناعات المخلوقين، فتلجئ العاقل لأن ينظر في خصائص معينة في الخلق الإلهي بحيث إن وجدها مناظرة لما في صنعه هو، ألزموه بأن هذا مخلوق لصانع ذكي صاحب حكمة وعلم، بتمثيل الفرع بعامة أفراد الأصل المشتمل عليه في القاعدة الكلية. 

ولهذا لم يجد الملاحدة طريقا أسهل ولا أقوى للرد عليهم من أن يقولوا: طالبتمونا بقياس ما عرفتم وظيفته من النظم الحيوية على ما صممتموه أنتم من النظم المعقدة، ومن ثم يثبت أن لها صانعا، فلم لا نقلب نحن عليكم القياس فنقول إن في النظم الحيوية عيوبا ونقائص لا يقع فيها مصمم ذكي أصلا، وهي على نفس المنطق دليل على أن ما زعمتموه تصميما ذكيا إنما هو كما زعمنا في نظريتنا، محض صدفة لا غير؟ فإنه لما صار الأمر إلى التمثيل، انفتح الباب لأن يقال: ليس تمثيلكم أولى من تمثيلنا، وكأننا لا نعلم في الفطرة والبداهة أن المماثلة باطلة أصلا، وأن خلق الباري يجب له الكمال وتمام الحكمة، فيما ظهر لنا وجه ذلك منه وما لم يظهر على السواء! وكأن غايتنا أن ننظر في خلق الله تعالى كما ننظر في شيء من صنع البشر، فإذا وجدنا فيه ما رأيناه كمالا حكمنا عليه بالكمال، وإن وجدنا فيه ما رأيناه نقصا حكمنا عليه – وبنفس المنطق اليوناني الفاسد – بالنقص ولا فرق!! 

والقوم – أعني النصارى المعاصرين – قد بلغ بهم التزامهم لهذا اللازم المنهجي اليوناني الفاسد، أن أقروا الدراونة على وجود ما خُلق بالعشواء المحضة وما خلق بالنظام الطبيعي المحض، في مقابل ما خلقه المصمم الذي يثبتونه (كما في معيار ويليام دمبسكي للتفريق بين ما هو تصميم وما ليس بتصميم، وتجد نقضه في كتاب المعيار)، فطريق إثبات التصميم هو النظر التمثيلي على أي حال! وهم يطالبون الناس بأن يقارنوا بين بعض المخلوقات التي يرونها لا وظيفة لها ولا غاية، كالصخرة الصماء، وبعضها الآخر الذي يبدو له وظيفة، كالعضو في الكائن الحي، فيقولوا إن الثاني تدل وظيفيته على أنه له صانعا حكيما! فعلى أي شيء دل النوع الأول إذن؟ 

هنا وقع الإلزام.

والبشر يرد على صناعاتهم النقص، ويرد عليها القصور، والنصارى على أي حال ثنوية لا يرون بأسا في إخراج بعض الموجودات عن أن تكون من صنع الباري جل شأنه، كما يخرجون منها أفعال البشر! هذا التزمه بعضهم وفر منه آخرون مع أنه لازمهم كذلك، فتأمل! 

وقد بينت في كتاب المعيار وغيره كيف كان برهان بيلي هذا هو الباعث لداروين نفسه على وضع نظريته من الأساس، فلعلك تراجع ذلك الموضع في الكتاب لمزيد بسط وتفصيل.

انتهى الجواب (بتصرف وزيادة في مواضع للفائدة)

والحمد لله أولا وآخرا

أبو الفداء ابن مسعود

غفر الله له


إرسال تعليق