جواب سؤال حول اعتراض الطبيعيين على طول آدم عليه السلام الثابت في السنة، بقانون تربيع المكعب.



الحمد لله وحده، أما بعد، فقد راسلني أحد الإخوة الكرام بسؤال رأيت أن أعمم النفع بنشره هنا مع جوابه، والله الموفق للرشاد.

قال السائل وفقه الله:

السلام عليكم د حسام، من الاعتراضات العلمية الشهيرة على ذكر التوراة الحالية للعمالقة مسألة قانون الـ

Square cube law، 

ومنذ فترة بدأت تمتد للجانب الإسلامي، لتعارضها أيضا مع حديث طول آدم (حوالي 30 مترا).

فهل لها حل؟ المسألة باختصار هي: لو ضخمنا الإنسان الحالي لأحجام عملاقة فسينهار على نفسه، وستتهشم عظامه وتنهار رئتاه، إلخ. وأنه يستحيل الجمع بين الشكل الإنساني وبين الأحجام العملاقة. (يمكن الجمع بين العملقة وبين أشكال أخرى غير إنسانية، كالسير على أربع في حالة الفيل والزرافة مثلا، أو تقصير الساقين جدا كما في حالة بعض الدناصير)

فقلت في الجواب

عليكم السلام ورحمة الله وبركاته

حياك الله أخي الكريم. اعلم بارك الله فيك، أنه لا يعترض بمثل هذا على أمور غيبية مطلقة التغييب مما جاء به الخبر الصحيح، إلا من كان متلبسا بالطبيعية المنهجية Methodological Naturalism، شعر بذلك أم لم يشعر. والطبيعية المنهجية هي الاعتقاد المنهجي القائل بأن الأصل فيما يكون في هذا العالم من موجودات، ألا يجري الغائب منه إلا على نظير ما هو مشاهد في عادتنا من السنن والطبائع المطردة، في جميع جهات الزمان والمكان. وما ذاك إلا لأن هذا المنهج هو دستور النحلة الدهرية الطبيعية القائلة بأنه لا موجود إلا الطبيعة أو الموجود الطبيعي، ولا سنن ولا سبب إلا ما يصح فيه الوصف بأنه "طبيعي"! فأصحاب هذا الاعتقاد، مهما جئتهم بنص من النصوص الدينية فيه خبر بشيء مما في الغيب المطلق، سواء غيب الماضي أو الحاضر، أو غيب المكان فيما وراء ما تناولته عادة البشر من أنحاء هذا العالم، وكان الخبر موجبا لمخالفة ما يعرفونه في عادتهم من نظم وطبائع الأشياء، بصورة ما أو بأخرى، وجب على منهجهم أن يردوه عليك وأن يتهموك بالجهالة إن تمسكت به. ولأن جهمية الطبيعيات متشبعون بالطبيعية المنهجية كما بينت في كتاب المعيار، فهي تحملهم حملا على القرمطة على أمثال تلك النصوص إذا وقعت لهم، لأنهم ما كانوا ليصبروا على التهمة بتلك الجهالة! بل لابد أننا لم نفهم النص، ولم يفهمه أحد من المسلمين على الوجه الصحيح، لقصور علومهم الطبيعية ونقصها منذ زمان التنزيل وحتى عصرنا هذا! فلما عرفنا اليوم ما عرفنا، تبين لنا أنه محال أن يكون الأمر كما في ظاهر هذا النص أو ذاك، وإذن يتعين المصير إلى اختراع التأويل الملائم خروجا من ذلك! ونحن كنا وما زلنا نطالبهم بجواب عن السؤال: ما الدليل العقلي على وجوب أن يكون نظام العالم قبل عشرة آلاف سنة، مثلا (أي فيما قبل التاريخ المدون)، مطابقا لما هو عليه الآن، سواء على مستوى الحشوة الحية والنظام الحيوي إجمالا، أو على مستوى طبائع المادة الميتة وقوانينها ونظمها؟؟ 

ما الذي يوجب في العقل أن تكون خلقة آدم عليه السلام في قوة عظامه وعضلاته وفي طبيعة أنسجة جسده ونظام عمل الخلية ونحو ذلك، مماثلا لما نراه الآن في أجسادنا؟ أليس قد جاء في نفس الحديث، أن الخلق لم يزل يتناقص من بعده عليه السلام؟ فلا خلقة آدم وطبيعة جسده مما يلزم أو يجب وجوبا أن تكون مماثلة لخلقتنا بيولوجيا، ولا هذا التناقص نفسه الذي تدرج بنوع البشر حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه، مما يلزم أن نتمكن من الإحاطة بتصور وجوهه بما بين أيدينا من استقراء الأنواع الحية وما يجري عليها من تغيرات عبر الأجيال! هذا مذهب القائلين بالطبيعية المنهجية التي توجب ألا يكون ما هنالك إلا كما هاهنا! هم من يؤمنون إيمانا دينيا أو شبه ديني إن شئت، بإمكان التوصل إلى معرفة ما كانت عليه النظم الحية على الأرض في عصورها السحيقة، من طريق تتبع معدلات التغير الجيني المشاهدة والمعتادة في عصرنا هذا، ثم طردها في الماضي دون تجويز لمجرد احتمالية ألا يكون النظام الجيني بكليته قد تغير تغيرا جذريا في عصر من العصور لأيما سبب من الأسباب الغيبية التي لا يتصورونها! فهذا دينهم هم لا ديننا! هم من يعتقدون ديانة بأن هذا لم يقع وما كان ليقع! وقوع الخوارق والمعجزات وتغير نظام الأرض بما لا يمكنهم التوصل إلى إثباته أو نفيه من طريقهم، ممتنع في دينهم، خلافا لدين المسلمين!       

وكذلك يقال: ما الذي يوجب في العقل أن تكون الجاذبية الأرضية، مثلا، في العصر الذي كان فيه آدم عليه السلام على الطول الذي جاء به الخبر، على نفس هذا المقدار الذي نعرفه اليوم؟ لن يجد القائل بالمنع موجِبا له إلا تلك النظريات عندهم في نشأة الكون وأصل الأرض وهذه الأشياء، التي ما قالوا بها أصلا إلا تأسيسا على فرضية تقوم على طرد قانون النسبية العامة (معادلة المجال) في الماضي مطلقا بلا قيد إلا ما قد يوحي به تصورهم الدهري لمقتضيات طرد القانون على جميع أنحاء الكون (وهو ما حملهم على التلاعب به تحكما بما يقال له الثابت الكوني)! وإذن فما الذي يوجب أن يكون الأمر في الماضي على خلاف (أ)؟ أن جميع النظريات التي عند القوم فيما كان عليه العالم في الماضي، تقوم على فرضيات مخالفة ل(أ)! نحن فرضناها كذلك، إذن يمتنع أن تكون إلا كذلك، وانتهت القضية! مسألة اعتقاد محض! منهج صارم يلتزمونه ديانة ولا يخرجون عنه قيد أنملة! يجب على الطبيعي الدهري أن يعتقد اعتقادا أنه لا يلتمس العلم بما كان في غيوب الماضي المطلقة إلا بتطبيق الآلة التجريبية Scientific Method على تلك الغيوب كما يتكلفون! وإذن فمهما جاء الخبر من النصوص الدينية بخلاف ما انتهت إليه نظرياتهم في ذلك، فلابد أنه جهل وخرافة وأسطورة، والعلم قد قرر خلافه، وانتهت القضية! 

فهل أنا بهذا أجعل جوابنا عن تلك السفاهة، أن قوة الجاذبية لابد وأنها كانت على غير المقدار المعروف، مثلا، أو أن أجسام البشر الأوائل كان في عظامها كذا وفي عضلاتها كذا وكذا .. إلخ؟ أبدا! هذا إنما هو ضرب للمثل لا غير، وإلا فلسنا مطالبين بوضع تفسير طبيعي نسوغ به أمرا نحن نجزم ابتداء بأنه لم يكن جاريا على وفق عادتنا ولا على ما يتسع له النظام الطبيعي كما نعرفه في عصرنا هذا! هم يطلبوننا بطبعنة البابة كلها، يشترطون علينا ذلك اشتراطا، ونحن نجيب بإخراج القضية برمتها من أن تكون موضوعا للنظر الطبيعي، من مبدأ الأمر!   

تقول له: طوفان نوح أغرق الأرض بكليتها، ولم يسلم منه إلا نوح ومن ركبوا الفلك معه، ومعهم أزواج من أنواع الدواب أمر الله نوحا عليه السلام بحملها معه، فيسخر ويهزأ ويقول: هذه أساطير، ليس في علم الجيولوجيا ما يدل على أن الأرض كلها قد غمرت بهذه الكمية المهولة من الماء في عصر من العصور، ثم كيف يعقل أن تجمع مئات الآلاف من الأنواع الحية في سفينة خشبية، ولا يلتهم بعضهم بعضا، ثم إذا غيض الماء، نزلوا جميعا من على سفح الجبل الذي استقرت عليه السفينة، وانتشروا في الأرض ليعيدوا إعمارها، كل زوجين على حدة؟ هذا كلام لا يقبله عقل! فيقال في الجواب: ليس العقل هو الذي لا يقبله، وإنما الطبيعية المنهجية التي تلبست أنت بها يا صاحب هذا الاعتراض، هي التي لا تقبله ولا تجيزه! فنحن ما زعمنا أن الطوفان هذا كان طوفانا طبيعيا جاريا على السنن السببية المعتادة والطبائع المعتادة في نوع ما يقال له الطوفان في خبرتنا البشرية! وهل سبق أن رأينا في تاريخنا المدون، طوفانا يبلغ أن يغرق الكرة الأرضية بكليتها فلا يبقى منها سطحا يابسا إلا غمره ولا جبلا شاهقا إلا ابتلعه؟؟ أبدا! فهو من مبدأ النظر، أمر لا جريان له على عادتنا! بداية من وقوع الطوافان نفسه، ومرورا بما جاء به الخبر من تفصيله، من اجتماع الأزواج على ظهر السفينة، ثم نزولها من على الجودي، ثم انتشارها في الأرض، كل ذلك لم يكن منه حادث واحد مما رأينا له نظير في عادتنا، فبأي عقل نطالب بالإتيان بالتفاسير الطبيعية لحدوثه، أو بالتوفيق بينه وبين الأساطير الطبيعية التي نسجها القوم في نشأة الأرض وأصلها وكذا؟ من الذي يعتقد أن الحادث، أي حادث، إن لم يكن جاريا على قوانين الطبيعة كما نعرفها الآن، أو كما اختاروا هم أن يطردوها في نظرياتهم في جهة الماضي السحيق تحكما، فإنه يمتنع أن يكون قد وقع كما نزعم؟ هذا اعتقاد الدهري الطبيعي، أو من تشبع بالطبيعية المنهجية الصرفة من حيث لا يشعر! وأما أهل السنة فهم أبرياء من تلك العقيدة ومن المنهج النظري القائم عليها!    

ولهذا فإننا ننكر على النصارى الذين يتكلفون ما يقال له "جيولوجيا الطوفان" Flood Geology، مثلا، لأنهم يعاملون ذلك الحادث الغيبي العظيم معاملة الواقعة الطبيعية أو الطوفان الطبيعي، الذي يستدل على وقوعه بما يستدل بمثله على وقوع نظائره مما يكون في عادتنا، وتفترض آثاره ومتولداته قياسا على ما يحدثه الطوفان المعتاد من آثار ومتولدات! وهذا غلط كبير، يلزمهم لأجله من مقتضيات الطبيعية المنهجية ما توهموا أنهم يفرون منه بمثل هذا، والله المستعان! ونظير ذلك ما يقع فيه زغلول النجار وأمثاله ممن أصروا على حمل قصة خلق السماوات والأرض في القرآن والسنة على الانفجار الكبير، وفرضوا أن القيامة لابد أن تكون كما في نظرية الانسحاق العظيم Big Crunch التي فرضها بعض الكوزمولوجيين، فإذا سألتهم ما الدليل؟ قالوا أليس قد ذكر رب العالمين أن السماء تصبح وردة كالدهان، وأن السماء تتشقق وتقع على الأرض؟ فلابد أن هذا هو المراد! فهذه القرمطة الجهمية ما الذي حملهم عليها؟ إنه التشبع بالطبيعية المنهجية! لابد أن يكون ما جاء به الطبيعيون في نظريات الكوزمولوجيا علما صحيحا مطابقا للواقع، أو على الأقل مترجحا بما يترجح بمثله العلم الصحيح في الفيزياء والكيمياء وغيرها من العلوم التجريبية المعتبرة! لابد أن يؤمن المسلمون بهذا في عصرنا هذا، وإلا لحقتهم التهمة بالسفاهة وخفة العقل وكذا! مع أنه لا يقول بهذا الوجوب والالتزام المنهجي الصارم إلا الطبيعيون الدهرية، لأنهم بالأساس لا يقولون بشيء في الوجود إلا الطبيعة وما هو طبيعي، من الأزل وإلى الأبد!    

فمن حرر عقله من الطبيعية المنهجية وطهر دينه من لوثتها، فلن يبقى لديه ما يوجب به على رب العالمين ألا يجري الحوادث في تاريخ العالم من أوله إلى آخره، وفي جميع أنحائه، إلا على وفق النظام الطبيعي والقانون الطبيعي كما نعرفه! ولن يسلم بقولهم بوجوب اطراد السنن الطبيعي في جميع جهات الزمان والمكان، فإن الله لا يجب عليه إلا ما أوجبه على نفسه، ولا يعجزه سبحانه أن يغير في طبائع الأشياء ما يشاء كما يريد، فيما لا قياس له على شيء من عادتنا ولا نعرف له نظيرا أصلا حتى نتصوره أو نفرضه فرضا في نظرية من نظرياتنا!

هذا والله أعلى وأعلم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

أبو الفداء ابن مسعود

غفر الله له


إرسال تعليق