الحمد لله وحده،
أما بعد فقد راسلني بعض إخواني جزاه الله خيرا بتعليق كتبه يوسف سمرين على صفحته، على مواضع انتقاها من كتابي معيار النظر فألفيتها آية على ما هو مبتلى به من الهوى وفساد الطوية، نسأل الله السلامة. ومع أني لا يتسع وقتي لتتبع كلام هذا الرجل وتشغيبه، لكن سأرد على ذاك التعليق هنا من أجل أن يتبين لمن يتابعوننا ولهم – مع ذلك – مطالعة لكلامه وما ينشر، كيف أن الغرق في قراءة الفلسفة دون تأصيل سلفي متين، تورد صاحبها المهالك وتوقعه في نقيض ما قصد، وكيف أن الذكاء وحدة الذهن لا يغنيان عن صاحبهما شيئا ما لم يكن زكي النفس سالم الصدر، نسأل الله السلامة.
يقول مفتتحا كلامه بالاستهزاء والاستخفاف: " أنهيت المجلد الأول من كتاب [معيار النظر عند أهل السنة والأثر] لحسام مسعود، ولم أجد منه في محاكاة ابن تيمية إلا ذاك التعبير الكاريكاتيري في المتلازمة القائلة: "وقد بسطنا الكلام على هذا في موضع لاحق" [١]
قلت: سبحان الله! وأين زعمت أنا لنفسي أني أحاكي ابن تيمية رحمه الله أو اشترطت ذلك على نفسي في شيء مما أكتب؟؟ ثم ما العيب في أن يقول كاتب عن نفسه إنه بسط الكلام في مسألة ما في موضع آخر، حتى ينبه قارئه المهتم بمتابعته إلى أن للمسألة تفصيلا لا يتسع المقام لإيراده، مع أنه قد سبق القيام به في محل آخر؟؟ وهل هذا مما يختص به ابن تيمية أصلا يا أخانا، حتى يقال إنه من محاكاته؟؟ ثم ما وجه كونه تعبيرا "كاريكاتيريا" يا رجل؟؟ وممن تهزأ هنا بالضبط؟ مني أنا أم من ابن تيمية نفسه؟؟ سبحان الله! نعوذ بالله من هوى يقلب صاحبه إلى سخافة الصبيان!!
قوله " نصوصه متشنجة كأنك تتابع شجارًا، حافل بالحذلقة باسم السلف، مع ذلك الرفض المصاحَب بالتهويل للعديد من البحوث العلمية كاعتباره الثقوب السوداء خرافة وكلامه عن التقنية بما يذكّر بجاك الول [خرافة التكنولوجيا] الذي كان أكثر انضباطًا منه، وتابعه [تيد كازينسكي].
قلت: ما رأيته أنت مشتنجا رآه غيرك غير ذلك، والعبرة على أي حال بأدلة الكلام ومستند صاحبه فيه، فلا قيمة لنقد كهذا! وأما الحذلقة، فصدق القائل: رمتني بدائها وانسلت!
وأما قولك "الرفض المصاحب بالتهويل للعديد من البحوث العلمية" فمجرد وصفك إياها بالعلمية لا حجة فيه على أحد! كما أن اتفاق الأكثرين لا حجة فيه لأحد على أحد، وإلا للزمك أن تخرج من دينك وتؤمن بالنصرانية لأنهم أكثر الناس! فإن كنت تأبى إلا أن تجري مجاري المقلدين في الطبيعيات، تشنع عليّ بمجرد أني أنتقد فلسفة الاستدلال التي بها أثبت القوم ما يسمى بالثقب الأسود، حتى يستنكر الناس ذلك علي من قبل أن يقرؤوا ما كتبت ويتأملوا فيما قررت في الكتاب، فهذا هو التهويل والصخب والسخف بعينه تحقيقا، وليس ما في الكتاب!! يا أخ سمرين الرد بهذه السطحية والاستخفاف المجمل بمباحث الكتاب في نقد فلسفة العلم الغربية، يدينك أنت ويبين خفة عقلك، وليس من ترد عليه، فالحمد لله الذي فضحك بمثل هذا الكلام!! ما وجه تلك المقارنة السمجة بمن ذكرت، تقول كلامه يذكرك بفلان ويذكرك بفلان؟؟ هذا "كلام قهاوي" كما يقال عندنا في مصر، وليس كلام من يزعم النسبة للعلم وأهله! هذا يفترض فيه أنه رد علمي وليس جلسة سمر يا سمرين!
قوله "وبما أن أغلب جمهوره من محبي ابن تيمية، فلو عرِض فهمه لكلام ابن تيمية أو ما يوصله إليه انفعاله، لظهر حال تلك السطور،"
قلت: لم أصنف الكتاب لبيان فهمي لمقالات ابن تيمية أصلا حتى تطالبني بذلك! وأما ما يوصلني إليه انفعالي، فلو كنت ممن تتحرك فيه حميته للدين كما ينبغي، ما كرهت مني "انفعالي" على من انفعلت عليهم! ولكن أنت رجل قد قتلت الفلسفة غيرته على الدين، مهما زعم ذلك لنفسه!! وهذا يا عباد الله من آفات الفلاسفة والمتفلسفة. الفلسفة تعلمهم أن النزاع قريب في كل شيء، وأن جميع المسائل التي يكتبون فيها أهون، مهما عظمت، من أن يتنازع عليها الناس بهذه الشدة والحدة والتشنج والانفعال ... إلخ!! فنعوذ بالله من علوم تميت القلب!
ثم يقول فيما يزعمه عدم فهم مني لمقالات شيخ الإسلام:
" قال في الصفات الإلهية:
"إن من الصفات ما يختص به الخالق مطلقًا، ومنها ما يختص به المخلوق مطلقًا، ومنها ما هو مشترك معنوي" [٢]، وقد مثّل على الأولى بقوله: "لا يوصف غيره بأنه ملك الملوك" [٢] وعلى المشترك المعنوي بقوله: "أما الاشتراك المعنوي فالرب يوصف بالحياة وكذلك المخلوق" [٣] وهذا عدم فهم منه للأمر فأدخل مبحثين في بعضهما، فمبحث جواز إطلاق صفة كالحياة على المخلوق والخالق، وعدم جواز إطلاق "ملك الملوك" مبحث منفصل عن [المشترك المعنوي] الذي يشمل كل الصفات لا أن المشترك المعنوي قسم فيما يجوز فيه إطلاق صفة على المخلوق مع إطلاقها على الخالق!!
فمثلًا ملك الملوك مشترك معنوي مع المفهوم من قولك [ملك] وهو لله في غاية الكمال، ولولا الاشتراك المعنوي مع غيره لم يُفهم من هذا أي شيء! لا في الحياة ولا في ملك الملوك ولا الرحمن ولا العليّ فمن لم يفهم مثل هذه المسألة لا ينبغي أن يكون مستطيلًا على الخلق، متبجحًا بمعارفه! مصنفًا في معيار النظر.
قلت: لو كنت سالمنا من الهوى الذي أرميك به، لما "تشنجت" في هذه المسألة على هذا النحو! فأولا كلامي هذا لم أزعم فيه أني أقرر كلام ابن تيمية! فهو كلامي أنا وليس كلام ابن تيمية رحمه الله! وليس من شرط طالب العلم أو الباحث في العقيدة إذا جاء بتقسيم ما أن ينقله بحذافيره من كلام عالم معين من علماء أهل السنة، وإنما يشترط عليه أن يقرر الحق بكلام لا يفهم منه خلافه! ثانيا، الاشتراك المعنوي هنا في هذا المحل الذي نقلت منه، يا أخ يمرين، لم أجر فيه على مصطلح الأصوليين الذي تشغب أنت به، وهذا واضح من أدنى تأمل للتقسيمة نفسها، لمن سلمت نفسه من النقمة على صاحب الكلام! فلا يضيرني ذلك ما دام سياق الكلام دالا على المعنى المراد! أنا أقصد بقولي مشترك معنوي أي المعنى الذي يشترك فيه الخالق والمخلوق، على ما يفهم من اللفظ أو التركيب اللفظي على ما هو عليه. فعندما نقول حياة الرب، مثلا، فهو اشتراك معنوي مع المخلوق، دون أن تحمل اللفظة نفسها تخصيصا أو ما يقتضي التخصيص في المعنى بين النوعين، لأن كلا منهما يوصف بهذا المعنى، بصرف النظر عن الكيف والحقيقة. وأما قولنا "ملك الملوك"، مثلا، فهنا اشتراك في أصل معنى الملك نعم، ولكن هذا التركيب اللفظي الإضافي ليس مشتركا في المعنى الناشئ عنه بين الخالق والمخلوق، فبصرف النظر عن المصطلح، أقول إن لفظة "ملك" تعبر عن معنى يشترك فيه الخالق والمخلوق، كل منهما على ما يليق به، بينما لفظة "ملك الملوك" تعبر عن معنى لا صحة لنسبته إلى غير رب العالمين، فلا يكون مشتركا بينهما من هذا الوجه. فأين الغلط في هذا؟ أما على الاصطلاح الأصولي فالاشتراك موجود في أصل معنى الملك ولا ينكره إلا الجهمية الغلاة، إذ بدونه ما فهمنا أصلا معنى "ملك الملوك" كما تحذلق الأخ به علينا! فعندما يفهم كلامي على أني أخرج تلك الصفات المختصة بالله تعالى من "المشترك المعنوي" على الاصطلاح الأصولي، فهذا لا يقع إلا ممن يصر على محاكمة الناس لمصطلح لا يلزمهم التقيد به في كل مناسبة، وهذه طريقة أهل الأهواء في النقد والرد وليست طريقة الباحثين المنصفين، والله المستعان! يا أخ سمرين أنت يحركك في كلامك هوى واضح جدا، وإلا فلو قرأت هذا الكلام نفسه عند غيري ممن تحبهم أو تحترمهم من طلبة العلم، لما حملته على أن صاحبه لا يدري ما المقصود من "المشترك المعنوي" في المصطلح الأصولي، لا سيما إن كانت كتاباته طافحة بالرد على الجهمية بمسألة الاشتراك المعنوي بالمصطلح الأصولي!! فنعوذ بالله من هوى وحقد يعمي البصر والبصيرة!
قوله: " يسارع فينسب مقالات الفلسفة المثالية إلى الإسلام مثل قوله: "يوجد العقل مع انعدام المخ أو مع البينونة من الجسم المادي كما يقوله المسلمون وأهل الكتاب في شأن الروح والعقل جميعا" [٤]. على أن هذا قول ابن سينا وأمثاله الذي يقول فيهم: "لم يكونوا مسلمين على الحقيقة كابن سينا وغيره!" [٥] وقد جعل ابن سينا عمدته في إثبات البعث على اثبات انفصال الوعي عن الأعضاء المادية كما في رسالته في [المعاد] و[الأضحوية]. بخلاف ابن تيمية ومن عبّر عنهم بمقالاته من أهل الحديث، فمن أين نسب هذا لجميع أهل الإسلام؟! "
قلت: قاتل الله الهوى والتدليس! أنا أسارع بنسبة مقالات الفلسفة المثالية إلى الإسلام؟؟ يا أخي اتق الله ولا تنسب أحدا من المسلمين إلى مصطلح مجمل مغرق في الإجمال، لا يتفق اثنان من الفلاسفة على معناه!! لا يجوز أن يقال في رجل إنه "مثالي" أو "إنه واقعي" حتى تفصل مقصودك أنت بالمثالية ما هي وما أصولها التي لا يكون الرجل موصوفا بها حتى يتلبس بها!! هذه الطريقة الصبيانية في حشر الناس تحت المصطلحات الفلسفية المجملة الفضفاضة ضررها عظيم، لا سيما إذا توجهت بها إلى أئمة المسلمين كشيخ الإسلام رحمه الله تعالى! فما هي "مقالات الفلسفة المثالية" التي نسبتها للإسلام في كتابي؟ من جديد ينتزع الرجل كلامي من سياقه حتى يلبسه بالمعنى الذي يريده، ثم يحشرني به في زمرة فرقة من الفلاسفة أنا منها بريء، وبراءتي منها تظهر في هذا المجلد نفسه الذي بين يديه لو قرأ بعين الإنصاف! يا أخي انقل الجملة كاملة على الأقل! إن كنت مقتبسا فانقل الجملة من أولها إلى آخرها قبل أن تعلق!! أين تعلمت هذه الطريقة في الرد على الناس؟؟
الجملة المبتورة هذه جاءت في سياق كلامي على الداروينية وفلسفتها التي تحصر الوجود الإنساني كله في المحسوسات، ومنها ظاهرة العقل والنفس البشرية، حيث قلت: "فهي (أي النظرية) تقوم على الفلسفة المعرفية الطبيعية بالأساس، وما وضعت إلا رجاء التوصل إلى تفسير طبيعي لنشأة أنواع المخلوقات الحية على الأرض بعد أن لم تكن، على نحو يغني الطبيعيين عن القول بخالق عليم قدير بالغيب، يخلق الأنواع وينوعها على ما يشاء ويختار! ولهذا كان مبدأ السببية الغيبية والغائية فيها منتفيا بالكلية، فهي ما وضعت إلا من أجل ذلك! فإذا كان ذلك كذلك، فلا يمكن للعقل وأدوات بناء المعرفة فيه إلا أن تكون عمليات مادية عضوية محضة (أي في النظرية)، نشأت في الإنسان كما نشأت فيه عيناه وقدماه ويداه عند الداروينيين! والذي يزعم أنه دارويني ويزعم في نفس الوقت أنه يؤمن بأن العقل البشري راجع في سبب وجوده إلى أصل غيبي، وأنه منفك (وجوديا) عن المخ والجهاز العصبي، بحيث يجوز عنده أن يوجد العقل مع انعدام المخ والقلب أو مع البينونة من الجسم المادي، كما يقوله المسلمون وأهل الكتاب في ِشأن الروح والعقل جميعان هذا متناقض قطعا!"
انتهى الكلام! فليس فيه كما ترى إلا النقض على بلانتينغا موقفه في الجمع بين الداروينية المادية الصرفة، وبين اعتقاد أن نفس الإنسان لها أصل غيبي في روحه وأن الروح إذا فارقت الجسد، كانت تلك المفارقة مفارقة للعقل والنفس كذلك، إذ الروح ليس وجودها وقيام صفاتها بها مشروطا بوجود هذا الجسد المادي نفسه الذي يتحلل في القبر بعد موت صاحبه! هذا ما نسبته للمسلمين وأهل الكتاب كافة، كما هو واضح جدا في الكلام، فأين فيه ما يدخلني في جملة المثاليين، أيا ما كان مراده من ذلك الاسم؟؟ أما مقالة ابن سينا فلا تعنينا في شيء، ولا يلزمنا موافقته كما لا تلزمنا موافقة المثاليين، أيا ما كانت الطائفة التي تقصدها بهم! يا أخ سمرين: هل تعتقد أن الوعي البشري والذاكرة التي تحصل للإنسان في حياته والاعتقاد والميل النفسي الذي تحصل في صدره وآلة العقل، جميع تلك الصفات التي منها ما قال الله تعالى فيه ((وحصل ما في الصدور))، تقوم بهذا الجسد المادي، في خلايا المخ، بحيث إذا مات صاحبه تحللت في التراب وضاعت معه؟ هذه هي المسألة التي لن يجد إلا أن يجيب عنها بالإيجاب، على مذهبه الفلسفي الذي لم يزل مصرا على تلبيس الإسلام به، وهذا ما أقول أنا إنه لا قائل به من المسلمين، ولا شأن لي بابن سينا ولا بالمثاليين ولا بغيره ممن يستعرض على قرائه بتشبيهي بهم!!
يقول: " إنه يميل إلى المثالية بقالب اللا أدرية فيرى أن الإنسان مكون من "عنصرين وجوديين على الحقيقة، عنصر ماثل في هذا العالم المادي المحسوس، وعنصر آخر محايث له في عالم غيبي" [٦]
قلت: المثالية بقالب اللاأدرية؟؟ هذه خلطة جديدة في مطبخ يوسف سمرين؟؟ ما شاء الله! يا هذا دعك من التهويش بالمصطلحات، وانقل الكلام على ما هو واضح من مراد صاحبه! ما الذي أردته أنا في الصفحة المنقول منها بقولي عنصرين وجوديين على الحقيقة؟ الروح هذه في عالم الغيب أم في عالم الشهادة يا سمرين؟؟ الروح هذه ترجو أنت أن تراها بعينيك تحت المجهر في يوم من الأيام؟؟ إن قلت نعم فقد خالفت المسلمين وأهل الكتاب وأتباع الرسل كافة! وإذن فهي كيان غيبي محض كما سميته أنا، وليس لنا أن نقيسها على شيء من المواد التي نعرفها! وإن قلت لا، فعلى أي شيء تعترض؟ وما وجه ميلي بهذا الكلام إلى من ذكرت؟؟ سبحان الله! يقول: " على أن ما يسميه بالعنصر الغيبي المحايث يقصد به الروح وهي "جسم متحرك" بتعبير ابن تيمية، لكنها عند حسام: "لها بُعد غيبي غير مادي"[٧] والتعارض بين التصورين لا يخفى: [جسم][غير مادي]!” قلت: فبالله أين في هذا الكلام ما ينافي الاعتقاد بأنها شيء متعين له جسم (على المعنى اللغوي للجسم: أو على الاشتراك المعنوي على المصطلح الأصولي) يقبض ويلف في حنوط ويصعد به ويهبط وكذا؟؟ أنا أتكلم عن أنها ليست مما نشاهده، فهي من عالم الغيب المحايث لعالمنا هذا، كما هو الشأن في الجن والملائكة! فأين الغلط في هذا؟؟ أنا أنبئك أين التلبيس! يا سمرين قولي "غير مادي" لا يعني أنه ليس له حقيقة في الأعيان، بحيث يدركها بالحس من مكنه الله من ذلك في أصل خلقته، كما مكن منه الملائكة، وإنما أقصد أنها ليست من مادة هذا العالم التي نعرفها بالحس والعادة! في كل موضع تجدني أقول "غير مادي" فهذا هو المراد لا غير! فلا علاقة لهذا المعنى بما يقصده ابن تيمية بالجسم، ولا يلزم فيما يقال له جسم على المعنى اللغوي، أن يكون "ماديا" بهذا المعنى الذي ذكرته أنا! فأين تحريرك لما تريده أنت بالمادي وغير المادي وما تريده بالجسم، قبل أن ترميني بهذا الإجمال السخيف بأن قوالي "غير مادي" يتعارض مع قول ابن تيمية بأنها جسم متحرك؟؟؟ ألم أقل لكم الرجل لا يفهم الكلام إلا على هواه ومزاجه، ومن مصفاة سميكة ركبتها فلسفته على قلبه وعقله، نسأل الله السلامة؟! لست أنا من يعاني من المثالية يا سمرين، وإنما أنت من لديك عقائد فلسفية فاسدة سأبينها للناس بحول الله وقوته فيما هو آت من الرد عليك، نسأل الله العون على ذلك!
يقول: "يبلغ به الشطط ليقول: "الروح إنما هو كيان غيبي محض قد خلق على نحو لا يجيز العقل محاكاته، ولغرض معين ومقصود عند الباري جل وعلا، لا يجيز العقل ولا النقل أن يتصف به شيء غير الإنسان!" [٨] فلندع نقاش عقل حسام، وهو الذي يجعل الروح أمرًا غيبيًا محضًا، فلا أدري كيف يقحم عقله فيه وهو الذي يرفض هذا في كتابه فيرى أنه: "ما بين معطّل ومجسّم... بدؤوا جميعًا بالتزام مبدأ تجويز القياس في المغيبات" [٩]. على أن مسألة قياس الغائب على الشاهد ليست مرفوضة رأسًا عند ابن تيمية بل إنه يُعمل القياس فيها بضوابط وضحها في عدد من كتبه."
قلت: بل أنت من يبلغ بك الشطط غايته في البتر والاجتزاء من الكلام، وإلى الله المشتكى! الروح في هذا المحل الذي نقلت منه كلامي، مقصودي به نوع الروح التي تكون في الإنسان بخصوصه، تلك التي يسعى الدهرية لخلقها في الذكاء الاصطناعي فيما هي حقيقة مطلبوهم، كما رد عليك به بعض إخواني الكرام جزاه الله خيرا ونفع به، وهذا واضح عند من يقرأ الصفحة التي أحلت عليها، بل ويقرأ الفقرة المنقول منها، فلم تعلق إلا بالإصرار على البتر والاجتزاء والله المستعان! أين إقحامي عقلي في أمر الروح على الرغم من أني أراه أمرا غيبيا محضا؟؟ إقحام العقل الذي أمنع منه يا سمرين، لو كنت تفهم ما تقرأ، هو إعمال النظر القياسي على طريقة الفلاسفة والمتكلمين في النظر الميتافيزيقي، وهو ما أطلت النفس في بيانه في مواضع كثيرة من سلاسل القناة ومن الكتاب نفسه الذي بين يديك، لا أدري هل مررت عليها أم لم تبال بذلك من فرط اشتغالك بانتقاء ما ترجو أن تجعله مادة للنقض والتسفيه! أما وأني أرد ردا عقليا على من يتكلمون عن الروح بالباطل، فهذا لا يلزمني – على مذهبي – الامتناع منه! ولكن أنت لا تبالي بمذهبي أصلا، وإنما تريد بكل طريق أن تقدم أبا الفداء لأتباعك ومريديك على أنه جاهل لا يدري ما يخرج من رأسه، حتى إذا ما اكتمل رده على كتبك ونظرياتك لم يقبلوا منه في نقدك صرفا ولا عدلا، ولم يبالوا بقراءته أصلا! أقول لك: اطمئن، فلست أنت ولا المتعصبون لك من لأجلهم أكتب هذا الرد وغيره، وإنما أكتبه ليكون بإذن الله تعالى حصنا لمن سمع بك يوما ما، ثم جاء يسأل عنك وعما تكتب، نسأل الله الصيانة للمسلمين. وأما ضابط ابن تيمية رحمه الله في مسألة القياس في الغيبيات فقد بينته كذلك وبينت المراد من تجويز قياس الأولى عنده ووجه استعماله لذلك القياس، وأنه لا علاقة له البتة بمنهج الفلاسفة في بناء المعارف بما في الغيب باستعمال القياس، ومن زعم ذلك فقد كذب على الرجل وتجنى عليه، وفصله عن سلفه الذين تشرب بطريقتهم رضي الله عنهم، ومنها نأخذ جميعا صحيح الدين!
أكتفي بهذا القدر، وأرجو أنه قد حصل به المقصود من الرد وتبين به تدليس هذا الرجل في الرد علي، وصبيانيته ورعونته التي قل نظيرها في المنتسبين إلى كل من الشريعة والفلسفة جميعا، والسلام على من اتبع الهدى.
وكتب أبو الفداء ابن مسعود.
