ردا على كلام أحدهم في مسألة "المعايرة" والتواطؤ النظري بين وسائل تقدير أعمار الأحافير

 ردا على كلام أحدهم في مسألة "المعايرة"

والتواطؤ النظري بين وسائل تقدير أعمار الأحافير

الرد من جزئين.

الجزء الأول (1 / 2):

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد، فقد أرسل إلي أحد إخواني الأفاضل وفقه الله، مقطعا أخبرني أن فيه ما أشكل على بعض الإخوة. المقطع يتكلم فيه صاحبه عن مسألة تحديد عمر الأحافير، محاولا دفع الاعتراضات التي يذكرها بعض الإخوة عليها، فيقرر من حيث لا يشعر ما يؤكد قوة تلك الاعتراضات ووجاهتها، ويكشف جهله هو بالخلفية الفلسفية لطريقة توليد الفرضيات في هذا الباب، والحكم بمطابقتها الواقع. 

يبدأ صاحب المقطع بقوله: "لنفهم طريقة تحديد الأعمار عن طريق الكربون المشع. الفكرة بسيطة جدا. الكربون المشع يتحول لنيتروجين بمعدل ثابت. احنا عندنا نسبة الكربون لحظة وفاة الكائن الحي، فنحسب كام نسبة الكربون المشع في الأحفورة، راح نعرف عمرها. بس بهاي البساطة!"! ثم أورد الاعتراضات التي يريد الرد عليها فقال: "أولا كيف عرفنا إن نسبة تحول الكربون هي ثابتة مع الزمن؟ مش ممكن زمان كان معدل انحلال العناصر أسرع، وبالتالي راح يكون عمر الأحافير أقصر من المتوقع، وقياسنا كله غلط؟ من أين لهم أن المعدل ثابت؟ من أين لهم هذا؟ النقطة الثانية: ليش افترضوا إن نسبة الكربون والعناصر المشعة، في جسم الكائنات الحية، هي نفس النسبة حاليا؟ من أين لهم هذا؟ والرد كالتالي: عرفنا إن معدل اضمحلال العناصر المشعة ثابت مع الزمن، من خلال عملية اسمها Calibration أو Cross Validation بالعربي، المعايرة، ويمكن فهم المعايرة بالمثال التالي، لنفرض أنك على سطح مبنى، ما في طريقة لتنزل منه. بنفس الوقت بدك تعرف كام طول المبنى، ومعك كل الأدوات الممكنة. أول طريقة، استخدمت الليزر، وحسبت كم المدة ليرتد الليزر من أسفل المبنى، الطريقة الثانية، استخدمت الصوت، وحسبت كم احتاج الصوت ليرتد، الطريقة الثالثة، رميت وزن، وحسبت كم احتاج الوزن ليوصل لأسفل المبنى. الطريقة الرابعة، معاك حبل ومديته إلى أن وصف لقاع المبنى، ومن ثم قست طول الحبل. الطريقة الخامسة، حسبت طول الطابق وضربت في عدد الطوابق، ومنها عرفت طول المبنى. الآن لنفرض أنه أتى شخص انتقد طريقة الصوت والليزر، وحكى: أنت افترضت إن أسفل المبنى عبارة عن هواء، مش ممكن يكون فيه سائل شفاف، واحنا نعرف إنه الليزر أسرع في السوائل وبالتالي طريقة قياس الليزر خطأ، راح تجاوبه بكل بساطة، لما كل الطرق تعطي نفس النتيجة إذن افتراضك إن فيه وسط غير الهواء، افتراض خاطئ، لأنه لا يمكن إنه طريقة الليزر تعطي نفس نتيجة باقي الطرق إلا إذا كان الوسط عبارة عن هواء. هيك عملنا معايرة. يعني أنت مش متأكد أن الوسط اللي في الأسفل هو هواء، لكن عايرت طريقة الليزر والصوت مع باقي الطرق وأعطوا نفس النتيجة! إذن حتما الوسط اللي في الأسفل هو هواء. نفس الإشي، رمي الوزن من على المبنى! يأتي شخص ويقول، من أين لك هذا؟ إنه تسارع الجاذبية أسفل المبنى، مثل كل الجاذبية على كل الأرض؟ من أين لك هذا؟؟ راح نحكي إنه صارت عملية معايرة مع باقي الطرق! وعرفنا إن تسارع الجاذبية مثل باقي الكرة الأرضية. وأيضا طريقة الحبل! راح يحكي لك من أين لك هذا، إن المبنى مستقيم؟ مش ممكن إنه يكون مائل؟ بالتالي أنت قست قطر المبنى مش طوله! وأيضا كيف عرفت أنه ارتفاع الطابق هو ثابت لكل الطوابق؟ مش ممكن فيه طابق أقصر من التاني؟ لاحظ كل هذه الاعتراضات ما لها معنى، لأن لما كل الطرق تعطينا نفس النتيجة، إذن الافتراضات الجانبية مثل ميلان المبنى، واختلاف الجاذبية واختلاف الوسط اللي يمر فيه الضوء والصوت، واختلاف طول الطوابق، هي افتراضات ما لها معنى، لأنه باختلاف المتغيرات اللي أنت بتفترضها مستحيل إن كل الطرق تعطي نفس النتيجة! حتى لو المتغيرات اللي حكيتها موجودة وحقيقية، مستحيل كل الطرق تعطي نفس النتيجة، بوجود هذه المتغيرات! يعني مستحيل المبنى يطلع طوله بكل الطرق نفس الطول! وبنفس الوقت المبنى مائل، وفيه اختلاف بطول الطوابق، وفيه اختلاف في الجاذبية والهواء اللي في أسفل المبنى، شو الصدفة الخرافية اللي خلت كل الطرق بهذه المتغيرات اللي ما حسبنا حسابها تعطي نفس النتيجة؟؟ 

قلت: هذا المثال الذي ضربه هذا الشاب لدفع الاعتراضين المذكورين، يدل على ذكائه ونباهته ولا شك! ولكنه للأسف، لا ينفعه فيما يريد بشيء. وهو مما يكشف لك فقر وضعف الدربة العقلية والنظرية التي يتربى عليها عامة المشتغلين بالعلوم الطبيعية في زماننا هذا، وأنهم يقلدون في هذا الباب دون أن يحسنوا تدبر ما يقلدون فيه! فالطبيعيون مولعون بنصب الأقيسة التي تبرر وتسوغ الطرق التي يستعملونها في وضع الفروض وفي التنسيق فيما بينها طلبا في الوصول إلى معرفة جديدة بشأن الواقع. ولكنهم لا ينتبهون إلى أن لطرد تلك الأقيسة على الواقع حدودا عقلية لا ينبغي تجاوزها، ولا يتجاوزها إلا مغالط، شعر بذلك أم لم يشعر! وعامتهم للأسف لا يشعرون. هذه قضية عقلية صرفة، قبل أن يكون لها تعلق بالعقيدة عندنا. فعندما يأتي أحدهم ليشرح للناس تشبيها لنظرية موضوعها جرم الأرض بكليته، يقيسها فيه على كرة مصمتة، مثلا، ثم يسهب في بيان أن جميع الكرى المصمتة في عادتنا يجري عليها كذا وكذا، وإذن فمن المنطقي أن نتوقع أن يكون سلوك جميع الأشعة التي تخترق جرم الأرض، أو الموجات التي تسافر عبره، كسلوكها في الأجرام الكروية الصغيرة المصمتة التي نمثل بها، وإذن يصبح من المنطقي والمعقول أن نقبل نظريات الجيولوجيين في تصور طبقات الأرض كلها وصولا إلى مركزها، على ما عندهم فيه من تفصيل موسع، فهذا يصطحب في ذلك التمثيل مقدمة خفية هو لا يشعر بها، مفادها أن التشابه بين الأرض والأجرام التي مثل بها، في صفة معينة (وهو تكورها)، يوجب تشابهها فيما يكون في باطنها من صفات وكيفيات (أعني الإصمات التام وأن تكون جميع المواد في باطن الأرض، من جنس ما نعتاده على سطحها، خاضعة بالضرورة لنفس ما تخضع إليه تلك الأجرام الممثل بها من القوانين والسنن السببية المطردة في عادتنا!) وإذن يصبح مجرد اطراد العادة على كل جرم كروي مررنا به في تجربتنا البشرية، بالخضوع لتلك السنن، موجبا لأن يصح الشيء نفسه في جرم الأرض بكليته! فما أساس ذلك المنطق عند صاحبه؟ له أساسان! افتراض تعدد أوجه التشابه بالقياس، أو التمثيل الراجع إن شئت، واستقراء العادة. دلنا استقراء العادة على أن الأجرام التي تشترك في الصفة (أ)، يجري عليها القانون (س)! الجرم المراد بحثه صفته (أ)، إذن فهو أيضا خاضع للقانون (س)! وإذن يكون مشابها لجميع الأجرام الأخرى في ذلك الوجه أيضا بالمماثلة. فهل هذا إعمال أو تطبيق صحيح أو معقول للمنطق الاستقرائي؟ نقول إذا كان الجرم المراد نقل الحكم إليه، بحيث يصح أن تكون العادة دليلا على مشابهته (في بنيته وكيفية ما في باطنه من المواد وكذا) للكرات التي مثلنا بها، في أكثر من مجرد كونه جرما كرويا، فإنه يكون طردا معقولا ومستساغا للاستقراء، ويصبح ذلك التمثيل مولدا لفرض علمي جيد، يمكن أن نتأكد من صحته أو فساده فيما يرجى الوصول إليه في إطار عادتنا في يوم ما. لكن نحن هنا نتكلم عن جرم الأرض بكليته! تلك الكرة العملاقة التي لم يصل أحد أبدا إلى أن ينزل في باطنها بالحفر والتنقيب لأكثر من اثني عشر كيلومترا فقط! وحتى ذاك لم يكن نزولا بالمعنى المعهود، وإنما كان إرسالا لحفارات عملاقة لا تدرك ولا ترصد شيئا! نعم لدينا معرفة استقرائية بمخرجات الحفر والتنقيب في الأرض لمسافات قريبة، وعندنا دراسة علمية معتبرة للطبقات القريبة التي مكنتنا العادة الحسية من تتبع تقلباتها وتغيراتها على سطح الأرض. ولكن أنت تريد أن تنتقل من ذلك إلى الحكم (بطرد الاستقراء) على ما عليه جرم الأرض في باطنه عند مركزه وما حوله!! فعلى أي أساس نسلم لك بصحة طردك هذا الاستقراء والحالة هذه؟؟ الطبيعيون يتدربون في الأكاديميات الغربية على اعتقاد راسخ مفاده أن ما دلتنا عليه العادة في هذا الإطار الضيق من العالم، فلابد أنه صحيح مطابق لواقع العالم في كل مكان وزمان! كل مادة العالم لها نفس الخصائص التي نعرفها! كل الأشعة والموجات والمجالات تجري على نفس النسق الذي نلاحظه، في كل مكان وزمان! وهكذا! فإذا سألتهم ما أساس ذلك الطرد المطلق، قالوا هذا هو الأصل العقلي، ومن يدعي خلافه هو المطالب بنصب البرهان! وبعضهم يقول هذا فرض لو لم نسلم به لما أمكننا أن نفترض الفروض ونضع النظريات في شيء من أبواب العلم أصلا! وسواء الدفاع الأول أو الثاني فكلاهما باطل وليس هاهنا محل البسط في الرد عليه. ولكن القصد أن الباحثين في الطبيعيات يتدربون على اصطحاب مقدمات خفية لا ينتبهون إليها ولا يدركون أنهم يسلمون بها تسليما لا دليل عليه! وهي في هذا المثال الذي ضربته آنفا، ادعاء أن جرم الأرض لابد وأنه مماثل لجميع الأجرام الكروية التي اعتدناها مما هو مصمت لا جوف له! فلما سلموا بذلك، أسسوا عليه جميع النظريات والأقيسة و"المعيارات" وكأنما هو الحق الذي لا غبار عليه ولا يعترض عليه إلا من لا يدري كيف يعمل العلم وكيف يفكر العلماء! 

نفس الشيء تراه في هذا المثال الطريف الذي ضربه هذا الشاب. فهو يضربه ليقول: إذا كنتم تعترضون على الطريقة (أ) في تقدير أعمار الحفريات، بسبب عدم التسليم بصحة فرضياتها، فنحن لم نكتف بها، بل إن لدينا طرقا أخرى كلها تفيد بنفس النتائج! فيقول: هب أن لدينا مبنى نقف فوقه، ولا ندري ما ارتفاعه، ونريد أن نقيسه دون أن نقدر على النزول من عليه، وعندنا جميع الأدوات التي تعين على تقدير ارتفاعه. ولكل أداة منها طريقتها التي نفترض فروضا معينة في طريقة عملها حتى تفيدنا بنتيجتها. فإذا وجدنا أن جميع تلك الأدوات المختلفة تفيد بنفس النتيجة، فإن هذا لابد أن يدلنا على صحة الفروض التي فرضناها فيها جميعا، وإلا ما جاز ولا أمكن أن تفيد بنفس النتيجة! وسنبدأ أولا بالتعليق على هذا المثال من حيث منطق التعقل والحكم على صحة الفروض أولا، ثم التعليق على معقولية قياس مسألة أدوات تقدير أعمار الحفريات عليه وتشبيهها به ثانيا، مبينين المقدمة الخفية التي استند إليها الشاب في ذلك من حيث لا يشعر، كما هو المطروق في نظائر ذلك مما مثلنا له في كلامنا آنفا.

فأولا نقول: إن هذا المثال، على بساطته، يحتاج إلى فروض كثيرة، من أجل أن يفيد، عقلا، بالحكم المطلوب. فصحيح إن كل فرض من الفروض التي يجري عليها استعمال الأدوات التي استعملت في ذلك المثال، معلوم اطراده على كل ما يصح أن يقال إنه مبنى قائم على سطح الأرض، من صريح العادة والحس والاستقراء، إلا أن الأمر ليس بهذه البساطة. ففي آلة شعاع الليزر، ليس من المتصور أن يكون الرجل الواقف فوق المبنى بحيث لا يرى أن ما حول المبنى ليس مسطحا من الماء هو مغمور فيه إلى منتصف ارتفاعه أو أقل أو أكثر، حتى يتصور اشتباه ذلك عليه، ومن ثم تساوي كلا الوجهين احتماليا عنده! ومع هذا فإن قدرنا أن كان الرجل لا يرى فعلا ما تحت المبنى ولا يقدر على ذلك، ولو قدرنا أنه أهبط فوق المبنى بطائرة هليكوبتر وكان معصوب العينين، وفرضنا جميع الفروض التي تؤدي إلى حالة يكون فيها الرجل بحيث لا يمتنع عنده أن يكون الماء غامرا لجزء من المبنى، فلابد أنه قد دلته خبرته السابقة على أن المباني التي تقف منفردة في قلب مسطح مائي يغمر جزءا من ارتفاعها، إنما تكون في المدن الغارقة في الفيضانات وما شاكلها، وهذه قليلة جدا، مقارنة بما خلاف ذلك! فلابد أن أغلب الظن عنده، أن المبنى الذي هو يقف عليه ليس مغمورا في الماء! فهو فرض مستبعد ابتداء من هذه الجهة. لأن العادة تضعفه! وبسبب جملة العادات المحتفة بهذا المثال وما شاكله، فإن الفرض يبدو هزليا من مجرد تصوره! وكذلك افتراض أن المبنى مائل! ومثله افتراض أن الطوابق فيه غير متساوية في الطول! ومثله افتراض أن يكون ثابت تعجيل السقوط الحر مختلفا في هذا الموضع من الأرض عما هو معتاد! وكذلك افتراض أن يكون الحبل المتدلي قد انكمش أو تمدد أو ما شاكل ذلك! مع أن افتراض أن يحتاج رجل إلى جمع تلك الوسائل كلها إلى بعضها البعض بما يسمونه بالمعايرة من أجل أن يتأكد من صحة تقديره لارتفاع مبنى ما، هذا مستبعد جدا كذلك، ولكن لمصلحة التعليق على علة التشبيه التي يريدها صاحبه، نتجاوز عن ذلك السخف ونفرض أنه وقع. فالقصد بيان أن سبب استبعاد الشاب لأن تجتمع جميع تلك الفروض في حالة المبنى الذي ضرب به المثل، إنما هي ضعف الاحتمالية الواضح لوقوع كل فرض منها منفردا، وهو ما يزداد ضعفا فوق ضعف، بأضعاف كثيرة إذا فرضنا اجتماع ذلك كله في حالة وحدة، بالنظر إلى مرجعية العادة الحسية التي مكنتنا من ذلك التقدير! وإلا فمن حيث الإمكان أو الجواز العقلي، فلا يمتنع عقلا أن يقع استعمال لجميع تلك الأدوات التي ذكرها، ومع هذا تتفق كلها أو تتقارب في الدلالة على مقدار واحد لارتفاع المبنى يخالف ما هو عليه في الحقيقة، لاجتماع جميع تلك الفروض المخالفة معا!! 

أي أنك يا صاحب هذا المثال، عندك بالفعل أصل استقرائي محكم من اطراد العادة، مفاده أن المبنى الذي يقف الرجل عليه لن يكون مائلا غالبا، ولن يكون بحيث تتفاوت فيه ارتفاعات الطوابق، ولن يكون بحيث يجري شعاع الليزر أمامه في غير الهواء، وكذلك موجة الصوت، بحيث تتفاوت النتائج تفاوتا ملموسا Significant Difference!   

أي أن جواب السؤال الذي يعترض به صاحب المثال على استدلال الرجل بقوله "من أين لك هذا؟" هو أن يقال بكل سهولة: من استقراء العادة! جميع الأشباه والنظائر السابقة تدلنا على أن موجة الصوت (مثلا) ستتحرك هذه المرة بنفس السرعة التي اعتدناها، لأننا في نفس محل العادة التراكمية مكانيا وزمانيا التي منها عرفنا تلك السرعة، وهذا لا يعدو أن يكون نظيرا من جملة النظائر المعتادة في ذاك المحل، التي أوصلتنا لذلك الحكم الاستقرائي ابتداء! وكذلك في شعاع الضوء، وفي ثابت الجاذبية، وفي طبيعة الوسط الذي يحيط بالمباني التي يمكن أن تُجرى من فوقها أمثال تلك التجارب، وفي ارتفاعات طوابق المباني، إلى غير ذلك من عادات مطردة لا ينتظر إلا اطرادها في محلها! فالعادة هي التي بها أمكننا أن نحكم بهذا الحكم في هذا المثال، وليس تضافر وتساوي النتائج من أكثر من طريق! تضافر النتائج على هذا النحو فيما يسمى Cross Validation أو التحقق التقاطعي، إنما يستعمل في العلوم الطبيعية والتجريبية المعتبرة عندما تكون النتيجة المستخرجة في تجربة ما، من وسيلة من الوسائل، أو من اختبار إحصائي معين، بحيث يشك الباحث في سلامة أو دقة ضبط الآلة المستعملة في استخراجها وقياسها. فمهما أمكن استعمال وسائل أخرى مستقلة في الفروض الأولية التي تعتمد عليها عن الوسيلة الأولى، كان ذلك طريقا للتحقق من صحة تلك النتائج، فإن تفاوتت، أعيد إجراء التجربة، ومعايرة الأدوات وضبطها، وإن توافقت أو تقاربت، تعضد الظن بصحة تلك النتائج. فما دام تطبيق تلك الآلة محصورا في إطار العادة، فإن طرد الاستقراء يكون له أساس معقول مقبول، ويكون للتوافق والتواطؤ دلالة معتبرة. فنحن إنما استبعدنا تلك الحالة العجيبة التي يتصور فيها أن تجتمع جميع تلك الوسائل التي ذكرها في المثال على الإفادة بنتيجة واحدة مخالفة للواقع، لهذا السبب. فطريقة التحقق التقاطعي هذه لا يحتاج إليها أصلا في هذا المثال، لأن دلالة العادة في وسيلة واحدة من تلك الوسائل واستقراء العادة يكفي للقيام بالمطلوب من معرفة النتيجة! لن أشك، مثلا، في طول الحبل المتدلي هل يكون مائلا بسبب ميل المبنى، ومن ثم أحتاج إلى أن أقارن تلك النتيجة بتجربة أخرى أستعمل فيها ثقلا أرميه من أعلى، أو شعاع ليزر (على ما في تجارب الليزر من احتمالية لدخول الخطأ في تقدير المسافات القصيرة)!! لكن القصد أني من قبل أن أجري تلك التجارب الأخرى، أعلم سلفا باحتمالية قوية جدا أنها ستتوافق وتتواطأ. والسبب في ذلك أن الطول المعياري للمتر Standard Meter الذي هو وحدة تقدير الأطوال، واحد في تقدير سرعة الضوء وسرعة الصوت وسرعة سقوط الثقل، وهو نفسه المستعمل في قياس طول الحبل، ومن غير المتوقع بحال من الأحوال أن تتغير تلك السرعات عما هو معتاد فيها، في هذه الحالة، أو أن يكون المبنى مائلا غير مستقيم.  

ولكن دعنا الآن ننظر إلى الحالة المراد قياسها على هذا المثال، وهي حالة استعمال عدة أدوات لتقدير أعمار الحفائر Dating Methods في أحفورة واحدة، واتفاقها أو تواطؤها على نتيجة واحدة! هل يصح في ذلك التواطؤ أن يقال إنه من قبيل Cross Validation كما هو مطروق في إطار العادة؟ الجواب، ومن قبل الدخول في تفصيل ذلك: لا، لا يصح! لماذا؟ لتجاوز موضوع التقدير النظري (وهو تاريخ هلاك الكائن المتحفر) إطار حيز العادة ومحلها الزماني، تجاوزا كبيرا، أو جواز ذلك التجاوز مبدئيا. فالوسيلة الواحدة من تلك الوسائل في تقدير الأعمار الأحفورية، لا تقوم على فروض تعرف صحتها من استقراء العادة! بل كل واحد من تلك الفروض، يجوز عقلا أن يكون على خلاف ما هو مفترض، فيما وراء حيز العادة الزماني، من غير أن يكون في الإمكان ترجيح أحد الاحتمالين على الآخر! فمثلا، فرضية ثبات معدل تحول الكربون المشع إلى النيتروجين على امتداد تاريخ الأرض! هل يدلنا استقراء عادتنا في هذا الحيز المحسوس من العالم مكانا وزمانا، في تتبع تحولات وانحلالات تلك العناصر المشعة، على أنه كان كذلك قبل آلاف بل ملايين السنين، إن قدرنا أن كان عمر الأرض يبلغ ذلك المقدار؟؟ هل يدلنا على أن الأرض لم تشهد أبدا تغيرا في ذلك المعدل لأيما سبب كان؟ أبدا! وإنما يفيدنا باحتمالية معتبرة، في محل العادة، بأن تلك المواد جارية كلها الآن في المواضع التي رصدناها فيها من الأرض، وفي حيز الرصد والتتبع الزماني لها، على هذا المعدل! نتوقع باحتمالية قوية إذا ما أخذنا جزئيا من جزيئات الكربون 14 وقمنا بفحصه في المعمل أن نرى نفس ما استدل به من سبقونا على أن معدل انحلاله Half life هو كما قدروه. ولكن هل يدل ذلك، بإعمال آلة الاستقراء العقلي الصحيحة، على أننا لو قدرنا أن وُجدنا نحن وهذه الأدوات نفسها في نفس المكان في نفس المعمل، ولكن قبل مليون سنة، مثلا، وأجرينا نفس التجربة على جسيم من نفس النوع، فلابد أن نرى نفس المعدل؟؟ أبدا! هذا تحتاج من أجل أن تسلم به إلى أن تعتقد اعتقادا سابقا مفاده أن جميع المعدلات المرصودة حاليا لابد وأن تكون قد كانت على ما نجدها عليه حاليا، باطراد مطلق في الماضي بلا انقطاع ولا تحول ولا تبدل! تريد أن تستدل بعادة عمرها وامتدادها لا يجاوز المائة عام من الأقيسة والتجارب والأرصاد المتراكمة، لا على حادث وقع قبل مئتي عام أو ثلاثمئة مثلا، ولكن على حادث وقع فيما تدعي قبل ملايين السنين!! فكيف يقال إن مستندك في الحكم بطرد الاستقراء، إنما هو إعمال المنطق الاستقرائي نفسه؟؟ هل يعقل أن يقال، مثلا، إنني إذا مررت في قرية ما، فوجدت الناس فيها يركبون السيارات، فلابد، بدلالة الاستقراء، أنه لم يزل الناس يركبون السيارات في هذا المكان منذ الأزل، أو حتى منذ مئتي عام فقط؟؟ هل يعقل أن يقال، إنني إذا وجدت نهرا يجري في مكان ما، وكانت الأجيال من قبلي إذا مر أحدهم بنفس هذا المكان وجد نفس هذا النهر، فلابد باستقراء تلك العادات المتراكمة أن يحكم بأن هذا النهر لم يزل يجري في نفس هذا المحل منذ مئات الآلاف من السنوات؟؟ أبدا! الاستقراء ليس مستندا في أمثال تلك الأحكام! وإنما يحكم باطراد العادة فيما وراء محلها المحدود، بأمثال تلك المفاوز الشاسعة مكانا وزمانا، التي يتكلم فيها هؤلاء، بناء على اعتقاد ميتافيزيقي سابق عند صاحب ذلك الحكم ولابد! وهذه هي المقدمة الخفية التي ذكرنا أن صاحب هذا المثال وأمثاله لا ينتبهون إليها! لا ندري بأيما استقراء كان، هل بقي هذا المعدل مطردا مطلقا كما يفرضون أم لم يبق! ولا ندري هل بقي تأثير البيئة المحيطة على الجثة المدفونة في التربة واحدا، بحيث لا يتغير مقدار المادة المشعة فيها بسبب ذلك، عبر تلك الأزمان المتطاولة، أم لا! ولا ندري هل كان معدل إنتاج الكربون المشع في الغلاف الجوي ثابتا أم لا! ولا ندري هل كانت دورة الكربون المشع بين التربة والغلاف الجوي ثابتة عبر القرون أم تغيرت! ولا ندري هل كان مقدار المادة المشعة في جسم الكائن قبل موته، كما فرضوه فعلا قياسا على ما عليه الأمر الآن في بعض الكائنات، أم كان على خلاف ذلك! ولا ندري (من طريق الحس والعادة) هل وقعت حوادث كبرى بحيث تغيرت صفات تلك المواد في الكائنات الحية عبر تلك القرون المتطاولة، بسبب تلك الحوادث، على أنحاء لا نعلم لها نظيرا، أم لم تقع! كل ذلك لا ندري بأي شيء نرجح فيه الحكم إثباتا أو نفيا من طريق التجريب والعادة الحسية، فيبقى كله على الجواز (تساوي احتمالية الثبوت والانتفاء)! 

ومع هذا، فحتى ذلك التجويز المبدئي له حدوده الزمانية بالضرورة! حدود تأتي أولا من الضرورة العقلية، وثانيا من جهة السمع والحي عندنا معاشر المسلمين. فكلما مضينا في الماضي، فإننا نقطع بضرورة الاقتراب من نقطة كان فيها العالم على هيئة لا قياس لها على ما هو عليه الآن، وهي الهيئة التي كان عليها حال خلقه وتكوينه، وهو ما عرفنا في السمع أنها كانت أياما ستة، فرغ الرب من خلقه بعدها! ثم إننا كذلك نجزم من جهة السمع، بضرورة الوصول قبل ذلك إلى نقطة وقعت فيها تغيرات كبرى في حال الأرض لا قياس لها على شيء مما هو مطرد الآن في عادتنا، وهي نقطة وقوع الطوفان الذي بينا في غير موضع (ككتاب المعيار وغيره) أنه بالضرورة كان واقعة خارقة لجميع ما هو معتاد لدينا من أحوال الأرض، ولها تبعا من الآثار ما لا قياس له على آثار الحوادث المعتادة في حيز خبرتنا البشرية التراكمية عبر التاريخ! فالقول بصحة تلك الفروض كلها وجريانها عبر تلك الملايين المزعومة من السنين على نفس الوتيرة، ليس فقط رجما بالغيب لا أساس له إلا المسلمة الميتافيزيقية الدهرية التي ذكرنا، بل إنه كذلك مولد لمزاعم تاريخية تخالف اعتقاد المسلمين، وله من المقتضيات فيما علمنا ثبوته في الماضي السحيق من طريق السمع، ما يفسد ذلك علينا إفسادا! ومعلوم ما يسلكه المتفلسفة المعاصرون من أهل قبلتنا من تلاعب بالتأويل بتلك النصوص كما سلكه النصارى مع سفر التكوين عندهم، ولنفس السبب! 

فإذا كان جنس هذا الاعتراض العقلي يجري بالضرورة على جميع الوسائل التي يستعملها الطبيعيون في تقدير أعمار الحفائر، لأنها كلها تطرد الاستقراء فيما وراء نطاقه المعقول بلا أساس إلا الاعتقاد الميتافيزيقي المذكور، فمن الواضح مبدئيا أن أصحاب تلك الأدوات لن يستعملوها أبدا إلا بأن يضبطوا جميع فروضها ومسلماتها بحيث تتناسق داخليا، وتتفق مع اعتقاداتهم النظرية الكبرى التي سبق أن أسسوها لأنفسهم بشأن تاريخ الكون وتاريخ الأرض وتاريخ الأنواع الحية وما شاكل ذلك. وهي تلك الاعتقادات التي تكونت في نهايات القرن التاسع عشر في بريطانيا، من قبل أن تتفتق أذهان القوم عن أي طريقة من تلك الطرق أصلا (وهو ما ظهر في أربعينات القرن العشرين)! فتلك الملايين المللينة من السنوات كانت قد صارت اعتقادا راسخا عند الطبيعيين بالفعل، من قبل أن يخترعوا تلك الأدوات! لذا كان لزاما أن توضع الفروض التي تجري عليها تلك الطرق، من مبدأ الأمر، بحيث تتوافق نتائجها مع الإطار الزماني المزعوم لتاريخ الأرض وتاريخ التطور الدارويني المزعوم عليها! وبما أن السجل الأحفوري كان قائما بالفعل (إجمالا)، وكانت جملة المكتشفات فيه قد رتبت بالفعل تاريخيا مفصلا بناء على الطبقات التي وجدت فيها كل حرفية، فكان لزاما أيضا أن تكون تلك الأدوات الجديدة بحيث تفيد عند استعمالها بأعمار ومقادير زمانية توافق ذلك الترتيب التطوري والجيولوجي في طبقات الأرض التي وجدت فيها تلك الحفائر، ولا تفسد الإطار الزماني الواسع الذي تتابعت الأجيال على اعتقاده منذ أن فرضه داروين ومعاصروه من الجيولوجيين! فالقوم في حقيقة الأمر، اعتقدوا أولا ثم استدلوا، كما يقال! وهذا الدوران في الاستدلال Circularity لازمهم في هذا الباب لا محالة، بالنظر إلى انقطاع الطريق لإثبات أي شيء من فروضهم الكثيرة من طريق الاستقراء كما بينا! يؤتى بالأحفورة، فينظر في أي طبقة وجدت؟ فيصبح من غير المقبول مبدئيا أن يثبت لها تاريخ بوسيلة من وسائل التأريخ الأحفوري، بحيث يخرج بها عن إطار تاريخ تلك الطبقة نفسها عند الجيولوجيين، كما هو معتمدهم في ذلك! ولا أن تصبح بحيث تفسد عليهم كثيرا من الفروض السابقة التي تتابعت أجيالهم على قبولها والتأسيس عليها في قصة التطور التفصيلية المزعومة! فإذا ما أخذت منها عينة للاختبار في المعمل، وخرجت نتيجة 

فالذي يحدث هنا ليس معايرة أو تحققا تقاطعيا من جنس ما شرحناه آنفا! ليس تواطؤا يستند إليه في تعضيد نتائج جميع الآلات المستعملة في تحصيل ذلك المطلب، بسبب قيامه على أساس استقرائي صحيح كما بينا! وإنما هو تواطؤ تأويلي متكلف، يتكلفه القوم بالتلاعب في الفروض إثباتا ونفيا وتعطيلا، في كل مرة يستعملون فيها تلك التجارب، بداية من فرض أن تكون الآلة المستعملة في المعمل قد عملت عملا صحيحا في فحص العينة، وأن تكون العينة نفسها غير ملوثة، من أجل أن تتواءم كلها مع النتيجة المتوقعة سلفا في تنظير القوم! ولهذا لا تجرى تجربة الكربون المشع هذه على عينة ما، إلا سئل من جاء بالعينة إلى الباحث القائم بتلك التجربة: ما هو العمر الذي تتوقعه أو ما هو الإطار الذي تتوقعه لتلك العينة؟ فإذا أجريت التجربة مرة فجاءت النتيجة بعيدة عن المطلوب، أجريت مرة أخرى، فإذا بقيت مخالفة، أجريت لمرة ثالثة، فإن لم تقع في الإطار المطلوب، قيل إن العينة ملوثة أو فاسدة، أو الآلة غير دقيقة، أو التمس من الفروض الأخرى ما يلائم البناء النظري القائم بالضرورة! لماذا؟ لأنه إن أهمل البناء النظري القائم، فإن جميع الفروض الغيبية ذات الصلة إذن تتساوى عنده معرفيا من قبل أن يجري التجربة، من حيث أسباب قبولها والتأسيس عليها! فمثلا فرض أن تكون العينة غير ملوثة وقد عملت الآلة فيها عملا صحيحا، وفرض أن تكون قد تلوثت فعلا أو تكون الآلة لم تقدر معدل الانحلال للنظائر المشعة في العينة تقديرا دقيقا في نفس الأمر، كلاهما يتساويان عنده في الاحتمال مبدئيا، لأنه ليس لديه أساس استقرائي معتبر يميل به إلى ترجيح أي وجه من الوجهين! فإن لم يستعن بالفرض النظري الذي يتعلق به من جاءه بتلك العينة في تقدير عمرها، فلن يجد – فعليا - ما يرجح به وجها على وجه! ولهذا قلنا إن أحدهم مضطر للتلبس بالدور القبلي في زعمه أن تقديرات أعمار الحفائر بهذه الطريقة، تدله على صحة الزعم النظري عنده في شأنها! ونظير ذلك يقال في التواطؤ والتوافق بين الطرق المختلفة التي اخترعوها فيما بعد لتقدير أعمار الحفائر! فكل واحد منهم يضع نفس البناء النظري نصب عينيه وهو يقرر جملة الفروض والتأويلات المعتبرة في تطبيق الطريقة التي يخترعها! وهو مضطر إلى ذلك، لأنه لو لم يفعل، لانعدم كل أساس عنده لقبول النتائج الملائمة ورد ما لا يرونه ملائما في نفس الأمر! 

ونظير ذلك كنا قد علقنا به من قريب على طريقة الأستروفيزيائيين في بناء صورة الثقب الأسود المزعوم! فهم أيضا زعموا أن نتائج عدد كبير من المراصد الراديوية المنتشرة في أنحاء العالم قد تضافرت على إنتاج نفس الصورة، بما قالوا إنه أيضا تحقيق تقاطعي Cross Validation! وواقع الأمر ليس كذلك! فالذي حصل أن جميع تلك المراصد تعاملت مع الموجات التي رصدتها أطباقهم عند توجيهها إلى الموقع الذي اعتقدوا سلفا أن فيه ثقبا أسود ولابد، بالتأويل وبالتصفية (قبولا وردا) بناء على ذلك الاعتقاد! فاستبعدوا ما استبعدوا على أنه ضوضاء Noise لا لشيء إلا لأنه ينافي ذلك الاعتقاد! فاصطنعوا الصورة المطلوب تصويرها في ذلك الموضع اصطناعا بالفرض فوق الفرض والتأويل فوق التأويل، ثم قالوا إنهم أخيرا قد التقطوا أول صورة حقيقية لثقب أسود في التاريخ!! مع أن حقيقة الأمر أنها ليست صورة فعليا، وإنما هي لوحة أخرى من جملة اللوحات التي يرسمها فنانوهم في تخيلهم لما يقال له الثقب الأسود، نحتت نحتا في مخرجات التحليل الموجي والطيفي التي انتهوا إليها، بنفس هذا المنطق الدوراني الذي ذكرنا! أنت في حقيقة الأمر لا تملك طريقا مباشرا صريحا لمشاهدة ذلك الكيان الخرافي الذي تفرضه في ذلك المكان البعيد، ومع ذلك تريد أن تدعي أنك قد انتهيت أخيرا إلى تصويره باستخدام آلات الرصد الحديثة، فماذا تصنع؟؟ لن تجد إلا أن تتكلف التأويل فوق التأويل والفرض فوق الفرض من أجل أن تقول إن هذه الموجات التي تحصلت لنا من جهته، إنما جاءتنا من شيء هذه صورته! وهي – ويا للعجب!! - نفس الصورة التي كان يرسمها الفنانون من قبل!

يقول الشاب: أثناء الاستماع للفيديو حسيت إن الموضوع معقد، فخلي أختصرها بشكل أكبر! لما أحكي متغيرات، هي الأشياء اللي ما حسبنا حسابها، ممكن تأثر على نتيجة القياس. لما كل طرق القياس أعطوا نفس النتيجة، إذن عندنا ثلاث احتمالات. أول احتمال إن ما فيه متغيرات، وهذا يعني أن كل طرق القياس صحيحة. الاحتمال الثاني، كل الطرق فيها متغيرات ما حسبنا حسابها، ممن تؤثر على النتيجة وبالصدفة أعطوا نفس النتيجة دائما! وهذا مستحيل، لأن تشابه طريقتين أشبه بربح اليانصيب، فما بالك كل الطرق مع بعض بمتغيرات ما حسبنا حسابها، تعطي نفس النتيجة، إذن هذا الاحتمال مش موجود أساسا. الاحتمال الثالث، إن فيه طرق ما بها متغيرات، والطرق الثانية فيها متغيرات، وهذا نتيجته إن هذه المتغيرات مالها قيمة، لأن حتى بوجودها أعطت نفس نتائج الطرق اللي ما بها متغيرات! والطرق اللي ما بها متغيرات، قياسها صحيح، فهيك أثبتوا صحة بعض! الآن نكمل في الشرح! 

قلت: هذا تلبيس إضافي، أدخله الأخ على المقطع لما شعر بأن المثال غير واضح. وهو تفلسف فاسد من نفس الوجه الذي ذكرنا. فما تسميه يا أخانا بالمتغيرات الخفية، لا انفكاك لها عن أي طريقة من تلك الطرق، وهي خفية على نحو يؤثر تأثيرا مباشرا على معقولية ومقبولية النتائج التي تنتجها تلك الأدوات كما مر. فالاحتمال الأول فاسد كما هو ظاهر (أنه لا توجد متغيرات)، والاحتمال الثالث فاسد أيضا، لأنه ليس عندك وسيلة ليس بها متغيرات خفية، حتى تكون موافقة الوسائل التي فيها المتغيرات الخفية لنتائجها، دليلا على صحة الفروض المعتمدة في شأن تلك المتغيرات! الجميع سواء كما مر! فرض في فرض وتكهن في تكهن، ودوران في دوران! فقولك في الاحتمال إننا لو قدرنا أن جميع الطرق فيها متغيرات خفية، فمن غير المتصور أن يكون توافقها كلها في كل مرة، مع ذلك، من قبيل الصدفة، هذه مكابرة، فنحن ما ادعينا أن التواطؤ من قبيل الصدفة! بل هو تواطؤ متكلف مصنوع اصطناعا، في فرض نفس المسلمات التي يجري عليها استعمال كل آلة عند استعمالها!    

يتبع ........

أبو الفداء ابن مسعود

غفر الله له.

إرسال تعليق