الحمد لله وحده،
راسلني أحد المتابعين برسالة، رأيت أن من الموعظة أن أنقلها إليكم كما هي، لعلها توقظ قلوبا قد استدرجها بهرج الفلسفة إلى غفلة تورد صاحبها المهالك، نسأل الله السلامة.
هذا نص الرسالة، أسأل الله أن يهدي صاحبها وأن يلهمه رشده وأن يشفي قلبه وأن يبصره بحقيقة تلك الصنعة اليونانية الخبيثة التي كانت ولم تزل تفسد على العقلاء عقولهم وعلى المؤمنين قلوبهم، سلمنا الله وإياكم والمسلمين، يقول:
الأمر عندي عظيم لا أعرف كيف أبدا أو كيف أقوي علي ذلك لكن أخي الأمر بدأ عندي بشك بسيط ولم يكن في نفسي أي شهوة غير دفعه. بحثت عما يدفع عني ذلك الضرر ووجدت من كتب المعاصرين ومنشوراتهم من مثل "براهين وجود الله" و"فمن خلق الله " ووجدت ثناء منهم عل مسلك هؤلاء التومايين والنصح منهم مثل ويليام كريغ ومن غيره فبدات أنظر في أمر هؤلاء الفلاسفة التوماووين، وأدلتهم وكتبهم، مثل جو رامسن الذي استضافه محمد حجاب مؤخرا ليعرض للناس ما يعرف بcontingency argument و ألكسندر بروس و براين دفيدز وغيرهم.
لم أجد في هؤلاء غير كل ضلالة! هؤلاء ينشرون ويرد عليهم الملحدون على أدلتهم في كتبهم تحت اسم فلسفه الدين أو فلسفه الكفر مثل اوبي و موريستون وماكي غيرهم! يشككون في كل شيء حتي في بديهات مثل امتناع تسلسل الفاعلين، يقدمون البراهين الرياضية والمعضلات والأبحاث الطويلة عل جواز ذلك! صرت مثل الهيام أبحث في كتب الرياضيات التي لا أفهمها حتي عن الregress وهل هو فعلا جائز ونحن علي خطئ؟؟
لم أجد أي ضالتي غير مزيد من الشك والشك والضلال! هذا يكتب وهذا يرد ويكأن الأمر عندهم هين! ومئات المناظرات عل اليوتيوب عل كل دليل بل عل كل مقدمة من الثلاث مقدمات!!
حين رفضت كل الأدلة المشهورة حينها وقررت أن يكون إيماني المرء بداهة من غير كل ذلك، وجدتهم يصيغون ذلك بالمذاهب الفلسفية عندهم مثل الfedism كأنه بدون دليل وغيره، وإيمان بالبديهيات ما يعرف بالتأسيسية! وكل منهم نفس ذات المتاهة ردود وأدلة!!
والله العظيم تعبت من كل حاجه!! شهرين تركت دراستي والامتحانات وكل شيء!!
ما افتقد غير تلك اللذة التي كنت اتضرع بها الي الله قبيل الفجر كانت عندي بكل الدنيا وما فيها!!
كانت لتنجيني من كل هذا العناء!!
لا أريد أن أعيش طوال حياتي لأبحث هل الله موجود أم!!
لا أريد أن أعبده وأصلي له حياتي مثل ميت لا يعرف من أمره غير إذا مات على أمره سوى العذاب!!
هل يلزم مني كل ذلك العناء للوصول إلي الله؟؟؟
لو كنت أعلم بأمري، هذا لدعوت بدعاء مريم " يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا "!!
انتهت الرسالة!
قلت: فأي "برهان عقلي" هذا الذي يقدم لمثل هذا، على طريقة المتكلمين، رجاء أن ينقذه مما انتهى إليه؟؟ هذه يا عباد الله هي ثمرة صنعة السفسطة الأكاديمية التي يقال لها الفلسفة! فإنه ليس فيها شيء مهما حكم العاقل ببداهته وفطريته، إلا اضطروه اضطرارا لأن يبرهن عليه ببرهان نظري يصيره مجرد رأي يقبل الأخذ والرد، ويتنازعه الناس على مذاهب ومدارس يجب احترامها جميعا على السواء! فمن جعل من تلك الصنعة نفسها طريقا لاستنقاذ المسلمين من مداخل الشك، فقد جنى عليهم والله أعظم ما تكون الجناية! الفلاسفة قوم صناعتهم الشك، وبضاعتهم التسلسل في النظر والاستدلال! يقتاتون على تصيير جميع الدعاوى المعرفية والاعتقادية قضايا نظرية جدلية لا تعرف إلا من طريق البرهان النظري، رجاء أن يجلس الواحد منهم نفسه مجلس الرياسة والسيادة على عقول الخلق وعلومهم، يقول للناس: لن تعقلوا شيئا أصلا حتى تتبعوني! حتى اعتقاد الواحد منا أنه يعرف أن العالم من حوله موجود حقيقة، وأنه يعرف ذلك بداهة دون اضطرار إلى قياس أو نظر، يطالبونه بتقديم البرهان النظري عليه!! فإن لم يفعل، عدوه من جملة المقلدين في المعرفة والاعتقاد!! وإذن فلا خروج له من التقليد، إلا بأن "يقلد" فلانا الفيلسوف على مذهبه وطريقته!! ويا لله العجب!!
فمن تابع القوم وتشوف لبضاعتهم، وهو يرى أن فيها برهان العقل وحجته وكذا، فلن يكسب منها إلا قسوة في القلب، توصل إلى مواته بالكلية، نسأل الله السلامة!
ولهذا نقول: لا مجال للتساهل مع الفلسفة والفلاسفة، ولا مع من يتساهل معهم، لمن كان صادقا في طلب السلامة والنجاة لشباب المسلمين!! لابد من الحسم والحزم، ومن صرامة لا تلين، مع كل من فتح تلك الأبواب الملعونة على المسلمين بدعوى أنه طريق الوقاية من الإلحاد! لابد من بيان فساد الطريقة الفلسفية من مبدئها وأصلها، ولابد من معالجة الهوى الباعث على تتبعها عند الشباب، لمن أراد صيانتهم من الإلحاد، خلافا لطريقة المتكلمين ومن تشبع بها! نسأل الله الهداية لكل مفتون، وأن يقي المسلمين شرور شياطين الإنس الذين يتفننون في تزيين الباطل بكل زخرف وبكل بهرج، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أبو الفداء
