الحمد لله وحده، القائل في كتابه: ((وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [الزمر : 67]، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الطاهرين وصحبه النبلاء الميامين، أما بعد، فلا يجوز أن يقال إننا معاشر المسلمين نقبل أو نسلم بحصول ما يسمونه "بالتطور الصغروي" Micro-evolution دون الكبروي Macro-evolution، بل إننا نرفض مفهوم "التطور" نفسه من حيث المبدأ، فنقول إن الله تعالى لم يبدأ الخلق بأنواع منحطة متخلفة عما يلزم أن تكون عليه من أجل أن تبقى وتتكاثر وتنتشر، ثم أخذ يطور فيها خطوة بعد خطوة! وإنما هو تغير وتحول وتحور يقدره رب العالمين في بعض صفات النوع المتلائم تمام التلاؤم مع البيئة التي خلق من أجل أن يعيش فيها، لأجل أن يظل ملائما لها (على ما يقضيه فيها هي نفسها من تغيرات لحكم وغايات ف يعلمه)، ويظل ملائما كذلك للغايات التي خلق النوع نفسه من أجلها، علمنا منها ما علمنا وجهلنا ما جهلنا. هذا ما يليق أن يقال في خلق رب العالمين وفي تلك الآية البديعة في خلقه جل شأنه، فهو كمال سابق في التدبير والتقدير، يعقبه كمال لاحق في نفس الأمر، بحيث لو قدرنا أن لم يقع منه ذلك التغيير والتحوير، لتخلف المخلوق عن حد الكمال في الخلق والتدبير الإلهيين، وليس أنه يكون تحولا من نقص وانحطاط في الخلق إلى ما هو أحسن وأكمل، كما يصوره هؤلاء، وكما هو مقتضى تسميته "بالتطور" Evolution!
فمثلا، فايروس كورونا المستجد SARS-COV-2 الذي ابتلانا رب العالمين به في زماننا هذا، لا يقال في المتحورات التي ظهرت له في الشهور الماضية إنها "تطور صغروي"، على أساس أن المتحور الجديد فيه من سرعة الانتشار وشدة العدوى ما لم يكن في الأصل الذي تحور عنه، وهو ما يجعله أقدر على البقاء من سلفه! هذا ليس تطورا على المعنى الدارويني، وإنما هو تحول وتغير بتدبير رب العالمين سبحانه، من حال كان فيها الفيروس على صفة معينة ملائمة للبيئة التي ينتشر فيها، إلى حال أخرى صار فيها ملائما للبيئة نفسها كذلك، ولكن مع أسباب جديدة لمزيد من الابتلاء بانتشاره بين الناس، لا أنه كان قبل التحور نوعا منحطا متخلفا عن القيام بوظيفته البيولوجية، ثم صار بعد التحور أقوم بها و"أكثر تطورا" More Evolved! لسنا نتكلم ها هنا عن إصدار ثان فيه تعديل على أخطاء كانت في الإصدار الأول، كما يكون في صناعات البشر، سبحان الله وتعالى علوا كبيرا! المخلوق الذي يتحور، يكون قبل التحور قائما بما خلق من أجله على أكمل ما يكون، ثم يصبح كذلك بعد التحور ولا فرق! هذه صنعة العلم الخبير، الذي أحسن كل شيء خلقه سبحانه، فاعرفوا لربكم قدره!
وإن كان الفيروس في الحقيقة لا يصنف على أنه كائن حي أو نوع حي Living Species، وهذا من الأخطاء الشائعة بين الناس، وإنما هو مركب كيميائي على هيئة الشفرة الوراثية، بحيث إن دخل إلى الخلية، غير في صفاتها واستعان بآلياتها الجزيئية في التكاثر والانتشار من خلال تناسخ الخلايا نفسها، وإلا فبدون الخلية الحية فإنه يبقى مادة ميتة لا حياة فيها! وإنما ضربنا به المثل هنا لأن آليات العمل البيولوجي للفيروس في الخلية الحية هي نفسها آليات عمل المادة الوراثية في الخلية، وهي تلك الآليات التي يخضعها الدراونة – مبدئيا - لدعوى التطور من طريق الانتخاب الطبيعي والطفرة العشوائية! فكلما ظهرت نسخة جديدة لشفرة الفيروس، قالوا هو "تطور" Evolution بالطفرة العشوائية، لأجل أن تنتخب الطبيعة المتحور الجديد للبقاء، وهذا المعنى باطل كما بينا، والله المستعان.
إن الأمر الذي يتعامى عنه الدراونة عمدا، هو حقيقة ذلك التوافق المذهل بين ما يجري في البيئة من تغيرات وما يجري في الحشوة الحية من تحورات ملائمة لها. التغير عشوائي محض، فإما أن يتفق له أن يوافق قوانين الطبيعة فيبقى، وإما ألا يوافق فيهلك، دون أن يكون لكلا النظامين معا (البيئة الفيزيائية والحشوة الحية) من يقوم بتغييرهما وضبطهما معا على غايات عليا لديه! مع أنه من الواضح بداهة لكل عاقل أنه لو كان الأمر تغيرا عشوائيا لا غاية تحته ولا تدبير ولا علم من ورائه بما يوافق وما يلائم وما يحصل به المقصود، وعلى أدق ما يكون من مقدار للصفة في الموصوف بها بحيث لو كان على خلاف ذلك لانهار النظام بكليته، هذا التوازن المطرد التام Absolute Equilibrium بين الأنواع الحية وبين البيئة (على ما يقع فيها من انقراض الأنواع أحيانا)، وبين نسب ومعدلات التكاثر من جانب ونسب ومعدلات الهلاك في جميع الأنواع من الجانب الآخر، هو من أعظم الآيات على بطلان الأصل الفلسفي الكلي الذي تقوم عليه فكرة الانتخاب الطبيعي وفكرة الطفرة العشوائية في النظرية، على ما فيهما من مناقضة للبداهة والفطرة! فمهما انقرضت أنواع وفنيت، فالميزان باق لا يختل، وتظل الابتلاءات محلية محدودة مهما اتسعت، ولا تأثير لها على مبدأ الحياة على الأرض في جملته، ولا على اتصال سلاسل الطعام Food Chains على الأرض، وهو ما يناقض التصور الدارويني العشوائي المحض، الذي لا تبقى فيه الأنواع إذا بقيت إلا لمجرد أن اتفق لها اتفاقا أن تلاءمت مع بيئتها فانتخبتها الطبيعة، وأهلكت ما لم يتلاءم! ليس في الأمر انتخاب أصلا، وكأن القانون الطبيعي سيف مسلط على رقاب الأنواع كلها، فيتفق لبعضها اتفاقا أن تسلم منه إن سلمت! وإنما ينقرض ما ينقرض من الأنواع الحية لأسباب تطرأ على جملة أفراد النوع، يقضي رب العالمين بها في حكمته وعلمه أن تتجاوز نسبة الهلاك في نوع ما، معدل التكاثر، في حدود منضبطة وبمقدار دقيق، فينقرض النوع بذلك، دون أن يختل الميزان وتفسد الأرض على بني آدم! فتأمل أي تنقص جاءت به تلك النظرية من رب العالمين وعلمه وحكمته، بمجرد أن قالت إن الأنواع نشأت "بالتطور" من بعضها البعض، وقل الحمد لله على نعمة الإسلام والسنة.
أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له
