أما بعد فهذه رسالة جاءتني من أحد الإخوة المتابعين للقناة وفقه الله، قال فيها:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أردت أن أنبهكم إلى أمر مهم.
إن ظاهر كلام ابن تيمية في كتاب النبوات هو القول بقدم نوع المادة.
و معلوم أنه يقول بحدوث العالم و قدم نوعه. و بهذا يتبين أنه لا منافاة عنده بين حدوث العالم و كونه مخلوقا من عالم آخر، من مادة قبل مادة لا إلى أول.
و سبب انتفاء التعارض هو أن المادة هي ما منه يخلق الشيء بعد أن لم يكن شيئا، ليست المادة باقية في الإنسان و النبات و غيره. بل الله دائما يخرج شيئا من شيء، فهو "دائما يحدث ما يحدثه و يكونه و يفني ما يفنيه و يعدمه".
و هذا شرحه ابن
تيمية في معرض رده على أقوال الفلاسفة القائلين بتركب الأجسام التي نشاهدها من مادة و صورة، و على أقوال المتكلمين القائلين بالجوهر الفرد الذي لا يستحيل و يخلق من لا شيء. فبين ابن تيمية رحمه الله أننا لم نشهد شيئا قط خلق من لا شيء و إنما شهدنا حدوث الأشياء بعد عدمها من غيرها.
فلا يجوز أن يستدل بمثل هذا الحدوث الذي هو لا من مادة على الخالق سبحانه.
سبب كتابتي هذه الرسالة هو أنني استشعرت أنك أيها الأخ الفاضل تثبت أن خلق هذا العالم هو أمر لا نظير له في ما نشاهده، و هذا لا يلزم و الله أعلم.
بل أي شيء اعتبرته من الشجر و الإنسان و الأرض و الكواكب فهو حادث من شيء آخر فني و تلاشى و لم يعد له وجود، و على هذا يكون مجموع هذه المعينات (الذي هو العالم) حادثا من مادة. لا يكون حادثا من لا شيء، بل يكون مخلوقا من مادة لم يعد لها وجود هي نفسها مخلوقة من مادة بعد مادة.
و لهذا فالدليل الحسي على الله عند ابن تيمية هو استحالة الشيء إلى شيء آخر، ليس هو خلق الشيء من لا شيء. الدليل عنده هو في الآيات المشاهدة من الإنسان و الشجر، فإنها لم يكن لها وجود ثم خلقت من الأرض. هذا معنى قول الله عز و جل ((أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون)).
و هذه هي الفطرة. الفطرة هي مشاهدة حدوث هذا العالم في حدوث أجزائه من أجزاء أخر.
كما يقول ابن تيمية (بتصرف) من لم يشهد أن الله خلقه كله من المني جواهره و أعراضه لم يشهد أن الله خلقه.
فهذه مسألة مهمة أرجو الانتباه إليها.
و قد أرفقت تقريرا ملخصا يبين فساد قول من يقول بأن المادة تتركب ولا تستحيل أو تفنى و أنها باقية في المركبات. فإن هذا الاعتقاد السائد مذهب فلسفي لا دليل عليه و هو مخالف للفطرة و العقل.
======================
انتهت رسالة الأخ
وقد أرسلت إليه هذا الجواب (أنقله هاهنا بتصرف وزيادة):
======================
عليكم السلام ورحمة الله وبركاته
قولك، بارك الله فيك، بأن ظاهر كلام شيخ الإسلام القول بقدم نوع المادة لا نسلم لك به. ذلك أنك لم توقفنا على حد جامع مانع لما أردته عند إطلاقك لفظة "مادة"، ولا تصح نسبة الشيخ رحمه الله إلى قول يعتريه هذا الإجمال الظاهر.
قولك: "و معلوم أنه يقول بحدوث العالم و قدم نوعه. و بهذا يتبين أنه لا منافاة عنده بين حدوث العالم و كونه مخلوقا من عالم آخر، من مادة قبل مادة لا إلى أول."
قلت: لا تعارض عند أحد من العقلاء بين كون الشيء حادثا وكونه مخلوقا من شيء ما كان قبله، وهذا لا أحسب أن في كلامي ما يخالفه. كيف ونحن المسلمين نؤمن بأن الله تعالى خلق السماوات والأرض وما بينهما من الماء، ولم يزل يخلق كل واحد منا من ماء أبيه، ولا نرى شيئا يخلق في هذا العالم أصلا إلا بالتحويل من مخلوق متقدم عليه؟ لا تعارض على الإطلاق. أما أن الشيخ رحمه الله قال - أو يفهم من كلامه ما معناه - إنه لم تزل المادة تخلق من مادة متقدمة عليها لا إلى أول، فهذا لا أعلم أنه صرح به في شيء مما كتب رحمه الله تعالى، ولا قال بما يقتضيه!
ألا ترى أنك إن قلت إنه لم يزل من الأزل توجد مادة في الوجود مع الله تعالى، بحيث إذا أراد أن يحدث خلقا جديدا، خلقه بالتحويل مما كانت عليه تلك المادة قبل ذلك، فإنك بهذا تثبت لذلك الشيء الذي تسميه بالمادة (أيا ما كان) وجودا أزليا، بما يوقعك في تسلسل العلل الذي اتهم المتكلمون به الشيخ رحمه الله ظلما وعدوانا؟
نحن نقول إن ما نعرفه في هذا العالم المحسوس من سنة إلهية في الخلق بالاستحالة من شيء إلى شيء، هو مما يجري عليه الخلق الإلهي في عالمنا هذا. ولا نعلم مخلوقا قد شهدناه في عادتنا إلا هو مخلوق بالاستحالة كما هو ظاهر. فهو من حيث الجواز العقلي جائز قطعا، ومن حيث الوقوع فهو واقع تحقيقا. أما أن نحكم بأنه سبحانه ما خلق شيئا قط في الماضي إلا كان خلقه إياه بالاستحالة لا محالة، فهذا تحكم باطل يقتضي الزعم بموجود قديم مع الله لم يزل يحوله من حالة إلى حالة، يخلق منه الشيء بعد الشيء، من غير أن يكون لذلك الموجود نفسه بداية في الماضي! ثم إن العقل يجيز ولا شك أن يكون لله مخلوق لم يخلق بالاستحالة من مخلوق غيره، وإنما أحدثه سبحانه بكلمة التكوين من لا شيء، فبأي دليل يُحكم بعدم وقوع ذلك، إلا أن يكون القياس على ما في الشاهد من أنواع المخلوقات (وهو ذلك القياس في الغيبيات الذي نمنعه ولا نقبله)؟!
فإن قلت إننا نجوِّز أن يكون نوع المخلوق بالاستحالة قديما، فهذا هو غاية ما يسعنا تحقيقا، أن نثبت جواز ذلك، أي جواز ألا يكون لله مخلوق بالاستحالة يصح أن يقال إنه أول ما خلقه الله بالتحويل من حال إلى حال، بل كان قبله في الماضي مخلوق قد خلق كذلك بالاستحالة من شيء آخر، وهكذا لا إلى أول! أما أن نقول إن الله تعالى لا يخلق شيئا إلا بالاستحالة، لا يخلق شيئا إلا من شيء قبله، ولم يزل هذا هو خلقه ما يخلق من الأزل، يحول العالم إلى عالم آخر بلا أول، فهذا يقتضي القول بشيء قديم مع الله تعالى عند التدبر، لم يزل يخلق منه العالم بعد العالم، ولا يغني عنا شيئا أن نسميه بالقدم النوعي للمادة، بل هو قدم عيني لشيء ما، لم تزل تخلق منه الأشياء ثم تفنى، فتدبر!
أي أننا لا نثبت الوقوع لقدم نوع المخلوقات بالاستحالة، فهذا أمر غيبي لا نجد فيه أثرا من السمع. الله أعلم هل كان هذا العالم هو أول عالم خلق الله فيه شيئا بالتحويل من شيء آخر متقدم عليه، أم كان له في الماضي قبل عالمنا هذا مخلوقات أخرى وعوالم أخرى خلقها من شيء مخلوق متقدم عليها. فلا يمتنع أن يكون سبحانه قد خلق عالما ما قبل عالمنا هذا في الماضي السحيق، وأنه كانت تُخلق فيه المخلوقات بالاستحالة كما نراه في عالمنا هذا، ثم أفناه سبحانه كلية ولم يُبق منه شيئا البتة، ثم خلق العرش والماء الذي منه خلق عالمنا هذا. فلم يكن خلق عالمنا هذا نفسه ولا الماء الذي خلق منه، بالاستحالة من ذلك العالم المتقدم عليه! ونقول كذلك إنه لا يمتنع أن يكون الماء نفسه مخلوقا من شيء متقدم عليه بالاستحالة. ولكننا لا نثبت ذلك ولا ننفيه، والله أعلم بما كان منه قبل خلقه عالمنا!
أما أن يقال بجواز أن يكون هذا العالم مخلوقا من عالم آخر كان قبله، وهو ما كان مخلوقا بدوره من غيره من قبله، فلا يزال الله يخلق بالتحويل من شيء مخلوق لا إلى أول، فهذا تجويز لأصل قديم لم تزل المخلوقات كلها تخلق منه بالاستحالة، طورا بعد طور، وهذا هو القول بتسلسل العلل، إذ يكون وجود كل عالم من العوالم إذن (أو كل طور من الأطوار) معللا بعالم مثله متقدم عليه قد خلق بالتحويل منه بلا أول، هذا من ذاك وذاك من غيره وغيره من غيره بلا أول! وهذا باطل لا نقول به، ولا ننسبه إلى شيخ الإسلام رحمه الله تعالى! وهو عينه مذهب الكوزمولوجيين الدهرية العصريين القائلين بزمان تخيلي Imaginary Time قبل الانفجار المزعوم، لم تزل المادة موجودة فيه ولكن على هيئة تتغير باطراد، كنظرية الكون المتقلب عندهم ثلا Oscillating Universe (أي المتقلب من انفجار إلى انسحاق إلى انفجار جديد بلا بداية ولا نهاية)! فعلى قولك هذا لا يكون هؤلاء قائلين بقدم العالم، مع أنهم يثبتون تسلسلا في الأسباب والعلل، إذ لا يقولون بحالة للمادة في الماضي إلا كانت قبلها حالة أخرى متقدمة عليها كانت سببا في وجودها!
فقولك "المادة هي ما منه يخلق الشيء بعد أن لم يكن شيئا،" يفتح عليك باب السؤال: فمن أي شيء خلقت تلك المادة نفسها بعد أن لم تكن شيئا؟ وهو ما يوقعنا في نفس التسلسل الذي قالت به الفلاسفة في إثباتهم قدم هذا العالم نفسه! فهم كانوا يقولون بما يشهده كل عاقل من نشأة الأشياء في هذا العالم (أو إن شئت: أجزاء هذا العالم) بالاستحالة من غيرها! ولكنهم مع ذلك قالوا إنه ما من شيء في هذا العالم حدث إلا كان حدوثه متعللا بحدوث غيره قبله لا إلى أول! واستحالة الحادث إلى حادث غيره، تعلل به ولا شك، فتأمل!
فنحن عندما نقول بالاستحالة التي نثبتها في مخلوقات هذا العالم، فلابد أننا نثبت شيئا وجوديا خلقه الله في أول الأمر على صورة ما، ثم أفناه بتحويله إلى غيره، ثم أفنى هذا المخلوق الجديد وحوله إلى غيره، وهكذا إلى قيام الساعة. فنحن إذا متنا، فإن من مادة أجسامنا ما تمتصه الأرض، ومنه ما تتغذى عليه الديدان والحشرات والقوارض، ومنه ما يتبخر في الهواء، وكل ذلك مما يخلق الله به مخلوقات أخرى من بعدنا هو وحده أعلم بها. هذه الأشياء نفسها التي ينحل إليها جسد الواحد منا بعد موته، إنما صارت إلينا بالتحول من مخلوقات أخرى، ثم إن لها من بعدنا انحلالها واستحالتها هي الأخرى، وهكذا، دون الوصول في التحلل والتجزؤ إلى جوهر فرد لا يستحيل ولا يتغير، وإنما كانت ولم تزل موجودات هذا العالم تستحيل المخلوقات فيه منها خلقا بعد خلق ما دام موجودا! وهذا ما أراد الشيخ رحمه الله أن ينتهي إليه من تقريره مسألة الاستحالة هذه، أننا لا نعلم في عادتنا شيئا يخلقه الله إلا بالاستحالة من شيء غيره، فعلى أي أساس يثبت المتكلمون ذلك الجوهر المزعوم، وهم لا يجدون له مستندا في العقل ولا نظيرا في الحس والعادة؟! أما أن يقال إنه أراد أن الله تعالى لا يخلق إذا خلق إلا بالاستحالة، فهذا لم يقل به الشيخ رحمه الله فيما أعلم، ولا عرض به ولا قال بما يقتضيه البتة!
فقولك "فلا يجوز أن يستدل بمثل هذا الحدوث الذي هو لا من مادة على الخالق سبحانه." قلت: إن كنت تقصد أنه لا يجوز من حيث خلو العادة من حدوثٍ لا من مادة أو من لا شيء، فنعم صدقت! فأنت إذا نصبت ما جرى عليه الحس والعادة آية على وجود الباري، فلا نجد في الحس والعادة إلا الخلق بالاستحالة. وأما إن كنت تمنع ذلك الاستدلال (أي الاستدلال بما سميته "حدوثا لا من مادة") لامتناع حدوث حادث من غير مادة أو خلق من غير استحالة، امتناعا عقليا، فهذا لا نقرك عليه ولا نقبله. أما قوله تعالى ((أم خلقوا من غير شيء)) فليس المراد منه الاستحالة في خلق، بل المراد "أم خلقوا من غير خالق" كما عليه مفسرو السلف قولا واحدا.
وأما قولك: "سبب كتابتي هذه الرسالة هو أنني استشعرت أنك أيها الأخ الفاضل تثبت أن خلق هذا العالم هو أمر لا نظير له في ما نشاهده، و هذا لا يلزم و الله أعلم." قلت أما من حيث كون هذا العالم قد خلق بالاستحالة، فهذا أثبته ولا أنفيه كما تقدم، وبه جاءت السنة، فليس هو موضوع قولي بعدم التناظر أو مرادي به، بارك الله فيك! وإنما المقصود أننا ما رأينا في حياتنا قط عالما يخلق، سواء كان خلقه من عالم متقدم عليه أم من العدم المحض! وليس لنا أن نزعم أن هذا العالم قد خلق بالاستحالة تحت تأثير ثلة من قوانين الطبيعة المعروفة حاليا (كما هو قول الكوزمولوجيين)، لأن نظام هذا العالم إنما حدث بحدوثه هو نفسه، وبتركيب الله تعالى ما ركبه فيه من طبائع الأشياء وأجراه عليه من السنن السببية، بأمره وخلقه جل شأنه! وإذن فليس لمسلم أن يقول إن الانفجار الكبير قد وقع تحقيقا، لأنه لا يملك طريقا من القياس يجيز له القول به أصلا، دع عنك أنه يخالف ما جاء صريحا في الكتاب والسنة. كما أنه ليس للمسلم أن يقول إن فيه (أي في أنموذج الانفجار المزعوم) ما يحرج الملاحدة الدهرية ويلزمهم بالعدول عن القول بقدم العالم، لأن حقيقته عندهم إنما هي القول بتسلسل الأسباب الطبيعية كما بينا، وليس القول بقدم هذه الهيئة الحالية التي نعرفها لهذا العالم، والله أعلى وأعلم!
أرجو أن تقرأ ما سطرته لك بتدبر وطول روية، وأن يكون فيه ما يرتفع به الالتباس وتندفع به الشبهة، وفقني الله وإياك لما يحب ويرضى.
كتبه
أبو الفداء حسام بن مسعود
غفر الله له ولوالديه والمسلمين
