الحمد لله وحده، أما بعد، فما توقعت وقوعه في التعليقات على منشوري الأخير في مسألة السلفية المدجنة، كان كما توقعت، والله المستعان! جاءني من يتهمني بأني "مدجن" من الأشعرية!
قال أحد أولئك النوكى السفهاء: "كلامك جله تناقض وهذيان وسفسطة. فانت مدجن من الأشعرية شئت أم أبيت. كل هذي التسميات: مدخلي جامي سروري حدادي مدجن …الخ مصطلحات محدثة لم تظهر الا في آخر ٤٠ سنة."
قلت: هذا الأحمق الأنوك، والله ما يقدر على أن يدفع شبهات الأشاعرة بمعشار ما من الله تعالى علينا بنشره على هذه القناة، ولعله لا يفهم أكثر ما حررناه في ذلك، وهم يعلمون ذلك ولا يخفى عليهم، ومع هذا، يرميني بأن الأشاعرة قد دجنوني! لماذا؟ لأننا لا نقبل الحكم بتكفيرهم بمجرد ثبوت النسبة إليهم وإلى علمائهم بوجه ما، كما هو مذهبهم! أنا الآن ممن دجنهم الأشاعرة شئت أم أبيت! هكذا قال، فما أقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل، وعند الله تجتمع الخصوم! يقول كل هذه التسميات مصطلحات محدثة!! كل كلامي سفسطة وهذيان، لأن المصطلحات كلها محدثة! الله أكبر!! هذا طالب علم؟؟ هذا كلام من شم رائحة العلم؟؟ من هؤلاء ومن مشايخهم ومن أي حمأة خرجوا علينا؟؟ إنا لله وإنا إليه راجعون!! يا أحمق، لا عيب في كون الأسماء حادثة عند من يستعملها، وإلا فهل علم النبي عليه السلام أصحابه فقال لهم أنتم "أهل السنة" أو أنتم "السلفيون"، مثلا، حتى يصبح مجرد حدوث الاسم الشرعي بدعة ترد على صاحبها؟؟
يقول: "وانتم يا الطائفة المدجنة لم تظهروا الا في اخر ٤٠ سنة".
قلت نفس شبهة الحزبية الذين تشربوا هم بكثير من أفكارهم من حيث لا يشعرون، ومنهم محمد شمس الدين المردود عليه في المقال، ومع هذا يرمي علماءنا بأنهم تأثروا بالحركيين!! فسبحان الله!! يقول: "والا في تاريخ المسلمين وجدت احد يضلل لشخص على نفس عقيدته لأنه انتقد احد مخالف لهم في العقيدة وواقع في ضلالات كفرية! هذا لم يحصل الا في هذا العصر."!!
فأقول: أي شيء هذا الذي لم يحصل إلا في هذا العصر؟؟ يا هذا أنت من جهلك لا تدري أصلا كيف تحرر اعتراضك على طريقة أهل العلم في التقرير! لست أراكم على نفس عقيدتي ابتداء، ولا ضللتكم لأنكم "انتقدتم" الأشاعرة، بهذا الإطلاق!! ليس فيكم من نقد الأشاعرة بمعشار ما نقدناهم به بفضل الله وقوته، فكافكم بقبقة في مسألة نقد الأشاعرة هذه، فكل من يتابع هذه القناة بفضل الله ومنته يعلم موقفنا منهم وما نحن ماضون فيه من بيان أصول بدعتهم وضلالهم! لكن الذي لا يضبط طريقة أهل السنة في التفريق بين كفر القول وكفر القائل، هذا ليس على عقيدتي أصلا، وإنما هو زائغ يحتاج إلى أن يرجع للعلماء ليعلموه العقيدة ويعلموه باب الأسماء والأحكام كما تعلموه من قبل، وكما لم تزل قرون أهل العلم تتوارث تلك الصنعة المباركة كابرا عن كابر!
ثم كيف تراني على نفس عقيدتك، وأنت ترميني بأن الأشاعرة قد "دجنوني"؟؟ وهل المدجن هذا إلا من أهل الأهواء الذين طمست الأهواء على قلوبهم وعقولهم حتى صاروا يمتنعون عن قول الحق في طائفة من الفرق الضالة، طمعا في شيء عندهم؟؟ ما معنى مدجنة إلا أن يكون الموصوف به معدودا من أهل الأهواء؟؟ سبحان الله!
يقول تأسيسا على ما سبق (وهو لا يدري أصلا كيف يبني ولا كيف يؤسس): "وثم تلزمنا بكلام هؤلاء الذين عاشوا في آخر أربعين سنة وتترك اهل العلم على مدار اكثر من الف سنة ! فانتم ناس جدد ليس لكم سلف في اقاويلكم الباطلة."
قلت يا خفيف العقل ليست دعوانا في هذا المقال ونحوه أن اتركوا أهل العلم على مدار أكثر من ألف سنة! وإنما دعوانا أن الزموا ما تحرر وتحصل لدى ورثة تلك الطريقة المباركة عبر الألف سنة!! وهو ما يكون لكم إن هداكم الله لمعرفة أعلام هذا المنهج المبارك في هذا الزمان، والتتلمذ على أيديهم حتى تعرفوا كيف يتعامل العلماء على تلك الطريقة السلفية المباركة مع آثار السلف ومع أمثال تلك المسائل العظيمة التي لا يجيزون للأصاغر أن يتخوضوا فيها أصلا!! أما أن يخرج حدث أخرق لا يدري كيف يتكلم بلغة العلماء، يقول أنا قرأت من كتب السلف ما لم يقف عليه علماؤكم الذين سميتموهم، وإذن فهم جهال لا يجوز رفعهم إلى منازل العلماء، ولا تلزمونا بكلامهم، فهذا والله حقه أن يؤدب على أيدي ولاة الأمر، وأن يمنع من الكلام في العلم أصلا!!
يقول: "وهؤلاء العلماء الذين تلزمنا بهم وهم متأثرين بطوائف الحركية ونقولاتهم الباطلة، فهم معذورين بذلك." قلت: تأمل البغي والسخف في اتهام علماء أهل السنة في هذا الزمان! كل العلماء الذين "عاشوا في آخر أربعين سنة" (على عبارته الركيكة) متأثرون بطوائف الحركية ونقولاتهم الباطلة!! الله أكبر! والله ما يستحق مثل هذا الكلام عناء الرد عليه، وإنما أردت أن أكشف للقراء خفة عقول هؤلاء ورقة دينهم! فهي طائفة تحرق الدم وتثير الأعصاب، مشحونة بالتعالم من أعلاهم إلى أدناهم، هداهم الله أو خلصنا من جهلهم!
التأثر بطوائف كذا وكذا ونقولاتهم، هذه مسألة تطلق على أهل الزمان كما ترى، جملة! الأربعين سنة كلها تأثرت بكذا وكذا!! ما شاء الله! وأنت يا صاحب الفضيلة، سلمت من هذا التأثير من أي طريق؟؟ من أين تلقيت ما به تسلم من ذلك؟؟ من علماء سابقين لهؤلاء، لقيتهم قبل الأربعين سنة الماضية فأخذت عنهم ما به تسلم من ذلك التأثير الذي عانى منه جميع علماء العصر؟؟ ركبت آلة الزمان مثلا؟؟ الله أكبر! هذه هي خفة عقل هؤلاء يا إخوان فانتبهوا! هم يزعمون أنهم أعلم بمنهج السلف، من ورثة السلف!! فمن أين ورثوا هم ما يزعمونه منهجا للسلف؟؟ إن سألتهم رأيتهم يتشدقون بأسماء كتب الأئمة الأولين! فهل كتب الأئمة الأولين هذه وصلت إلينا دون شرح شفهي وتعليق وبيان وتطبيق عملي يتوارثه المشايخ من تلامذتهم ثم تلامذتهم من بعدهم ثم من تبعهم باتصال وصولا إلى هذا العصر؟؟ إن كان هذا الاتصال على مذهبكم قد انقطع قبل أربعين سنة، فكيف وصل إليكم؟؟؟ يقفز أحدهم على كتب السلف استقلالا بعقله، ثم يقول: هؤلاء الذين يزعمون أنهم ورثة السلف، كلهم قاصرون عن فهم ما فهمته أنا استقلالا! والآثار عندي والكتب بين يدي أستدل بها كما أشاء!! فأي علم يكون قد حصل لهؤلاء تحقيقا إن لم يكن اتباعا لرؤوسهم وأهوائهم بدعوى اتباع السلف وكتب السلف؟؟
قليل من العقل يا سفهاء الأحلام، فالعقل هو مناط التكليف!!
ولا أملك والله إلا أن أضحك من قوله إن علماء الأربعين سنة الماضية متأثرون بالحركيين! يا هذا، الحركيون هؤلاء ما كشفهم ولا بين ضلالهم وجهلهم إلا علماء الأربعين سنة الماضية، رحم الله ميتهم وحفظ من كان حيا!! ولولا ما من الله على الأمة به من جهودهم في ذلك لكنت أنت اليوم، ومن كانوا على مثل حالك في مرض القلب، تلبسون حزاما ناسفا في بلد من بلاد المسلمين، تنتظرون الأمر بالتفجير!! وهل سمونا بالمداخلة والجامية إلا لأننا كنا أكثر أهل السنة اشتغالا بكشف باطلهم وفساد أصول أئمتهم؟؟ سبحان الله!
يقول: "والا فانت ترد اجماعات السلف في الطعن في ابي حنفية وتتركه بحجة انهم لا يفهمون"
قلت كذاب ورب الكعبة! أنا ما رددت إجماعات السلف أبدا، ولا قلت إنهم لا يفهمون! معاذ الله! أنتم من لا يفهمون وليس السلف! إنما قلت إن نقل الجرح (وإن كان إجماعا) ونشره بين الناس، كالجرح، مداره على المصلحة الشرعية وينصب فيه ميزان علمي للمفاسد أنتم لا تعقلونه لأنكم ما تعلمتموه أصلا! أصلان كليان في الباب لا يدركهما هؤلاء، ولا يريدون أن يدركوهما، مع أن عليهما مدار الجرح والتعديل كله من أوله لآخره: أصل اقتراف أدنى المفسدتين، وأصل تتبع جميع القرائن ودلائل الحال التي قد تتغير في الحكم على رجل معين بمرور الزمان! فأما الأصل الأول، فنقول سلمنا بأن أبا حنيفة مات زنديقا مرتدا، فما المصلحة الشرعية المترتبة على نشر هذا الحكم في حقه اليوم يا عقلاء؟؟ هل هو داعية نشط يدعو للإرجاء والجهمية بين الناس فيخشى عليهم من التأثر به والتلقي عنه؟؟ أبدا! طيب هل في كتبه وتراثه المنشور ما يخشى من أن يكون له ذاك الأثر على دين الناس اليوم؟؟ أبدا! هل يتلقى المسلمون عنه العلم بما لأجله جرحه السلف؟ أبدا!! فبالله ما مسوغكم الشرعي لإظهار هذه المسألة ولجعلها من معاقد الولاء والبراء على هذا النحو، وقد صار الرجل رأسا لمذهب فقهي معتبر، يتدين به المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها؟؟ الذي يلزمنا بالطعن على السلف ورد إجماعهم لأننا نخالفه في مسألة نشر جرحهم في أبي حنيفة هذا والله ما يدري ما محل النزاع بيننا وبينه أصلا، حتى يدعي أننا به نخالف الإجماع!! وهذا ما جناه هؤلاء الأقزام الذين تطاولوا على أكابر الأمة في هذا الزمان! عاملهم ربهم بنقيض قصدهم! أرادوا أن يقولوا نحن أعلم من هؤلاء العلماء كافة، وقد قرأنا كذا وكذا مما لم يقرؤوا، فأخزاهم الله بجهالات لا يقع فيها مبتدئ في طلب العلم! وأما الأصل الثاني، فقلنا ما حاصله أن إجماع السلف على جرح رجل ما، إن ثبت، فليس نصا معصوما بالشهادة عليه بأنه لم يمت بالضرورة إلا وفيه ما جُرح به! فالناس تتغير أحوالهم، وقد يتراجعون، وقد يأتوا بعد ذلك بأعمال توجب لهم مغفرة من رب العالمين سبحانه وإن لم تثبت توبتهم، فيوضع لهم القبول بين المسلمين، ولا يذكروهم إذا ذكروهم إلا بالخير، في قرون لاحقة للقرن الذي عاشوا فيه! ولا يقال في ذلك إنه إن ثبت فوجب أن ينقل إلينا تراجع السلف عن موقفهم في حقه لقيام الداعي إلى ذلك! هذا ما لأجله قلنا إن السلف حكموا بما شهدوا وما وصل إليهم، متحرين في ذلك متبينين بما يجب عليهم، رضي الله عنهم، وانتهت القضية عند ذلك! فإن كانوا لم يروا موجبا للإمساك عن الجرح، فقد ظهر في القرون التي تليهم في تلامذتهم الذين تلقوا منهم المنهج والطريقة في ذلك كله! فموضوع الإجماع هنا ليس حكما شرعيا أو وضعيا أو تقريرا لحكم قول ما، وإنما هو إجماع على استحقاق رجل للذم! هكذا وجدوه حين حكموا عليه، فقالوا بما انتهى إليه علمهم! فإذا قلنا، من باب الفرض العقلي، لعل الرجل تاب بعد ذلك، وقضى الله له أمر خير، ولكن لم تنتشر توبته كما انتشر الكلام الموجب للجرح، ومن ثم تحول أهل السنة إلى الثناء عليه بعد أن كانوا من قبل يذمونه، لم نكن بذلك متلبسين برد إجماع السلف كما يقول هذا الغوي الجاهل! فحجية الإجماع ينظر فيها إلى موضوعه، وهل هو مما يرد أن تتبدل فيه صورة المسألة فيما بعد فيتغير الحكم تبعا أم لا؟ لكن هؤلاء لم يتعلموا على أهل العلم ولم يتريضوا برياضة العلم، فظنوا أن المتأخرين لما أثنوا على أبي حنيفة، فإنهم بذلك تسقط سلفيتهم وتبطل نسبتهم إلى السلف لأنهم إذن ينقضون إجماع السلف! لا يا جهال لا يكون هذا نقضا للإجماع، وإنما يكون تغيرا في الحكم المجمع عليه، تبعا لتغير الصورة محل النظر! إذ الحكم فرع عن التصور كما هو معلوم! والحال أن أئمة القرون اللاحقة وقع لهم من قرائن الحال الدالة على أن الرجل قد تبدلت حاله قبل موته أو على أن الله قد غفر الله له، ما لم يظهر للأئمة الجارحين، فضربوا صفحا عن ذلك الجرح، مراعاة للمصلحة الشرعية أولا، كما ذكرنا في الأصل الأول، ثم مراعاة لدلالة المنزلة التي أنزلها الله إياها بعد موته ثانيا! فتغير صورة المسألة محل الإجماع القديم في مثل هذا ليس بممتنع ولا بالذي لا تتصوره العقول! وحتى على تقدير أن صورة المسألة لم تتغير، فمعلوم متقرر أن تغيير المنكر يحرم إن ترتب عليه منكر أكبر منه!! ولا يتصور أصلا في المسلمين اليوم أن يقبلوا النسبة إلى ذلك السلف الذين أجمعوا على تبديع الإمام أبي حنيفة، أول الأئمة الأربعة! فما المترتب على نشر هذه المسألة بين الناس اليوم فيما تطمعون يا عقلاء؟؟ أن يسلم الناس من الجهمية والزندقة ويصلح لهم دينهم أم العكس من ذلك؟؟ لا يهم ما يحل بالناس وما يترتب من الفتنة! المهم أن نظهر نحن أننا أشد تمسكا بكلام السلف من أولئك العلماء المنتسبين إليهم في الأربعين سنة الماضية!! فما نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل!
ولو أنكم درستم أصول الفقه وقواعد العلم أو صبرتم على تعلمها عند علماء الأمة، لعرفتم كيف تضبط تلك القضايا وبأي ميزان توزن!! ولكن أنتم علم السلف عندكم ليس إلا تلك الآثار المروية عنهم في الكتب التي انتهت إلينا من عصرهم، وحسب! وهذا من جهلكم وحماقتكم وضيق عطنكم لا من سعة اطلاعكم على علم السلف كما تتوهمون، هداكم الله!! فإن علم السلف ليس محصورا في تلك الآثار المروية عنهم، وإنما يشمل كذلك قواعد النظر والترجيح والفهم في الكتاب والسنة أولا ثم في تلك الآثار ثانيا! وهو علم قد قطعتم أنتم الطريق دون المسلمين من أجل تحصيله، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
تأمل إذ يقول الروبيضة هداه الله: "ترد كلامهم والواحد منهم اجل من الآلف من المعاصرين والمتأخرين مجتمعين. وثم لا تقبل ردنا لكلام هؤلاء المعاصرين"!! تناقض ووقاحة وسفاهة."
قلت بل أنت المتناقض السفيه، ولكن لا تشعر ولا تدري كيف تشعر!! فالمسألة ليست قول السلف في مقابل قول الخلف كما صورها لك جهلك وحماقتك! وإنما هي منهج السلف والخلف جميعا في مقابل فهمكم المنخرم لهذه المسألة وغيرها ولكلام السلف فيها!
يقول: "وثم اذا الزمك الخصم بكلام هؤلاء الأشعرية الذين تعظمهم تهربت من إلزامهم وقلت هؤلاء نشأوا في بيئة فاسدة وثم تسرد أعذارك. واذا نحن رددنا كلام المعاصرين واعذرانهم بحجج أولى وأوضح وابين من حججك المضحكة، أعترضت وقلت انت تجهلون معظميني وتسيؤن لهم وانت تعامل معظميك الاشعرية بنفس الكلام واذا رددنا كلام هؤلاء المعاصرين. تناقضت وغالطت!! وهذي إزدواجية واضحة منك."
قلت لا ازدواجية ولا تناقض ولا شيء إلا في وهمك وخيالك، أنت ومن تعلمت منهم تلك الطريقة الساقطة في التعامل مع الباب! أولا: لست "أعظم الأشعرية" بهذا الإطلاق كما تقول، فاتق الله في إطلاقاتك! ثانيا: أي إلزام؟ أنت عاجز أصلا عن تحرير الإلزام على الوجه الذي يقوم بالمطلوب الذي تصورته في ذهنك!! فهون على نفسك يا رجل واتق الله ولا تعد لمثل هذا!! ثالثا: قولك إن حججي مضحكة، يدينك أنت ولا يدينني ولله الحمد، وهذا واضح بفضل الله لمتابعي هذه القناة المباركة! ثالثا: كما ذكرت من قبل: أنت تحرق الجسر الذي يربطك بالسلف في حماقة لا تحسد عليها، ثم تزعم أن فهمهم قد وصل إليك من غير ذلك الجسر، وتدعي أنك تلتمس العذر للعلماء المعاصرين من وجه أو وجوه، فمن هم العلماء الذين تعلمت أنت من مجالسهم خطأ جميع المعاصرين في الأربعين سنة الماضية من العلماء المنتسبين إلى السلفية، وأن نصوص السلف إنما تؤخذ كما أخذتموها وتفهم كما فهمتموها لا كما فهموا؟؟ هذا والله محض حماقة لو كنتم تعقلون!
يقول: "وكلام المعاصرين تعامله وكانه نص من الكتاب والسنة واثار السلف بل تجعل كلام المعاصرين اعظم مما سبق." قلت: تكفير وسفاهة! أنا أجعل كلام المعاصرين أعظم من الكتاب والسنة إذن أنا كافر مرتد حلال الدم والمال! فتأمل حال هؤلاء وحماقتهم، وإلى الله المشتكى!
يقول: "وكأن أصطلاحاتكم المعاصرة، مقيدة واضحة ولها حدود واضحة كما تدعي كذبًا." قلت: لا نحتاج في رد الدعوى العارية عن البينة إلى أكثر من مقابلتها بمثلها، فيقال: بل هي كذلك وإن رغمت أنفك، وبطل ما تدعيه كذبا، وبس!
يقول: "وانت ترمي اي احد بالحدادية ولو كانوا هؤلاء مختلفين وكل واحد منهم يضلل الآخر وهذا المصطلح ليس له ضابط واضح وبيّن"!!
قلت: بل له حد وضابط بينه العلماء من قبلي وبينته بفضل الله في محاضرتين طويلتين، ولم أدع في ذلك البيان والتقرير أن الحدادية فرقة واحدة على قول واحد! أبدا! بل بينت من أول يوم أنهم طبقات في الخارجية والجهل والحماقة، وليسوا على طبقة واحدة! وتكلمت في ذلك في حدود ما دعتني الحاجة إلى تقريره! ولا يمتنع أن يدخل تحت الاسم الواحد فرق وطوائف تتفاوت في موجب الاسم أو مسماه على درجات، كما في كل اسم مشكك مما تشترك في مسماه الموجودات! وهذا حاصل عند أهل العلم القدماء تحت اسم الجهمية وتحت اسم الأشعرية، وهو ما ألجأهم لتقسيمهم إلى فرقتين كلتاهما يقال لهما الأشعرية: المتقدمين والمتأخرين، وتحت المتأخرين طوائف، وكذلك يقال في المعتزلة، فمنهم البهشمية والجاحظية وغيرهم، واليوم عندنا المعتزلة الجدد والعقلانيون وغيرهم، والخوارج مثلهم، والروافض كذلك، بل جميع الفرق التي سماها العلماء بأسماء في تاريخ الأمة، انشعبت تحت تلك الأسماء طوائف وفرق فرعية شتى تشترك في أصول البدعة الكلية، وتتفاوت وتختلف في بعض الأقوال المتفرعة عندهم على تلك الأصول. ومعلوم عند كل من فقه حديث الثنتي وسبعين فرقة المشهور، أن هذا مما انشعبت به الفرق تحت الأسماء الأساسية الأولى التي عرفوا بها ابتداء! فهذا كلام جاهل قاصر عن التحقيق لا يدري ما يخرج من رأسه!
يقول: "هذا مصطلح حدادي اكثر مصطلح معاصر ليس له حد ولا معنى يقيد مفهومه ويوضحه بشكل بين. وكل احد يطلقه ويمرميه على من خالفه وهم لكل احد منهم له مراد يختلف عن الاخر وله فيه مفهوم يختلف عن الآخر." قلت: هذا هو عين ما قالته الخوارج العصرية في دفع الخارجية عن أنفسهم إذا رماهم بها أهل السنة! وما قالته القبورية في دفع التهمة كذلك، وما زعمته الحزبية في دفع التهمة عن أنفسهم، قالوا (كما زعمه اليوتيوبر ياسر لطفي) إن مصطلح الحزبية غير محرر عند من يستعملونه، وهذا هراء لا أساس له إلا الهوى عنده! وكذلك سلكه غيرهم من أهل الزيغ ولا يزالون! كلهم يقولون أنتم لا تضبطون حدا واضحا يقيد مفهومه كما ينبغي! وكل ذلك جوابه عندنا واحد: البينة على المدعي!
ثم يتحفنا الجويهل بنظره الألمعي إذ يقول: "واصدق مثال على ذلك ادخل في مواقع البحث كلمة حدادية ضع اي شيء له علاقة بهذا المصطلح فستجد العديد من الأشخاص لكل واحد منهم يستخدمه استخدام يختلف عن الآخر." قلت: الله أكبر! أفحمتني يا جهبذ! ما شاء الله! الدليل على أن المصطلح غير منضبط عند العلماء الذين يتكلمون به، أنك إن دخلت على جوجل وبحثت فسترى "الأشخاص" كل واحد منهم يستخدمه استخداما يختلف عن الآخر! طيب جرب مثل ذلك في مصطلح "سلفي"، وانظر ماذا تجد، ثم التزم من ذلك بما تريد إلزامي به هاهنا!
صدق القائل شر البلية ما يضحك!
ثم يختم ويقول: "وآخيرا جل هؤلاء المعاصرين ليسوا واسعِ الاطلاع وبعضهم حتى لم يقرأ كل كتب الستة وانت تسميهم علماء. وثم تلزمنا بإختياراتهم التي مبنية على ضعف اطلاع وتأثر بكلام المتأخرين والحركيين!! "
قلت: وهنا مربط الفرس، وهو ما يدلك على أن هؤلاء الصبية كأصحابهم من الخوارج، يطمعون في إسقاط علمائنا الأكابر أصحاب المناصب العلمية العليا في البلاد من أجل أن تفرغ لهم فيقدموا هم فيها، تماما كما نقمت الخوارج الحركية على حكام المسلمين طمعا في مقاعدهم، والله المستعان! تأمل السخف وخفة العقل، والزهو بما جمعوا من تلك الكتب التي أطلقوا فيها أيديهم بغير أهلية! جل هؤلاء المعاصرين ليسوا واسعي الاطلاع، وبعضهم لم يقرأ كل كتب الستة وأنا أسميهم علماء!! الله أكبر! العلم الآن صار يؤخذ بمجرد قراءة كتب الأولين ودواوين السنة! القراءة فقط، استقلالا بالنفس! من قرأ أكثر، علم أكثر، ووجب له من المنزلة ما لم يحصله من قصرت قراءته عن ذلك (فيما يحلو لهم أن يوهموا به أنفسهم)!! ومن قرأ وحده، عرف معنى كلمة "حركيين" (التي هي مصطلح أحدثه علماء العقود الأربعة الأخيرة كما هو معلوم)، وما حدهم وما ضابطهم، ومن ثم عرف كيف يحكم على علماء العصر بأن "جلهم" (هكذا) قد تأثروا بالحركيين! فإذا طلبنا منه أن يسمي لنا العلماء المشار إليهم من الأقران بأنهم علماء، الذين لم يتأثروا في هذا العصر بما زعم، لم يجد!
فنعوذ بالله مما عند هؤلاء من الأهواء، ونسأل الله أن يردهم إلى حظيرة السنة ردا جميلا، وأن يصرف فتنتهم وشرهم عن طلبة العلم السلفيين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله في المبدأ والمنتهى.
أبو الفداء.
