إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد، فقد دفع إلي أحد إخواني النبلاء بمقطع منتشر للدكتور أسامة الأزهري، يجيب فيه عن سؤال لجارية صغيرة عن مكان النار، جاء فيه الدكتور بمخالفة للخبر الثابت في السنة، وبما يخالف طريقة أهل السنة في التعامل مع نظريات الطبيعيين التي تتناول "الكون" بكليته تجعله موضوعا للنظر. سألت الصغيرة فقالت: ما هو مكان النار، فأجاب الدكتور هداه الله قائلا:
"طيب إيه الصورة الموجودة في ذهنك؟ إيه اللي أنتي متخيلاه عن مكان الجنة والنار؟ ... طيب أنا أقول لك .. أساعدك. ممكن؟ والا عايزة تقولي حاجة؟ طيب أقول لك. دلوقتي إحنا هنا في الكرة الأرضية. والكرة الأرضية زي ما حضراتكم جميعا بتدرسوا في مواد العلوم، هي جزء من النظام الشمسي، تمام؟ والمجموعة الشمسية فيها تسع كواكب، وفيها الشمس، وفيها أقمار تدور حوالين الكواكب، مساحة هائلة من الفضاء الخارجي. كم كبير من المجموعات الشمسية بيشكلوا مجرة من المجرات. مجرة درب التبانة اللي احنا نسكن فيها، اللي أقرب مجرة لينا مجرة أندروميدا، المسافة بينهم بمئات وملايين السنوات الضوئية، يعني مسافة مهولة من الفضاء. الكون عبارة عن مليارات المجرات. يعني مساحة يعجز العقل عن تصور الأبعاد الموجودة بينها. النجوم، المجرات، النيازك، الكواكب، الشهب، الثقوب السوداء، أشياء هاتدرسوها فيما هو قادم في دراستكم للفيزيا وبصورة مبسطة في دراستكم للعلوم الآن. كل الحاجات اللي احنا بنقولها دي، اسمها الكون. الكون ده في تصور أينشتاين، كما لو كان شكل دائري. بداخله كل هذه الأشياء اللي احنا بنقولها." مقدم الحلقة: أينشتاين ده طبعا عشان تبقوا عارفين ده واحد من أشهر العلماء ... د. أسامة: من أكبر خبراء الفيزياء في القرن الماضي، وأسس نظرية عرفت بنظرية النسبية، صاحب كشف هائل في علوم الفضاء والفيزياء وفهم الكون، وأتمنى إنكم تبقوا في يوم من الأيام نماذج عبقرية زيه. الحكاية اللي احنا بنقولها دي كلها اسمها الكون. خارج هذا الكون، يوجد ملأ آخر، عالم آخر، فيه الملائكة، وفيه الأرواح، وفيه البرزخ، وفيه الجنة، وفيه النار، وفيه الصراط، وفيه الميزان ... يبقى إذن كل ما يمكن أن يسمى بالكون، براه يوجد عالم آخر. ورب العالمين كان بيقول: فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، هذا الكون اللي احنا بنقوله، هو الذي يمكن أن يدرك بالحواس، أو بتليسكوب هابل، أو بتليسكوب جيمس ويب، أو بأي وسيلة جديدة من الوسائل التي يخترعها البشر، خارج نطاق هذا الكون، يوجد الجنة ويوجد النار، ويوجد عالم آخر تام، فيه ملائكة الرحمن، جل جلاله، الذي جاءت به الآيات والأحاديث النبوية، من الملأ الأعلى الذي تتنزل فيه الملائكة بالتدبير، من البيت المعمور الذي هو موازي للكعبة، نفس وظيفة الكعبة في الأرض يوجد شيء آخر هناك اسمه البيت المعمور، تحج إليه ملائكة الرحمن، ملايين مملينة من الملائكة تطوف بالبيت المعمور، الذي هو يوازي الكعبة المشرفة. فين مكان البيت المعمور وهذا الكم اللانهائي من الملائكة؟ خارج نطاق الكون! النهاردة فيه نظريات بتدرس وبتقول، نظرية الأكوان المتعددة، يعني ده بيتخيل إنه خارج الكون ده فيه أكوان أخرى كتيرة! احنا بنقول نعم، خارج هذا الكون المنظور، هناك عالم آخر لا تدركه الحواس يسمى عالم الملأ الأعلى، يسمى عالم السماوات العلا، فيه الجنة وفيه النار، وفيه الملائكة، وفيه سدرة المنتهى، التي رآها عليه الصلاة والسلام في الإسراء والمعراج، هناك توجد الجنة والنار. هل المعنى واضح؟"
انتهى كلام الدكتور.
قلت، نرد على هذا الكلام بحول الله وقوته ردا مجملا، ثم نجيب جوابا مفصلا، بما يفتح به رب العالمين سبحانه. فنقول في الجواب المجمل، إن السنة قد ثبت فيها أن جهنم في سجّين في الأرض السابعة، تحت أرجلنا، وليس في السماء، وهذا ما لم يرو عن السلف خلافه أصلا. فإما أن يكون لم يقف على شيء من ذلك (وهو بعيد)، وإذن فواجبه أن يقول لا أدري، وإما أنه وقف على النصوص الواردة في ذلك ولم يصحح منها شيئا! فإن قال إن هذا لم يصح فيه شيء عندي، قلنا له: سلمنا، فأين دليلك السمعي على أن جهنم في السماء إذن، كما أجبت به السائلة، بل فيما وراء السماوات كلها كما هو ظاهر كلامك؟؟ لا دليل إلا القاعدة العقلية الضمنية الفاسدة التي سنلزمه بها في جوابنا المفصل بعون الله تعالى! فالحق أن محل النار من أمر الغيب المطلق، وهذا لا يستند فيه إلا إلى النص، فإذا ضعفت جميع ما ورد في ذلك، فالمتعين عليك إذن أن تتوقف في الأمر وتقول لا أدري أين النار، رويت في هذا روايات وهي عندي ضعيفة كلها، فلا أدري أين هي! أما أن يقال إن الكون هو كما قال الفيزيائيون وكما تصوره أينشتاين، وجميع ما جاء خبره من الغيبيات هو خارج "الكون"، وإذن فالنار خارج الكون، فهذا كذب على السمع، وتحريف للنص، وعدوان على العقل والنقل عظيم، والله المستعان لا رب سواه!
هذا هو الجواب المجمل، وأما الجواب المفصل، فمن وجهين، نقول في الأول منهما بحول الله وقوته إنه، إن الجواب الصحيح للسؤال أن يقال: جهنم في سجين في الأرض السابعة الدنيا. ودليل ذلك من القرآن:
1- قال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ)) [الأعراف : 40] ووجه الدلالة أن الذين كذبوا واستكبروا مصيرهم إلى النار قطعا، وفيها عذابهم في البرزخ، فإذا كانوا لا تفتح لهم أبواب السماء، دل على أن النار في الأرض لا في السماء! وكذلك البرزخ منه ما يكون في السماء ومنه ما لا يكون كذلك، إذ هؤلاء لا تكون حياتهم البرزخية في السماء بصريح القرآن، خلافا لما زعمه الدكتور من كون البرزخ "خارج الكون"!!
2- قال تعالى: ((كلا إن كتاب الفجار لفي سجين))، وسجين هي الأرض السفلى! فكيف يكون كتاب الكافر في الأرض السفلى، والنار التي يعذب فيها "خارج الكون"؟؟ بل الآية دالة بالمفهوم على أن النار في سجين، وهذا ما استفاضت به الآثار عن السلف كما سيأتي.
فإن قال إنني لا أرى في الآية الأولى دليلا على ما تقولون، لأني لا أقول إن النار في السماء، وإنما أقول إنها خارج الكون بكليته، أرضه وسمائه جميعا، فكون أبواب السماء لا تفتح لهم لا يمنع من أن يدفع بأرواحهم إلى عالم مواز خارج هذا العالم، لا في أرضه ولا في سمائه! فيقال في جوابه: إن هذا يصادم ما في السنة كما سيأتي، وظاهر الآية أن أهل الإيمان تفتح لهم الأبواب خلافا لأهل الكفر والفجور، ولو كانت الجنة "خارج الكون" (أي خارج الأرض والسماوات جميعا) لما كان من وجه لأن تفتح أبواب السماء للمؤمنين، ويعاقب الكفار بالحرمان من ذلك!! فالمفهوم صريح في أن الجنة في السماء والنار في الأرض، وهذا ما استفاضت الآثار بموافقته.
وإن قال إنه لا يرى في الآية الثانية دليلا، لأن المفسرين اختلفوا في معنى "سجين" في هذه الآية، قلت إن اختلافهم فيها من اختلاف التنوع وليس من اختلاف التضاد، إذ منهم، كما أخرجه ابن جرير في تفسيره، من قال هي الأرض السفلى (وهو مروي عن ابن عباس وعبد الله بن عمرو وقتادة ومجاهد والضحاك)، ومنهم من قال هي حد إبليس في الأرض السفلى، ومنهم من قال هي الصخرة التي تكون تحت الأرض، فهي كلها تأويلات متحدة إجمالا في معنى السفول في بطن الأرض، وهو ما يعتضد له بحديث البراء ابن عازب كما سيأتي!
وأما الأدلة في السنة فعلى رأسها:
1- حديث البراء ابن عازب الطويل الذي أخرجه أبو داود وأحمد والنسائي وابن ماجة والبيهقي في شعب الإيمان، حيث قال عليه السلام: "وإنَّ العبدَ الكافِرَ إذا كان في انقِطَاعٍ من الدنيا، وإقبالٍ من الآخِرةِ ، نزل إليه من السماءِ ملائكةٌ سُودُ الوجُوهِ معَهُمُ المُسُوحُ ، فيجلِسُونَ منه مَدَّ البَصَرِ ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الموتِ حتى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ: يَا أيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اخْرُجِي إلى سَخَطٍ من اللَّهِ وغَضَبٍ ، فَتَفْرُقُ في جَسَدِهِ فيَنتَزِعُهَا كَما يُنتَزَعُ السَّفُّودُ من الصُّوفِ المَبْلُولِ ، فيَأْخذَها ، فإذا أخذَها لَم يَدعُوها في يَدِهِ طَرْفَةَ عَينٍ حتى يَجْعَلُوهَا في تِلْكَ الْمُسُوحِ ، يخرجُ منها كأَنْتَنِ ريحِ جِيفَةٍ، وُجِدَتْ على ظَهْرِ الأَرضِ فيصْعَدُونَ بِها، فلا يَمُرُّونَ بها على مَلَكٍ من الملائِكَةِ إلَّا قَالُوا: ما هذا الرُّوحُ الْخَبِيثُ؟ فيَقُولُونَ: فُلَانُ بنُ فُلَانٍ بأَقْبَحِ أسْمَائِهِ التي كان يُسَمَّى بِهَا في الدُّنْيَا، حتى يَنْتَهِيَ بِهَا إلى سمَاءِ الدُّنْيَا فَيُسْتَفْتَحُ لهُ، فلا يُفْتَحُ لهُ، ثُمَّ قَرَأَ لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أبْوَابُ السَّمَاءِ قال فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: اكْتُبُوا كِتَابَه في سِجِّينٍ في الْأَرْضِ السُّفْلَى، قال : فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا،"
والحديث رجاله رجال الصحيح، صححه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع وفي صحيح الترغيب. وهو أصرح ما في الباب من المرفوع كما ترى، وفيه تأويل آية الأعراف، أنهم لا تفتح لهم أبواب السماء، لأن كتابهم في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحا، نسأل الله السلامة!
2- قال الحافظ ابن رجب رحمه الله" روى عطية عن ابن عباس، قال: الجنة في السماء السابعة، ، وجهنم في الأرض السابعة . أخرجه أبو نعيم . وخرج ابن مندة ، من حديث أبي يحيى القتات عن مجاهد ، قال: قلت لابن عباس: أين الجنة ؟ قال : فوق سبع سموات، قلت : فأين النار؟ قال: تحت سبعة أبحر مطبقة .وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن قتادة، قال: كانوا يقولون: إن الجنة في السموات السبع ، وإن جهنم لفي الأرضين السبع .
وقد استدل بعضهم لهذا بأن الله تعالى أخبر أن الكفار يعرضون على النار غدواً وعشياً ـ يعني في مدة البرزخ ـ وأخبر أنه لا تفتح لهم أبواب السماء ، فدل أن النار في الأرض " انتهى من " التخويف من النار" (ص 62-63) .
قلت: فحديث البراء وآثار السلف وتأويلهم للقرآن كل ذلك متضافر على هذا المعنى، فلا يعرف في السلف من قال بخلافه، دع عنك أن يقول إن النار "خارج الكون"! وأنتم من طريقتكم في الفقه تصحيح الأثر بتلقي الأمة له بالقبول، تحتجون به في بابه وإن لم يكن لكم فيه سند متصل، وهو مسلك صحيح لا غبار عليه، ولكن يلزمكم منه قبول آحاد هذه الآثار للعلة نفسها، إذ قد عدم من قال بخلافها في القرون الأولى، ولا يعرف في السلف والأئمة من قال في النار إنها الآن في السماوات العلا!
وأما مسألة "خارج الكون" هذه فأتخذها مدخلنا للانتقال إلى الوجه الثاني من جوابنا المفصل، إذ فات الدكتور وهو يتكلم في شيء يسميه إجمالا بالكون، ويقول إن في داخله ما يزعم الفلكيون والفيزيائيون أنه فيه، وأما ما جاء النص بذكره من أمور الغيب فهي كلها "خارجه"، فاته أن يحرر تعريفا وحدا واضحا لما يقال له الكون، مكتفيا بأن يعلق ذلك على كلام الفيزيائيين والفلكيين وفهم أينشتاين فيما نسبه إليه، وهذا غش وخيانة للمسلمين والله المستعان. قال الدكتور في أقرب شيء شبها إلى أن يكون "تعريفا" لما يريد بالكون: "الكون عبارة عن مليارات المجرات." قلت فهل تؤمن إذن بأن الكون Universe على فهم أينشتاين، ليس إلا هذه السماء الدنيا الواقعة تحت الرصد، وأن السماء الدنيا وما فوقها هذا كله "خارج الكون"؟ أم أن الكون الأينشتايني يشمل عندك جميع ما تحت الكرسيّ، على تأويل لديك لحقيقة السماوات السبع بأنها مجرات أو ما شاكل ذلك من خرافات من خاضوا في هذه القضية؟؟ ما دمت تتخذ من عبارة "خارج الكون" تقريرا لمحل أمور غيبية جاء الشرع بذكرها وبذكر أماكنها، فالمتعين عليك شرعا أن تبين وتحرر ما تقصده على وجه التحديد من قولك "خارج الكون" وإلا أضللت الناس بكلامك، وفتحت الباب لكل زائغ أن يخرج ما يحلو له من الغيبيات التي جاء بها النص، من العالم بجلمته، بمثل ما حررته أنت في هذا الكلام! يا دكتور، يؤسفني أن أخبرك بأن "الفهم الأينشتايني للكون" هذا الذي لم تزل تثني عليه وتحيل هؤلاء الصبية المساكين للوقوف عليه في كتب العلوم والفيزياء، أنت لا تضبطه! قولك: "يعني مساحة يعجز العقل عن تصور الأبعاد الموجودة بينها. النجوم، المجرات، النيازك، الكواكب، الشهب، الثقوب السوداء، أشياء هاتدرسوها فيما هو قادم في دراستكم للفيزيا وبصورة مبسطة في دراستكم للعلوم الآن. كل الحاجات اللي احنا بنقولها دي، اسمها الكون. الكون ده في تصور أينشتاين، كما لو كان شكل دائري. بداخله كل هذه الأشياء اللي احنا بنقولها."
قلت أولا: أينشتاين لم يقل أبدا إن هيئة الكون دائرية! بل قال (فيما لا علاقة له بهيئة الكون كما تفهمها أنت) إن الزمكان المزعوم قد يكون منبسطا مفلطحا، أو منبعجا بتقعر، أو منبعجا بتحدب، بحسب ما تفيد به معادلة المجال من انحناء كلي للكون بكليته بناء على ما يدخل فيها من تقدير للكثافة الكلية للمادة في الكون!! فبعيدا عن حقيقة أن الزمكان هذا لا حقيقة له خارج الذهن أصلا حتى ينبعج أو ينحني، وبعيدا عن خرافية الدعوى بإمكان حساب كثافة الكون بكليته، واعتمادها اعتمادا كليا على مبدأ التساوي المكاني التام في الكوزمولوجيا Homogeneity (الذي لا يجوز أن نسلم به لأسباب ليس هاهنا محل بسطها)، فأينشتاين لم يقل إن الكون على هيئة دائرة، وإنما جوز للزمكان المزعوم المستغرق عنده للكون بكليته، أشكالا ثلاثة، ينسب الهيئة والانحناء إلى شيء ذهني صرف (وهو الزمكان الذي هو عنده اندماج الزمان والمكان معا في موجود متعين خارج الذهن، يؤثر في المتحركات ويتأثر بها)!
ثانيا: فالكون على فهم أينشتاين هو كل ما يصح أن يدخل تحت معنيي الزمان والمكان معا بإطلاق، لأنه مشتمل على جميع أجرامه التي ذكرتها تلك وغيرها، في داخل الزمكان المزعوم! فإذا كان الزمان والمكان مقصورين على حقيقة الزمكان وما فيه، لزم امتناع أن يوجد شيء خارج الزمكان! فالكون على فهم أينشتاين لا شيء خارجه، ولا يجوز أن يوجد خارجه شيء! خلافا للكون في ميتافيزيقا الكم، إذ عند أصحابها، المكان والزمان ليسا إلا التصور الذهني الرياضي لعلاقات تربط بين الجسيمات والمجالات وبين الحوادث التي تجري عليها. ولهذا اختلف الكوزمولوجيون في إثبات شيء ما قبل الفردية المزعومة بين مثبت تبعا لميتافيزيقا الزمان في ميكانيكا الكم، وناف تبعا لميتافيزيقا الزمان في النسبية العامة! فعندما تثبت موجودات خارج الكون تأسيسا على فهم أينشتاين للكون، فأنت لا تدري ما فهم أينشتاين للكون! لقد كان هذا الفهم عند أينشتاين هو حامله وداعيه – بالأساس – للقول بوحدة الوجود الطبيعية Naturalistic Pantheism، إذ ما دامت ميتافيزيقاه تمنع من وجود شيء البتة خارج الزمكان، فلابد لمن يريد أن يثبت له صانعا ما، أن يجعله داخل الكون لا خارجه، وإذن فلا شيء أنسب لذلك ولا أوفق له من اعتقاد سبينوزا في القوانين الطبيعية أنها هي صانعة الكون ومدبرته والقائمة عليه، وهو ما دان به أينشتاين، بسبب "فهمه الألمعي للكون" هذا الذي تزينه أنت للناس دون أن تفهمه! فإن كنت تعرف الكون على أنه هذه الأشياء التي ذكرتها وحسب، وما فوق السماء الدنيا ليس داخلا فيه، فعلى فهم أينشتاين، ينتفي وجود ذلك كله ولا يتصور له ثبوت! وإن كنت تجعل الكون هو جميع ما دون الكرسي، فلازمك تأويل تلك الغيوب كلها على طريقة الجهمية الغلاة، تصرفها كلها عن ظواهرها، حتى تكون كلها محصورة في حقائقها أقسام ما يزعم أينشتاين أن الكون مكون منه من أنواع الأجرام السابحة في بحر الزمكان المزعوم، وتكون كلها خاضعة للجاذبية النسبانية في إطار معادلة المجال! فعلى كلا التقديرين يتعطل الغيب بالضرورة، وينتفي العرش والكرسي وذات الرب سبحانه، ولا يبقى إلا المجرات والكواكب والنيازك وما ذكرت!
قولك في أينشتاين: "من أكبر خبراء الفيزياء في القرن الماضي، وأسس نظرية عرفت بنظرية النسبية، صاحب كشف هائل في علوم الفضاء والفيزياء وفهم الكون، وأتمنى إنكم تبقوا في يوم من الأيام نماذج عبقرية زيه." قلت: كشف هائل في فهم الكون؟ والله يا دكتور لو فهمت مسالك القوم في بناء الدعاوى النظرية بشأن الكون بكليته، لما سميتها "كشفا" أصلا! ولكن أليس قد سموها هم علما، وأسسوا لها الأكاديميات والمعاهد المختصة ببحثها ودراستها؟؟ فهي إذن كشوف علمية كما سموها، نبدأ بابتلاعها أولا، ثم نكيف اعتقادنا الديني بما يوافقها، والله المستعان!
قوله: "الحكاية اللي احنا بنقولها دي كلها اسمها الكون. خارج هذا الكون، يوجد ملأ آخر، عالم آخر، فيه الملائكة، وفيه الأرواح، وفيه البرزخ، وفيه الجنة، وفيه النار، وفيه الصراط، وفيه الميزان ... يبقى إذن كل ما يمكن أن يسمى بالكون، براه يوجد عالم آخر. ورب العالمين كان بيقول: فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، هذا الكون اللي احنا بنقوله، هو الذي يمكن أن يدرك بالحواس، أو بتليسكوب هابل، أو بتليسكوب جيمس ويب، أو بأي وسيلة جديدة من الوسائل التي يخترعها البشر" قلت هنا يخلط الدكتور بين الكون المنظور Observable Universe عند الفلكيين والكون بكليته Universe في نظرياتهم، فينزل كلامهم في الكون بكليته على الكون المنظور وحده، وهو ما يؤكد ما بيناه آنفا من أنه لا يتصور كلام الفلكيين والفيزيائيين ولا يدري ما هذا الشيء الذي يسمونه بالكون وما حقيقته عندهم! ففي أنطولوجيا النسبية العامة، الكون هو كل ما في الوجود كما بينا، لأنه ليس في الوجود شيء إلا هو واقع بالضرورة تحت معاني الزمان والمكان، وتلك المعاني محصورة عندهم فيما يوجد داخل ما يسمونه بالزمكان! ولولا الافتراق الجذري الأصيل بين ميتافيزيقا النسبية العامة ومسلمات ميكانيكا الكم في حقيقة الزمان والمكان، ما وجد منهم من يقول بالعوالم المتعددة ولما جاز عندهم أصلا أن يوجد شيء ما خارج الزمكان! فهم مضطربون في ذلك اضطرابا لا خروج منه إلا بترك مسلمات النسبية العامة كما بينت ذلك بتفصيل لا يتسع له هذا المقام. وحتى إن جعلنا الكون، على تعريف الدكتور هو الكون المرصود بالفعل وبالقوة، دون ما سوى ذلك، فإن كلامه هذا يظل فاسدا، لأن الملائكة والأرواح والجن والبرزخ هذه كلها عند المسلمين عوالم محايثة لهذا الذي يسميه بالكون وليست خارجة عنه مكانيا (فيما هو موضوع سؤال السائلة عن مكان النار)! الأرواح لها تعلق وجودي بأجساد المقبورين هنا في الأرض، والبرزخ له أحواله التي تجدها أرواح الموتى في قبورهم هنا في الأرض، والملائكة تملأ السماوات جميعا بداية من السماء الدنيا كما استفاضت به النصوص، وإلا فأين الملائكة الحفظة التي تكون على بني آدم، وأين الملائكة التي تدخل الرحم فتكتب على جبهة الجنين شقي أو سعيد وأين الملائكة التي قال الله فيها ((ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد))، وأين هو من قوله عليه السلام: أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد! وهو ما يشمل في ظاهره جميع السماوات، التي منها هذه السماء المنظورة بلا منازع! والله تعالى أثبت في القرآن أن أجرام السماء منها ما هو رجوم للشياطين، والسنة أثبتت لهم يعيشون فيما بيننا هنا على الأرض من حيث لا نراهم، كل هذا وغيره كثير من خبر الغيب الثابت عند المسلمين، نحن الآن مطالبون بأن نتقرمط عليه ونعيد تأويله على أنه "خارج الكون"، لماذا؟ لأن الكون عند أينشتاين وكما في كتب العلوم في المدارس، ليس إلا المجرات الخاضعة للجاذبية النسبانية، فإنا لله وإنا إليه راجعون!! كل هذا أسسته على قوله تعالى "فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون"؟ وهل يلزم من عدم قدرتنا على إبصار الشيء، أي شيء، أن يكون خارجا بالكلية، مكانيا، عن هذا الكيان الهلامي الذي تسميه بالكون، ولا تدري له هيئة ولا حدا ولا مفهوما عند من أبيت إلا أن تقلد أقوالهم تقليد العميان؟؟ سبحان الله! أين السماوات السبع التي طفح القرآن بذكرها، من كون أينشتاين الزمكاني الوهمي هذا الذي تريد أنت أن توهم السامعين بأن غايته أن يكون هو الكون المنظور القابل للرصد بالتليسكوبات؟؟ يا دكتور والله ما يليق بمثلك أن يضرب في هذه الأبواب بهذا الجهل الذي تكلمت به، فإن الأمر خطير، وجميع أمر العقيدة خطير لا يجوز التهاون فيه!
قولك: " خارج نطاق هذا الكون، يوجد الجنة ويوجد النار، ويوجد عالم آخر تام، فيه ملائكة الرحمن، جل جلاله، الذي جاءت به الآيات والأحاديث النبوية، من الملأ الأعلى الذي تتنزل فيه الملائكة بالتدبير، من البيت المعمور الذي هو موازي للكعبة، نفس وظيفة الكعبة في الأرض يوجد شيء آخر هناك اسمه البيت المعمور، تحج إليه ملائكة الرحمن، ملايين مملينة من الملائكة تطوف بالبيت المعمور، الذي هو يوازي الكعبة المشرفة. فين مكان البيت المعمور وهذا الكم اللانهائي من الملائكة؟ خارج نطاق الكون! "
قلت: فهذا الكلام الذي يقرره الدكتور هاهنا، يمكن إيجازه في قاعدة عقلية فاسدة مفادها أن "دعوا الفيزيائيين والفلكيين يخترعوا من النظريات والتخرصات على ما يسمونه بالكون ما يحلو لهم، وما يزعمون أن الدليل التجريبي والرصدي يدعمه، أيا ما كان ذلك، واتركوا لهم الخلاف في ذلك والتفصيل فيه، واجعلوا موضوعه هو هذا الكون المنظور بالمراقب والتلسكوبات، خذوا ذلك كيفما كان، واجعلوه هو العلم بشأن "الكون"، ثم أرجئوا ما تثبتونه من موجودات غيبية إلى ما وراء ذلك كله وما خارجه مكانيا، فإن أبوا إلا أن يثبتوا عوالم أخرى وراء هذا الكون، فاقبلوا منهم واجعلوا هذا الذي تثبتونه في الغيب واحدا من تلك العوالم، وبهذا ينفض الاشتباك بين الدين والعلم، ونرتاح نحن وهم يرتاحون!" وهذا يا كرام، هو مسلك الجهمية الأقحاح، نسأل الله السلامة، وفيه من تعطيل الخبر الغيبي وتحريفه عن معناه ما لا يحصيه إلا الله تعالى! هذه موجودات نثبت نحن لها الزمان والمكان، والكون الأينتشايني هو كل ما يقع على الزمكان المزعوم، كل ما كان له موقع في الزمان والمكان، فهو داخل الكون في النسبية العامة، التي هي "مفهوم أينشتاين عن الكون" كما تسميه وتثني عليه! فكيف يجتمع القولان في عقل رجل واحد؟؟ ثم إن الزمكان هذا لا يزال يتمدد ويتوسع عندهم بسرعات هائلة تجاوز سرعة الضوء في المجرات البعيدة (فيما يزعمونه من مسافات النجوم وأبعادها)، فأين عرش الرحمن وكرسيه من هذا، إن كنت ممن يثبتونه موجودا حقيقيا في الأعيان كما عليه المسلمون؟؟ أم تراك ستلجأ إلى مثل خرافة من تقرمطوا فقالوا إن العرش هو مجرة درب التبانة، وأنه يتوسع مع توسع الزمكان؟؟ ثم هذا البيت المعمور الذي تجعله خارجا عن الكون، وتقول مع هذا إنه بحزاء البيت الحرام، بحيث إذا سقط على الأرض سقط عليه، كما جاء في السنة، هذا كيف وبأي عقل يظل بحزائه، وأنت تؤمن بأن الأرض ليست إلا جرما سيارا لا يزال يتطوح ذات اليمين وذات الشمال في مدار حول الشمس وفي مدار آخر حول مركز المجرة المزعومة، وفي مدار ثالث حول مركز الكون المزعوم، عند من يثبت له مركزا (وأكثرهم لا يثبتون له مركزا ولا هيئة منتهية أصلا حتى يجعلوا له مركزا ما)؟؟ لا يزال البيت إذن يتطاير بسرعة تجاوز سرعة الضوء حتى يظل محاذيا للبيت الحرام من خارج الكون، وهو ما التزمه بالفعل جاهل من جهال الجهمية المعاصرين فيما رددنا عليه في كتاب المعيار، والله المستعان!
قوله: "النهاردة فيه نظريات بتدرس وبتقول، نظرية الأكوان المتعددة، يعني ده بيتخيل إنه خارج الكون ده فيه أكوان أخرى كتيرة! احنا بنقول نعم، خارج هذا الكون المنظور، هناك عالم آخر لا تدركه الحواس يسمى عالم الملأ الأعلى، يسمى عالم السماوات العلا"
قلت هنا يحسم الرجل أمره بأن ما يسميه بالكون، الذي هو موضوع نظريات الكونيين والفيزيائيين في عصرنا، ليس إلا الكون المنظور Observable Universe، وهذا كما بينا جهل ظاهر بنظريات القوم، كما أنه تعطيل لنصوص المسلمين! سلمنا بأن الكون الذي هو موضوع نظرية الانفجار الكبير هو هذه السماء المنظورة وحدها، وأن السماوات العلا (جميع ما فوق السماء الأولى) ليس داخلا فيها، فهل تعتقد فضيلتك أن السماء الدنيا تتوسع وتتمدد داخل إطار السماء الأولى المحيطة بها، دون أن تتمدد معها تلك السماوات العلا مثلا أم ماذا؟؟ الذين سولت لهم عقولهم أن يقولوا إن موضوع الانفجار الكبير ليس إلا هذه السماء الدنيا والكون المنظور، هؤلاء لا يدركون لوازم مذهبهم، ولا يعلمون أن لازم ذلك نفي وجود تلك السماوات العلا كلها برمتها، ونفي العلو عنها أصلا، لأن العلو مكان، والمكان محصور في النسبية العامة في داخل ما يقال له الزمكان، الذي هو ما يتمدد ويتوسع عندهم بجميع ما فيه! هذه لوازم أنا أقطع بأن هذا الرجل لم يتدبرها يوما من الدهر ولا تكلف النظر فيها أبدا، لأنه لو فعل لحاول أن يحرر لنفسه مخرجا منها كما تكلفه أئمته من المتكلمين القدماء! وهذا مما يعاب به جهمية العصر عند التدبر، أنهم قبلوا ابتلاع نظريات الفلاسفة المعاصرين وميتافيزيقاهم المعتمدة أكاديميا كيفما اتفق لها أن تكون، لا لشيء إلا لأنها قد صارت يقال لها علم Science وتدرس في كتب العلوم في المدارس، ثم هجموا على نصوص المسلمين ليكيفوها بما يوافق تلك الميتافيزيقا العصرية، دون أن يتكلفوا معشار ما تكلفه أسلافهم من الجهمية القدماء والمتكلمين الأوائل من تدقيق وفهم لتلك النظريات ومحاولة للخروج من لوازمها ومقتضياتها! هؤلاء أصلا ما يتصورون اللوازم والمقتضيات، ولا يبالون، ومن حاول منهم ذلك، أعياه التدقيق في فهم نظريات الفيزيائيين ورياضياتها، فلا تراه إلا خانسا عن ذلك المطلب، راجعا إلى التعلق بكتابات اللاهوتيين النصارى الذين تمسكوا ببرهان الحدوث الأشعري كويليام لين كريغ ومن شاكلوه، يقلده تقليدا وهو يرى أنه أدى ما عليه، وانتهت القضية عند هذا، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
فلا أدري والله أأضحك أم أبكي من عبث جهمية العصر ومن خفة عقولهم، ومن إصرارهم على ابتلاع بضاعة الفلاسفة المعاصرين لهم كيفما اتفق لها أن تكون، لا لشيء إلا لأنها صارت هي العلم المعتمد الذي يدرس في المدارس والجامعات، والله المستعان على ما يصفون، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
انتهى المقصود من الرد، والحمد لله أولا وآخرا.
كتبه أبو الفداء ابن مسعود
(أ. م. د. حسام مسعود)
غفر الله له
