جواب سؤال فيه دفع لبعض الغبش الذي أحدثته مسألة "القبلية والبعدية"


الحمد لله وحده، أما بعد، فقد سألني أحد الإخوة جزاه الله خيرا في تعليقات اليوتيوب تحت محاضرتي الأخيرة سؤالا ظهر فيه تأثره بذلك الهرج الذي أحدثه بعض الشباب في هذه الأيام في مسألة القبلية والبعدية هذه، فقال:

هل ابن تيمية يقول بالقبليات أم بالبعديات؟

يسأل هذا السؤال لأن تفلسف هؤلاء المذكورين، هداهم الله، في هذه المسألة، صير الفطرة التي يثبتها شيخ الإسلام رحمه الله، وهي أساس الحجة الرسالية عند أهل السنة، إلى مادة معرفية تحتاج إلى من يعرف الناس بها، وإلى من يعرفهم ما محلها من هذين القسمين الكليين، هل يقال إنها قبلية، وإذن ابن تيمية يقول بالقبلية، كما زعمه بعضهم، أم يقال إنها بعدية فقط، ولا حقيقة للقبلية، كما زعمه آخرون، أم يقال بعضها كذلك وبعضها كذلك، حتى يرتاح كلا الفريقين ولا يفسد النزاع للود قضية؟؟! أجبت الأخ جوابا موجزا فقلت:

"ابن تيمية لا يقول بالمجملات، ولا يخوض بعقله في الغيبيات، ولا يتلبس بالسفسطة."

فجاءني أحد الإخوة بتعليق على هذا الجواب يقول:

"أحسن الله إليك دكتور وبارك فيك ونفع بك لكن أين الغيب أو الإجمال في القول مثلا بقبلية المعارف الضرورية وأنها لم تكتسب من الحس وأنها حاصلة في النفس ابتداءً.. وأن القول ببعديتها يلزم منه عدم مطلقيتها وأنها ضرورية في كل مكان وزمان وأعتقد أن هذا هو قول الشيخ رحمه الله وغفر له أرجو من فضيلتك التصحيح لي إذا أخطأت وجزاكم الله خير الجزاء وبارك الله فيكم"

فأجبته قائلا: 

"وإليك أحسن الله وبارك فيك. أما الإجمال، ففي المقصود بالقبلية والمقصود بالبعدية. هذه النظريات أخي المبارك مغرقة في الإجمال، وفي مبدأ التنظير الميتافزيقي عند الفلاسفة، بمعنى أن الذي يضع نظرية يسميها بنظرية المعرفة، هذا ستجده حريصا ولابد على أن تستوعب نظريته كل ما يصح أن يقال له معرفة، يقول لا يحصل هذا إلا بكذا أو بكذا، وهذا المسلك في التنظير مسلك يوناني فاسد قد أطلنا النفس في بيان فساده في غير مناسبة، ووجه كونه سفسطائيا أن جميع أهل العلوم والفنون المعرفية لا يفتقرون إليه حتى يحصل لديهم معرفة بكيفية حصول المعرفة في فنونهم، كل فريق منهم بحسب صنعته وفنه. لا يحتاج الناس إلى نظرية في المعرفة حتى يعرف الواحد منهم كيف يستدل لما يريد الاستدلال لإثباته، أو حتى يعرف ما يميز به المعارف الفطرية البديهية بداهة مطلقة من المعارف البديهية بداهة نسبية، من تلك التي تكتسب بعد نظر وعمل، ولا يقال فيها إنها بديهية بأي وجه من الوجوه. ولا يحتاج الإنسان العاقل لمن يعلمه ما معنى لفظة "علم" أصلا، على طريقة هؤلاء في وضع الحدود والتعاريف. هذه يقال لها الطريقة الميتافزيقية في التنظير، وهي طريقة سفسطائية من مبدأ النظر، لا ينتفع بها العقلاء، بل يتضررون من رجوعها بالإفساد على عقولهم وعلومهم من فرط ما فيها من إجمال واختزال فاحش. حتى قولك، بارك الله فيك "المعارف الضرورية" هذا مجمل غاية الإجمال عند الفلاسفة، ولن يتكروك حتى يضطروك لتعريفه على نحو يناسب منهجهم الجدلي السفسطائي، ويفتح الباب لما لا طائل تحته من أنواع الأسئلة، وما أجزم بأن أمثال شيخ الإسلام رحمه الله ما كانوا ليقبلوا الخوض فيه مع أصحابه. إن كنت تقصد بالمعارف الضرورية المعارف الفطرية التي جبلنا الله عليها، فما يدرينا كيف اكتسبناها؟؟ هل أشهدنا الله على خلقها في نفوسنا وعلى أسباب ذلك في علمه؟؟ أبدا! فالمعارف ليست كلها على نوع واحد، وليس ابتداء حصولها في نفوس البشر على نوع واحد، ولكن هذه القسمة "قبلية" و"بعدية" تفرض على العقلاء أن يحصروا المعارف الفطرية في أحد القسمين، ثم يتلبسوا بما يقتضيه ذلك من مقتضيات ويخوضوا مع أصحاب تلك السفسطات الميتافزيقية في مهاترات لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا ينتهى منها إلى علم ولا نفع أبدا! تأمل كيف ظهر أثر ذلك التنظير الميتافيزيقي الفاسد في سؤالك نفسه، بارك الله فيك. تقول "لم تكتسب من الحس" فما هو حدّ الحس وهل الأرواح في عالم الذر حيث واثقها ربها بميثاق الذر، لم تكن تحس؟ وكيف عرفوا بما جعله الله سببا في شهادتهم على أنفسهم بأن الله ربهم، هذا كله غيب لا نعرفه، لكن منطق التنظير في تلك القسمة الكلية التامة، يضطرك لأن ترمي فيه برأي أو قياس، وإلا فسد عليك تنظيرك، ولم يستقم أن تقول إن المعارف من نوع كذا تحصل للإنسان قبل الحس والمعارف من نوع كذا تحصل له بعد الحس، إلى غير ذلك مما يغرق فيه الفلاسفة. كيف ومتى حصلت تلك المعارف، وكيف ركبت في نفوس البشر، هذا غيب مطلق، لا يجوز القول فيه بلا سمع. وأما قولك "القول ببعديتها يلزم منه عدم مطلقيتها وأنها ضرورية في كل مكان وزمان"، هنا يقال لك حرر الإجمال في قولك "بعديتها" وفي قولك "مطلقيتها" بل وحرر الإجمال في لفظة "الضرورية" نفسها! فالمعارف الضرورية أنواع، وليست نوعا واحدا، منها المعارف الفطرية التي يعرفها كل إنسان، سواء شهد بذلك على نفسه أم كذب بها، ومنها ما يحصل لبعض الناس دون بعض، كقانون فيثاغورس مثلا في هندسة المثلثات، هذا ضروري في حق بعض الناس دون بعض، مع أنه صحيح في نفسه، لا يجادل فيه عاقل يفهم ما هو ويعرف ما تلزم معرفته من أجل تحصيل فهمه في نفسه. فإن كنت تقصد بالبعدية تلك المعارف التي لا يكتسبها الإنسان إلا بعد المشاهدة، فهذا القانون نفسه ما كان أحد ليتصور الشكل المثلث ذا الضلعين المتعامدين في التجريد الذهني، دون أن يكون لديه محصول من المشاهدات، ولو على الأقل في كيفية رسمه رسما مجردا على الورق! ولو تأملت في أكثر براهين القانون نفسه لوجدتها مما يلجئك إلى تجريد أشكال تحتاج إلى تصويرها مجردة حتى تفهم كيف تحصّل ذلك البرهان. فهل هذا مما خلقه الله في نفوسنا من قبل أن نحس بهذه الحواس التي نبدأ في استعمالها بمجرد أن نخرج من أرحام أمهاتنا، أم هي مما عرفنا جانبا منه بعدما حصلت لنا المشاهدة، أم ماذا؟ الله أعلم. هذا لا ثمرة ترجى من تكلف تفصيله والبحث فيه، وطريقة الفلاسفة في تقسيمهم الصارم فيه لما هو "قبل" بهذا الإطلاق" ولما هو "بعد" تفسد على الناس فطرتهم وترجع من الاختزال والإجمال بما يضر لا بما يفيد. فهل قاعدة فيثاغورس صحيحة في نفسها في كل مكان وزمان، بصرف النظر عن الكيفية التي يعرفها بها الناس؟ الجواب نعم، فهذا معنى من معاني الضرورية، لا علاقة له بمسألة القبلية والبعدية هذه على أيما تعريف قلت به للمصطلحين، فبسبب طريقة الفلاسفة في تناول المسألة، اختلطت طبيعة المعلوم بطبيعة العالم به، أو طريقة تحصيله ذلك المعلوم، من حيث صحة ذلك المعلوم ومطابقته الواقع في نفس الأمر، وهذا من آثار ذلك الإجمال الذي ذكرته لك. والقصد بارك الله فيك وحتى لا نطيل، أن منطق تقسيم المعارف بهذه القسمة الثناية السخيفة هو سفسطة من مبدأ الطرح، وإجمال في طريقة البحث، واختزال وتجاوز للغيبيات في موضوع النظر، وكل ذلك ما كان شيخ الإسلام رحمه الله ليقبله من أصحابه ولا ليخوض معهم فيه، والله أعلى وأعلم."

إرسال تعليق