وبيان أنه ما به يمتاز أهل السنة والجماعة عن الفرق النارية
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله،
أما بعد، فقد فوجئت من قريب بمداخلة للدكتور محمد باسل الطائي، أستاذ الفيزياء العراقي المعروف، كتبها تحت المحاضرة الأولى من محاضرات سلسلة "بيان منهج أهل السنة والجماعة في التجريبيات"، استنكر فيها أن يكون قد حصل إجماع للسلف في أي مسألة من المسائل على الإطلاق!! والظاهر أن بعض طلبته قد دعوه لسماع هذه السلسلة أو عرضوها عليه، فلما رأى أن الأساس الذي تقوم عليه محاضرة المقدمة قياما تاما، هو ما نقرره من إجماع السلف على المنع من اقتحام الغيبيات المطلقة بالرأي والقياس والنظر، اختار أن يتخذ من مبدأ الإجماع نفسه، كمصدر من مصادر التلقي الأساسية في دين المسلمين، موضوعا للنقض والإسقاط، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فداخله بعض الإخوة جزاهم الله خيرا بالتنبيه إلى بعض اللوازم الخطيرة المترتبة على هذا الكلام، فلم يلتفت الدكتور إلى شيء من ذلك، وأبى إلا أن يقابلهم بالمغالطات الجلية، وأن يهاجمهم من أجل أسلوبهم الذي لم يعجبه، والله المستعان. وفيما يلي أنقل المحاورة كما جرت في قسم التعليقات، أنقلها بتمامها لما تكشفه من منهج معرفي خطير وانحراف كبير في مصادر التلقي عند الدكتور هدانا الله وإياه والمسلمين!
----------------------------
الدكتور الطائي:
اين ومتى حصل اجماع للسلف على مسالة من المسائل؟؟
أحد الإخوة:
من إجماعات السلف على سبيل المثال تحريم أن يتكلم الجاهل بالمسائل الشرعية
الدكتور الطائي:
وهل اتفق السلف على تعريف الجاهل؟
أحد الإخوة:
قطعا اتفقوا، وإلا فلازم كلامك هو أن الله تعالى أنزل دينا لا يُعرف الجاهل به من العالم به، ولا يعرف الناس لمن يرجعون إذا رجعوا وعمن يأخذون دينهم إذا أخذوه!!! وهذا اللازم خطير جدا نسأل الله السلامة قال تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)) [النحل : 43] قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: إنما هذا العلم دين فلينظر أحدكم عمن يأخذ دينه ولولا الفرقان الذي جاء به القرآن بين العالم والجاهل، ما قال تعالى: ((يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)) [المجادلة : 11] وما قال: ((قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ)) الآية [الزمر : 9] فتأمل لوازم كلامك فإنها وخيمة!
ثم هل هذا سؤال مستفهم مستعلم، أم سؤال معترض؟ إن كانت الأولى أحلناك إلى كتب أهل العلم، وإن كانت الثانية، فنعيذك بالله من شر نفسك! يعني أنت سمعت المحاضرة، ثم لم تجد ما ترد به على صاحبها وفقه الله إلا أن تنسف مبدأ الإجماع نفسه، الذي هو المصدر الثالث من مصادر التلقي في دين المسلمين، الذي قال الله فيه: ((وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً)) [النساء : 115]؟؟ سبحان الله!
الدكتور الطائي:
اخي اين الاجماع الموهوم اذا كان المسلمون انشقوا من اول عهدهم بعد وفاة النبي.
من جانب اخر، وانتم تدعون الى نظريات جديدة، يجب ان تتعاملوا مع الناس بلطف وتنزلوا الناس منازلها اجاباتك مستفزة ومتعالمة عيب هذا الاسلوب!
أحد الإخوة الزوار:
الجهل وغيرها من الاصطلاحات هي أصلًا اصطلاحات عربية فأي عربي بسيط عندما يقال له فلان جاهل بكذا يفهم مباشره المقصود من الكلام، فالجهل اصطلاح عربي ولم يأتي الشرع بمصطلح خاص بلفظة الجهل حتى يقال هل اتفق السلف على ذلك أم اختلفوا.
وكلامك خطير جدًا يا دكتور ويلزم منه مصادمة قوله تعالى : ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾ والمحكمات أي واضحات الدلالة ولا تحتمل أكثر من معنى فأنت كأنك تقول لا القرآن كله متشابه وكله مختلف في فهمه. وبعض الأقوال يظهر فساده من لوازمه.
أبو الفداء ابن مسعود:
الحمد لله وحده، أما بعد، فقد تقدم في كلام الإخوة جزاهم الله خيرا إلزامات لم نر منك تعليقا عليها يا دكتور. ثم نقول بعون الله تعالى: ليس الإجماع من حيث الأصل موهوما وإنما زعمه كذلك من خالفوه وخرجوا عنه! والذي يزعم أن الإجماع لم يحصل ولم يثبت في الأمة على شيء البتة، هذا يلزمه مناقضة صريح القرآن، بل يلزمه التسوية بين دين المسلمين ودين اليهود والنصارى في الضلالة والضياع المعرفي، وسأبين لك بحول الله تعالى وجه ذلك، فأرجو أن يتسع صدرك لسماع ما عندنا. فبداية نقول إنه من الواضح أن الخلاف واقع في الأمة لا محالة كما وقع فيمن سبقوها، فهذه سنة كونية ماضية لا تبديل لها في أمة من الأمم، بل قد جاء في السنة أنه يكون في أمتنا فوق ما كان في اليهود والنصارى من ذلك، أعني الافتراق على فرق وطوائف ومذاهب شتى.. فالحديث فيه أن اليهود تفترق على واحد وسبعين شعبة، والنصارى على ثنتي وسبعين شعبة، وأمتنا تفترق على ثلاث وسبعين! فالافتراق فينا أكثر مما في الأمم التي خلت!
فلا يعقل أن يكون المراد بسبيل المؤمنين الذي ذم الله في القرآن من اتبع غيره، هو ما اتفق عليه جميع أهل القبلة بلا مخالف، فالسمع والحس يشهدان بأن الخلاف واقع لا محالة في كل أصل من أصول الدين حتى يبلغ ببعض الفرق أن تخرج من دائرة الإسلام بالكلية! فنحن إن دعونا الناس إلى إجماع نزعم ثبوته ونطالبهم بلزومه، فلسنا ندعوهم إلى ما دل الواقع على خلافه كما تزعم! وإنما ندعوهم إلى ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه! هذا هو الإجماع المعتبر وهو "الجماعة" التي ندعو المسلمين كافة إلى لزومها! كان الناس على فهم لدينهم ولمراد الله ورسوله من كلامهما فيه، هو الفهم الحق، ثم ظهر الجهل والزيغ وفشا الانحراف في الناس فافترقوا إلى طوائف وفرق، كما في قوله تعالى: ((كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)) [البقرة : 213]، وكما في قوله: ((وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)) [يونس : 19]!
فهل يقال إذن: فليسلك كل امرئ ما يستحسنه عقله، ولا عليكم بما كان عليه الرسول وأصحابه؟ ففي أي شيء بعث الله الرسول إذن وما فائدة بعثته صلى الله عليه وسلم؟؟ هذا يقوله اليهود والنصارى لأن الله لم يتكفل لهم بحفظ دينهم، وإنما أوكلهم إليه فضيعوه! ليس عندهم سند متصل، بنقل الثقة الضابط عن مثله وصولا إلى رسول من رسل الله! ولا قيمة لنص يرثه أصحابه ولا يرثون معه الفهم الصحيح الذي يطابق الواقع من حيث كونه مراد صاحب النص، كما هي حال السابقين! ليس عندهم سلف في الفهم والأصول والمنهج ولا يحتكمون إلا إلى ما يجعلونه بأهوائهم هو فهم النص والدين! وهذا ما تفضل الله علينا بالعصمة منه، فتأمل فإن قلت ولكن أنت لا تنكر أن الخلاف قد حصل في فهم كثير من النصوص بين الصحابة أنفسهم، قلنا نعم صحيح، ولكن الفرق الجوهري بيننا وبين الأمم السابقة في هذا، أن الله تعالى قد تكفل لنا بحفظ أقوالهم في الأمة في كل مسألة اختلفوا فيها، فنحن نقطع بأن الحق لا يخرج عنها، لأننا مأمورون بلزوم سبيل المؤمنين، وهؤلاء هم أعلم الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم وأحواله وأقواله، رضي الله عنهم وأرضاهم!
فمن رحمة الله تعالى بهذه الأمة وفضله عليها، أن تكفل للاحقين من المسلمين بحفظ القول الحق في كل مسألة اختلف فيها هؤلاء النبلاء الأكارم رضي الله عنهم، ثم تكفل لكل مجتهد محقق لشروط الاجتهاد أن يأجره على طلبه معرفة ذلك القول وإن لم يوفق إليه! أما أن يقال إن اختلاف السابقين دليل على أن الأمر رأي في رأي، وليس للأولين فضل على من بعدهم، وليس في الأمر إجماع البتة، فهذا يضيع به الحق الذي يجب على المسلمين التماسه في كل مسألة، ولا يبق لأمتنا مزية على من سبقها من الأمم البتة! هذه مسألة بدهية كما أن السنة جاءت بالنص عليها كما تقدم. وإلا فبأي شيء امتازت هذه الأمة عمن سبقها إن صح أن كان افتراقها الذي هو حاصل فيها لا محالة، قد عدم فيه ما يمكن أن يقال إنه "سبيل المؤمنين" والإجماع الذي يجب على من تأخر من قرونهم أن يلزمه ويعض عليه بالنواجذ؟؟ قولك: "وانتم تدعون الى نظريات جديدة يجب ان تتعاملوا مع الناس بلطف وتنزلوا الناس منازلها اجاباتك مستفزة ومتعالمة عيب هذا الاسلوب"، قلت: يا دكتور التعالم في اللغة هو ادعاء العلم، وعند العلماء يطلق ويراد منه ادعاء العلم على جهل، والذي حصل أنك نفيت ركنا من أركان المعرفة في الإسلام لم ينفه أحد من أهل العلم بدين الله تعالى، ولم ينفه قبلك إلا غلاة الفلاسفة! فعندما يعرض عليك الإخوة الإحالة على ما فيه بيان ثبوت ما نفيته، فليس في ذلك تعالم مذموم، ولا فيه حط على منزلتك، وإنما هو من بيان الحق الذي لا يجوز كتمانه
ثانيا: يا دكتور، أنا لم أعرض نظرية جديدة في محاضراتي، ولست أدعو إلى نظريات أصلا، وإنما أزعم أن ما قدمته هو الأصول الاعتقادية والمسلمات الوجودية الصحيحة التي لا يجوز للمسلم أن يعتقد خلافها، وهو ما يخالف ما عليه الفلاسفة الطبيعيون الغربيون من زمان ما قبل سقراط! وعندما أزعم الإجماع على ما ذكرته في المحاضرة، فلست مطالبا بإثباته، لأنه لم يعرف في قرون المسلمين من تجاسر على الخوض في الغيبيات المطلقة بالنظر والقياس، دع عنك أن يؤسس أصولا كلية تهدر ذلك الغيب بالكلية، كما هي أصول ما يسمى بالطبيعية المنهجية Methodological Naturalism، لم يأت أحد من المسلمين بذلك إلا ذمه العلماء وحذروا من أبواب الزندقة التي فتحها على الناس!
وأعني بالعلماء هنا علماء أهل السنة بطبيعة الحال، وليس الفلاسفة وأهل الكلام وغيرهم ممن فاصلهم علماء الحديث وأهل السنة مفاصلة منهجية صارمة لا تهاون فيها! خلاصة المحاضرة بجزئيها هي أننا نقول للمسلمين إياكم والافتيات على الله تعالى باختراق غيب السماوات والأرض بلا سلطان، وبادعاء الحتمية الطبيعية التي لا يرى أصحابها من أنواع الأسباب في غيب الزمان والمكان إلا السبب الطبيعي وحده! فإن لم يكن هذا المعنى من أصول أهل السنة التي هي أصول الإسلام نفسه، ومنهجه الذي لا يحيد عنه إلا من لا يبالي من أين يأخذ العلم بالغيب وما فيه، فأي شيء هو؟ أنا أقول: لا تقبلوا النظريات والأقيسة في الغيوب المطلقة، خلافا للطبيعيين الدهرية الذين لا يؤمنون بالغيب ولا يرفعون به رأسا، هذه هي خلاصة المحاضرة، فكيف أكون داعيا لنظرية جديدة؟ أما ما هي حدود الغيب المطلق (الذي لا يجوز للمسلم اختراقه بالرأي والنظر والبحث بإجماع المسلمين) من الغيب النسبي (الذي يجوز الفرض والتنظير والقياس فيه للمصلحة)، وما ضوابط ذلك، فهذا ما شرعنا في بيانه وتحريره في محاضرات هذا الموقع المبارك، وفي كتابنا الجديد "معيار النظر عند أهل السنة والأثر"، نسأل الله أن يعجل بطباعته ونشره، والله الموفق لما يحب ويرضى
. د. أبو الفداء حسام بن مسعود
أستاذ مساعد بكلية الهندسة جامعة عين شمس
الدكتور الطائي:
أشكرك أخي أبو الفداء على تجشمك عناء الإيضاح. لكن النتيجة واحدة: أنت تشطب على جميع من يخالفونكم الرأي والاجتهاد وتدعون الحق معكم بالإنكار على غيركم دونما إثبات أو دليل لأنكم تعتبرون أنفسكم الفرقة الناجية. أقول إن هذا السبيل قد أصبح فاقد الصلاحية Expired منذ زمن وليس في وسعي الدخول في جدل سقيم حوله. الواقع يقول أن الناس قد غادرت عملياً مثل هذه المواقف المتزمتة.
وما انحراف الشباب المسلم وجنوحهم الى الإلحاد أفواجاً بالتشبث بأهداب الكشوف العلمية المعاصرة إلا دليل على فشل الخطاب الديني التقليدي والإلزامات التي تشير اليها في دخل عقولهم. وإني لم أشأ التعليق أصلاً في صلب المسائل التي عرضتها لأن الحوار على طريقتكم لن يوصل الى نتيجة. لكن يمكنك أن تطلع على رأيي لو أنك تقرأ كتابي (دقيق الكلام: الرؤية الإسلامية لفلسفة الطبيعة). هدانا الله وإياكم الى الصواب والسلام عليكم
أبو الفداء ابن مسعود:
يا دكتور أنت ما تكلفت حتى عناء الرد على هذا الإيضاح الطويل الذي تجشمت أنا عناء كتابته، واكتفيت بتقرير دعوى ظالمة من جنس مغالطة خيال المآتة Strawman Fallacy أو "رجل القش كما يسميها المناطقة المعاصرون يقال لنا أنتم لا تقبلون الخلاف، وعندكم تشدد وتزمت وتحتكرون الحقيقة وكذا، وكأن المسائل التي خالفناهم فيها من مسائل النزاع والاجتهاد في الفرعيات مثلا، وليست في صلب العقيدة وأصول الدين التي حفظها الله في تراثنا بالسند المتصل والنقل المستفيض المتواتر لفظا ومعنى، والله المستعان ليس الخطاب الذي يعلم الناس دينهم كما جاء به رسول الله صلى اللهعليه وسلم ويحذرهم مما يخالفه، هو الذي يدفع بالشباب إلى الإلحاد يا دكتور، وإنما يدفعهم إلى الإلحاد ذلك الخطاب المنبطح الذي يجعل عقيدتهم كلها وفهمهم كله لجميع ما في القرآن من نصوص في خبر الغيب، خاضعا خضوعا منهجيا مطلقا لنظريات الطبيعيين ودعاواهم الميتافزيقية التي جعلوها هي العلم الأعلى في بابها جريا على أصولهم الفلسفية التي إذا انتبه الشاب ممن تابعوكم على طريقتكم أنها تلزمه، لم يجد ما يحجزه من التزامها ومفارقة الدين إلى الإلحاد فقولك إننا نتشدد ونتزمت وكذا، هذا نسمعه أكثر ما نسمعه من أولئك الفلاسفة والمفكرين الذين لا يريدون من أحد أن ينكر عليهم ما هم ماضون فيه من تحريف لنصوص الوحيين وتنزيل للكلم في غير موضعه، تلبيسا له بتنظير الطبيعيين في الغيبيات المحضة، فلا يفرقون ولا يريدون أن يفرقوا بين قضايا عقدية قطعية وأمور معلومة من الدين بالضرورة، بعضها لا يثبت عقد الإسلام لرجل ينكره أو يتوقف فيه من الأساس، وبين أمور يرد عليها الخفاء ويدخلها النظر ويجوز فيها الاجتهاد والرأي أنا أقول إن الدين الذي ليس فيه أصول عقدية محكمة منصرمة لا يدخلها الرأي والنظر، بل جميع المسائل فيه مفتوحة للرأي والاجتهاد، هذا محال أن يكون هو الدين الخاتم الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي تكفل رب العالمين بحفظه في قوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون إذ يجب عقلا أن تظل طائفة من عدول المسلمين تنقله فيما بينها كما نزل غير مبدل ولا محرف، مهما كثرت الفرق الشاذة والطوائف المنحرفة التي لا تقيم وزنا لثوابته وأصوله ولما توارثه هؤلاء بالسند المتصل أقول إن وجود هذه الطائفة في أمة قد قضى الله تعالى أن يحفظ فيها الدين إلى قيام الساعة، هو أمر ضروري عقلا، بصرف النظر هل نحن من تلك الطائفة تحقيقا أم لا، وإلا فبأي شيء حفظ الله ديننا وميزنا عن الأمم التي كانت قبلنا؟؟
لو صح أن كانت جميع الطوائف جارية في فهم الدين على رأي حر لا سند له يربطه بفهم الصحابة تلامذة الرسول، فما الفرق إذن بين طوائفنا وطوائف اليهود والنصارى؟؟ أقول هذا الكلام وأنتظر من الدكتور أن يبين دليل بطلانه على الأقل من الناحية العقلية، وأن يرد على إلزامات الإخوة، فلا يأتيني إلا بما ترى والله المستعان لست ممن يستجيزون الجدال والمناظرة مع المخالفين لعقيدة أهل السنة، فلن أعاود التعليق، وإنما كرهت أن تبقى الشبهة منشورة بلا رد، والله يهدينا وإياكم للرشاد وأما بخصوص مشروعك يا دكتور في إحياء ما سميته "بدقيق الكلام"، فقد أطلت النفس في الرد عليه في كتاب لي يصدر قريبا بإذن الله تعالى بعنوان "معيار النظر عند أهل السنة والأثر" والسلام
----------------
انتهى نص المحاورة.
ونقول في التعقيب إن مسألة الإجماع كانت ولم تزل فيصلا بين أهل السنة وأهل الأهواء على اختلاف أهوائهم وتنوعها عبر تاريخ المسلمين، وهي مسألة خطيرة ليست بالهينة. ولن تجد صاحب هوى وبدعة إلا محاربا للإجماع معترضا على دعوى حجيته، سواء كان إجماعا معينا في قضية بعينها، أو كان محل الاعتراض هو مبدأ الإجماع السلفي نفسه من الأساس! فمهما حاول هؤلاء أن يتسوروا على الدين وعلى نصوص الوحيين بحملها قسرا على ما يريدون وما يوافق أهواءهم من التأويلات والمعاني البدعية، اصطدموا بما عند أهل السنة من إجماعات السلف التي كانت ولم تزل هي الحصن المنيع الذي به حفظ الله الدين في تلك الطائفة المنصورة التي لا يضرها من خالفها أو خذلها حتى تقوم الساعة وهم على ذلك، نسأل الله أن نكون منهم!
وما من شك في أن مبدأ الإجماع عند المسلمين يتناول بالأولوية إجماعهم على أن لهم ربا خلقهم، يجب إفراده بالعبادة والتأليه وحده لا شريك له، مرورا بما دون ذلك من مسائل معلومة من الدين بالضرورة، أي يكفر من ينكرها أو يزعم أن له فيها رأيا مخالفا أو نظرا جديدا، كمسألة وجود الجن ووجود الجنة والنار، والمعاد والبعث والحساب ووجود الملائكة والرسل السابقين وأن الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام وأنه خلق آدم بيده من طين لازب، إلى غير ذلك من قضايا خبرية علمية أجمع عليها السلف وأطبقت قرون المسلمين على ذلك، ولم يعرف فيها مخالف من عامة المسلمين فضلا عن خاصتهم وعلمائهم، وكذلك يقال في العمليات التي لا يتصور خفاؤها على مسلم سمع القرآن وعقله في يوم من الأيام، كوجوب الصلاة وغيرها من المباني الخمسة، وتحريم الزنا والربا والسرقة وغير ذلك، فهذه المسائل كلها يقال فيمن تمارى في شيء منها أو زعم أنه يخفى عليه أو يرى دليلا على خلافها، أو أن السلف لم يجمعوا عليها، إنه منكر لما علم من الدين بالضرورة، وهذا كافر مرتد ولا شك، لأنه يكون مكذبا لصريح القرآن، إذ لا يثبت الإجماع في معلوم من المعلومات الاضطرارية في دين المسلمين إلا وجدته مستندا إلى نصوص محكمة متواترة قطعية الدلالة لا يرد عليها احتمال أو اشتباه البتة، ولله الحمد والمنة! ثم لا يثبت ما دون ذلك من الإجماعات إلا وجدته مستندا لا محالة إلى دليل ظاهر جلي، لا يماري في دلالته إلا مكابر، ولكنه (أي ذلك الدليل) يتصور خفاؤه على بعض العامة من جهلهم، فلا يقال إنه من المعلوم من الدين بالضرورة.
فمنكر الإجماع في مسألة من المسائل التي عرف فيها وتقرر وساد في قرون الأمة من غير أن يُعلم فيها مخالف ممن يؤخذ منهم العلم، هذا ما بين أن يكون كافرا مرتدا، أو مبتدعا صاحب هوى، أو جاهلا لا يدري يمينه من شماله، سواء صرح العلماء بالإجماع في المسألة تنصيصا أم لم يصرحوا! وأما إنكار مبدأ الإجماع نفسه في الأمة، أي نفي أن يكون قد حصل إجماع بين المسلمين على شيء من أمور الدين أصلا من بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا كفر ولا شك لأنه إذن يتناول في جملة ما أنكره، الإجماع على كل ما هو معلوم من دين المسلمين بالضرورة، فانتبه!!
سئل العلامة الفوزان حفظه الله تعالى هذا السؤال:
صاحب الفضيلة ، بعض العلماء يقول: الإجماع ليس بحجة، وإنما يُستأنس به لأنه ليس هناك إجماع إلا ويستند إلى نص، ثم إن دعوى الإجماع في كثير من المسائل ينظر فيها، ما رأيكم في هذا القول؟
فأجاب قائلا: إنكار الإجماع مطلقاً كفر وردة عن الإسلام، إنكار الإجماع مطلقاً اللي يقول ما فيه إجماع مطلقاً هذا كافر، أما اللي ينكر بعض صور الإجماع فهذا فيه نظر، يُشاف كلامه، هل هو صحيح ولا ليس بصحيح؟ لأن فيه أشياء ادُعي فيها الإجماع ولم يحصل فيها إجماع، أما اللي ينكر الإجماع مطلقاً ويقول لا يحتج به فهذا كافر، كافر بالله عز وجل، لأن الإجماع موجود والحمد لله، فالعلماء أجمعوا على العقيدة، وأجمعوا على توحيد الله عز وجل، وأجمعوا على تحريم الربا، وأجمعوا على تحريم الزنا، وأجمعوا على مسائل معلومة من الدين بالضرورة، الذي ينكر الإجماع مطلقاً هذا كافر، أما الذي ينكر بعض صور الإجماع فهذا قد يكون له وجه، ينظر فيه . نعم .(1)
قلت: فالإجماع بهذا الإطلاق يتناول ما هو معلوم من الدين البضرورة، كما يتناول ما يتصور خفاء ثبوت الإجماع فيه من أنواع المسائل على العامة من المسلمين، كما أن من الإجماعات ما يدعيه بعضهم دون أن يكون قد ثبت بالفعل، وإنما وجد من عدول الأمة من علمائها المجتهدين في الأولين والآخرين من يثبت بمجرد مخالفته واستدلاله المخالف أن القضية لا يرد عليها الإجماع ولا يتصور فيها أصلا! فلو أن عاميا جاهلا أنكر الإجماع على تحريم المعازف، مثلا، وقد نقله جمع من العلماء كابن الصلاح وابن جرير وأبي بكر الأجري وغيرهم، فتترس في ذلك بما نقل عن بعض العلماء من تجويزها، فهذا صاحب شبهة يبين له ويحاجج، فإن أبى وأصر عاملناه معاملة الفساق من أهل الأهواء ولا كرامة! فإن أدلة التحريم ظاهرة جلية لا يماري فيها إلا مماري، فيدل مجرد التأمل فيها بتجرد على صحة دعوى الإجماع وغلط من خالفه! وكذلك من أنكر تحريم الوطأ في الدبر، أو تحريم زواج المتعة، أو تحريم الخروج على أئمة الجور، مثلا، فهذا لا يكفر بذلك لأن له شبهة، والمسألة يتصور خفاء أدلتها على بعض المسلمين، وقد ترى من يستند فيها إلى كلام قديم قد استقر إجماع السلف على خلافه، كما اعتادت الخوارج العصرية على سلوكه في رد دعوى الإجماع على حرمة الخروج على السلطان الجائر، مستندين إلى ما في بعض الآثار من مخالفة مزعومة لبعض السلف لهذا الأصل العظيم!
فالأدلة مع أنها في ذلك كله ظاهرة جلية، وإجماع السلف فيها متقرر في مظانه، إلا أنها لا تعد مما علم من دين المسلمين بالاضطرار، فلا يحكم على المخالف فيها بالكفر بمجرد المخالفة أو رد الإجماع، وإن استحق اسم الفسق أو البدعة بإصراره على المخالفة فيها.
ونقول إنه ليس كل إجماع يجب أن يكون مستنده نصا صريحا من الكتاب والسنة!
فكل فعل أجمع المسلمون على تجويزه وإباحته، فليس دليلهم في ذلك هو النص الصريح في ذلك الفعل بخصوصه ضرورة، بل ولا في الأكثر والأغلب، وإنما دليلهم فيه هو عدم النص على الحظر والتحريم في الفعل بخصوصه، مقرونا بالأدلة المستفيضة المتواترة على أصل الإباحة والتجويز في نوعه! فمثلا لا يصح أن يقال ما الدليل على أن المسلمين قد أجمعوا على جواز أكل التفاح! فصحيح إنه ليس فيه نص بخصوصه، ولكن قد أجمعوا على قاعدة كلية مفادها أن ما لم يثبت النص بتحريمه من المطعومات مما سوى الحيوان فهو حلال، لما استفاضت به النصوص المحكمة من أن الله تعالى قد أحل لنا الطبيبات من الرزق وأحل لنا المآكل والمشارب مما في الأرض من طيبها دون خبيثها. فكان عدم النص المخصوص في المسألة التي أثبتنا فيها الإجماع هو مستند ثبوته هنا، وليس النص، فتأمل!
ولهذا لا نقبل ممن يرد علينا دعوى الإجماع السلفي على حرمة التنظير وإعمال العقل والأقيسة التجريبية في مسألة نشأة العالم ونشأة الأنواع الحية على الأرض بعد عدمها، بزعمه أنه لم يثبت في ذلك نص، ولابد للإجماع من نص! فإن الإجماع ثابت على حرمة القول في أمور الغيب بالرأي والنظر، ووجوب التوقيف فيها على السمع وحده، وهذا (أي المنع من القول على الله بغير علم، وإفراده جل شأنه بالعلم بالغيب، وحده لا شريك له) أدلته مستفيضة في الكتاب والسنة، لا تحتاج إلى جمع أو إيراد! فإذا ثبت أن بابا من أبواب التنظير عند الفلاسفة هو من قبيل التنظير بالرأي والقياس في الغيبيات المطلقة (سواء كان على طريقة الفلاسفة القدماء أو طريقة الطبيعيين المعاصرين)، صار الخائض فيه برأيه وتنظيره وبحثه التجريبي مخالفا للإجماع مخالفة ظاهرة، وليس له أن يقول أثبتوا لي أن الإجماع ثبت في المنع من التنظير التجريبي في الكوزمولوجيا أو في أصل الأنواع الحية، مثلا، بنقله منصوصا عليه في كلام السابقين، أو على الأقل بنقل النص الصريح الذي استندتم فيه إليه! ولا نقبل منه تكلفه تأويل بعض النصوص على أنها تدل على مشروعية ذلك المسلك، ومشروعية الاشتغال بتلك الأبحاث والنظريات، لأنه إذن يكون تأويلا بدعيا مخالفا للإجماع في فهم النص نفسه، كما أنه مخالف للإجماع الذي ذكرنا، فتأمل!
وقد بينا فيما رأيت من جوابنا للدكتور أن الإجماع هو الميزة التي ميزنا الله بها عن الأمم السابقة، وهو أعظم سبب حفظ الله به هذا الدين إلى قيام الساعة! فإنه لو قدرنا أن لم يكن بين أيدي المسلمين، عند العلماء العدول منهم، أدلة في فهم الدين، في الشطر الأعظم من مسائله، هي من الإحكام والظهور والجلاء بحيث لا يخالف فيها إلا مكابر قد حكم على نفسه بالهوى والمكابرة بمجرد المخالفة، لو عدمت تلك المنزلة المعرفية بشيء من أمور الدين فيما توارثناه عن سلفنا، للزم أن نكون كسابقينا من اليهود والنصارى الذين حكم الله عليهم بتبديل الدين وتحريف الكلم عن مواضعه، حتى لم يعد لديهم من المحكمات ما يرد إليه ما تشابه عندهم، ولا من القطعيات في الثبوت والدلالة ما يحكم على المخالف فيه بأنه مبتدع ضال صاحب هوى! فإنه بدون ذلك، تصبح جميع النصوص محلا للرأي والنظر والخلاف المعتبر، والاجتهاد في استنباط المراد منها، وهو ما يلزم منه التسلسل في إثبات أصول الدين، إذ لا يأتي أحد بشيء يزعمه دليلا على أن الناس يجب عليهم أن يعتقدوا كذا وكذا، إلا رد عليه من يزعم أن لديه دليلا على عكس ذلك، من غير أن يكون في المسألة محكم يرجع إليه، لا تأصيلا ولا تفريعا! وإذن لثبت في حقنا كما ثبت في غيرنا قوله تعالى: ((وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ)) الآية [البقرة : 176]
ولما صح فينا ما تفضل الله به علينا سبحانه في قوله تعالى: ((كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)) [البقرة : 213] وإذن لما كان لمبعث الرسول من فائدة أصلا! فإذا كان الناس مختلفين لا محالة، وكان اختلافهم منشئا للطوائف والفرق الشتيتة لا محالة، لزم ألا يحصل حفظ الدين الحق الصافي الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ولا أن يحصل الاجتماع الحق (مفهوم الجماعة الحق) الذي هو ضد الافتراق والتشرذم، إلا بوجود طائفة من العدول الضابطين الثقات الصادقين السالمين من الأهواء، تتوارث ذلك الفهم الصحيح بالسند المتصل، جيلا بعد جيل، وأن يكونوا هم من قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "من كان على ما أنا عليه اليوم وأصحابي"، وإلا لكانت الفرق والطوائف كلها من أهل القبلة سواء في الضلالة والضياع! وهذا برهان عقلي ظاهر، كما ألزمنا به الدكتور، على ضرورة أن توجد تلك الطائفة المنصورة، تلك الطائفة التي لا تقول بالكتاب والسنة وحسب، ولكن بالكتاب والسنة بفهم السلف رضي الله عنهم، في تلك الأمة الخاتمة التي تكفل رب العالمين بحفظ الدين فيها إلى قيام الساعة، فالحمد لله على نعمة الإسلام أولا ثم على نعمة السنة،
وكتب
أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
----------------------
(1) https://alfawzan.af.org.sa/ar/node/2387
