اعلم أن المسلمين أحوج إلى من يحذرهم من انحرافات المشتغلين بالرد على الملاحدة، منهم إلى المنشغلين بالرد على الملاحدة..
فإنه ما ظهر الكلام وما ظهرت الطريقة الجهمية على اختلاف طوائف أصحابها في تاريخ المسلمين إلا من جهل المتصدرين للرد على الملاحدة.. وانظر إن شئت في مناظرة الجهم للسمنية التي أوردها الإمام أحمد رحمه الله في كتابه الرد على الجهمية.. فما كان الكتاب موضوعا في الرد على السمنية وإنما في الرد على البدع العظيمة التي تلبس بها جاهل صاحب هوى عند تصدره للرد عليهم! ولا شك أن البدع الكلية عندما تساق إلى العامة المتعرضين لبضاعة الملاحدة على أنها هي جواب الإسلام عن تلك البضاعة وحجته القاطعة عليها، فإنها تكون أعظم خطرا وضررا على الدين من بضاعة الملاحدة المردود عليها على التحقيق.
وبيان ذلك أن الملحد مهما شرق أو غرب بهذيانه فإنه لا يصرح بعدم وجود الباري إلا كان مصرحا بما يناقض الفطرة ومتكلما بكلام لا تخطئ رائحته النتنة أنوف العامة الأسوياء مهما قال! فإذا كان لدى بعضهم فتنة بشيء من نظرياته الميتافزيقية التي استند إليها في دهريته، أصبح الراد عليهم مطالبا عند ذلك المفتون بأن يثبت أن تلك النظريات لا توصل إلى الإلحاد كما زعمه الملحد، بل يجب أن يثبت أن الإسلام قد جاء بموافقتها تمام الموافقة.
ويا حبذا لو يزيد بأن يثبت وجود الصانع باستعمال تلك النظريات.. فإنه إذن يكون قد قدم لعقيدة المسلمين - في وهم أولئك المفتوتين من مخانيث الفلاسفة - أساسا معرفيا من "العقل الصريح" و"العلم الصحيح" على شرط الفلاسفة الأكاديميين الذين فتن ببضاعتهم، ومن ثم يكون قد نفى عن المسلمين تهمة إيمان السفهاء (أو التقليد في الإيمان كما سميت عند المتكلمين)!
فإذا خرجت البراهين من ذلك الصنف وخرج الكلام على تلك الوتيرة، أصبحت تلك النظريات عند أولئك هي أساس دينهم وأصل إسلامهم، وأصبح ذلك النظر ومبدأ تلك البرهنة هو أول واجبات المكلفين، وأصبح لزاما عليهم أن يتلبسوا بكل لازم تستلزمه مقدمات تلك البراهين والنظريات التي تقوم عليها وأن يردوا جميع النصوص التي تخالفها أو أن يؤولوها وإلا انتقض عليهم بنيانهم وانهار بين أيدي الخصوم..
لذا نقول إن حاجة المسلمين إلى القادرين على تتبع جهمية تلك الفرق ومنبع تلك الضلالة الكبرى في أصل طريقتهم، كما أسس له شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، هي أعظم من حاجتهم إلى من يحسن الرد على الملاحدة والفلاسفة على طريقة أهل السنة دفعا لضررهم على المسلمين. ولا شك أنه لن يكون المتصدر للرد على الملاحدة منضبطا على طريقة أهل السنة على التحقيق حتى يكون بصيرا بطرائق الجهمية وأهل الكلام في نفس الأمر، فإنه لم يزل ذلك الباب مفرخة لطوائف الجهمية بداية من معتزلة واصل ابن عطاء ووصولا إلى تطويرية عمرو شريف، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أخوكم
أبو الفداء بن مسعود
