الحمد لله وحده، أما بعد، فقد صادفت في صحيفة الوطن المصرية كلاما للداعية خالد الجندي نشرته تحت عنوان "الجندي: من يفتي بتحريم فوائد البنوك متعمدا «كافر وخارج عن الملة"، فهالني ذلك جدا، وعجبت من الجرأة على التكفير ممن يزعمون محاربة التكفيريين! ولو أردنا أن نبين ما في هذا العنوان وحده من أغاليط، لما كفانا هذا المقال، والله المستعان!
فأما أولا: فهل يتصور أصلا في الفتوى بقول ما أن تقع عن غير تعمد للإفتاء بذلك القول، حتى يقال "من أفتى بكذا متعمدا" فحكمه كذا؟؟ يعني أفتى بقول وكان يقصد الإفتاء بخلافه مثلا؟؟ الحق أن الجندي ما قال إن تحريم الفوائد كفر، وإنما قال تحليل الربا كفر، ولكن يبدو أن الصحافي كاتب المقال حرف الكلام لمصلحة تحقيق الفرقعة الإعلامية والله المستعان!
ونقول تعليقا على العنوان إن العمد إنما يتصور غيابه في الفعل الذي قد تداخله نيات متباينة، يشرب الرجل في نهار رمضان، مثلا، وهو لا يتعمد الفطر ولا ينويه، بل يكون ساهيا أو جاهلا، فلا يكون حكمه كالعالم المنتبه، أو يشرب المسكر وهو يظن أن قليله ليس بمحرم لأنه لا يسكر، فيدرأ عنه الحد أنه من جهله لم يتعمد ما يوجب الحد، أو يسجد عند الصنم ولا يقوم في نفسه معنى السجود له من دون الله، فلا يكون متعمدا فعل الشرك، أو كالذي قال اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح، هذا ونحوه ما يدخله النظر في القصد والتعمد! أما أن يفتي رجل بقول ما، وتقع منه تلك الفتوى تحقيقا، ثم يقال إنه إن كان قد أفتى به "متعمدا أن يفتي به" فحكمه كذا، فهذا والله من المضحكات المبكيات!
وأما ثانيا، فالقول بتحريم فوائد البنوك هذا إما أن يكون مبنيا على نص صريح قطعي الثبوت قطعي الدلالة، أو أن يكون مبنيا على نظر واجتهاد ظني واستنباط، جماعيا كان أو فرديا! فأما إن كانت الأولى، فلا يكون المفتي بما يخالف النص الصريح كافرا بمجرد ذلك، إلا أن يكون موضوع المخالفة معلوما من الدين بالضرورة، كالذي يقول الزنا في الإسلام حلال، أو أن يكون دون ذلك ولكنه يستحل مخالفة الشرع فيه لنفسه وللناس، وإذن يكون مناط التكفير إما إنكار معلوم من الدين بالضرورة، أو الاستحلال القلبي، وليس مجرد تعمد الإفتاء بما يخالف النص الصريح القاطع! وأما إن كانت الثانية، فمتى كان تعمد الإفتاء بما يخالف ما عليه بعض الفقهاء والمفتين في مسائل الاجتهاد والنوازل الفقهية العصرية (ولو كانوا جمهورهم)، كفرا في مجرده؟؟؟ وإذن فما الفرق بين هذا الموقف وبين الخوارج الحرورية الذين لا ينظرون إلى موانع التكفير وعوارض الأهلية؟؟ سبحان الله!
فوائد البنوك يا كاتب هذا المقال، من النوازل العصرية التي يستنبط فيها الحكم بالقياس وبإعمال قواعد الشريعة وكلياتها! تصور المعاملة على صورتها الصحيحة المطابقة للواقع (وهو ما قد يدخله الغلط البشري بطبيعة الحال، وهو في هذا كثير) ثم يستنبط حكمها الشرعي بالقياس على ما يناظرها مما جاء فيه النص! فبأي عقل أو دين يقال إن من يفتي بتحريمها متعمدا يكون كفارا خارجا عن الملة، على أساس أنه يحرم ما أحله الله؟؟!
هذا كلام رجل حاقد موتور، لا يعرف يمينه من شماله لا في أصول العقيدة ولا في أصول الفقه، والله المستعان ولا حول ولا قوة بلا الله!
تأمل ماذا قال الجندي (فيما نسبه إليه كاتب المقال)، قال الكاتب:
"قال الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، إن الشخص الذي يتعمد تحليل ما حرم الله سبحانه وتعالى أو تحريم ما أحله الله عز وجل يُعد كافرا وخارجا عن الملة، مستشهدًا بقول الله تعالى في كتابه العزيز «إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ»، وذلك عند حديثه عن تحريم البعض لفوائد البنوك، مؤكدًا أنهم يحرمون ما أحل الله." اهـ.
قلت المقدمة حق والنتيجة باطل، وما أكثر ما يتكلم أهل الأهواء بالحق يريدون به الباطل، والله المستعان! لا ريب في أن الذي يتعمد تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحله الله، هذا كافر خارج عن الملة قولا واحدا وبإجماع المسلمين! ودليل ذلك ليس الآية التي ذكرها الكاتب (ولا أدري هل هو كلام الجندي أم كلام الكاتب)، وإنما دليله قول الله تعالى في بني إسرائيل: ((اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [التوبة : 31]، أخرج أحمد في مسنده والترمذي في سننه، عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية، قال فقلت له: إنا لسنا نعبدهم. قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ فقلت: بلى. قال: فتلك عبادتهم.
واتخاذ الأحبار أربابا من دون الله وعبادتهم من دون الله شرك وكفر لا مرية فيه. فهذا هو الدليل، أما الآية المنقولة فكأنما أخرجها الرجل في بحث سريع على قوقل واستند إليها لا لشيء إلا لأن فيها قوله تعالى "فيحلوا ما حرم الله"، والله المستعان!!
فنحن نسلم قطعا بصحة المقدمة، ولكن بأي عقل أو دين يقال تأسيسا على ذلك، إن من يحرمون فوائد البنوك على أنها ربا، يحرمون ما أحل الله؟؟؟ أين النص الصريح قطعي الدلالة قطعي الثبوت في فوائد البنوك في الكتاب أو في السنة؟؟ تحليل ما حرم الله يقال فيمن يستحل الربا يا رجل (وهذا ما قاله الجندي في أصل الكلام، كما أبلغني بعض إخواني جزاهم الله خيرا)، لا أن من ظهر له بعد تصور حقيقة فوائد البنوك أنها ربا فأفتى بتحريمها، يكون محرما ما أحل الله!! فالجندي أساء إلى نفسه وإلى الأزهر، وهذا الصحافي أساء إليهما فوق إساءتهما، والله المستعان!
يواصل الكاتب فيقول:
"وأضاف «الجندي»، خلال تقديمه برنامج «لعلهم يفقهون»، الذي يُعرض على قناة «دي إم سي»، أن الله عز وجل أحل البيع وحرم الربا ولا يُحرم البنوك، «إحنا المفروض نتفرغ الأول لتعريف الناس معنى الربا، وبعد كده نقول بقى هل البنوك ضمن الربا ولا لأ، مينفعش تمنع حد يأكل من طبق، وتقعد تقوله الطبق ده مسموم ولا تشرح له، قوله الطبق ده مسموم، فيه سم كذا في مكان كذا عشان يبقى عارف السم فين». "
قلت: سبحان الله! دخول المعاملات البنكية العصرية في معنى الربا يحتاج إذن إلى بحث وتحقيق! فإذا حررنا الربا في الشرع ثم بحثنا في معنى فوائد البنوك وحقيقتها (وليس البنوك بهذا الإطلاق المكتوب)، فتبين لأحدنا بعد البحث أن فوائد البنوك من الربا وفي معنى الربا، فأفتى بذلك، يكون بفتواه كافرا محرما ما أحل الله ؟؟؟ إذن لما تفقه فقيه ولا بحث باحث ولا عرف الناس الفقه والاستنباط يوما من الدهر، مخافة أن يحرموا ما أحل الله!!
الكاتب ينقض ما حرره في العنوان من حيث لا يشعر، والله المستعان!
وأنا أعجب والله، من من أهل العلم الكبار عند أهل السنة الذين أفتوا بحرمة الفوائد البنكية (وأنت تعلم من هم وما منزلتهم في الإفتاء في بلاد المسلمين في عصرنا هذا، كالمملكة وغيرها)، لم يبينوا للناس سبب الفتوى ووجهها ومستند صاحبها فيها؟؟ أنت تحارب خيال المآتة يا شيخ خالد، أنت وهذا الصحفي الغمر! هذه مغالطة رجل القش كما يسمونها!
ثم قال الكاتب فيما يبدو واضحا أنه فرح به جدا من كلام الرجل على حلقته المذكورة:
"وأشار عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، إلى أن من يفتي بأن فوائد البنوك ربا وحرام يقوم بالطعن في شعب مصر بالكامل، ويطعن في نفسه أيضًا «حضرتك البيجامة اللي أنت لابسها عملتها شركات ومصانع وأخدة تمويل بنكي، الأسفلت اللي أنت ماشي عليه واخد تمويل بنكي عشان يتسفلت، البنك بقى ضرورة حياتية بعدما خربت الذمم وتغيرت الضمائر، لو اديت الفلوس لأخوك ابن أمك وأبوك ممكن يأكل الفلوس وانتهت القصة، وأموال اليتامى بتضيع والأرامل فلوسها بتضيع من غير فوائد، البنك هو اللي يستفيد، وياخد الفوائد لنفسه والأيتام يروحوا فين؟"
قلت هذا تلبيس محض! لأن فتوى تحريم الفوائد، إنما ترجع بالتحريم على معاملة البنك بالفوائد البنكية! أما معاملة الشركة التي تقترض من البنك بالفوائد الربوية، فمسألة أخرى، والجهة بينهما منفكة عند من شم رائحة الفقه بأنفه! هذا التحريم بالتسلسل رأيناه في شبهات الجهال من التكفيريين ومن شاكلهم، ولم نعجب من ذلك! فهم من يكفرون المجتمع بكليته، فمن تعاون معه بوجه من الوجوه فهو مقر لنظامه الطاغوتي عندهم، وإذن فلا يجوز له لا أن يعامل البنك ولا أن يعامل الشركة التي اقترضت من البنك، ولا الهيئة الحكومية التي رصفت الطريق مستعينة بفوائد البنك، إلى آخر ذلك! أما أن نسمع من شيخ أزهري معمم، له قناة فضائية اسمها "قناة الأزهري"، الزعم بأن تحريم فوائد البنوك على أنها ربا يلزم منه تحريم الحياة في المجتمع المعاصر، أو ما في معناه، فهذا والله من أعجب العجب، والله المستعان! فإن قال: ولكن لا أقصد هذا وإنما قصدت أن إظهار الفتوى بتحريم الفوائد البنكية على أنها ربا، يقتضي تحريم الاقتراض من البنوك، وهذا يرجع على الدولة بفساد عظيم إن عملت به جماهير الناس، قلنا هذا لا يغير من حكم تلك المعاملات من حيث الأصل، وإنما يحمل المفتي على النظر في أحوال الناس عند الفتوى، فإن المنكر إن ترتب على إنكاره منكر أعظم منه، حرم إنكاره، ولكنه يبقى، مع هذا، منكرا، له اسم المنكر وحكمه، ولا يتحول عن ذلك!
قوله إن اليتامى والأرامل إذا أودعوا أموالهم في البنك بدون فوائد فإن البنك هو الذي يستفيد (على أساس أنه يستثمر تلك الأموال) ولا يستفيد المودع في البنك، هذا لا تأثير له في حكم المسألة ولا في صورتها أصلا! البنك كيان اعتباري أودعت أنا لديه مالا، فما معنى تلك الوديعة؟ هل هي قرض أقرضته إياه، بحيث إن طلبته منه في أي وقت رده علي (أ)؟ أم هي أمانة استأمنته عليها: خزانة آمنة استودعت صاحبها مالا أود أن أحفظه من الضياع والسرقة، فأنا أودعه لديه وأئتمنه عليه، فهو يخدمني بتلك الخدمة، وفي المقابل يستفيد بوفرة السيولة المالية لديه هو فيستثمر تلك الأموال لصالحه، ما دامت عنده، مع ضمان إرجاعها لمن أودعوها لديه كاملة في أي وقت يطلبونها فيه (ب)؟ أم هي شراكة أدخلها مع ذلك الكيان الاعتباري برأس مال أستثمره معه (ج)؟ لا وجه ولا معنى لإيداع الأموال عند البنك إلا أن يكون واحدا من هذه الثلاثة!
فعلى الوجه (أ)، فإن طالبت البنك بفائدة مقابل إقراضه المال، فهذا هو ربا النسيئة بعينه وحذافيره! كأنما يقول صاحب البنك للمودع: أقرضني مالك لأستثمر به، ولك عندي أنك كلما أطلت بقاءه عندي، ازدادت الفائدة التي أضيفها لك عليه، أي أن مدة التأجيل، تأجيل الاسترداد، توجب الزيادة في مقابل الإقراض .. فإن لم يكن هذا هو ربا النسيئة فليس في الأرض ربا!! وأما الوجه (ب)، فهذا ما يقال له الحساب الجاري، وليس ما يسمونه بالاستثماري، وهذا مختلف فيه عند العلماء، بين من يرى أنه لا بأس به ما دام المودع لا يستفيد إلا بحفظ ماله في الخزانة، وسهولة استرداده أو السحب منه أو الزيادة عليه متى أراد، ومن يرى أنه حرام لأن صاحبه بهذا يكون معينا للبنك على الإقراض والاقتراض بالربا! وأما الوجه (ج) فإنما يكون كذلك عندما يكون البنك والعميل متفقين على أن تكون الفائدة المادية الراجعة للعميل من استثمار ماله، هي نسبة من الأرباح الكلية للبنك، تساوي نسبة ماله من رأس المال الكلي لدى البنك! وهذا لا يقع، حتى في البنوك التي تزعم أن معاملاتها إسلامية، وأن العلاقة بينها وبين العميل علاقة مضاربة! فإن غاية ما تراه أن تجد نسبة متغيرة للفائدة التي يحصلها العميل، ولكنها لا تكون نسبة محسوبة من الأرباح الكلية، فهذا لا يطلع عليه العميل أصلا، وإنما هي نسبة من رأس ماله هو! فهل هذه الصورة حقيقتها أنها استثمار وشراكة بالمال كما توهم البنوك من يتعاملون معها؟ أبدا! ليست كذلك حتى تكون على ما ذكرنا، وهذا غير حاصل!
هذا في الوديعة، وأما الاقتراض من البنك فمعلوم أنه ما من بنك إلا وهو يقرض الناس بالربا، يوجب عليهم الفوائد المتصاعدة، لأنه يرى أنه إن لم يقرض الناس بمقابل مادي فلن ينتفع من الإقراض بشيء البتة، والإقراض بمقابل مادي هو الربا، وهو ما قال الله فيه: ((الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)) الآية[البقرة : 275] فما قولهم "إنما البيع مثل الربا"؟ هو قولهم إن البنك لن يستفيد ولن ينتفع بشيء إن قدم خدمة عامة للناس يقرضهم الأموال بلا فائدة مالية ترجع عليه من ذلك! ولا شك أنه لولا أن كان الإقراض بمقابل مادي (ربا النسيئة)، ما ظهرت فكرة البنك أصلا عند من بدعوها! إذ البنك خدمة مالية وظيفتها أن تتربح وتتكسب من التعامل بالأموال! تقرضك بمقابل، تحفظ أموالك لديها بمقابل، تستثمر في أموالك بمقابل، وهو مقابل في جميع الأحوال ليس على وجه الشراكة الصريحة في التجارة أو الاستثمار، وإنما هو على وجه الأجر مقابل المعاملة. إن أنا (البنك) أقرضتك، فأنا أبيعك خدمة الإقراض، وإذن فأنتظر منك المقابل المادي من أجل ذلك، وإلا ما "استفدت" بشيء! وإن أنا أذنت لك بإيداع أموالك عندي على أن أحفظها لك من الضياع، فأنا مستفيد من ذلك بأن أضيف أموالك تلك إلى رأس مالي الذي أقرض به غيرك بالفائدة سالفة الذكر، وإن أحببت أن يعظم انتفاعك أنت بإيداعك الأموال عندي، فسأدفع لك فائدة ثابتة في مقابل ذلك الإيداع، تكون نسبة من نفس المال الذي أودعته عندي، حتى أشجعك على أن تودع المزيد والمزيد من أموالك، لتحصل على المزيد من الفوائد، ومن ثم يعظم رأس مالي أنا (البنك) ويزداد ما يرجع علي من فوائد الإقراض للمستثمرين والصناع والتجار ومن شاكلهم! هذه هي خلاصة فكرة البنك يا شيخ خالد، إن أردت أن تفهمها على حقيقتها!
فلو أنه (أي البنك) دخل شريكا برأس المال في المشروعات التي يمولها، على المعنى المشروع الذي بينا، لما دخل في معنى الإقراض الربوي أصلا، ولكنه يمد المستثمرين بقروض بنكية لها فوائد ثابتة (أو متغيرة من نفس رأس المال) وعليها ضمانات كما هو معلوم! فهو آكل للربا في الإيداع الاستثماري وشهادات الاستثمار وما شاكلها، ومؤكل للربا في الإقراض الاستثماري!! وأنا أتحداك يا شيخ خالد أنت وغيرك أن تبينوا فساد أو بطلان هذا التصور لهاتين المعاملتين البنكيتين، وفساد دخولهما في معنى الربا، بمستند صحيح عقلا أو نقلا!
فمن محض التلبيس أن يقال للناس: أودعوا أموالكم لديهم وطالبوهم بالفوائد المالية مقابل ذلك الإيداع، حتى لا يكون البنك هو وحده المستفيد من الاستثمار في أموالكم! أي استفادة أصلا وما صورتها وما وجهها؟؟ هلا أتحفت الناس بالتفصيل والتصور الذي تطالبهم به؟؟
ولا تأثير كذلك لما ذكر من حقيقة كون القروض البنكية داخلة في عامة الاستثمارات والمرافق وتعاملات الدولة المالية وهذه الأشياء، على أصل هذه الصورة، ومن ثم على أصل حكمها! فعموم البلوى بأكل الربا في التعامل مع البنوك، وقيام عامة الاستثمارات والخدمات والمرافق العصرية عليها، لا يوجب تحريم "البنوك" بجميع معاملاتها (على الصحيح) كما لا يوجب تجويزها جملة بجميع معاملاتها في المقابل (كما ترمي إليه أنت ومن هم على شاكلتك)! وإنما يوجب أن نفصل بكل دقة عند الفتوى والقضاء، وأن نفرق بين حكم المعاملة في نفسها، هل هي ربا أم لا، من حيث دخول صورتها في معنى الربا من عدمه، وبين حكم التعامل بها مع البنك، فنفرق في ذلك بين أن يكون التعامل من حكومة من حكومات المسلمين، مرهونة بشروط نظام دولي له عقوبات ولكل قرار فيه من التبعات والمتولدات ما يحتاج إلى تدقيق وتفصيل ونظر في المآلات والعواقب العاجلة والآجلة وتأثيرها على المصلحة العامة للمسلمين في البلد، فيكون واجبا عليها الخروج من المعاملة الربوية ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، ما لم يرجع بالضرر العام على المسلمين (والحاجة العامة قد تنزل منزلة الضرورة كما هو مقرر عند الأصوليين)، وبين أن يكون ذلك من فرد من أفراد الرعية المسلمة يملك أن يجتنب المعاملة الربوية ويعدل عنها إلى ما لا شبهة فيه (سواء في استثمار أو في قضاء حاجة ما)، فضلا عما ثبتت حرمته بمجرد تصوره، عملا بقوله عليه السلام "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" وقوله عليه السلام "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه"!
أما أن يقال في جعجعة فارغة وتهويل أجوف: من يفتي بأن فوائد البنوك ربا وحرام يطعن في شعب مصر كله، فهذا سخف وجهالة وسوء أدب مع من لا يحصيهم صاحب هذا الكلام من العلماء والفقهاء وأهل الفضل.
فيا هذا الصحافي، اتق الله عند النقل عن الناس، فإنك موقوف بين يدي من لا يخفى عليه مثقال حبة خردل! ويا شيخ خالد اتق الله في نفسك وكفاك إساءة إلى المؤسسة الدينية التي تنتسب إليها، وبين للناس أن من معاملات البنوك ما هو ربا صريح، ولا تخريج له إلا هذا، وأن الدولة قد تضطر إلى التعامل به في كثير من الأحيان من باب أكل الميتة، مع وجوب العمل على التخلص من ذلك ما استطاعت! أما أن يقال بكل سهولة وبهذا الإجمال الفاحش: البنوك ضرورة حياتية، والفانلة اللي حضرتك لابسها أنتجتها شركة بتاكل قروض بنكية، فهذا غش للمسلمين وتضييع لأمانة التوقيع عن رب العالمين، والله المستعان لا رب سواه!
انتهى المقصود من الرد، والله الهادي إلى سواء السبيل،
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له.
