جواب سؤال في تفريق المتفلسفة بين المعارف الفطرية بالهوى والمزاج!


الحمد لله وحده، أما بعد، فقد سألني أحد الأفاضل عن سؤال جاءه من أحدهم، وعن الجواب الذي أجابه به، فقال وفقه الله:

"السؤال
؛ اذا لم تكن مسألة انفراد الله بالربوبية المطلقة بحاجة لبيان ، ودليلها الاصلي هو الفطرة فما هو الشاهد القطعي من العقل على ثبوتها في النفوس كفطرة من غير مقدمات ونتائج ؟؟ فمثلا مسألة وجود خالق هي قطعية في الفطر لأن شاهدها من العقل حاضر يلجؤنا الى الاعتراف بخالق فلكل خلق خالق ، ولكن ما الضرورة العقلية الملجئة التى تدفعنا للإقرار بأن الله منفرد بهذا المقام فتحيل تلك الضرورة ان يكون مثلا هناك من هو في مقام الله لو فرضنا مثلا ان سطوة هذا الثاني خارج هذا الكون اي على كون آخر منتظم متناسق خارج كوننا ؟؟ لما اجبته بدليل التمانع قال هذا الدليل مفاده هو وقوله تعالى (الواحد القهار) التذكير بالالوهية والاحتجاج عليها وليس الاحتجاج على كمال انفراده سبحانه مطلقا ، ثم كيف كان الأمر قبل نزول هذه الآية آية المؤمنون ، فقلت له الفطرة ترى من غير مقدمات أن في الوحدة والانفراد كمال التنزيه ،، ولكني اشعر بنقص في الاجابة او مغالطة ما ، فأرجو من فضيلتكم الإفادة وجزاكم الله خيرا"

انتهى.

فأجبته بجواب رأيت أن أنشره على العام حتى تعم الفائدة إن شاء الله تعالى. 

قلت في الجواب:

عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

حياك الله أخي الكريم. والله يا أخي بعض الأسئلة لا جواب لها أحسن من أن تترك بلا جواب! وحق أصحابها أن يوعظوا وأن ينهوا عن الترسل مع الأسئلة والإيرادات على طريقة الفلاسفة ومن شاكلهم! يعني لما تقول لإنسان: إن هذه المسألة معروفة بداهة وثابتة في الفطرة ثبوتا يغني عن التماس السبب الذي تكتسب به المعرفة بها في نفوس العقلاء الأسوياء، فيقول لك: أنا لا أسلم لك بهذا، وأطالبك بالدليل! فهنا حقيقة الأمر أحد خصلتين لا ثالث لهما: إما أنك أنت كاذب في زعمك أن المسألة بدهية فطرية، والحق أنها ليست كذلك، وإذن فليس لك التعلق بها دون الاستعانة بدليل نظري يحصل بمثله العلم بها ويثبت في النفس، وإما أنه هو جاحد للبداهة والفطرة مكابر يزعم الجهل بما لا يصح اسم العقل فيمن ينكره أصلا! فهل مسألة وحدانية الله تعالى وتفرده بالربوبية على كل ما سواه، مسألة تحتاج إلى نظر والتماس الأدلة التي بدونها لا يسلم العقل السوي بثبوتها في نفس صاحبه؟؟ هل حقا يتصور في عاقل سوي النفس، أن يكون مائلا بقلبه ونفسه إلى عبادة من يجوز أو يرد في نفسه ولو من بعيد، احتمال أن يكون له نظير أو مكافئ أو ند قد استقل عنه بحكم عالمه الخاص، كما يحكم ربنا سبحانه عالمنا هذا؟؟ وهل نفتقر إلى برهان التمانع أو نحوه حتى يثبت لدينا بطلان ذلك وامتناعه؟؟ أبدا! الله تعالى لما شنع في القرآن على من زعموا له نظيرا ومكافئا، شنع عليهم بالإلزام بما هو واضح جلي بدهي عند العقلاء، وهو أنه لو قدر له نظير أو مكافئ، لكان كل واحد منهما مفتقرا إلى الآخر من وجه أو أكثر، ولو على الأقل بأن يفتقر إلى السلامة من مغالبة الآخر له وانتصاره عليه أو على الأقل من منازعته إياه فيما هو متسلط عليه!! من كان هذا شأنه كان معرضا لأن يغلبه صاحبه ولأن يعلو عليه، وهذا محال في حق من نعبده ممتنع بداهة وضرورة! ولسنا نحتاج لتقرير هذا الامتناع ابتداء حتى نعرف أن ربنا سبحانه لا يجوز أن يكون له ند أو كفء أو قريب من ذلك، وإنما يساق ذلك إلى الناس حتى يستشنعوا لوازم الباطل الذي عليه من يجعلون لله أندادا، لتتعاظم شناعة الموقف الذي هم عليه بذلك! وإلا فلو فتحنا الباب للفلاسفة لطالبونا بالدليل على صحة دعوى بدهية وضرورة أن يكون الرب المعبود كاملا غير موصوف بالنقص بصورة من الصور! فإن جئته بالدليل الذي يشترطه عليك (موقعا نفسك في التسلسل بمجرد ذلك)، أجابك بأنه لا يكفيه، وأخرج لك من الاعتراضات على ما فيه ما يحسن هؤلاء الخبثاء تكلفه في كل دعوى لا تروق لهم! وإذن لما انتهيت معه إلى شيء! فهؤلاء، بارك الله فيك، لا نبدأ معهم أصلا ولا نلتفت إليهم ولا نجيبهم إلى ما يشترطون! 

وهذا مما نخالف فيه المتكلمين خلافا جذريا! 

فهم لا يأتيهم الفيلسوف بأمثال تلك الاعتراضات والإيرادات إلا أخذوها مأخذ الأحاجي والتحديات العقلية المنطقية التي يكره أحدهم – في حقيقة الأمر – أن يظهر بين يدي صاحبها وكأنه عاجز عن تكلف الجواب عنها، على النحو الذي يرضى بمثله أمثال هؤلاء! كيف لا يرد ولا يحسن الرد (على مقاييس الفلاسفة)، وهو يعلم أنه إن لم يفعل فستلحقه التهمة بأنه ليس على شيء، وبأن إيمانه إيمان المقلد السفيه؟ هذا لا يتصوره لنفسه أبدا ولا يمكن أن يقبله! مع أنه لو احترم عقله وأنزل الحق الذي عنده منزلته التي تليق به، لوقف موقفا حازما يسفه به أحلام من زعموا أنه ليس بالحق البدهي الجلي الظاهر، ويكتفي بالتشنيع عليهم بمثل ما ألزمهم به ربهم سبحانه ويقف عند ذلك ولا يزيد! 

تأمل التفريق المتكلف المتنطع الذي تكلفه الرجل بين القضيتين: قضية وجود الباري سبحانه، وقضية تفرده بالربوبية! 

قال إن الأولى لا تفتقر إلى "شاهد قطعي من العقل على ثبوتها في النفوس كفطرة من غير مقدمات ونتائج"، خلافا للثانية! فما هو الشاهد القطعي هذا، الذي يلجئ إلى الاعتراف بها دون مقدمات؟ قال: "لكل خلق خالق"! طيب فما المانع من أن يقال نظير ذلك – من حيث الشهود العقلي - في حقيقة أن "المخلوقات كلها لابد أن تكون راجعة إلى خالق واحد غير مخلوق"؟ ما الذي يجعل الدعوى الأولى "ثابتة في النفوس كفطرة من غير مقدمات ونتائج" على حد عبارته، ولا يجعل المنزلة نفسها والدرجة نفسها للدعوى الثانية؟؟ 

إنه تفريق من له غرض من التنطع في تلك الأبواب، غرض لا يحركه ولا يحمله عليه إلا الهوى الخفي، نسأل الله السلامة! إما أنه سفساط مشرك يريد أن يفتح الباب لإسقاط تلك القضية لأنه يشتهي الفرار من التوحيد ولوازمه، وإما أنه متفلسف يريد إظهار نفسه وقدراته العقلية على فيلسوف تخوّض معه فيما لم يكن له أن يخوض في مثله أصلا من أنواع المسائل! فإن النفس إذا تمكنت منها تلك الأغراض والأهواء، ساغ في عين صاحبها ما لم يكن لمثله أن يستساغ ولا أن يطرح أصلا من أنواع المسائل، وانحدرت إلى حمأة السفسطة والسخف الذي ما كان للنفس السوية أن تقبله، وهو مع ذلك يرى نفسه من أصحاب العلوم العالية والمعارف الدقيقة التي يحسن للناس أن يشتغلوا بها وألا يتركوها بلا جواب! إنها والله من أعظم الانتكاسات العقلية والفكرية التي لا ينتبه إليها ولا إلى عوارها وخطرها إلا موفق مسدد، نسأل الله السداد!  

قوله: "ولكن ما الضرورة العقلية الملجئة التى تدفعنا للإقرار بأن الله منفرد بهذا المقام فتحيل تلك الضرورة ان يكون مثلا هناك من هو في مقام الله لو فرضنا مثلا ان سطوة هذا الثاني خارج هذا الكون اي على كون آخر منتظم متناسق خارج كوننا" قلت: فكذلك يتصور من مسفسط أن يقول: "وما الضرورة العقلية الملجئة التي تدفعك للإقرار بأن الله موجود أصلا، فتحيل تلك الضرورة أن يكون العالم نفسه أو بعضه قائما مقام الله لو فرضنا مثلا أن الكون لم يزل يتقلب من حال إلى حال من الأزل وإلى الأبد؟؟" فما كان جوابك عن هذه السفسطة، فهو جوابنا نحن عن أختها ولا فرق!! 

فإما أن تسوي بين الجميع فتجعله كله حقائق فطرية بدهية كما هي منزلتها عند أهل العلم والعقل والإيمان كافة، بداية من الرسل وأصحابهم ومن تابعهم بإحسان إلى يوم الدين، وإما أن تجعله كله دعاوى نظرية لا تثبت إلا من طريق النظر والقياس، وإذن فكبر على عقلك أربعا، والسلام على من اتبع الهدى! 

هذا يا أخي هو غاية ما عندنا في مثل هذا، والنصيحة لك بارك الله فيك ألا تخوض مع هؤلاء ولا تلتفت إليهم، فوالله إن العمر قصير، والفتنة غير مأمونة، والشبهات أخاذة، ولا يزال الشيطان يراود أحدنا عن عقله حتى يذهب به إن لم نتحصن من ذلك بما بمثله تحصن الأنبياء صلوات ربي وسلامه عليهم وحصنوا به أتباعهم، فاتق الله في عقلك وقلبك، واشتغل بما فيه نجاتك، والحمد لله أولا وآخرا

أخوك 

أبو الفداء ابن مسعود

غفر الله له ولأهله ولوالديه وللمسلمين

إرسال تعليق