في النبز بقولهم "السلفية المدجنة"!!

الحمد لله وحده، أما بعد، فمن الأسماء الجديدة التي ظهرت وشاعت بين بعض الناس دون أن يكون لإطلاقها ضابط شرعي صحيح أو حد جامع مانع، قولهم "السلفية المدجنة"! وهذا الاسم في الحقيقة اسم إعلامي صرف، ليس اسما علميا، بمعنى أن يكون قد ظهر وسرى وذاع بين العلماء وطلبة العلم، سواء كان اسما أطلقه أهل السنة كاسم الجهمية والسرورية والحدادية وما شاكل ذلك، أو اسما أطلقه المخالفون لأهل السنة، كاسم الوهابية والمداخلة والتيمية ونحوها! فالاسم العلمي هنا أقصد به الاسم الذي استعملته طائفة من المشار إليهم بالعلم إجمالا (من قبل الأقران لا العوام)، وجرت عليه تلامذتهم وتجاذبه علماء الطوائف والفرق أخذا وردا، سواء كان حده محكما منضبطا، جامعا للمسمى المقصود مانعا لدخول غيره فيه، أو لم يكن كذلك. وحد الاسم العلمي هو بيان قول ومذهب من يسمون به عند صاحبه، بيانا يحصل به المقصود من التسمية. فلا يكفي، مثلا، أن يقال في مقام التبيين: القبوريون هم الذين يعبدون بعض الصالحين من الموتى من دون الله! فإن محل النزاع بين الفرق والطوائف هو في تحرير قولنا "يعبدون" هنا. فلو قدرنا أن عدم أو فقد ذلك التحرير في تصانيف أصحاب هذا الاسم، في بيانهم من يقصدون منه على وجه التحديد، وما أحوالهم وأفعالهم التي أوجبت لهم الحكم الملازم لذلك الاسم، لم يقم الاسم بالمقصود العلمي من إطلاقه. وإذن لم يسلم من يرمي به فريقا من الناس من أن يكون ظالما لهم بذلك، إن كان مقصود استعمال الاسم هو الجرح والتحذير وصد الناس عن هؤلاء. فالذي يحصل به المقصود من استعمال اسم القبوريين، هو ما تجده في تصانيف أهل العلم من تحرير وجه كون المسمَّين به متلبسين بعبادة غير الله تعالى فيما يسلكونه مع الصالحين المقبورين. هذا ما إن وجد، كان الاسم من الأسماء العلمية نوعا، وأصبح مدار قبوله ورده على أدلة صاحبه في تحرير الموقف الشرعي من تلك الأقوال أو الأفعال ومن قائليها أو فاعليها، وهل توجب الاستقلال باسم يخص صاحبه دون اسم الإسلام، قياما بمصلحة شرعية معتبرة، أم لا توجب ذلك. وأما إن لم يوجد ذلك التحرير أو وجد وكان مجملا مشتبها لا يجري على طريقة أهل العلم ولا يقوم بالمطلوب، فلا يكون إلا اسما إعلاميا.    

والاسم الإعلامي أقصد به ما يطلقه بعض الجهال أو أنصاف المتعلمين، لمزا وتسفيها لمخالفيهم، دون أن يضبطوا له حدا شرعيا يرجى منه المنع من نزول حكم المسمى (عند واضع الاسم) على غيره ظلما وعدوانا! فالواجب على الإنسان عندما يستحدث اسما يطلقه على طائفة ما، بحيث يكون مضمون الاسم هو الذم لمن يناله ذلك الاسم، أو يثبت استحقاقه للدخول فيه، الواجب أن يضبط له حدا واضحا لا لبس فيه، حتى لا يصبح الناس يتقاذفونه فيما بينهم ظلما وبغيا، فيدخلوا في قوله تعالى ((ولا تنابزوا بالألقاب)) الآية. فعندما نطلق على غلاة الصوفية اسم القبوريين، كما ذكرنا آنفا، فإنما نقصد به تلك الطائفة من المنتسبين إلى الإسلام، الذين يتلبسون بأفعال العبودية للمقبورين من الأولياء والصالحين ومن يعدونهم كذلك، من دون الله تعالى. فإذا انضبط الحد العلمي الواضح لما يكون عبادة للمقبور من دون الله، كما عليه الشأن في تصانيف أهل السنة، واستبان الطريق الذي به يتحقق مناط التلبس بتلك الأفعال في الإنسان، فإنه يصبح اسما علميا معتبرا، تترتب عليه أحكام شرعية منضبطة لا لبس فيها ولا اختلاط. وكذلك عندما نقول "جهمية" فهو اسم عام تدخل فيه طائفة كفرها السلف، ولها مناط منضبط للحكم على إنسان ما أو على جماعة من الناس بالدخول تحته، ومن ثم ورود أحكام الاسم عليه. ويطلق كذلك على طوائف أخرى تشترك مع تلك التي كفرها السلف في بعض الأقوال وفي المنهج الفلسفي الجدلي الذي أورثهم طريقتهم البدعية في الاعتقاد، من غير أن يكونوا متحققين بمناط التكفير بالضرورة. وكذلك عندما نقول سرورية، فيشار به إلى طائفة قد أحدثت، على أثر كلام من سُميت باسمه (محمد بن سرور)، طريقة للدمج بين اعتقاد أهل السنة في العلميات والخبريات والأسماء والصفات وفي القدر والإيمان إجمالا، وبين منهج الخوارج الحركيين القطبية في باب الإمامة وما يتعلق به، يقدمون تلك البدع المنهجية للناس على أنها هي طريقة أهل السنة السلفيين! فصاروا بذلك أخطر على عوام المسلمين من الإخوان وغيرهم من أصحاب الجماعات الحركية التي لا يعرف لها اشتغال بالعلم وطلبه وتدريسه، لأن الناس يقصدونهم وهو يتوهمون أنهم يقصدون السنة وتعلم السنة والعمل بها. وهؤلاء وإن كان اسمهم العلمي السرورية، إلا أن لهم كذلك، ولغيرهم معهم، أسماء "إعلامية" غير منضبطة، كقولهم: "السلفية الجهادية" و"السلفية العلمية" وما شاكلهما، إذ لا تدري كيف يفرَّق بين طائفتين من المنتسبين إلى السلف والسلفية، بحيث تكون إحداهما تمتاز عن الأخرى بأنها تقول "بالجهاد"، مثلا، وتمتاز الثانية بأنها "علمية"، خلافا للأخرى؟؟ كلتا الطائفتين أيا كان ما يميز إحداهما عن الأخرى، تقولان بالجهاد ولا شك، وكل واحدة منها لها مشايخها المقدمين فيها، الذين يعلمون الناس العلم وينشرونه، قلّ ذلك فيهم أو كثر! فما الضابط الفارق بين المسمى تحت كل من الاسمين؟ لا ضابط ولا شيء! ثم ما الأحكام الشرعية التي يفترق الناس في استحقاقها، ومن أجلها ظهر الداعي لتسميتهم بتلك الأسماء؟؟ الأسماء الشرعية والألقاب إما أنها تطلق من أجل أن يعرف الناس ما العلم أو المذهب العلمي الذي يدرسه الشيخ لطلبته فيقصدوه من أجله، كقولنا النحوي والأصولي وكذا، أو قولنا الحنبلي والمالكي والشافعي والحنفي وكذا، وإما أنها تطلق من أجل أن يتعلق بأصحابها مناط في التفسيق والتبديع أو في التكفير، حتى يحذرهم الناس ولا يأخذوا عنهم الدين! وقد يكون الداعي للتلقيب دنيويا، كقولنا فلان القاهري أو المغربي أو ما شاكل ذلك، يلقب بذلك من أجل أن يعرف الناس ما البلد التي هو مستقر فيها. فعندما يقال: "سلفية جهادية"، فما المستفاد من اسم كهذا؟ لا شيء! وإنما هو اسم سياسي إعلامي يشار به إلى توجه حزبي معين، في مقابل المذاهب السياسية الأخرى، على نحو لا ينضبط علميا كما ذكرنا. فإن قال السياسيون في تعريفه: هم تلك الفئة من المسلمين التي تعظم من مفهوم الخلافة الراشدة، وترى فساد النظريات السياسية الشائعة في بلاد المسلمين اليوم، فجميع من كانت له دراية بدينه من المسلمين يقول بذلك، دون أن يلزم من ذلك إقراره لأحزاب وجماعات الخوارج وتنظيماتهم على ما يزعمونه طريقا لتحقيق الخلافة في الأرض! وهم من حيث هم أهل سياسة، هذا ما ينظرون إليه ولأجله أطلقوا تلك الأسماء! فالجهادية عندهم أي التي تتلبس بما تسميه جهادا، على الوجه الذي لا ترتضيه الأحزاب والمذاهب السياسية الأخرى بطبيعة الحال، بصرف النظر عن حكمه الشرعي، وهل هم به أهل جهاد حقا كما يزعمون أم أهل إفساد في الأرض! فمن أراد التخصيص الصحيح، فالواجب أن يسميهم بالاسم الذي ارتضاه أهل العلم، وهو خوارج العصر أو الحركيون، لأنهم أصحاب حراك وعمل خارجي باطل، سواء كان سياسيا أو عسكريا. لا سيما والمطلوب الإشارة إلى جملة من المذاهب والآراء والمواقف السياسية، لا إلى جماعة بعينها أو حزب بخصوصه! 

وقد يكون ابتداء جريان الاسم واستعماله على ألسنة أهل العلم، ثم يفسده الدعاة والقصاصون والإعلاميون ومن شاكلهم، يدخلون فيه من ليس فيه، كاسم السلفية مثلا، فهو في الأصل إشارة عند أهل العلم لمن كان مستقيما على طريقة السلف في الاعتقاد والعمل، لا يقدم رأيه على نص أو أثر! ثم لما أكثر السرورية ومن شاكلهم من استعمال لفظة "سلفية" في الإشارة إلى أنفسهم، وعظم انتشار آلتهم الإعلامية التي تنسب ذلك إليهم وتدعو الناس إليه على أنه هو "السلفية"، حتى إن جماعة من جماعات الحركيين في مصر سمت نفسها صراحة "بالمدرسة السلفية"، ثم أخذوا بعد ذلك في بيان أن السلفية منهج شرعي وليست محصورة في جماعتهم وحدها، لما حصل ذلك، صار أهل العلم من أهل الأثر لا يرون المصلحة الشرعية في التسمي بهذا الاسم، بل مالوا عنه إلى اسم "أهل السنة"، لا سيما وقد فترت الآلة الإعلامية الأشعرية في دعايتها النسبة لذلك الاسم، مقارنة بما كان عليه الأمر قبل بضعة قرون خلت.     

فقد يكون الاسم موضوعا لغرض علمي معتبر، ثم ينحرف به فريق من المنتسبين إلى العلم، وليس العوام ومن شاكلهم، عما به يحصل الغرض الشرعي الصحيح من وضعه، فيعدل أهل الأثر عنه إلى غيره. كاسم أهل السنة مثلا. فقد كان في أصله، خلافا لما تزعمه الأشاعرة، لقبا يراد به أهل الحديث والأثر من علماء السلف، الذين تصدوا لبدع الجهمية والقدرية الأوائل، وصنفوا في ذلك كتبا كان اسم "السنة" هو الغالب عليها. فلما ظهرت الأشعرية وعلا صوتها في الأرض، وأصبح الناس يبحثون عمن يرد على الجهمية والقدرية فلا يجدون إلا بضاعتهم، إلا في القليل النادر، تطاولوا على لقب "أهل السنة"، وجعلوه علما عليهم. ثم تجوز بعضهم متنفلا أن يقال أهل السنة ثلاث طوائف: الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث، والله المستعان!         

وبعض الأسماء في المقابل تظهر ابتداء في وسائل الإعلام على ألسنة بعض الجهال وأشباههم، ثم يلتقطها بعض المنتسبين إلى العلم، فيتابعهم عليها تلامذتهم، فيضطر العلماء للرد عليها، ومن هنا تدخل إلى أوساط الاستعمال العلمي، كاسم الجامية والمدخلية. فقد نشآ ابتداء في منابر الإخوان الإعلامية، أسكتها الله وأراح المسلمين منها، قبل أربعين عاما تقريبا، في فترة حرب الخليج، يوم أن اشتد نكير علماء المدينة حفظهم الله، على فئة من الحركيين السرورية في المملكة، تطاولت على حكام المملكة آنذاك بالتكفير ودعاوى الخروج وكذا، فعمدوا إلى استخراج أصول تلك الطوائف الحركية وكبتهم وأجهزوا عليها بالنقد العلمي الواجب، لا سيما تصانيف إمامهم سيد قطب! فلما فعلوا ذلك، نحت الحركيون اسما من أسماء أظهر عالمين تصدرا بهذا النكير والبيان، وهما الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله، والشيخ ربيع بن هادي حفظه الله، ثم تفننت آلتهم الإعلامية في تعديد وجوه المخالفة الشرعية المزعومة عند هذين العالمين ومن سلك طريقتهم في الجرح والتحذير من أولئك الحركيين، حتى صارت تقدم للناس على أنها فرقة أو طائفة جديدة مبتدعة ظهرت على أعقاب حرب الخليج، تغلو في طاعة الحكام، زعموا، وتعاني من الإرجاء والغلو في الجرح والتبديع، إلى آخر ما قالوا! فهو اسم إعلامي النشأة، تلقاه بعض المتشرعين وطلبة العلم أصحاب الهوى الحركي والفكر القطبي بالقبول، وأصبحوا يصنفون فيه التصانيف والتآليف بدعوى القيام بواجب الحد العلمي التحرير المنضبط الذي أشرنا إليه آنفا. فهو يشترك مع الأسماء الفاسدة التي أحدثها أهل البدع السابقون، كالحشوية والوهابية وما شاكلهما، في أمر ويفترق معها في أمر. فأما الاشتراك، فهو في أن المقصود هو إظهار جماعة من علماء أهل الأثر القائمين بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بجرح بعض أهل الأهواء في عصرهم والتحذير منهم، على أنهم طائفة بدعية حادثة لا سلف لها، وهم أتباع في بدعتهم تلك لفلان بن فلان الذي تصدر في الباب بما تصدر به، وصار لهم من أعدى الأعداء! فمحمد بن عبد الوهاب رحمه الله، لما فضح غلاة الصوفية في عصره، وقضى الله له شوكة في البلاد النجدية على أيدي أمرائها في ذلك العصر رحمهم الله، ينصر بها السنة ويقمع بها بدعهم وشركياتهم يغيرها بيده، هب علماء القوم ومقدموهم بإطلاق اسم "الوهابية" على من تابعوه وتتلمذوا عليه رحمهم الله، تنفيرا وتلبيسا على الناس حتى يتوهموا أن ما عندهم إنما هو بدعة أحدثها لهم إمامهم (ابن عبد الوهاب)، ومن ثم ينصرفوا عنه ولا يتابعوه. 

فالمقصود الشرعي من التسمية: وهو الجرح والتعديل، يقوم به أهل العلم أصالة، فإن كانوا أهل سنة، ضبطوا الأمر بضوابطه الشرعية الصحيحة، وكان المسمى المتوجه إليه بذلك الاسم متلبسا بموجب الجرح أو التعديل على التحقيق، مستحقا للتسمية، سواء عدّ المجروح بها من الفرق النارية المستقلة أم دخل بها تحت فرقة قد استقر تقسيم أهل العلم للفرق النارية عليه سلفا. وإن كانوا أهل بدعة، صاروا به أصحاب ظلم وعدوان وبغي، يتهمون أهل السنة بأنهم مبتدعة محدثون لمذهب لا سلف لهم به، ينبزونهم بالألقاب تنفيرا، ومن ثم يطلقوا لقب "أهل السنة"، في المقابل، على موافقيهم من أهل البدع والأهواء. فالذين أحدثوا اسم "الوهابية" والذين أحدثوا اسم "الجامية" يشتركون جميعا في إيهام الناس ببدعية الطريقة التي عليها هؤلاء وهؤلاء، ورجوعها أصالة إلى إحداث أولئك الذين اشتق الاسم من أسمائهم (محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، ومحمد أمان الجامي رحمه الله)! وهم بذلك مبطلون على التحقيق. وأما ما يفترقون فيه، أصحاب اسم الوهابية وأصحاب اسم الجامية، فهو أن الاسم الأول نشأ كما ذكرنا على أيدي علماء وفقهاء ومتشرعين، جهدوا حال إطلاق الاسم في جرح أصحاب تلك الدعوى النجدية المباركة وإبطال ما هم عليه، حتى يكون الاسم ملازما في أصل إطلاقه واستعماله لبيان علمي مزعوم لحال تلك الطائفة الضالة المزعومة المراد من الناس أن تحذرها! لم ينشأ على أيدي قصاص ودعاة لا نسبة لهم إلى العلم على الحقيقة، كما هي الحال في اسم "الجامية" و"المدخلية" الذي أنشأته أبواق الإخوان، دون أن يكون المراد به إلا الطاعنون على سيد قطب ومن نهجوا نهجه من دعاة المملكة (أصحاب الصحوة القطبية المزعومة)، لمجرد أنهم طعنوا فيه، ثم جرى على أيدي المتشرعين وطلبة العلم المتلبسين بالنهج القطبي السروري، الذين حاولوا بعد ذلك أن يعددوا أوجه مخالفة تلك الطائفة من العلماء وطلبة العلم لطريقة أهل السنة، طمعا في أن يكون لديهم تأصيل علمي ما لموجب الجرح والتسمية لديهم!              

فهذا الاسم الجديد "السلفية المدجنة" هذا، ليس من الأسماء العلمية على ما تقدم. وإنما ظهر وانتشر لفترة في أيام الثورات وما بعدها، ثم غاب مدة من الزمن، ورجع في هذه الأيام على أيدي بعض دعاة الحدادية النشطين على اليوتيوب وشبكات التواصل. فأما في أيام الثورات، فكان يطلقه بعض الحركيين والثوريين كأتباع حازم صلاح أبو إسماعيل وغيرهم، على أهل السنة المنكرين عليهم، الذين يدعون الناس لترك المظاهرات والحشود والمليونيات وهذه الأشياء، ويحرمون الخروج على حكام المسلمين. فكانوا يقولون هؤلاء "مدجنة"، أي كالدواجن، دجنهم الحكام وقصوا أظافرهم وصيروهم "عبيدا للبيادة" كما أطلقته الإخوان على أهل السنة، نبزا وتشنيعا وتكفيرا، قبحهم الله. وحسبك أن تتأمل في قولهم "مدجنة" حتى تجد نفسك محمولا على أن تسألهم: إن كنا نحن المدجنة، فمن أنتم؟؟ المتوحشة؟؟ السلفية الوحشية مثلا؟؟ ليس في أنواع الدواب جملة إلا نوعان: الوحشي والداجن! فإذا كنا نحن الدواجن، فهل نفهم أنكم أنتم الوحوش؟؟ فعلى من توحشتم إذن، على حكام المسلمين وجماعتهم؟؟ إذن أثبتم على أنفسكم التهمة بالخارجية ولا كرامة! فهؤلاء إنما وضعوا ذلك الاسم نقمة على من دعوهم للتوبة من خارجيتهم السوداء، يقولون لهم: أتريدون منا بعدما خرجنا وأشعلنا نيران الثورة في أنحاء الأرض، أن نرجع كالدواجن في حظيرة حكامكم، يقال لهم اسمعوا وأطيعوا فيخضعوا؟؟ أبدا! أنتم المدجنون لا نحن! قد "تمردنا" و"توحشنا" ومضينا في تحقيق مرامنا! فإما أن تكونوا معنا وإما أن ترضوا بذل الدواجن والأنعام! فهو على هذا لم يكن اسما طائفيا للجرح والتعديل أو للمصلحة المرسلة كما هي عادة أهل العلم في استحداث الأسماء والألقاب الشرعية، وإنما كان مسبة سمجة من ثلة من الخوارج المارقين الناقمين على من ينكرون عليهم! 

والآن لما عاود ذلك الاسم الظهور من جديد على أيدي بعض أصحاب النزعة الحدادية من دعاة اليوتيوب المعاصرين، لم يكن أحسن حالا مما كان عليه في ظهوره الأول. فهو كذلك اسم إعلامي غير محرر علميا، بيد أنهم يطلقونه الآن على من "يدافعون عن علماء الأشاعرة، ويمتنعون من تكفيرهم"، هكذا! فهؤلاء الذين لا يكفرون الأشاعرة، لم "يدجنهم" الحكام كما في إطلاق حركيي الثورات كما مر، وإنما "دجنتهم" الأشاعرة!! فما معنى دجنتهم هنا؟؟ المقصود كما تفهم من كلامهم، أنها ميعتهم أو ميعت "سلفيتهم"، وليس أنها أخضعتهم فخضعوا مضطرين! قال محمد شمس الدين في مقطع له لما سئل عن مراده بقوله "السلفية المدجنة"، وهل هم "المداخلة" أم جماعة أخرى: "لا ليسوا هم المداخلة، هم جماعة أخرى. هذه الجماعة دجنتها الأشعرية وهم ينتسبون إلى السلفية، فلهذا سموا بالسلفية المدجنة، وتجد هذه الجماعة يعني تعظم علماء الأشعرية وتمدح الأشعرية ويوالون الأشعرية بشكل كبير، بل يدافعون عن الأشعرية بشراسة وبقوة، بحجة الإنصاف! مع ذلك، بنفس الوقت، تجدهم يذمون أتباع السلف ويذمون أهل السنة وينتقصون منهم! فهذه هي السلفية المدجنة، وهم السلف منهم براء، ولا تجد منهجهم قريب (والصواب: قريبا) من السلف أبدا، بل تجدهم أقرب الناس إلى تمييع مسائل الدين، ولا تجدهم ينصحون بكتب السلف بل ينصحون بكتب الأشعرية، ومع ذلك، ينتسبون إلى السلفية، فسموا بالسلفية المدجنة!" قلت: أول ما يكشفه لك هذا الكلام عند التأمل فيه، هو قصور صاحبه الفاضح في علم الجرح والتعديل وفي طريقة أهل العلم في نقد الأقوال والمذاهب والتفريق بين الفرق والنحل، وفي النظر في أحوال الرجال. فقوله: "تعظم علماء الأشعرية وتمدح الأشعرية" هذا قول بالغ الإجمال لا ينضبط، إذ لنا هنا أن نسأله: هل يدخل في هؤلاء عندك، على هذا الإطلاق، من يعظمون الحافظ ابن حجر والإمام النووي والبيهقي والقرطبي ومن شاكلهم من علماء الأمة، ويثنون عليهم إذا ذكروهم، رحم الله الجميع؟ إن قلت نعم، أدخلت في هذا الاسم القبيح، جميع علماء القرون التي تلت هؤلاء العلماء، ممن حملوا لواء الحديث والسنة وأورثوها لك ولمشايخك، وبدون جهودهم ما وجد في الأرض اليوم سلفية على التحقيق!! وإن قلت لا، أبطلت موجِب التسمية، لأن هؤلاء ما بين أن يكونوا أشاعرة أو فيهم أشعرية كما هو معلوم (وهما مرتبتان لا تعترف الحدادية بالتفريق بينهما أصلا!)! هذا يا إخوان هو ضبط وتحرير وتبيين من دأب يرمي أهل السنة ويلمزهم باسم "المداخلة" في كل مناسبة، ينسبهم إلى الجهل بقواعد الجرح والتعديل والإفراط فيها، والتبديع بالتسلسل ونحو ذلك مما يهذي به على قناته، والله المستعان! الرجل يرى ديانة أن كل من نسب أو انتسب إلى الأشعرية في تاريخ الأمة بوجه ما، فلا يجوز الدفع عنه لا إنصافا ولا غير ذلك! وأنه لا يفعل ذلك إلا من اجتمع فيه كذلك أن يكون مميعا لمسائل الدين كافة، متلبسا بذم أتباع السلف (وهم عنده يراد بهم هنا أصحابه من الحدادية ولابد)، وبالتنفير من كتب السلف والنصيحة بكتب الأشاعرة! فهل هذا كلام من تعرض لطريقة أهل السنة في التفريق بين المتلبس بالبدعة الداعي إليها، أو المصرح بالنسبة إلى طائفة شعارها تلك البدعة والطريقة البدعية تأصيلا وتفريعا، وبين المتلبس بالبدعة في بعض كلامه، التي هي من أقوال هذه الفرقة النارية أو تلك، دون أن يكون داعيا إليها منافحا عنها، أو مصرحا بالنسبة إلى تلك الفرقة منتصرا بها، وإنما يغلب عليه خدمة السنة ونفع المسلمين بما عنده من العلم؟ أبدا! وإنما هو كلام من يتشوف لإهلاك الناس بمجرد التلبس بالقول البدعي، وإن كان لهم من الفضل في الدين والعلم ما لهم، ويظن بهم قصد الحق مع الخطأ لا الميل بالهوى إلى الباطل، لمجرد أنه وجد في بعض كتب السلف من كفر القائلين بذلك القول، دون أن يقف لهم على تفصيل الطريقة السلفية في ذلك!! هذا كلام من يكفر الأشعرية بأعيانهم، سواء صرح بذلك المذهب أم لم يصرح! ألا تراه يذكر أن من يسميهم بالمدجنة "يوالون" الأشاعرة؟ فما معنى موالاة الأشاعرة؟ هل هم مسلمون مبتدعة، فيكون لهم عندك من الموالاة ما للمسلم وإن كان مبتدعا، أم هم كفار جميعا بأعيانهم، فتحرم موالاتهم بالكلية، ويصبح من يواليهم "مدجنا"؟؟ الرجل كان فيما مضى يجبن عن التصريح بتكفير الأشاعرة، فلا أدري هل اجترأ على ذلك أم لم يزل يجبن عنه! لكن على أي حال فهذا الذي أجاب به السائل لا يحصل به المطلوب البتة! ولا يتبين به للسائل كيف يفرق بين من دافعوا عن بعض علماء الأشاعرة بوجه ما، وبين من ناصروهم لأنهم لا يرون في النحلة الأشعرية أنها بدعة أصلا!! مع أنه لا يتصور في منتسب إلى السلفية على أي حال أن يصرح بأنه يوافق الأشاعرة في العقيدة أو أنه يدفع عن طريقتهم حتى التبديع والتفسيق! من هؤلاء الذين تتوجه إليهم بهذه التهمة، أن الأشعرية قد "دجنتهم" على أساس أنهم "يدافعون عنهم بشراسة وقوة" مع كونهم منتسبين إلى السلفية؟؟ هلا مثلت لهم برجل أو اثنين حتى يعرف السائل عمن تتكلم؟؟ لو أني أنا هذا السائل، وأردت الآن أن آخذ كلامك المجمل هذا، لأطبقه على من انتسبوا إلى السلفية، وكان لهم مع هذا كلام فيه دفاع عن بعض العلماء الذين وقع في كلامهم أشعرية أو نسبوا إلى الأشعرية بوجه ما، فكيف أطبقه، وما حد ذلك وما قيده؟؟      

يا هذا، شيخ مشايخك العلامة الإمام الفقيه ابن عثيمين رحمه الله، كان يقول في الإمام النووي رحمه الله: "ما أحسبه إلا مخلصا، ولكم أود أن يضع الله لبعض كتبي من القبول ما وضعه لبعض كتبه!" أو كما قال رحمه الله! فهل يكون على كلامك هذا من السلفية المدجنة؟؟ بل خذ هذه: سئل عليه رحمة الله سؤالا قيل فيه: "بالنسبة للعلماء الذين وقعوا في بعض الأخطاء في العقيدة ، كالأسماء والصفات ، وغيرها ، تمر علينا أسماؤهم في الجامعة حال الدراسة ، فما حكم الترحُّم عليهم؟ قال الشيخ: مثل مَن ؟ فقال السائل: مثل : الزمخشري ، والزركشي ، وغيرهما . فقال الشيخ: الزركشي في ماذا ؟ قال السائل: السائل : في باب الأسماء والصفات . فأجاب الشيخ رحمه الله: "على كل حال ، هناك أناس ينتسبون لطائفة معينة شعارها البدعة ، كالمعتزلة مثلاً ، ومنهم الزمخشري ، فالزمخشري مُعتزلي ، ويصف المثْبِتِين للصفات بأنهم : حَشَوِية ، مُجَسِّمة ، ويُضَلِّلهم فهو معتزلي ، ولهذا يجب على مَن طالع كتابه "الكشاف" في تفسير القرآن أن يحترز من كلامه في باب الصفات ، لكنه من حيث البلاغة ، والدلالات البلاغية اللغوية جيد ، يُنْتَفع بكتابه كثيراً ، إلا أنه خَطَرٌ على الإنسان الذي لا يعرف في باب الأسماء والصفات شيئاً ، لكن هناك علماء مشهودٌ لهم بالخير ، لا ينتسبون إلى طائفة معينة مِن أهل البدع، لكن في كلامهم شيءٌ من كلام أهل البدع؛ مثل ابن حجر العسقلاني، والنووي رحمهما الله، فإن بعض السفهاء من الناس قدحوا فيهما قدحاً تامّاً مطلقاً من كل وجه، حتى قيل لي : إن بعض الناس يقول : يجب أن يُحْرَقَ " فتح الباري " ؛ لأن ابن حجر أشعري ، وهذا غير صحيح ، فهذان الرجلان بالذات ما أعلم اليوم أن أحداً قدَّم للإسلام في باب أحاديث الرسول مثلما قدَّماه، ويدلك على أن الله سبحانه وتعالى بحوله وقوته - ولا أَتَأَلَّى على الله - قد قبلها: ما كان لمؤلفاتهما من القبول لدى الناس، لدى طلبة العلم، بل حتى عند العامة، فالآن كتاب " رياض الصالحين " يُقرأ في كل مجلس، ويُقرأ في كل مسجد ، وينتفع الناس به انتفاعاً عظيماً ، وأتمنى أن يجعل الله لي كتاباً مثل هذا الكتاب ، كلٌّ ينتفع به في بيته ، وفي مسجده ، فكيف يقال عن هذين : إنهما مبتِدعان ضالان ، لا يجوز الترحُّم عليهما ، ولا يجوز القراءة في كتبهما ! ويجب إحراق " فتح الباري " ، و " شرح صحيح مسلم " ؟! سبحان الله ! فإني أقول لهؤلاء بلسان الحال ، وبلسان المقال :أَقِلُّوا عليهمُ لا أبا لأبيكمُ مِن اللومِ أو سدوا المكان الذي سدوا! من كان يستطيع أن يقدم للإسلام والمسلمين مثلما قدَّم هذان الرجلان ، إلا أن يشاء الله ، فأنا أقول : غفر الله للنووي، ولابن حجر العسقلاني، ولمن كان على شاكلتهما ممن نفع الله بهم الإسلام والمسلمين ، وأمِّنوا على ذلك " انتهى 

"لقاءات الباب المفتوح" (43/السؤال رقم 9) .

فعلى هذا الذي قرره الرجل، يكون ابن عثيمين: معظما لهذين "الأشعريين"، مادحا لهما، مواليا لهما بشكل كبير، مدافعا عنهما بشراسة وقوة بدعوى الإنصاف، ناصحا بكتبهم، فإن كان هذا تمييعا، فهو كذلك – إذن – مميع للدين! وإذا كان الذين لا يرفعون رأسا بهذين العالمين رحمهما الله تعالى، هو عندك من أتباع السلف، كان ابن عثيمين بما قاله هنا من تسفيههم والحط عليهم، من الذين يذمون "أتباع السلف" وينتقصون منهم! فلم يبق على هذا إلا شرط "أنه لا ينصح بكتب السلف"! فما هي كتب السلف التي تشترط على العثيمين أن ينصح الناس بها بخصوصها، حتى يسلم من التهمة بعد كل هذا؟؟ لابد أنك لا يكفيك النصيحة الجمَلية في ذلك، لأنه ما من منتسب إلى السلفية إلا ولابد أنه ينصح بكتب السلف إجمالا، بوجه ما، ويظهر تعظيمه لها، ولابد أنك ستجد بعضها في مكتبته وإن لم يكن يشرحها للطلبة أو يحثهم على تذاكرها! فعلى هذا الذي حرره صاحبنا، لا يسلم ابن عثيمين من أن يدخله السائل في جملة السلفية المدجنة كما سماهم! 

وسئل العلامة الفوزان حفظه الله عن الذين يبدعون الحافظين ابن حجر والنووي، فقال: " من كان عنده أخطاء اجتهادية تأوَّل فيها غيره ، كابن حجر ، والنووي ، وما قد يقع منهما من تأويل بعض الصفات : لا يُحكم عليه بأنه مبتدع ، ولكن يُقال : هذا الذي حصل منهما خطأ ، ويرجى لهما المغفرة بما قدماه من خدمة عظيمة لسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهما إمامان جليلان ، موثوقان عند أهل العلم " انتهى .

"المنتقى من فتاوى الفوزان" (2/211 ، 212) ."

وسئل علماء اللجنة الدائمة في المملكة هذا السؤال: ما هو موقفنا من العلماء الذين أوَّلوا في الصفات ، مثل ابن حجر ، والنووي ، وابن الجوزي ، وغيرهم ، هل نعتبرهم من أئمة أهل السنَّة والجماعة أم ماذا ؟ وهل نقول : إنهم أخطأوا في تأويلاتهم ، أم كانوا ضالين في ذلك ؟ فأجابوا :"موقفنا من أبي بكر الباقلاني ، والبيهقي ، وأبي الفرج بن الجوزي ، وأبي زكريا النووي ، وابن حجر ، وأمثالهم ممن تأول بعض صفات الله تعالى ، أو فوَّضوا في أصل معناها: أنهم في نظرنا من كبار علماء المسلمين الذين نفع الله الأمة بعلمهم، فرحمهم الله رحمة واسعة، وجزاهم عنا خير الجزاء، وأنهم من أهل السنة فيما وافقوا فيه الصحابة رضي الله عنهم وأئمة السلف في القرون الثلاثة التي شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بالخير، وأنهم أخطأوا فيما تأولوه من نصوص الصفات وخالفوا فيه سلف الأمة وأئمة السنة رحمهم الله ، سواء تأولوا الصفات الذاتية ، وصفات الأفعال ، أم بعض ذلك .وبالله التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم " انتهى 

الشيخ عبد العزيز بن باز. الشيخ عبد الرزاق عفيفي . الشيخ عبد الله بن قعود

"فتاوى اللجنة الدائمة" (3/241) .      

قلت: فعلى ما حرره صاحبنا، يسقط ابن باز وابن عثيمين والفوزان كما مر، وسائر علماء اللجنة الدائمة معهم، تحت اسم السلفية المدجنة! الله أكبر. طيب ماذا عن الألباني (وهو عند سائر طوائف الحدادية مرجئ موغل في الإرجاء وإن أمسكوا عنه)؟؟ سئل رحمه الله في مجلس له مسجل على شريط بعنوان "من هو الكافر ومن هو المبتدع": " مثل النووي ، وابن حجر العسقلاني ، وأمثالهم ، من الظلم أن يقال عنهم : إنهم من أهل البدع ، أنا أعرف أنهما من " الأشاعرة " ، لكنهما ما قصدوا مخالفة الكتاب والسنَّة ، وإنما وهِموا ، وظنُّوا أنما ورثوه من العقيدة الأشعرية : ظنوا شيئين اثنين :

أولاً: أن الإمام الأشعري يقول ذلك ، وهو لا يقول ذلك إلاَّ قديماً ؛ لأنه رجع عنه .

وثانياً: توهموه صواباً ، وليس بصواب .

انتهى من (شريط رقم 666) "من هو الكافر ومن هو المبتدع ".

قلت: فهنا قد يرد الحدادي بقوله: الشيخ يشترط في التبديع قصد مخالفة الكتاب والسنة، وهذا ليس بضابط ولا شرط معتبر، إذ ما من مبتدع زائغ بل ومارق زنديق، أحدث في الدين قولا شنيعا وانتصر له، إلا وهو يرى أنه يوافق الكتاب والسنة! ونقول العبرة عند أهل العلم في ذلك بالظهور والخفاء ودخول أسباب الخفاء على الرجل، مع عدم القرائن الدالة على التلبس بالهوى والإصرار على الباطل بعد تبيينه له! فإن اجتمعت إلى ذلك قرائن تدل على بذل النفس في سبيل حفظ السنة وخدمتها، والحرص على تحريها والعمل بها (كما نقول بمثله في حق الألباني نفسه رحمه الله تعالى)،  لم يجز أن يقال إنه من أهل البدع والأهواء الداخلين في الوعيد! أي ينطبق عليهم الاسم دون الحكم، وهذا ما قال بمعناه ابن تيمية رحمه الله كذلك في غير موضع في تحرير هذه القضية، ومعلوم تفريقه بين الجهمية الغلاة ومن دونهم، وكلامه في علماء الأشاعرة وتفصيله فيهم قد سبق أن نقلناه بطوله في غير هذا الموضع، فلا نعيد! فالذي لا يعرف كيف ينصف أكابر العلماء من نفسه، لأقوال وافقوا فيها أهل البدع وإن كثرت، فلا شأن لمثله ينكر على من يسميهم بالمداخلة ما سماه بالغلو في الجرح والتبديع!!   

وإلا فخبرني بربك، إن كان جميع الأكابر في هذا العصر ممن اتفقت كلمة طوائف المنتسبين إلى السلفية، على تعظيمهم والنزول على فتاواهم في عظائم الأمور إجمالا، داخلين تحت اسم "السلفية المدجنة" على ما تقول، فمن هم علماؤك إذن وإلى أي سلفية تنتسب أنت، وعمن أخذتها، ومن أي طريق وصلت إليك؟؟ 

فإن رام صاحبنا الدفع عن نفسه بأن يقول: ما قصدت هؤلاء العلماء المعاصرين، هؤلاء على العين والرأس، وإنما قصدت من أفرطوا في هذا الذي ذكرته من وجوه الدفاع عن الأشاعرة، قلنا له: هذا يثبت عليك ما نقول وليس يدفعه عنك كما تتوهم! وإلا فأين الضابط العلمي الذي به يفرق بين ما هو إفراط وما ليس بإفراط في مثل ذلك، علما بأنه ضابط، من فرّط فيه أو غفل عنه، لم يسلم من أن يصبح، من حيث لا يشعر، من جملة "السلفية المدجنة" الذين قلت فيهم إن السلف منهم براء؟ العجيب أنه يقول: "ولا تجد منهجهم قريبا من السلف أبدا"!! فأي منتسبين إلى السلفية هؤلاء الذين لا نجد منهجهم قريبا من السلف أبدا، بهذا الإطلاق؟ إن قيدنا الإطلاق بالعهد، فهل يكون المراد أنهم لا اقتراب لهم من منهج السلف في تلقي الاعتقاد؟؟ فعلى أي منهج هم إذن؟ منهج أهل الكلام في تأسيس العقائد في الإلهيات على نظريات المتكلمين؟ ليس في الأرض من انتسب إلى السلفية بحق أو باطل، وهو مع هذا يسلك تلك الطريقة في تأسيس الاعتقاد!! فكيف يكون المسمون عندك "بالسلفية المدجنة" هؤلاء لم يقتربوا حتى من منهج السلف "أبدا"؟؟ تأمل كيف أن ابن عثيمين رحمه الله لما جاءه السائل بكلام مجمل عن العلماء المتلبسين بمخالفات في الأسماء والصفات هل نترحم عليهم أم لا، لم يبدأ بالإجابة إلا بعدما طالب السائل بضرب بعض الأمثلة عمن يريد! لماذا؟ لأنه لو قرر كلاما مجملا يقابل به إجمال السائل، لما سلم من جرح من ليس مستحقا للجرح، ومن تعديل من ليس حقه أن يعدّل! فتأمل الفارق بين طريقة أهل العلم والرياسة في طريقة أهل السنة في الكلام في هذا الباب، وطريقة من شذوا عن سبيلهم وسبيل سلفهم، فجاؤوا بتلك الطوام!  

ثم قولك "سموا بالسلفية المدجنة" يوهم بأن وراء التسمية علماء مشهود لهم بالعلم والرياسة فيه، وهذا غير حاصل البتة! أنت واثنان أو ثلاثة من أمثالك فقط، من أطلقتم هذا الاسم من قريب على من عددتموهم من المميعة والمرجئة وكذا، لأنهم يخالفونكم في غلوكم وإفراطكم في جرح الأشعرية وإهداركم الصبياني لما حفظته الأمة لكثير من العلماء الذين نسبوا إليهم من فضل ومنزلة! فلا تقل "سموا بالسلفية المدجنة"، وإنما كن رجلا وقل: سميتهم أنا بالسلفية المدجنة، فإن هذه هي حقيقة الأمر، أو قاربت! من آفة كثير من المتعالمين المتزببين قبل أن يتحصرموا، أن ترى الواحد منهم يُسأل فيقول: قيل كذا وكذا، وذهب بعض أهل العلم إلى كذا وكذا، والعلماء قالوا كذا وكذا، مع أنك إن فتشت لم تجد لا أهل علم ولا علماء ولا شيء إلا المتعالمين من أقرانه! وتراه يُسأل عن مسألة أفرط فيها، فيقول: لا أعلم مخالفا فيها، مع أن الخلاف منشور محرر في مظانه وهو جاهل لا يعلم! أو يُسأل فيقول: هي عندي كذلك، خلافا لفلان وفلان، مع أنه لا هو ولا من ذكر، يحق لهم أن يفتوا الناس بما عندهم أصلا، وإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

والقصد يا إخوان، أن يُعلم أن باب الجرح والتعديل والكلام في الأفراد والطوائف والفرق، واستحداث الأسماء والألقاب التعريفية للإشارة إليهم بجرح أو تعديل، باب دقيق خطير عزيز، لا يجوز لكل من هب ودب أن يتكلم فيه! ولا يجوز للأصاغر فيه أن يتقدموا بين أيدي الأكابر، لأن تبعة التخليط في ذلك عظيمة، لا يجوز التهاون فيها! ولكن من الناس من ظن أنك إذا هجمت على كتب السلف مستقلا بقراءتها وفهمها، متجاوزا قرون أهل السنة وما توارثته أجيالهم من نقل واحتمال لتلك الكتب وتعليمها والعمل بما فيها، فإنك بهذا تكون قد رقيت سندك في السلفية، وصدقت في النسبة إلى السلف، تصل إليهم بلا "واسطة"! وهذا منهم غاية الحمق والسخف ولا شك! وهو منشأ ذلك التخليط الكبير، المنادي على صاحبه بخفة العقل وضيق ذات اليد في التأصيل العقدي والمنهجي! فإن ذلك التأصيل ونحوه لا يؤتى به محررا في كتاب واحد من كتب السلف، مبينا من جميع الوجوه الواجب على الطالب أن يتحصل عليها قبل التصدر بالدعوة والتدريس! وإنما نقله السلف وأئمتهم إلى تلامذتهم بطول المجالسة، بتعليم وتربية مباشرة من الشيخ لتلميذه، فإذا كبر ذلك التلميذ ورسخت قدمه، صار شيخا لمن بعده يعلمهم إياه كما تعلمه، وهكذا نزولا إلى قرننا هذا! ومن ذلك طريقة الأئمة وشروطهم في تصانيفهم، وطريقتهم في التبويب ودلالاتهم فيها، وطريقتهم في وضع الحدود والتعاريف العلمية وتقرير المسائل، والتفريع على الأصول والقواعد الكلية، وفي التفريق بين النوع والعين في الأسماء والأحكام، إلى غير ذلك من أبواب جاء فيها الحدادية هؤلاء بالعجب العجاب، ينسبونه إلى السلف ظلما وعدوانا، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.    

أبو الفداء ابن مسعود

غفر الله له ولوالديه

إرسال تعليق