الرد على نقد أحد زوار القناة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله،
أما بعد، فقد قال أحد زوار القناة معقبا على بعض محاضرات اليوتيوب:
كل ما قلته فى فيديوهاتك يمكن أن نسميه "المنظور السلفي للعلوم الطبيعية" وهو منطق مشبع بالجهل ونتائجه كارثية على العالم الإسلامي كله إذا ما حدث وتبناه، ومحاولة أدلجة العلم أو حصره وفق منظور ديني أو فلسفي معين ستكون النتيجة تخلف الأمة وفشل المناهج المتبعة فى فهم العالم وسيطرة الخرافة على عقول الناس، وكل محاولة لأدلجة العلم كانت فاشلة كما فشل السوفيت من قبل عندما حاولوا تقديم علم الوراثة ضمن الفكر الشيوعي وهكذا دواليك.
الفرق بين الدين والعلم هو الفرق بين الغيب واللاغيب، ما يفعله العلماء هو تفسير العالم كما هو وفق منظور علمي فقط لا دخل للغيب فيه، وإذا وضعت افتراضات فهي تؤسس على مقدمات علمية مثبتة وقد يثبت صحة هذه الافتراضاتأو يثبت خطئها وفق اكتشافات علمية جديدة، لكن كل شئ يخضع للمنهج العلمي فى البحث والإثبات.
وللأسف حضرتك خلطت بجهل بين العلم والتكنولوجيا، ليس من مهمة العلم الأساسية البحث عن اختراعات بل مهمته تفسير العالم الطبيعي المحيط بنا واكتشافه وفق المنهج العلمي، اما التطبيق التقني للاكتشافات العلمية فهي تأتى لاحقة أو حتى سابقة له فى أحيان كثيرة إذا كانت التكنولوجيا تعمل لكن الأساس العلمي غير معروف او مفهوم، كما بني المصريين القدماء الأهرامات دون ان يعرفوا جا أو جتا الزاوية أو كما كان يسخدم الأطباء القدامي بعض تقنيات العلاج دون ان يعرفوا لماذا تنجح فعلاً فى بعض الأوقات وتفشل فى أخرى.
قلت: اعلم أيها الناقد المحترم، أنه لا شيء أسهل من إطلاق التهمة بالجهل على كل من لا يعجبنا كلامه! مع أن أولى علامات الجهل في الحقيقة، هي الهجوم على المخالف بمصطلح دون تكلف عناء تعريفه أولا! فأنت تقول: "محاولة أدلجة العلم أو حصره وفق منظور ديني أو فلسفي معين ستكون النتيجة تخلف الأمة وفشل المناهج المتبعة فى فهم العالم وسيطرة الخرافة على عقول الناس"
وهذه عبارة حكمية قيمية، تصور ما تسميه "بأدلجة العلم" على أنه جريمة شنعاء تؤدي – مطلقا - إلى كذا وكذا من المصائب والطوام. ثم تقول بعدها: " وكل محاولة لأدلجة العلم كانت فاشلة كما فشل السوفيت من قبل عندما حاولوا تقديم علم الوراثة ضمن الفكر الشيوعي وهكذا دواليك" وهي عبارة وصفية تعميمية مطلقة، تنسب الفشل (بإجمال أيضا) نسبة مطلقة لكل الوقائع السابقة التي تزعم أنها قد وقع فيها هذا الذي تسميه "بأدلجة العلم"! ولكن، ومع هذا، ما زلت لم تنتبه إلى أنك حتى لم تتكلف عناء تعريف ما تسميه بأدلجة العلم هذا من الأساس!! حتى هذا المثال الذي ضربته في العبارة الثانية انتصارا لدعوى الفشل المطلق، بشأن الاتحاد السوفيتي، فلا ندري كيف نقبله منك أو نسلم لك بصحته ونحن ما زلنا لا ندري ما تقصد "بالأدلجة" على وجه التحديد!
الترتيب العلمي الصحيح للكلام، أيها الناقد المحترم، هو أن تبدأ بتعريف الأدلجة هذه، فتقول مثلا: هي كل محاولة لإخضاع العلم التجريبي لجملة من القيم العليا الكلية، بأي صورة من الصور. وذلك جريا على اصطلاح كثير من الفلاسفة المعاصرين لا سيما الأوروبيين منهم في استعمال لفظة Ideology التي نقلت عند التعريب إلى اللفظة أيديولوجيا، ومنها اشتقت اللفظة اللقيطة "أدْلَجَة" هذه!
فإن كان هذا هو معنى لفظة أيديولوجيا، فمن الواضح أنه لا يخلو ولا يمكن أن يخلو أي تطبيق لأي آلة من آلات البحث والاستدلال (سواء كانت هي آلة البحث التجريبي أو غيرها)، بل لا يمكن أن يخلو أي عمل من أعمال البشر، من مسلمات ومقدمات ومنطلقات قيمية عليا (أيديولوجيات معينة)، بناء عليها يقرر كل إنسان الحكم المعياري الصحيح لذلك العمل! فقولي "لا يخلو"، أقرر به حقيقة وصفية أزعم مطابقتها للواقع في جميع الحالات، وقولي "لا يمكن أن يخلو" أقرر به وجوبا عقليا لا ينبغي أن يخفى على من فهم هذا المعنى الذي حررته للفظة "أيديولوجيا"! فلست أقول فقط بأن جميع المطالب البحثية أيا ما كان موضوعها وأيا ما كانت آلة البحث المستعملة فيها، تخضع حقيقة وواقعا لأيديولوجيا قيمية معينة يعتنقها الباحث، شعر بذلك أم لم يشعر، بل أقول إنه يمتنع عقلا أن يخلو أي مطلب بحثي أيا ما كان موضوعه، وأيا ما كانت الآلة البحثية المستعملة فيه (أو مصادر التلقي المعرفي الملتمسة فيه) من الخضوع لمنظومة قيمية ومعيارية وأخلاقية معينة ينطلق منها الباحث في تقرير المطلب البحثي نفسه وتقرير استحقاقه للنظر والبحث واستحقاقه لبذل الجهد والمال والوقت في النظر فيه.
يعني إيه الكلام ده؟ يعني ما فيش حاجة اسمها "أدلجة" للبحث العلمي أصلا، لأن أي باحث عاقل، مش هايطرح موضوع معين أو سؤال معين للبحث، إلا بناء على قيم معينة عنده بتخليه يقول إن الموضوع ده يستحق إنه يطرح للبحث من الأساس، وإنه لازم يتبحث بالأدوات دي تحديدا (أدوات البحث التجريبي) إن أردنا الوصول فيه إلى معرفة صحيحة، وإلا كنا طلاب خرافة وضلالة إن التمسنا المعرفة بجواب هذه الأسئلة من أي طريقة أخرى بخلاف الطريقة تحديدا! هو متأدلج متأدلج كده كده، رضينا أم أبينا!!
فالسؤال الصح اللي لازم كل مسلم يتأمل فيه هو: هل القيم المعيارية والأخلاقية العليا اللي بينطلق هو منها كباحث مسلم في أي مطلب بحثي أو سؤال بحثي يطرحه للبحث التجريبي أو يقبل من التجريبيين طرحهم إياه للبحث التجريبي، قيم صحيحة وموافقة لعقيدته الغيبية ولشريعة الإسلام التي يعتنقها ويدين لله بها، أم غير موافقة؟؟ فإن لم تكن موافقة، وجب عليه وجوبا أن يراجعها ويصلحها ليضبطها بضوابط الشريعة! وإذن يقال إنه صاحب تعديل على الأيديولوجيا المعتمدة أو السائدة وإصلاح فيها، وليس أنه "يؤدلجها" بعدما كانت خالية من الأيديولوجيا من قبل!!
وأنا أعجب والله ولا أدري كيف ما زلت، أيها الناقد المحترم، وإلى الآن، لا ترى معالم الأيديولوجيا الطبيعية الدهرية الحاكمة للأكاديميات الطبيعية الغربية، التي منها تنبت جميع المطالب البحثية عندهم، ما كان منها نافعا وما كان دون ذلك! دول ناس دينهم فيه أن الإنسان لا يرجو شيئا ولا ينتظر حسابا بعد الموت، وأنه ليس في جسده روح تقبض عند موته، وأنه ليس في هذا العالم إلا ما هو قابل للدخول تحت عادته (مبدئيا) من أنواع الموجودات، وأنه لا حد لقدرته على اكتشاف ذلك العالم والتمكن من أسبابه، وأنه يرجى له أن يصير في المستقبل إلها يقول للشيء كن فيكون، يخلق بشرا أمثاله وينقل الكواكب من أفلاكها ويحيي الموتى ويخلق العوالم الجديدة ويهلكها، إلى آخر ما غرق فيه أدباء ما يسمى بالخيال العلمي من تصورات وأحلام! فهل هذه "الأيديولوجيا" يجوز للمسلم اعتناقها؟ إن قلت نعم، قلنا لك: راجع إسلامك، فإن هذا لا يقوله مسلم! وإن قلت كلا لا يجوز، قلنا لك فهذا بالضبط هو ما نقرره وندعو إليه! فليس هو "أدلجة"، وإنما هو دعوة لتنقية العلم التجريبي وممارسته الأكاديمية في بلاد المسلمين من المعايير القيمية الدهرية الطبيعية، أو الأيديولوجيا الطبيعية Naturalist Ideology، وإعادة تأسيسه على قواعد إبراهيم! وهو أمر قد تأخرنا فيه معاشر المسلمين لقرون طويلة، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
أما قولك: "الفرق بين الدين والعلم هو الفرق بين الغيب واللاغيب، ما يفعله العلماء هو تفسير العالم كما هو وفق منظور علمي فقط لا دخل للغيب فيه، وإذا وضعت افتراضات فهي تؤسس على مقدمات علمية مثبتة وقد يثبت صحة هذه الافتراضات أو يثبت خطئها وفق اكتشافات علمية جديدة، لكن كل شئ يخضع للمنهج العلمي فى البحث والإثبات.
"
فهو مغالطة أنت غارق فيها من حيث لا تشعر! فمفهوم العلم في هذه العبارة التي حررتها، ومفهوم الدين، ومفهوم الغيب واللاغيب، مفهوم التفسير، ومفهوم الافتراضات والمقدمات العلمية ومفهوم الإثبات للمقدمات العلمية، ومفهوم الاكتشافات، كل هذا عندك إنما أنت تابع فيه من حيث لا تشعر لتلك الأيديولوجيا والمسلمات الدينية الطبيعية التي ندعو نحن المسلمين إلى مراجعتها وإصلاحها حتى يستقيم لهم عقلهم وعلمهم ودينهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله! ووجه كون كلامك من المغالطة، هو أنك تحملنا حملا على اعتناق أيديولوجيا مخالفينا في الدين والعقيدة، وأنت تزعم أنها ليست "أيديولوجيا" أصلا، وإنما هي "منهج علمي" يتسم بكذا وكذا وكذا، كما يصفه أصحاب تلك الأيديولوجيا أنفسهم! وهي كذلك مغالطة من حيث كونها إلزاما معياريا بالوضع القائم في الأكاديميات الغربية، لا لشيء إلا لأنه هو الوضع القائم في الأكاديميات الغربية! تقول: ما يفعله العلماء هو كذا وكذا، وإذن فالواجب على العلماء أن يفعلوا كذا وكذا!! وهذا دوران في تأسيس الأحكام المعيارية Begging The Question كما لا يخفى! وإلا، فمن الذي قال إن الواجب على العلماء أن يفعلوا هذا الذي يفعلونه، تماما على ما هو عليه دونما مراجعة أو إصلاح؟؟ "العلماء" هم الذين قالوا! طيب ما دليل "العلماء" هؤلاء على صحة ما قالوا؟؟ دليلهم هو أن "العلماء" قالوا!! سبحان الله!!
وبناء على نفس المغالطة، يجري قولك: "وللأسف حضرتك خلطت بجهل بين العلم والتكنولوجيا، ليس من مهمة العلم الأساسية البحث عن اختراعات بل مهمته تفسير العالم الطبيعي المحيط بنا واكتشافه وفق المنهج العلمي، اما التطبيق التقني للاكتشافات العلمية فهي تأتى لاحقة أو حتى سابقة له فى أحيان كثيرة إذا كانت التكنولوجيا تعمل لكن الأساس العلمي غير معروف او مفهوم، كما بني المصريين القدماء الأهرامات دون ان يعرفوا جا أو جتا الزاوية أو كما كان يسخدم الأطباء القدامي بعض تقنيات العلاج دون ان يعرفوا لماذا تنجح فعلاً فى بعض الأوقات وتفشل فى أخرى. "
من الذي قال إن مهمة "العلم" (بهذا الإطلاق المجمل الذي لا يجوز قبول الإجمال فيه، والمقام مقام تفصيل وتبيين!) هي "تغسير العالم الطبيعي المحيط بنا واكتشافه" بهذا الإطلاق؟؟ ثم سلمنا بأن هذه هي مهمته، فما هو حد "العالم الطبيعي" هذا وما ضابطه، وهل هو عندك الكون بكليته وجميع موجودات العالم، أم هو شيء أخص من هذا العموم، وله قيود تقيد إطلاقه؟؟ هذا كله أنت غارق فيه إلى رقبتك في مسلمات الدين الطبيعي وأيديولوجية أصحابه وفلسفتهم المعرفية من حيث لا تشعر! لا يلزمني كمسلم الخضوع لما عليه الأكاديمية الغربية من اعتقادات وفلسفات في هذا الشأن، ولا تملك أنت أن تلزمنا بذلك! من الذي قال إن التكنولوجيا قد تعمل بغير أساس علمي؟ وما الذي يلزمنا بقبول مفهومك للأساس العلمي الذي تجيز انتفاءه عن أساس التكنولوجيا بهذا الإطلاق؟؟ الذي يجرب شيئا وهو لا يدري لماذا ينجح، ثم يستقر في عادته أنه كلما جربه نجح، هذا لديه علم ولا شك، بصرف النظر هل لديه نظرية تفسيرية أشمل تتناول هذه النظامية السببية التي يعلمها ويعمل بها وينتفع بها في حياته أم لا! والذي نحن بصدده في هذه القناة المباركة، إنما هو ترشيد استعمال البحث العلمي وتوجيهه لما ينفع وما يفيد، دون الإغراق في الهذيان والسفسطة الدهرية والأحلام الإلحادية والإطلاقات والتنظيرات الكونية الفاحشة التي لا يجوز للمسلم أن يقبلها أصلا! فإن قبلت منا مبدأ التقييد والضبط في هذا، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنتهدي إلا أن هدانا الله! وإلا، فليس لديك ما تبطل به مسلكنا مهما تكلفته إلا أن تقول: العلماء قالوا والعلماء فعلوا، وليس هذا من الحجاج في شيء!
لا يعيبنا يا أخانا أن تكون "أيديولوجيتنا" سلفية ونحن ندري ونحن فيها على بينة بما نقول وبمستندنا فيه، وإنما يعيبك أنت أن تكون "أيديولوجيتك" دهرية من حيث لا تدري ولا تشعر أصلا أنك تجري على أيديولوجية معينة توجهك ذات اليمين وذات الشمال!
سيأتي بحول الله تعالى في محاضراتنا وسلاسلنا على هذه القناة ما يتضح به كثير مما أجملناه في هذا الجواب، والله الهادي وهو الموفق للصواب، والحمد لله أولا وآخرا.
وكتبه
أبو الفداء ابن مسعود
عفا الله عنه وغفر له ولوالديه وللمسلمين
