كيف ندعو غير المسلمين في عصرنا بدون نظريات العلم الطبيعي؟


إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد فقد جاءني سؤال في قسم التعليقات على اليوتيوب تحت محاضرة من المحاضرات، قال فيه الأخ السائل وفقه الله:

"بالنسبة لدعوة غير المسلمين، إذا سمحت لي (مع فهمي الآن بأننا إذا سلكنا مسلك العلم الطبيعي لإثبات الخالق جل وعلا فإننا ندخل في تناقضات كثيرة وننسب لربنا ما لا يليق به) لكن الأنبياء أمدهم الله سبحانه وتعالى بمعجزات كانشقاق القمر والناقة وغيرها، أما نحن فلا نملك هذه الأدوات، فماذا بقي لنا؟ كيف نشرح لغير المسلمين  يقيننا التام بديننا وبوجود ربنا جل جلاله بدون أن يروا في إيماننا هذا ما يسموه بleap of faith؟"

فأجبته بقولي:

"ليست أمة الدعوة كلها على منزلة واحدة يا أخي بارك الله فيك. فمن "غير المسلمين" من كان كفره كفر إعراض ومنهم من كان كفره كفر جحود، وأكثرهم من هذا الصنف، وليس في البشر من هو أجحد ممن كان دهريا جاحدا لوجود باريه سبحانه، حتى إذا ما سمع ما عند المسلمين قابلهم بأن إيمانهم بمن خلقهم لا دليل عليه! هذا يجب أن نثبت في حقه، بمجرد هذا الموقف، أنه مكابر صاحب هوى لا يعلوه هوى، وأنه يكذب على نفسه أعظم الكذب، ومن كانت هذه حاله فلا يخاطب ولا يجوز الاشتغال بدعوته أصلا، بارك الله فيك! نحن نقول إن رسولنا صلى الله عليه وسلم قد جاء برسالة التوحيد التي لا يجيز العقل السوي ولا الفطرة الصحيحة لرسول من رب العالمين أن يأتي الناس بخلافها، وهذا هو أعظم الأدلة على صدقه صلى الله عليه وسلم، موضوع الرسالة نفسه، فإذا بلغ ذلك الأمر مسامع الكفار المخاطبين بالدعوة، أي إذا علموا أن موضوع دعوة محمد صلى الله عليه وسلم هو توحيد الرب سبحانه وعبادته وحده لا شريك له، فإما أن يكونوا ممن أراد الله بهم خيرا، وإذن تحركهم نفوسهم لطلب سماع القرآن، ومن ثم يتبين لهم أنه الحق الذي لا مزيد عليه ولا يجوز إلا أن يكون هو كلام رب العالمين، ومعجزة خاتم النبيين التي هي أعظم معجزات الرسل كافة، وإما أن يكونوا ممن ختم الله على قلوبهم، وهم الأكثرية كما تقدم، وإذن فلا تنشرح صدورهم للحق الظاهر في مجرد معنى التوحيد ومعنى الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وإذن فمهما جئتهم بالآية بعد الآية، لم تزدهم إلا إعراضا واستكبارا وجحودا، نسأل الله السلامة.

أم تراك تحسب أن ما جاءت به الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم من آيات حسية لم يكذب بها أكثر الكفار من أقوامهم؟؟ بل كذبوا وتأولوا وقالوا ما قالوا من اتهام الرسل بالسحر والكذب، وهم يعلمون تمام العلم أن من كان الإسلام والتوحيد الخالص هو موضوع دعوته، فمحال أن يكون كاذبا في زعمه أن رب العالمين لا يحب من عباده أن يعبدوا خلقه من دونه ولا يرضى منهم الإشراك به، والله المستعان.

اعلم وفقك الله أن الحق الذي معنا ليس مسألة نظرية خفية تلجئ إلى النظر ولا يوصل إليها إلا بالبرهان فوق البرهان وبالاستدلال والنظر والبحث الطويل حتى يتبين للعقلاء الأسوياء وجه الحق فيها، وإنما أراد الجحدة المستكبرون من الفلاسفة ومن لف لفهم ومن افتتن بهم من أهل الملة أن يجعلوها كذلك، فأما الفلاسفة فجعلوها كذلك حتى يتترسوا بالخفاء والصعوبة ويذروا الرماد في عيون الناس إذا اتهموهم بالكبر والهوى وكذا، يقول قائلهم: والله لقد بحثنا طويلا وفكرنا وتأملنا، فلم نر لإيمانكم دليلا ترضاه عقولنا، وأما المتكلمون فقبلوا من الفلاسفة جعلهم إياها مسألة نظرية استدلالية (على شرط الفلاسفة في مفهوم الدليل وما يحصل به المعرفة في تلك البابة) حتى يظهروا براعتهم ونبوغهم في مادة الفلاسفة التي بها تصدروا بين الناس، وقدرتهم على الانتصار عليهم بتلك المادة نفسها عند الخصومة، من غير أن تطال أحدهم التهمة بأنه "جاهل" يخالف نظريات القوم وميتافزيقاهم المعتمدة عندهم أكاديميا في عصره، ولا حول ولا قوة إلا بالله

وإلا فمن كابر وتمارى بمثل ما ذكرته من مواقف الكثيرين منهم، فما نقول إلا: نفض منه يديك، وتوجه بالدعوة إلى غيره، والله الهادي إلى سواء السبيل، والله أعلى وأعلم"

وكتب 

أبو الفداء ابن مسعود

غفر الله له ولوالديه ولأهل بيته وللمسلمين

إرسال تعليق