الحمد لله وحده، أما بعد، فقد جاءني سؤال مهم على إحدى صفحات القناة على اليوتيوب، قال صاحبه وفقه الله: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الإقرار والاعتراف بالخالق فطري ضروري في نفوس الناس، وإن كان بعض الناس قد يحصل له ما يفسد فطرته حتى يحتاج إلى نظر تحصل له به المعرفة" كيف يوجه كلام الشيخ هنا بارك الله فيك لأنه ذكر أن بعض الناس قد تفسد فطرته و يحتاج إلى نظر ليحصل من خلاله المعرفة
انتهى نص السؤال.
وأقول في جوابه، بعد الثناء على الله تعالى، الذي يظهر لي، والله أعلم، وباستصحاب منهج الشيخ رحمه الله وسلفيته الصارمة بإزاء الكلام وطريقة المتكلمين، أنه يقصد في هذا الموضع ونحوه من نشأ على عقائد الدهرية فتربى عليها من الصغر، وعاش معرضا عن الحق الذي جاءت به الرسل، فليس داعيا إلى الدهرية ولا هو منافح عنها، وإنما تشرب بجملة من العقائد التي أسكتت صوت الفطرة في نفسه. فمثل هذا يرى الشيخ أنه قد ترجى هدايته، إذا بينا له الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذه مسألة دقيقة يتصور فيها الخلاف بين أهل السنة، والراجح والله أعلم أن من بلغ به هوى نفسه أن أبقاه السنوات الطوال معتقدا أنه لا خالق له ولا رب فوقه، ولا يضيره ولا تؤرقه فكرة أن تأتيه مينته وهو على تلك الحال، فهذا لا خير فيه ولا ترجى هدايته إلا أن يشاء الله. أما على مذهب من يرى أنه قد ترجى هدايته، فهذا يخاطب ويدعى ويبين له! ولكن هنا يأتي السؤال: كيف يكون البيان؟ هنا يغلط بعض إخواننا على الشيخ رحمه الله فيظنوا أنه يقصد في هذا الموضع ونحوه بالنظر وحصول المعرفة، تأسيسها في نفس ذلك المخاطب، التي فهموا من كلامه رحمه الله أنها تكون قد خلت من المعرفة بوجود الباري بالكلية، باستعمال براهين الحدوث القائمة على نظريات الفيزياء ونحوها كما يشترطه فلاسفة الدهرية وعتاتهم، وهذا باطل ولا شك! إذ هذه هي عين طريقة الكلام التي ذمها الشيخ نفسه في مواضع شتى، ونقل ذم السلف لها ولأهلها، فكيف يجتمع له رحمه الله أن يكون على مذهب السلف في ذم تلك الطريقة الخبيثة، وأن يكون في نفس الوقت داعيا لاستعمالها مع من فسدت فطرتهم؟؟ هذا تناقض منهجي يجب أن ننزه عنه أمثال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. بل الصواب واللائق به رحمه الله أن يكون مراده من النظر هنا، النظر الذي يحصل به النقض لا التأسيس، أي نقض الأصول والعقائد الباطلة التي ورثها ذلك المسكين وصرفته أهواؤه وشهواته عن التأمل فيها وفي تناقضها وفسادها (على مذهب الشيخ)، فإذا نقضناها بالحق، مستعملين مع ذلك الموعظة والتخويف من عاقبة المكابرة والإصرار على ذلك الباطل الشنيع، فإن أسباب فساد الفطرة قد تزول بذلك، إن أراد الله به خيرا، وإذن ترجع للنفس تلك المعرفة الفطرية التي سبق أن دفنها الباطل ودفنتها الأهواء من قبل، وينشرح الصدر لقبولها والتسليم بها وبما تقتضيه من تخليص العبودية لله تعالى. أما أن يقال إن المقصود في هذا الموضع ونحوه من كلام الشيخ، أن يخاطب مثل هذا بنصب البراهين النظرية على وجود الصانع وحدوث العالم وهذه الأشياء، فهذا كلام من لم يفهم عن الشيخ منهجه وطريقته المبثوثة في جميع كتبه رحمه الله تعالى وجزاه عن المسلمين خيرا، والله أعلى وأعلم.
أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له
