في قولهم الذي كيّف الكيف لا كيف له!



الحمد لله وحده، أما بعد، فقد كتب أحدهم تعليقا على محاضرة من محاضراتي على اليوتيوب يقول فيه: "من كيف الكيف لا يقال له كيف".
فكتبت في الرد عليه جوابا أحببت أن أنشره هاهنا لعموم الفائدة، والله الهادي إلى سواء السبيل.
قلت (وهنا زيادات في مواضع عما كتبته هنالك): 
يا أخي الفاضل هذه ليست قاعدة عقلية معلومة بالفطرة والبداهة، هذا الذي قلته قاعدة فلسفية ميتافيزيقية فاسدة، ووجه فسادها، أن الكيف هنا إن كان المراد به: ما به تتحقق الصفة في الموصوف بها، أو تقوم بذاته، أو صفة تلك الصفة وما هي عليه في الموصوف بها، فمن محض التناقض والفساد أن يقال إن الله كيف الكيف بهذا الإطلاق! 
الله كيف الكيفيات المخلوقة نعم قطعا، خلق في المخلوقات ما به تتحقق صفاتها في ذواتها وتقوم بها في الأعيان! ولكن ما به تقوم الصفات بذاته هو سبحانه، وما تكون عليه في الحقيقة، كصفة السمع والعلم والبصر والقدرة التي تثبتونها أنتم ولا تنازعون فيها، فهذا لم يخلقه ولم يحدثه في نفسه بعد أن لم يكن فيه، بل هو موصوف به من الأزل بلا ابتداء، بضرورة كون ذاته قديمة لا ابتداء لها، تقوم بها صفاتها على الحقيقة في الأعيان!! فالقاعدة على هذا الإطلاق الذي حررته (أن مطلق ما يقال له كيف، هو ولابد حادث بعد أن لم يكن) تقتضي إحداثه صفات نفسه الذاتية (كالسمع والبصر والقدرة والإرادة وغير ذلك، بل وصفة الوجود نفسها) بعد أن لم تكن، سبحانه وتعالى علوا كبيرا!! وهي مع هذا تقتضي الدور القبلي، إذ لنا أن نقول إن فعل "تكييف الكيف" هذا، لابد أنه قام بذاته سبحانه يوما ما، حقيقة في الأعيان لا وهما في الأذهان! فإذا كان الكيف هو صفة ذلك القيام بالذات وحقيقته، فعلى هذه القاعدة لا يكون لهذا الفعل قيام بذاته ولا حقيقة أبدا، وإلا كانت تلك الحقيقة كيفا مما تفرض القاعدة كون نوعه حادثا على أثر الفعل، وهذا دور قبلي ولا شك! 
فهذه القاعدة فاسدة عقلا، وفسادها راجع إلى حصرها معنى "الكيف" في جنس الكيفيات المخلوقة، على طريقة فلاسفة اليونان في إطلاقاتهم وحدودهم الميتافيزيقية! لا يقال في شيء موجود في الأعيان، إن له كيفا ما أو حقيقة ما لقيام صفاته به، إلا أن يكون مخلوقا على كيفيات وحقائق المخلوقين، التي أطلقتها النظرية وجعلتها شرطا لقيام الصفة بموصوفها أيا ما كان! وهذا تحكم فلسفي باطل لا نقبله ولا نقركم عليه، بل ننكره من أصل المنهج والطريقة! 
ونظيره ما تقولون في مسألة الأين، يقال: من أيّن الأين لا يسأل عنه بأين!! فهذا راجع إلى مقدمة خفية فاسدة مفادها أنه لا يكون "الأين" أو المكان إلا مخلوقا، يحاط فيه الموجود بوجودات أخرى من كل جهة، على ما يكون عليه تحقق معنى المكان في الموجودات الحادثة المخلوقة، وهذا باطل لا يجوز إطلاقه على شرط الوجود، وإنما على شرط العادة التي كان موضوعها الموجودات المخلوقة وحسب!! ولولا أن تلبس الفلاسفة بهذا الباطل في تكييف المعاني الكلية على شرط الإطلاق، ما تلبسوا بتصيير الكليات الذهنية حقائق عينية خارج الذهن، كما سلكوه في الزمان والمكان في ميتافيزيقا المعاصرين، ومن قبل ذلك سلكوه في العرض والصفة والصورة في ميتافيزيقا الأولين! فهذه كلها عندهم حقائق عينية خارج الذهن، ولهذا من الثمرة الفاسدة ما أطال شيخ الإسلام ابن تيمية النفس في بيانه ونقضه عليهم في كتبه رحمه الله تعالى.
فإذا سقطت المقدمة، سقطت النتيجة تبعا، والله الهادي.

إرسال تعليق