الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله خاتم المرسلين وسيد ولد آدم أجمعين، أما بعد، فقد سألني بعض الإخوة أن أنشر كلاما في الحوادث الجارية الآن في غزة، وأن أبين الموقف الشرعي الصحيح وما يجب علينا فعله فيما يتعلق بتلك النازلة الكبيرة، وأن أبين ما به يتصبر المؤمن على الشعور بالذلة والهوان الذي يعانيه اليوم جميع المسلمين في أقطار الأرض، على أثر تلك الوقائع. والآفة التي أنبه إليها هنا، أنه ليس كل متصدر في الكلام في مسائل من الدعوة إلى الله كأمثالي، يكون أهلا للكلام في كل مسألة وفي كل نازلة! بل من النوازل ما يجب على طلبة العلم الصغار أن يتركوا الكلام فيها للكبار، دفعا لمفسدة تخفى على كثير من الناس، وهي أن يصبح الكلام في النازلة العامة الكبيرة، كلأ مستباحا لكل من هب ودب! وهذا مما تعظم بسببه الفتنة وتتضاعف المفسدة وينتشر من أثرها في الناس ما لم يكن كثير منهم ليتصوره أو يتوقعه! قال تعالى: ((وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً)) [النساء : 83] والذين يستنبطونه منهم هم العلماء، فالله تعالى يوجب علينا في النوازل أن نرجع أولا إلى أولي الأمر في البلاد وأن نلتزم بما يقولون وما يوجهون الناس إليه، ما لم يكن فيه أمر بمعصية الله تعالى، وأن نسترشد بكلام العلماء الكبار من أهل الفتوى المتبوعين، الذين يرجى للناس أن تنزل على كلامهم وأن تقلدهم فيما يقولون! لماذا وجه رب العالمين الناس لذلك؟ لأن الناس تكون في تلك الأحوال محمولة مدفوعة بأثر ما يعتمل في صدورهم من الغضب والنقمة على المعتدين والمجرمين، للنهوض بالرد والمفاعلة وإظهار المفاصلة، والخروج من الشعور بالهوان والعجز وقلة الحيلة. النفس لا تقبل ذلك بطبعها وخلقتها، والله قد ركب في غرائز الخلق وطباعهم كراهة ذلك واستثقاله أعظم ما يكون الاستثقال! فإذا نزلت النازلة العامة بمثل ما نحن فيه الآن، واضطرمت نيرانها في الأرض، انبعثت الدوافع في النفوس لإظهار النفرة والغيرة والحمية وطلب الانتقام والرد! وانتشرت الدعاوى لحشد الحشود والزحف على الحدود وما شاكل ذلك، بين عامة الناس صغارا وكبارا، وأصبح أكثرهم لا يجلس مجلسا ولا يلقى أحدا إلا شعر بضرورة أن ينقل خبرا في هذا الشأن أو يحدث بشيء فيه، أو يظهر سبابه واعتراضه ونقمته ليس على المعتدين المجرمين وحسب، بل وعلى من كانوا إلى الآن لا يحشدون الحشد ولا يرفعون عقيرتهم بالرد القارع الدامغ عليهم من ولاة الأمور في البلاد! لذا يرشدنا رب العالمين تبارك وتعالى إلى أن نكون خلف الإمام في تلك النوازل، لا نصدر إلا على قوله وأمره، ما لم يأمر بمعصية لله تعالى، ولا نقدّم على كلامه كلاما، ولا نفتات عليه ولا ننازعه الأمر، ولا نضغط عليه نستعجله بالرد وإظهار الموقف وهذه الأمور، لأننا لا نبصر ما يبصر ولا نعلم ما يعلم، ولا يصل إلينا ما يصل إليه، مما تفيد به أجهزة الدولة الخاضعة لأمره وسلطانه.
فأقول لكم، اتقوا الله في إمامكم، لا سيما أهل بلدنا مصر، نصرها الله وحماها، اتقوا الله في الرجل، فإنه وفقه الله الآن تحت ضغط عظيم، يأتيه من جميع أنحاء الأرض! وهو مطلع على خطط ومؤامرات كبيرة، وعلى مكر الليل والنهار، مما يمكره العدو الصهيوني بأهل فلسطين وبأهل مصر، ويعلم من ذلك ما لا يبدو لكم إلا جزء يسير منه! خطة التهجير ومؤامرة تصفية الدولة الفلسطينية وهذه الأمور، كل ذلك هو مطلع عليه بفضل الله، ويعلم من خفاياه ما لا تعلمون، بما تحته من أجهزة الاستخبارات التي تكشف من بواطن تلك الأمور ما لا ينكشف لعامة الناس. فادعوا الله تعالى، وألحوا في الدعاء، أن يوفقه إلى الرشاد وإلى الصواب في جميع أمره، وأن ينتقم بقوته وجبروته سبحانه وتعالى من كل فئة تمكر بالمسلمين في فلسطين وفي مصر وفي غيرها من بلاد المسلمين، وأن يرينا فيهم جميعا عجائب قدرته، فإنه ليس على الله بعزيز! لا تمشوا في الأرض باللغط والضوضاء والقيل والقال، وما يجب أن تفعله مصر، وما يجب أن يفعله العرب، وغير ذلك مما يحلو للناس أن تتكلم به في كل مجلس هذه الأيام، فإن هذا والله لا يزيد العقد إلا انفراطا، ولا ينتفع منه في الحقيقة إلا ذلك العدو المجرم الفاجر الذي يقتل إخواننا في غزة ويفتك بهم كما هو ماض فيه! فكونوا مع أئمتكم ولا تكونوا عبئا وحملا وضغطا عليهم! فإن الرجل منا له طاقة وله حدّ ينتهي عنده صبره، وإذا تضاعف الضغط عليه لم يأمن من أن يصدر عنه حكم يخالف الصواب!
بعض الناس هنا قد يعترض فيقول: ولكن في واقعنا المعاصر، أصبح نشاط الشارع وكلام الناس في المحافل وشبكات التواصل وما يقال له "الرأي العام"، قوة ضاغطة على جميع الدول والأنظمة السياسية، وقد يكون كلامنا هذا وخروجنا في الميادين وهذه الأمور، سببا في دفع عادية المجرمين وتخفيف بطشتهم، كما لا يرجى مثله من كلام الإمام وأفعاله! وإذن فالمصلحة الشرعية الراجحة تقتضي أن نكثر من هذه الأمور ما أمكن! ويقال لهم: ولكن يا إخوان هذه القوة التي تشيرون إليها قوة غاشمة، لا زمام لها ولا خطام، ولا يعرف لها توجه ولا مذهب ولا نحلة ولا رأي تتفق عليه، إلا أنهم يشتركون جميعا في الغضب والنقمة على الصهاينة ومن دعمهم من الدول الغربية! والغاضبون من الصهاينة هؤلاء منهم من يريد الخير لبلادكم وإمامها، ومنهم كذلك من لا يريد شيئا كما يريد أن يرى ذلك الإمام وقد انقلبت الجماهير عليه وثارت في وجهه، وانفلت زمامهم من يديه! ثم إن الغضب العام والنقمة الجامعة تذهب العقل، وإذا اجتمعت جماهير الناس في مكان وهم جميعا على حالة من الغضب والثوران والهياج، فإنهم تستساغ لديهم في تلك الحالة أمور وأفعال وأقوال ما كانوا ليستسيغوها ولا ليقبلوها في حال حضور الوعي والرشد وكمال العقل! ويسهل ويقرب جدا، والحالة تلك، أن تقع منهم أفعال لا تقع أبدا في غير تلك الأحوال! ويستدرجون إلى مفاسد لا يحصونها ولا يدركون لها قدرا من حيث لا يشعرون!! وهذه الظاهرة معروفة عند أصحاب العلوم الاجتماعية بسيلان المسؤولية Diffusion of Responsibility، وهو ما يقال له "تفرق الدم بين القبائل"، وهذا من أعظم مفاسد المظاهرات والمسيرات وهذه الأشياء! أنك لا يمكنك، مهما زعمت الدراية بأحوال الناس، أن تتنبأ بما قد تسفر عنه تلك الأمور من المفاسد، وما قد يحدث من تخلل المفسدين والمجرمين والمغرضين بين صفوفها، وقد رأينا ثمرة ذلك وما بلغته من الإفساد في الأرض أظهر ما تكون في أيام ثورات ما يقال له "الربيع العربي"! وهل يطمع عدوكم المجرم في شيء، فوق ما يطمع في أن يجعلكم في هذه الأيام جذاذا وهباء وغوغاء لا كبير لكم ولا رأي يجمعكم، ولا متبوع يُنزل على كلامه؟؟
فاتقوا الله واتركوا هذا الأمر لمن ولاه الله إياه، واعتنوا أنتم بالدعاء، فإنه والله سلاح لا يعلوه سلاح! ولا يرد القضاء إلا الدعاء! ومن كان بحيث يجد في بلاده طريقا قد سهله ولاة الأمر لمساعدة المستضعفين في غزة، نصرهم الله تعالى، بشيء من المال أو الطعام أو ما شاكله، فليسارع بذلك، وإلا فما أكثر من يتاجرون بتلك الظروف والأحوال لخدمة مصالحهم الحزبية، فيوهمون الناس بأنهم يجمعون المال لنصرة المقهورين في فلسطين، وإذا به يصبح رصاصا يضرب في صدورنا، وقنابل تفجر في جيوشنا وشرطتنا، والله المستعان!
جاءني بالأمس من يقول هنا على الخاص، بعدما نشرت كتابي الأخير، يقول لا تكن أنت في واد والناس في واد آخر! "واجب الوقت" الآن أن تتكلم في فلسطين!! لا يجوز أن تتكلم في غير فلسطين وما يجري في فلسطين!! أخذ يقول: بينوا كفر اليهود وإجرامهم، وادعوا إلى الدفاع عن أراضي المسلمين، ثم أخذ يسوق إلي نصوصا من السنة في فضل المسجد الأقصى، وكأني أنا أو من أخاطبهم من منبري هذا، نجهل بذلك أو نحتاج إلى من يذكرنا به فوق ما نحتاج إلى من ينبهنا إلى تلك الأمور التي ننبه الناس إليها من هذه القناة! وكأنه في المسلمين من يشك في كفر اليهود، وكأن فيهم من لا يدري بإجرام الصهاينة وبغيهم وعدوانهم وبتاريخهم الدموي الأسود!! ثم أورد إليّ روابط لمحاضرات للشيخ العلامة رسلان حفظه الله كان قد تكلم فيها في مسألة فلسطين وما الموقف الصحيح ومتى تعود إلينا وكيف ننتصر على اليهود ونحو ذلك، وكأنما يريد أن يقول، هذا عالم من المعظمين عندك يتكلم في ذلك فأين كلامك أنت؟؟!
فأقول لهذا الأخ وأمثاله: يا أخي أنت تريد قائد جيش يسيّر الناس إلى الحرب، يحشد الحشود ويحرك الجنود، ويأتي بما يروي غليلك وغليل كل مسلم، وليس داعية إلى الله يعرّف الناس ما يجب عليهم في دين الله تعالى في تلك الأحوال والظروف!! لنفرض أني شغلني عن الكلام عن فلسطين وعن فضل الأقصى في الإسلام، وعما يجب علينا تجاه إخواننا المستضعفين في غزة والضفة، ما أراه أدعى للنشر فيه عندنا، لا سيما ولا أعلم أحدا يحسن التصدي لهذا الذي تصدينا له من أهل السنة المنضبطين، السالمين من لوثات التجهم وأدران الحدادية، على شدة الداعي والحاجة إليه، فكان ماذا؟!! الأخ كان غاضبا جدا في رسالته يقول "الله يشفيكم" "الله يشفيكم"، وكأنما يخاطب مرضى قد ذهبت عقولهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله! بعض الغلاة والمتحمسين بغير علم، أصبحوا يضغطون على طلبة العلم ضغطا كبيرا، بطريقة تشعر الناس ممن يتابعونهم ويتلقون عنهم شيئا من العلم، بأنهم (أي أولئك الطلبة) يكونون في حرج عظيم من دينهم، بل يكونون من جملة المنافقين، إن لم يوقفوا الدروس ويكفوا عن جميع ما ينشرون، ويتكلموا في فلسطين وقضية فلسطين لا غير! واجب الوقت! هكذا يقول! واجب الوقت!! أنت تتكلم في الحيض والنفاس، والناس تقتل وتموت وتشرد و.. إلخ! ثم ينقل إلي كلاما للعز بن عبد السلام رحمه الله يقول: "من دخل قرية فشا فيها الربا، فخطب فيها عن الزنا فقد خان الله ورسوله!" طيب ما المطلوب من طلبة العلم الآن إذن؟ أن يعلموهم ما يعلمونه فعلا، ويتركوا ما يجهلونه وهم في أمس ما تكون الحاجة إلى تعلمه، لحين أن ينصرنا الله على الصهاينة، ويمتعنا بالصلاة في المسجد الأقصى، نسأل الله أن يكون قريبا؟؟ ماذا تريدون؟؟ ما المطلوب؟؟ أن ننزل في المسيرات والمظاهرات وهذه الأشياء؟؟ أنا أنشر في هذه الصفحة كلاما أخاطب به طلبة العلم المهتمين بقضايا دقيقة في الاعتقاد وفي النوازل الفكرية المعاصرة، فالفرض أن عامتهم بفضل الله يعرفون الواجب على المسلمين في هذه النوازل، فلماذا أطالب بأن أشغلهم بما يعلمون عما لا يعلمون؟؟ خاطب أنت يا أخانا عامة المسلمين في منبر قريتك بما ترجو أن تسلم به من خيانة الله ورسوله، إن كنت أهلا لذلك، وما أحسبك، ودع غيرك يخاطب الناس بما يرى أنه أنفع لهم! أما أن يقال لجميع منابر الدعوة والعلم في الأمة: كفوا عن ذلك كله ولا تكلموا الناس إلا في قضية فلسطين والأقصى الأسير، فإنها هي واجب الوقت! فهذا من أجهل وأسخف ما يكون!!
أنا كتبت بالفعل في منشور على صفحتنا هذه من قريب منشورا أوصي فيه المتابعين بالدعاء لإخواننا في غزة نصرهم الله، ثم نشرت بعدها، بفضل الله وتوفيقه، كتابا في الرد على رجل جهمي متفلسف قد تعاظم افتتان الشباب به، وكثير من الناس لا يذكر الرد على الإلحاد إلا ذهبت أذهانهم إليه وإلى كتبه، على ما فيها من الزندقة والفساد العريض، فجاء هذا الغلام يقول "أنت في واد والناس في واد"!! فأي واد هذا الذي فارقتهم إليه، وهم في جميع الأوقات أحوج ما يكونون إلى من يحذرهم من إفساد المتفلسفة والمفكرين ويبين لهم سبيل المؤمنين، ويعرفهم بالتوحيد الخالص الذي بعث الله به رسله، بل وهم اليوم أحوج إلى ذلك مما كانوا عليه بالأمس؟؟ بعض الشباب للأسف يزن المسائل في فقه الدعوة إلى الله تعالى بميزان العاطفة العمياء الصماء البكماء، من حيث يحسب أنه يزنها بميزان العلم والسنة! وهؤلاء أدعوهم في هذا الموطن لأن يتقوا الله في أنفسهم، ولألا يفتاتوا على الأئمة والعلماء، وأن يعرف كل امرئ قدره!! كثير من الشباب يخرج يقول: لماذا لا يتكلم الشيوخ والعلماء في كذا؟؟ طلبة العلم والدعاة كيف ينشغلون بما هم فيه عن هذا الشأن العظيم؟؟ هم إذن لا يبالون ولا يغارون على الدين وعلى محارم الله! لماذا لا تفعل الحكومة كذا وكذا، ولا تسارع للحرب ولنصرة إخواننا المستضعفين على حدودنا عند رفح؟؟ هم إذن عملاء للصهاينة، لا يرفعون رأسا بالمسجد الأقصى وبمحرمات المسلمين!! هكذا! الأئمة والذين يستنبطون الأمر في بلادنا لا يفعلون ما أراه أنا، من حيث أجلس على أريكتي خلف الكيبورد، أراه الواجب المتعين عليهم الآن وفورا، إذن هم خونة عملاء، أو جهال سفهاء، لا يعلمون الناس الخير كما يزعمون، ولا يبالون بدماء المسلمين!! فهل هذه طريقة من تعلم شيئا من علوم الدين، أو عرف ما هو الواجب على المسلمين في أمثال تلك الأحوال؟؟
ثم إنني أعجب من أناس صاروا اليوم ينشرون في جهلهم مقالات لهتلر النازي الجهول الذي كان يجمع اليهود ليحرقهم في المحارق، لا سيما قوله: تركت بعضهم لتعلموا لماذا كنت أحرقهم! فهل نحن المسلمين نقر هذا الرجل على تلك المحرقة أو نوافقه على ما صنع؟؟ أبدا! فلماذا تصبح صورة المسلمين أنهم يتشوفون لدماء اليهود لمجرد أنهم يهود؟؟ الكفار عند المسلمين منهم الحربي ومنهم الذمي ومنهم المعاهد، وليسوا كلهم على رتبة واحدة، ندير فيهم الذبح لأنهم كفار!! وقد رأينا من الناس من يهجم على معابد اليهود، ويؤذي اليهود إلى حد أن صار من طوائفهم التي هي مناهضة للكيان الصهيوني وناقمة على ما هم فاعلون في غزة، ومتبرؤون منهم صراحة، صاروا الآن يفرون خوفا من بطش المسلمين الغاضبين في أوروبا وأمريكا! ورجل سائح في مصر يهودي من مواطني الدولة الصهيونية، يهجم عليه رجل مسلم في مصر فيقتله، ثم ترى الناس في شبكات التواصل تفرح بذلك وتعده من إباء نفسه وكرامتها وكذا .. رجل كافر صاحب عهد قد أمنه إمام البلد على ماله ودمه، وهذا يقتله!! فهل هذا مما علمنا إياه رسولنا صلى الله عليه وسلم أو مما يأمرنا به ديننا؟ أن نبطش بكل يهودي، أينما كان وكيفما كانت حاله، لمجرد أنه يهودي؟؟ نعم اليهود هم قتلة الأنبياء وهم الذين حرفوا الدين واستكبروا على رب العالمين وهم المغضوب عليهم إلى يوم الدين، هذا كله حق نؤمن به وندين الله به ولا شك، ولكن الذي علمنا بذلك من أحوالهم وأخبرنا بما هم عليه، هو نفسه سبحانه الذي علمنا التفريق بين الكفار من الكتابيين وغيرهم، من حيث أحكامهم وما لهم وما عليهم في بلاد المسلمين، وفي غيرها من ديار الكفر التي ما دخلناها وما أقام فيها المسلمون إلا بالعهد مع حكامها! فمن أي شيء تنشأ وتتولد تلك الجهالات التي تسيء إلى المسلمين وتضر قضية الفلسطينيين من حيث لا تشعرون؟؟ من انتشار الكلام في الناس في هذه القضية بلا زمام ولا خطام، ومن استجابة كل من له صوت وله أناس يتابعونه في الفضائيات وشبكات التواصل وهذه الأشياء، لضغط الأقران في هذا الباب!! يقال له كيف لا تتكلم وكيف تسكت، وإخوانك يُقتّلون ويذبّحون وتستباح أعراضهم ونساؤهم ويحصل فيهم كذا وكذا، فينبعث من جهله بأفعال لا يدري ما عاقبتها ولا يشعر، ثم يضطر أولو الأمر للتبرؤ من ذلك السفه وتلك الحماقة، بما لا يزيد على أن يحرجهم ويضعف موقفهم بين أيدي الخصوم، ولا يصب إلا في مصلحة العدو على التحقيق! فأين هذه المصلحة التي يزعمها أولئك الذين يقولون دعوا الناس تثور وتغلي في الشوارع لأن هذا يضغط على الدول ويخوف الحكومات ... إلخ؟؟! في أي كوكب يعيش هؤلاء؟؟
يا إخوان، لا تزايدوا على أئمة بلادكم، ولا تضغطوا عليهم، ولا تستفزوهم، ولا تتلبسوا بما يحرجهم ويضيق الأمر عليهم، ولا تنازعوهم الأمر ولا تخوضوا فيما لا تحيطون به علما، وإنما عليكم برد الأمر إلى أهله، نسأل الله أن يعينهم وأن يثبتهم وأن يلهمهم الرشد والصواب في جميع أمرهم!
وفي الختام، فبعض الشباب راسلني يقول كيف تنصحنا في هذه النوازل حتى لا يفتتن الناس ولا يشكون في دينهم! وأنا أعجب، لماذا يشك الرجل في دينه على أثر تلك الأحوال؟ الذي يشك في دينه تحت الفتن العامة والنوازل العامة كالحروب والمذابح وهذه الأشياء، لا يدخل عليه الشك من النازلة وحدها، وإنما يدخل عليه من أسباب كانت قد مهدت قلبه للافتتان بتلك الأحوال سلفا، فلما وقعت الواقعة، زينت له نفسه الاستدلال بها على وهاء الدين وفساده! وإلا فالله تعالى ما أوهمنا بأننا في الدنيا لأجل أن ننعم، ولا جاء في الوحيين ما يوحي بأننا لا ينزل علينا البلاء العظيم إذا آمنا، بل جاء ما نص على خلاف ذلك! فالله تعالى جعل أشد الناس ابتلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، والسنة نصت على أن الرجل يبتلى على قدر دينه، فمن كان في دينه صلابة زيد له في الابتلاء! فما الذي ينتظره الناس من ربهم إذا آمنوا؟؟ يقولون: لماذا لا ينصر الله غزة ولا ينصر فلسطين؟؟ ونحن نقلب السؤال فنقول: ولماذا ينصرهم؟؟ الله تعالى له سنن ماضية وأسباب للنصر لا ينصر من لا يأخذ بها! الصحابة وهم من هم، رضي الله عنهم، هزموا في أحد لأنهم فرطوا في شيء منها، وهو طاعة إمامهم وقائدهم صلى الله عليه وسلم! فليس لأحد الحق في أن ينصره الله تعالى على الكفار لمجرد أنه مسلم وعدوه كافر!! عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : "إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ"! فإذا كانت هذه أحوالنا عامة في هذا الزمان في بلاد المسلمين، فنحن أهل لأن نذل لا لأن ننصر، على ما فينا من الصالحين وأهل الديانة والعلم والتقوى بل ومن أولياء الله المقربين!!
ثم إنه سبحانه لم يقل في كتابه ولا قال رسوله صلى الله عليه وسلم ما فيه تصريح ولا اقتضاء لأن ينصر أهل غزة أو لا ينصرهم!! وإنما علق النصر على مشيئته سبحانه، التي هي تبع لحكمته جل شأنه! ((وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ)) [آل عمران : 13]!! ما وعدنا الله بنصر أهل غزة على الصهاينة ثم أخلف الميعاد!! وما وعدنا بأن من كان على أحوالهم من المسلمين فإنه يجب عليه أن ينصرهم، ثم أخلف ذلك!! هل أهل غزة أحق بالسلامة من أهل الأخدود الذين أحرقهم الكفار عن بكرة أبيهم حتى الموت، ولم ينصرهم عليهم في الدنيا ولا سلمهم من كيدهم؟؟ هل أهل غزة أحق بالنصرة من المسلمين الذين ذُبحوا على أيدي التتار في العراق وغيرها حتى وصلت دماؤهم إلى الركب كما ذكره أصحاب التواريخ؟؟ بل وهل أهل غزة، نصرهم الله ورفع عنهم، أحق بالحفظ من الهلاك والموت، من الصحابة الذين هلكوا في عام المجاعة على عهد عمر رضي الله عنه، يوم بلغ الناس أن صاروا يأكلون الميتة أعزكم الله؟؟ لا حق لأحد في شيء عند الله إلا ما جعله الله حقا له، تفضلا منه سبحانه! ولا يجب على الله إلا ما أوجبه على نفسه جل في علاه!! وهو القائل جل في علاه: ((وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)) [آل عمران : 169] والقائل: ((وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ)) [إبراهيم : 42]! لماذا قدم هاتين الآيتين بقوله "لا تحسبن"؟ لأنه يعلم سبحانه أن كثيرا من الناس تميل بأحدهم نفسه لأن يحسب ذلك، وكأنه ليس للرجل منا حياة إلا هذه الدنيا، فإما أن تكون بحيث يحظى فيها بكل جزاء وينعم بإيمانه، وإما أن يكون قد فاته الجزاء وحرم مما تنعم به غيره! لا تحسبوا ذلك يا عباد الله، فنحن ما خلقنا لنخلد في هذه الدنيا التي وصفها الصادق المصدوق بقوله: "ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ما كان من ذكر الله وما والاه"! تذكروا الآخرة، واعلموا أن ربكم لا يغفل ولا ينام، وكل شيء عنده إلى أجل!
فمن سلم قلبه من أسباب التشكيك في دينه وما يميل به إلى ذلك، من قبل تلك النازلة العظيمة، فهو يعلم قطعا ويقينا وجزما أن كل ما يتعرض له المسلم في دنياه خير له، ما دام مؤمنا موحدا! ويعلم أنه إن مات صابرا ثابتا على دينه والعدو الكافر يترصده، مات من الفائزين بالشهادة، نسأل الله أن يرزقنا إياها! فأي فضل وأي خير فوق هذا؟ الذي يؤمن بالله واليوم الآخر، إيمانا صادقا، لا يرتاب في أن ذلك خير، وإن رأيت الأرض تجري بدماء المسلمين كالأنهار!! نحن ما خلقنا لننعم، وما وجدنا في هذه الدنيا لنكون نحن أصحاب الكلمة العليا فيها بأمر الله التكويني وسنته القدرية!! وإنما خلقنا فيها لنبتلى بالنوازل والفتن والبلايا والمحن أشكالا وألوانا، فيما يزداد ويعظم على المسلم كلما ازدادت منزلته عند ربه سبحانه! هذا هو دينكم وهذا هو إسلامكم، فهل ترتضونه؟؟ نسأل الله أن يرزقنا الرضا به ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له
