مقدمة وتمهيد
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد، فوالله لا أدري من أين أبدأ في التعليق على هاتين الشهادتين، حتى أستوفي المقصود من التعليق، وأبين لأتباع هؤلاء والمفتونين بهم، ما فيهم من التلون والتحايل على المنهج السلفي المعصوم باسم المنهج السلفي المعصوم، وما فيهم من تلبيس على الناس وتلاعب بالكلام، لمصلحة ألا ينفض من حولهم من سبق أن جمعوهم لأنفسهم من الأتباع والمحبين من كل طائفة وفرقة ونحلة من نحل الخوارج والسرورية والقطبية ومن شاكلهم! فالمنهج كما سنبين، هو قاعدة البنا في التعاون والمعذرة: "نتعاون (لمصلحة التمكين للجماعة ومن والاها) فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه."
فسواء حسان أو يعقوب، فقد مثل كل من الرجلين للشهادة التاريخية في المحكمة إجابة لدعوة القاضي، وهو - كما سنبين - حريص على ألا يتلبس بكلمة تقلب عليه المحبين وتصرف عنه الأتباع والمريدين، وتنقض عليه ما أمضى عمره في غزله، يحرص على تخفيف تلك "المفسدة" الكبرى - على منهجه - ما استطاع إلى ذلك سبيلا!
وآية ذلك التلون قد سبق وتبينت من قبل وانكشفت لكل ذي عينين، عندما كان هؤلاء يفتون قبل 2011 الميلادية بحرمة الخروج على الحاكم، وبحرمة المظاهرات والثورات وتلك الأشياء، ثم لما قيل لهم إن الإخوان المسلمين قد أحرزوا في تلك الفتنة "نصرا" ويوشك مبارك أن يتنحى عن الحكم، وسينفتح الباب بذلك لأن تتقدموا أنتم وجماعاتكم وأحزابكم للسلطة والسيادة والتمكن في البلاد لأول مرة في تاريخها، سال لعابهم وانقلبت فتاواهم، ودفعوا بأنفسهم وأتباعهم في الميادين حتى قال محمد حسان كلمته المشهورة: "نزلت أنا وزوجتي وبناتي في المليونيات، وتقدمت الناس"!! وأصبح لا يشير إلى الثورة إلا بالثورة المباركة، والثوار بالوجوه الطاهرة المتوضئة، وغير ذلك مما تعلمون!! فما الذي حوله من المنع إلى التجويز؟ الترجيح بمصلحة الإسلاميين! مصلحته هو وأحبابه ومن يوالونهم ويتشيعون لهم في البلاد! أخيرا "سنحيا كراما"، كما كان شعار صاحبهم حازم صلاح أبي إسماعيل في الانتخابات! كنا نحن الإسلاميين مقهورين مغلوبين على أمرنا، والآن سنعلو إلى كراسي السلطان ونخرج من ذلك القهر والامتهان، ويصبح لها من الشأن ما حلمنا به طويلا! فما هو المنهج؟ ما تحصل به السيادة والمصلحة الدنيوية والكرامة للإسلاميين! هذا هو المنهج الذي لا يعرفون منهجا غيره على التحقيق! أن تنال الدنيا بالدين! أن يتحصلوا أخيرا على ما كانوا منه محرومين وعنه مبعدين! يفتي أحدهم بأن الديموقراطية شرك وكفر وأن المجالس النيابية يكفر أعضاؤها بمجرد الانضمام، ثم لما ينفتح الباب أخيرا لأن يترشح الإسلاميون لتلك المجالس نفسها، تنقلب الفتوى، ويقال بالتفصيل، ويفرق بين من يدخل وهو يريد كذا، ومن يدخل وهو يقصد كذا وكذا، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله! يفتى بحرمة دماء الجيش والشرطة، يوم أن كان المجلس العسكري متساهلا مع جماعاتهم وأحزابهم، متيحا لهم الفرصة ليدخلوا الانتخابات كما دخلها غيرهم، ثم لما ينقلب الأمر، وتتبدل الأحوال، ويسلب الكرسي من أيديهم، ثم يقوم رجال الشرطة بما هو واجب عليهم من دفع صولة هؤلاء وقطعهم الطريق على الناس بدعوى الاعتصام والمطالبة بالحق المسلوب وكذا، يكفر الجيش والشرطة عن بكرة أبيهم، وتستحل دماؤهم ويقال لهم "العسكر" و"عبيد البيادة" وغير ذلك مما قالوا تهوينا وتحقيرا! فهم مسلمون ودماؤهم معصومة، ما كانوا معهم، وما كانت مواقفهم تصب في مصلحة الجماعة! فإذا انقلب الأمر وصاروا إلى ما تفوت به تلك المصلحة العليا والمقصد الأسمى (وهو التمكن من السيادة والسلطان في البلاد) وتضيع تلك اللعاعة المنشودة، التي عليها مدار المنهج عندهم، وعليها الولاء والبراء لا على غيرها، يصبح المسلم كافرا، والدم المعصوم حلالا لا حرمة له، فإنا لله وإنا إليه راجعون!!
والقصد أن مخالفة هؤلاء في المنهج والمعتقد والطريقة لأهل السنة وللسلف الذي يتمسحون به، لم تعد تخفى على صادق متجرد للحق بفضل الله تعالى! ومع هذا، فقد أبى ربك إلا أن يكشفهم فوق انكشافهم، ويفضحهم فوق فضيحتهم، حتى لا يبقى للتابعين من عذر يعتذرونه، عندما يقال لهم يوم لا يغني الندم: "لماذا أعرضتم عن دعوة السنة الخالصة وأصررتم على اتهام أهلها والقائمين بها بكل نقيصة، نصرة لأولئك المبتدعة الزائغين المتلونين، وقد تبين لكم من أحوالهم ما تبين، ورأيتم منهم ما رأيتم؟؟"! فأنا لا أكتب هذا الكلام من أجل أن أثني المتعصب عن تعصبه، فإن هذا مما لا يرجوه عاقل ولا يطمع فيه من يعلم سنة الله في قلوب عباده، وإنما أكتب هذا التعليق متوجها به إلى قلوب من صدقوا في طلب السنة لله تعالى، وطلب الدين للآخرة لا للدنيا، وهم مع ذلك قد بقيت فيهم بقية من إحسان الظن بهؤلاء والميل إليهم!
سأبين بحول الله تعالى لمن ينكرون علينا رمينا إياهم بالحزبية، أن الحزبية أوسع مما يوهمهم به أولئك الجهال، وأن العبرة فيها بحقيقة الحال، وبما يكون عليه مدار التقريب والإبعاد، والتعديل والتجريح، والتقديم والتأخير، والولاء والبراء، وليس بالنسبة الصريحة إلى حزب ما أو جماعة ما! فالحزبي ليس هو من يقول أنا أنتمي إلى جماعة كذا أو حزب كذا وحسب، وإنما هو ذاك الرجل الذي لا يوالي إذا والى على الدين والمنهج على الحقيقة، ولا يبرأ إذا برأ عليهما، بضابط ذلك وشرطه، وإنما يوالي على مصلحة دنيوية يرجوها، لنفسه ولمن يحبهم ويحبونه من طوائف المتدينين! الحزبي هو من لا يحكم على الرجل، أي رجل، بما يقتضيه النظر الشرعي الصحيح في عقيدته ومنهجه، وإنما يقدم على ذلك ضابط المصلحة الدنيوية التي يرجوها من التقرب إلى فئة ما، فلا يحب أن ينفرهم أو يبغضهم فيه، فيمسك عن الكلام في هذا ويحجم عن الطعن على هذا، بما هم أهله، حتى لا تفوت عليه تلك المصلحة! فحقيقة مثل هذا أنه قد تحزب لتلك الفئة، فصار لا يتكلم إلا بما يعجبها – إجمالا - ويأتي على هواها الجمعي، شعر بذلك أم لم يشعر! ومهما بينت لهذا أن أولئك فيهم من البدعة والجهل ومخالفة السنة كذا وكذا، لم يسمع ولم يقبل، واتهمك بكل تهمة!
ولأن الإسلاميين (على تعدد طوائفهم وجماعاتهم وتفاوتها واختلافها) متدينون بالجملة، فلابد أن تكون موالاتهم هي موالاة الإسلام، ومعاداتهم هي الحرب على الإسلام، وانتهت القضية! وبناء على هذا التحزب الخفي، فقد يضطر أحدهم أحيانا لأن يتقي! والتقية مشروعة عند أهل السنة عند خشية وقوع الضرر المحقق، بضابطه الشرعي الصحيح، كما في قوله تعالى: ((لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ)) [آل عمران : 28]. وأما الحزبي فيستجيز التقية في كثير من الأحيان لا خوفا من الضرر المحقق على نفسه، ولكن خوفا من فوات المصلحة الدنيوية، ألا وهي انصراف الناس عنه وانقلاب الفئة المقربة إلى نفسه عليه! ولا إشكال في ذلك عنده ما دامت تلك الفئة هي "الإسلاميين"، الذين هم المجتمع المسلم الصالح في اعتقاده، مجتمع "الخاصة" خلافا "للعوام"، أو "الإخوة" خلافا لمن سواهم من الناس! ولا شك أن الأخوة الخاصة في الإسلام مشروعة، وتكون للمسلم الصالح صحيح المعتقد، المستقيم على السنة في أصوله وعامة أمره، خلافا للأخوة العامة التي تكون لكل مسلم، ولكن عند الحزبيين ليس هذا هو ضابط الأخوة الخاصة، وإنما تكون لمحبي مشايخهم ومواليهم، ومحبي جماعاتهم وقادتهم وأمرائهم دون شانئيهم.
ولا يمانع الحزبي أن تبلغ به التقية الحزبية – كما رأيناه يبلغ الغاية في حملات القوم الانتخابية في 2011 – أن يعرّف المنكر ويهون من الشرك والكفر، يعلن ذلك على ملء لا يحصيهم من الناس دون أن يبالي، ثم إذا سأله خاصته والمقربون إليه عن ذلك فيما بينه وبينهم: "قال هذا تمليه عليّ الضرورة يا إخوان، لو لم أظهر لتلك الجماهير ما يريدونه الآن، فلن أتمكن! فأمهلوني حتى أتمكن أولا، ثم بعدها نصلح ما أفسدنا!" فبهذا الضابط الحزبي المنكر، تصبح التقية كذبا وتدليسا ومداهنة للناس وإفسادا عريضا في الأرض، طمعا في تكثير الأتباع والمريدين، بما يوصل منه في النهاية إلى تحقيق المصلحة العليا والمقصد الأسمى للدين، ألا وهو ما يسمونه بالتمكين!
فما هي الشريعة التي زكم هؤلاء أنوفنا بزعمهم الحرص على تحكيمها في البلاد؟؟ ليست في الحقيقة إلا حكم الإسلاميين! وقد بينت كما لم أزل ماضيا فيه في سلسلة التحذير من جهمية الإنسانيات، كيف أن المودودي أشرب القوم بفكرة أن الدين هو المجتمع الطليعي الجديد، والمجتمع الجديد هو الدين، فلا دين إلا من هؤلاء وفي هؤلاء وبهؤلاء، ولا قيام للشريعة في الأرض (أو الحاكمية كما سماها) إلا بأن تصبح جميع أركان ومفاصل الدولة في أيدي ذلك المجتمع الجديد، مجتمع الإسلاميين، لا يخرج منها شيء عن سلطانهم، في إطار ما سماه في نظريته "بالدولة الفكرية"!! ومن قبل ذلك، ومما مهد له، فكر البنا الذي علق قلوب أتباعه على مسألة إعادة دولة الخلافة والعمل بكل وسيلة لأجل أن تصبح الجماعة التي هو رأسها، في يوم من الأيام، هي حكومة الخلافة المسلوبة! فما هي الشريعة؟ هي ما تحكم به تلك الجماعة أو ذلك المجتمع الإسلامي الجديد إذا حكم، أيا ما كان ذلك! كل غلط قد ضمن أن تلتمس له المخارج والمعاذير والذرائع من قبل أن يقع! بل كل كفر يتلفظ به كبير من كبرائهم فهو به معذور أيا ما كان، لماذا؟ لأن التمكين لا حصول له إلا بهذا! والإسلام لا قيام له في الأرض إلا بأن يتمكن هؤلاء! هذه هي خلاصة قضية الحاكمية كما هي عند هؤلاء!
ولهذا لما وصل محمد مرسي رحمه الله للحكم، تهللت أساريرهم حتى قال محمد حسين يعقوب في خفة عقل لا يحسد عليها: أخيرا حاكمكم ملتحي ويصلي!! أصبح لكم رئيس بحلية ويصلي!! لا يهم ما يقول وما يفعل من أجل أن يصبح رئيسا لكم! بل ولا يهم هل "سيطبق الشريعة" كما تحلمون أم لن يطبقها! المهم أنه قد أصبح رئيسكم واحدا منكم أخيرا، كما كان هو حلمكم منذ أن استقمتم واتبعتمونا! أخيرا سيرفع شأنكم ويحترمكم الناس، وسنحيا كراما! هذه هي القضية!! وإلا فعامة الحكام الذين يحكمون بلاد المسلمين اليوم ليس فيهم من يماري بفضل الله تعالى في قوله جل شأنه ((إن الحكم إلا لله))، ليس فيهم من إن سألته أجاز أن يعلو فوق حكم الله حكم أو فوق شرعه شرع! هذا نجزم بأنهم يعتقدونه على ما في حكمهم من مخالفات للشريعة ومن ظلم وكذا! لماذا نجزم وكيف جزمنا؟ جزمنا لأننا نعلم بيقين أنهم مسلمون، ولا يزول اليقين إلا بيقين مقابل! ولكن ليس المطلوب منهم عند الحزبيين أن يعتقدوا ذلك ويجزموا به، ولا حتى أن يعملوا به في جميع أمرهم! وإنما المطلوب أن يتركوا مقاعد السيادة والحكم لرؤوس القوم وقادتهم وأمراء جماعاتهم، حتى تصبح الدولة وقد نبعت من المجتمع الإسلامي ونبتت منه أساسا، لا من المجتمع الجاهلي القائم! من هنا صارت مصلحة الجماعة (ومن يواليها) هي مصلحة الإسلام نفسه، وصار من يعادي الجماعة (ومن يواليها) معاديا للإسلام نفسه. فإن قال قائل إن عامة من ترمونهم بالحزبية لا ينتمون إلى جماعة معينة أو حزب معين على التحقيق، أرجعناه إلى تعريف الحزبية كما حررناه في مستهل الكلام، ثم لم نكرر ما قلنا ولم نر ما يدعو إلى ذلك! وإن قال إنهم لم يقرؤوا أبدا للمودودي، وأكثرهم لم يقرأوا كتب سيد قطب التي قرر فيها هذا الكلام ودعا إليه، قلنا فهم إذن يقلدون القطبيين والمودوديين والبنوية تقليد العميان، والواجب عليهم الآن أن يقفوا على أصول الأمر وأن يتبينوا على أي أرض يضع الواحد منهم قدميه! فقد قال سلفنا رضي الله عنهم "إنما هذا العلم دين، فلينظر أحدكم عمن يأخذ دينه"!
يتبع إن شاء الله تعالى
أبو الفداء ابن مسعود
كان الله له.
