دراسة نظرية جديدة تقترح أن "توسع الكون" قد يكون سرابا Mirage!!
الحمد لله وحده، أما بعد، فقد وقفت اليوم على خبر بشأن ورقة بحثية جديدة في الفيزياء الفلكية (الأستروفيزياء) نشرت في الثاني من يونيو الحالي في دورية Classical and Quantum Gravity لأستاذ الفيزياء النظرية بجامعة جينيف لوكاس لومريزيه Lucas Lombriser، يقترح فيها علاجا نظريا لمشكلة الثابت الكوني (لامدا) في معادلة النسبية العامة، وحقيقة التضارب الواسع بين تقديرات الفيزيائيين النظرية له من جانب، وبين ما اتفقوا على تأويل المشاهدات بحيث تدل عليه من الجانب الآخر، بأن يعاد النظر في دعوى التوسع الكوني Expansion of the Universe بالكلية، ويعاد تأويل ميل الأشعة الوافدة من النجوم إلى اللون الأحمر لا على أنه انزياح موجي Redshift ناشئ عن حركة النجوم مبتعدة عنا، كما تأوله عليه إدوين هابل، وتأسس عليه علم الكوزمولوجيا المعاصر كله تقريبا، ولكن على أنه تأثير ناشئ عن تغير بعض الخصائص الكمومية (تحديدا الكتل الجزيئية) للجسيمات كالفوتونات والإلكترونات على مر الزمان، تحت تأثير مجال كمومي يفترض الرجل انتشاره في أنحاء الكون، ويفترض أن تقلباته المجالية Fluctuations هي التي تتسبب في اختلاف كتل الجسيمات التي تتولد عنه. فعلى ذلك الأنموذج، تتسبب فرضية التقلبات المجالية هذه في استخراج مقادير أعلى للانحراف الطيفي نحو الأحمر في الموجات الوافدة عن المجرات البعيدة، مما تتنبأ به النماذج القائمة على دعوى تمدد الكون، وهو ما يراه الرجل وثلة من زملائه حلا سحريا لمشكلة الثابت الكوني، يتخلص كذلك من مشكلة الطاقة المظلمة المزعومة التي كان يفترض أنها هي القوى المقاومة للجاذبية والمتسببة في توسع الكون باطراد! وأما ما يقال له الكتلة المظلمة فقد يكون، بحسبه، جسيما يقال له الأكسيون، مما يتولد عن ذلك المجال المفترض!
ومع أن بعض الفيزيائيين قد أبدى حماسه وإعجابه بتلك الفكرة، إلا أنه، وبطبيعة الحال وبالنظر إلى طبيعة موضوع البحث، فإنها تعاني من فروض لا يمكن إثباتها بالمشاهدة! ولكن في المقابل، فهل يمكن إثبات وجود المادة المظلمة والطاقة المظلمة بالمشاهدة؟ ليس إلا التأويل الدوراني المتكلف!
والقصد بيان أن هذا الباب من التنظير "الفيزيائي" ليس فيه ما هو حقيقة استقرائية معتبرة أو حقيقة قد دلت عليها المشاهدات دلالة مانعة من فرض تأويل بديل وتصور أنطولوجي مخالف بالكلية! والذين تعلقوا فيه بأنموذج الكون المتوسع والانفجار الكبير، لا لشيء إلا لأن الكافة من الفيزيائيين قد مالوا إليه اليوم، لا يأمنون من أن يروه "ينفجر" غدا في وجوههم، حتى يرجع الأمر إلى تصور كون غير متوسع ولا متمدد، كما كان عليه الإجماع قبل ذلك! فالأنموذج النظري Theoretical Model في الفيزياء الفلكية والكوزمولوجيا ليس في الحقيقة إلا تخمينا تفسيريا محضا Pure Conjecture لكون المشاهدات الفلكية على ما هي عليه، من غير أن يكون لفرض التفسير الواحد من تلك التفسيرات أي أساس من استقراء للأشباه والنظائر لموضوع ذلك التفسير (الذي هو الكون بكليته)! وإنما هو سلسلة وطبقات من الفروض والتأويلات المتناسقة داخليا، التي لا تُقبل أكاديميا إلا لذلك التناسق والتناغم الرياضي المتزايد، بحيث إن قدرنا ظهور أنموذج أكثر تناغما وأسهل في توليد الفروض والتنبؤات النظرية التي يسهل تأويل المشاهدات بما يوافقها، من الأنموذج المعتمد حاليا، لم يقم في الحس ولا في العادة ما يمنع القوم من التحول إليه لمجرد ذلك، وليس لثبوت صحة نفس الفرض الأنطولوجي الذي يدور حوله أي من الأنموذجين، ومطابقته الواقع في نفس الأمر! ولهذا لم يفت القس الفيزيائي جورج ليميترا (وهو أبو أنموذج الانفجار الكبير نفسه) أن يحذر بابا الفاتيكان في عصره من أن يتخذ من تلك النظرية أساسا لإثبات حدوث العالم ووجود من صنعه، لأنه كان يفهم طبيعة تلك الفروض كما لم يفهمها كثير من الناس، ممن يبهرهم البهرج الرياضي ويقذف في قلوبهم الرعب!
فعلى هذا الأنموذج الجديد، يصبح كل ما عده أصحاب الأنموذج القديم دليلا على توسع الكون وعلى ابتداء وجوده في نقطة ما في الماضي، دليلا، هو نفسه، على خلاف ذلك (كعقيدة الكون الساكن من الأزل)! مع أنه في الواقع لا يدل على هذا ولا على ذاك، إلا بمحض التخمين والتحكم، ولا دلالة له في مسألة نشأة الكون هذه أصلا، ولا على هيئة عامة أو حالة كلية يمكن تعميمها على الكون بكليته كما يسلكون، إلا أماني! فهل يعي متكلمة أهل القبلة هذا الدرس، قبل أن يأتي يوم تتسلط عليهم فيه الفلاسفة كما تسلطت من قبل على سلفهم من جهمية الخلف؟؟
نسأل الله الهداية لشباب المسلمين.
أبو الفداء
