الرد المتين على الأستاذ سعيد فودة في تفريقه بين الفلاسفة والمتكلمين (الجزء الثاني)



ومن لوازم تلك الفلسفة المعرفية اليونانية لديكم ذمكم لإيمان من سميتموه بالمقلد، مع أن من قطع بوجود باريه من غير نظر ولا اكتساب لم يكن مقلدا أصلا، وإنما كان جاريا على الفطرة السوية الصحيحة تحقيقا! بل وأكثر من هذا أنه لو كانت قضية حدوث العالم ووجود باريه قضية نظرية حقا كما جعلتموها (إجابة لشرط فلاسفة اليونان الجدليين المسفسطين)، للزم ألا تحصل فيها المعرفة على وجه الكمال عند المكلف إلا بأن يتعلم كافة علوم الفلاسفة والكلام ويتعمق فيها غاية التعمق، حتى يصل فيها إلى درجة "المتكلم المجتهد"، لعله ينتهي إلى برهان كلامي محكم لا يرد عليه نقض ولا احتمال من جهة من الجهات (وحتى مع حصول القطع فلا يكون منتهيا بل مشروطا بعدم المعارض كما قدمنا!)! أي للزم أن يكون إيمان المتكلم المتخصص في الكلام عندكم أحسن من إيمان العامي، لأن معرفته تكون أكمل من معرفة العامي بما يلزم استكماله وضبطه وإحكامه من العلم بالبراهين ومقدماتها ومقضتياتها ولوازمها حتى يحصل له الجزم بأن العالم حادث حقا! ولكن هذا الجزم الذي ترومونه ممتنع من أصل مبدأ النظر نفسه كما بينا، ومن طبيعة المقدمات التي يتجاذبها القوم في مناظراتهم الفلسفية الميتافزيقية! بل كلما أغرق الرجل في الكلام والجدال والمناظرة في تلك القضية، ازداد تعرضه لما يزيد من تقارب القولين فيها لديه، ويدعوه لإعادة النظر مرة بعد مرة، فإنه لا يمكن مهما ضرب القوم من براهين منمقة تبدو محكمة وكذا أن تسلم لهم تلك البراهين من اعتراض معترض على شيء في مقدماتها الكلية! 

ولهذا وجد المتكلمون أنفسهم محمولين على إطلاق اسم "الضرورة العقلية" على قواعد نظرية وحدود ميتافزيقية قد خالفهم فيها من خالفهم من الفلاسفة، بل وقد وقع الخلاف عليها فيما بين طوائفهم هم أنفسهم! فالمتكلم يريد - ولا شك - أن يصل إلى منتهى للخصومة والمناظرة، وإلى نقطة يقطع فيها خصمه ويخرج منها بما يرجو أن يكون هو فصل الخطاب في بناء برهانه الكلامي وضبط لوازمه ومقتضياته! ولكن مهما انتهى إلى شيء ونشره وأعلنه بين الفلاسفة، فسيأتيه من يجادله ويرد عليه بعض مقدماته لا محالة، وسيكون لكلامه حظ من النظر لا محالة، لأن الأمر كله مبناه على الأقيسة الشمولية والنظريات الميتافزيقية المغلوطة في أصل مبدئها المعرفي نفسه! فمن العجيب حقا أن يرضى المتكلم بمناظرة من يزعم - جحودا للفطرة والبداهة - أنه لا يجد في نفسه معرفة بأنه مربوب مخلوق، ثم إذا ما بنى المتكلم براهينه المركبة الثقيلة بما فيها من نظريات وأقيسة تبعد عن أذهان الكافة، ووجد من ذلك الخصم جدالا واعتراضا على بعض مقدماتها، سارع باتهامه بالمكابرة وجحد الضروريات!! 

فالحق أنه لا حقيقة للضرورة العقلية عند المتكلم إلا ما يقوم به برهانه الفلسفي بين يدي خصمه أيا ما كان ذلك! ولذا يكثر أن ترى المتكلم يزعم في قضية ما أنها من ضروريات العقل التي لا يجحدها إلا مكابر، وأن ذلك إذا وقع من الخصم الدهري وجب الانقطاع عنه، ثم تراه هو نفسه يتكلف إثباتها ونصب البرهان النظري عليها في مناظرة أخرى مع مخالف له من المتكلمين أو مع خصم دهري آخر! وما أكثر ما يزعمون البداهة والضرورية في مسائل لو تأملت فيها ما ظهر لك فيها رأس من ذيل! وما ذاك إلا لأن الكلام كالفلسفة كما سيأتي: نظر بلا حدّ ولا نهاية إلا ما يحده الناظر لنفسه أو بالاتفاق مع خصمه، كما هي فلسفة الجدليين اليونانيين (الدليليين) الذين اشترطوا نصب الدليل النظري على ما كذبوا به من بدهيات ومعارف فطرية، إذ يبدأ المتكلم بطرح أظهر البدهيات الواضحات للاستدلال والنظر (ألا وهي مخلوقية العالم ووجود صانعه) متكلفا في ذلك من توضيح الواضحات والقياس في الغيبيات ما تضيع به العقول وتذهب به الملة، ولا حول ولا قوة إلا بالله! 

فلو أردتم معاشر الأشاعرة أن تنفكوا عن بدعة المعتزلة تمام الانفكاك، وأن تزولوا عن أصل ضلالتهم تمام الزوال، وصدقتم في ذلك حقا وتجردتم لله فيه، لبرأتم إلى الله تعالى من نفي المعرفة الفطرية بوجود الباري جل وعلا في نفوس العقلاء تبعا لفلسفة الجدليين اليونانيين، ومن إيجاب النظر فيه على المسلمين خوفا من زوال أصل الدين والإيمان عندهم إن لم يقم على النظر، جريا على تلك الفلسفة المعرفية الفاسدة نفسها، ولتبتم إلى الله تعالى من الخوض في نظرية الجوهر والعرض الأرسطية (وغيرها من نظريات ميتافزيقا الفلاسفة في أي عصر من العصور) وما تفرع عليها وما اقتضته لديكم من مفردات الاعتقاد، ولنزعتم عن تكلف إثبات حدوث العالم ووجود الصانع مع من جحده من الفلاسفة، وإذن لتبتم من طريقة الكلام نفسها أصلا وفرعا، ولذممتموها أشد الذم كما ذمها أئمة السلف رضي الله عنهم، من غير أن تتنطعوا بتخصيص ما استفاض من نصوصهم في ذلك الذمّ بنظريات ومذاهب معينة عند بعض طوائف أهل الكلام! فالمذموم عند السلف هو الكلام نفسه بجملته (صنعة ومنهجا)، وأنتم تعلمون ذلك تمام العلم، فاتقوا الله!

قال الأستاذ فودة مواصلا سرد التعريفات القديمة لعلم الكلام: "هو علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه" قلت: وعلى شهرة هذا التعريف، فهو أيضا باطل وفيه من التلبيس ما فيه! فإن العلماء من قبل ظهور الكلام كانوا ولا يزالون يثبتون العقائد الدينية بما تثبت به عند العقلاء الأسوياء من أنواع الحجج والأدلة، ويدفعون عنها الشبهات بما يندفع به ما يشرع التكلف بدفعه والرد على صاحبه من ذلك! وهل عرفت الأرض أعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاعتقاد الصحيح وبما يرد عليه من الشبهات؟ أبدا! فبأي شيء أثبت النبي الاعتقاد عند أتباعه ودفع عنه الشبهات؟ إن قلتم بالكلام والاستدلال الميتافزيقي فقد كذبتم وهذا واضح ولله الحمد! فما الفرق بين منهج الكلام ومنهج أهل السنة في إثبات العقائد إذن؟ الفرق أن المتكلمين تكلفوا إثبات الصانع من الابتداء بالبراهين الفلسفية النظرية، ثم التزموا بما لزم من مقدمات تلك البراهين عندهم من اعتقادات في أسماء الباري وصفاته وأفعاله، وسعوا في التوفيق بينها وبين النصوص بالتأويل تارة والتعطيل تارة، وزعموا أن ذلك ما تندفع به الشبهات وتثبت به العقائد كما ينبغي! وهذا كذب بين، لأن العقائد الغيبية عند العقلاء السالمين من تلك الأشياء إنما تثبت بالسماع والتلقي عن الرسول، لا بالقياس الشمولي والنظر الكلي ونحو ذلك مما تكلفه أهل الكلام في مخاضتهم مع الخصوم! فما كان من القضايا بدهيا أوليا فلا نتكلف – معاشر أهل السنة - إثباته أصلا ولا نجيز الخوض فيه، خلافا للمتكلمين، وما كان من القضايا الاعتقادية غيبا محضا فلا يُعرف عندنا إلا بالسمع وحده، خلافا للمتكلمين كذلك! 

فليس الكلام في الحقيقة علما "يقتدر معه على إثبات العقائد بإيراد الحجج ودفع الشبهات" كما عرفه السفاريني وغيره من أهل الكلام، وإنما هو صنعة فلسفية يقتدر معها (فيما يرجوه المتكلم) على منافسة الفلاسفة ومبارزتهم بنفس نظرياتهم (كيفما كانت) والعلو عليهم بها، بإجابتهم لما طلبوا من براهين فلسفية ميتافزيقية في أصل حدوث العالم ووجود الصانع! وإلا، فما بهذا المسلك الفلسفي الجدلي الساقط تثبت العقائد عند المسلمين ولا به يحصل اليقين الواجب شرعا فيها وفي أصولها في نفوس المكلفين كما يزعمه المتكلمون! ولهذا وجد المتكلمون الأشاعرة أنفسهم في ورطة كبرى إذ قيل لهم: إذا كان النظر الكلامي هو أول واجبات المكلفين، فأين نظر الصحابة والتابعين إن كنتم صادقين؟ فزعموا أن النظر الواجب لا يلزم أن يكون من طريق براهين الحدوث وتلك الأشياء، وإنما يجوز أن يكون دون ذلك مما يصل به العاقل إلى تحصيل المعرفة بوجود الباري (فيما زعموا كذبا وافتراء أن غير المتكلمين يتكلفونه لاكتساب المعرفة بوجود الباري من بعد خلو النفس منها)! ثم تكلفوا تلبيس كثير من النصوص الشرعية في الكتاب والسنة بلبوس البراهين الكلامية على مفهومهم الفلسفي الجدلي للبرهان والدليل (أي تلك الآلة التي تقود صاحبها لكسب العلم بالمطلوب من بعد خلو النفس منه!)، وهذا باطل قطعا! فالله تعالى لم ينزل في القرآن نصوصا كلامية ولا ساق إلينا فيه براهين قياسية شمولية على وجوده هو نفسه على طريقة هؤلاء، ولا أخبرنا سبحانه عن تكلف الأنبياء والمرسلين إثبات وجود ربهم بالبراهين النظرية (أي على سبيل إكساب المعرفة به من بعد عدمها عند المخاطب)، وما كان من محاججة إبراهيم عليه السلام قومه (التي يكثر اعتضادهم بها) لم يكن من باب "النظر الكلامي" كما زعم من زعم من أهل الكلام، وإنما كان من باب استدعاء المعرفة الفطرية في نفوس الناس على نحو صارخ ينفضح به كل مكذب مكابر على رؤوس الأشهاد! فقد نصب الرب تعالى على أيدي أنبيائه من الآيات والعلامات الباهرة ما يحصل به القطع في نفوس السامعين بصحة نبوتهم وبأنهم مبعوثون من رب العالمين حقا، وتقوم به الحجة الرسالية تمام القيام، لمطابقة دعواهم ما يجدونه في فطرهم ابتداءً، فلم نر من ذلك مناظرة باستعمال الأقيسة الشمولية والمقدمات الميتافزيقية الكلية على طريقة الجدليين، إذ لولا ما في النفس من فطرة مركوزة ومعرفة جبلية مغروسة ما قامت الحجة الرسالية على أحد أصلا مهما سمعوا من الوحي ما سمعوا، وإذن لأصبحت كل حجة تساق إلى أحد من الناس يجوز – مبدئيا - أن تقابل باعتراض مستساغ وبرد جدير بالنظر، وإذن فلا حجة لأحد على أحد في شيء أصلا (كما هو منتهى مذهب الفلاسفة الجدليين الدليليين)! 

فنحن نقول: ما من عاقل إلا وهو يعلم بالبداهة والضرورة أنه مخلوق مربوب، وإن كان من أعتى عتاة الدهرية والإلحاد! وإنما كذب الفلاسفة على أنفسهم وعلى أتباعهم غاية الكذب وأبلغه، إذ زعموا – جحودا للحق الجلي الواضح واستكبارا على ما يلزمهم من قبوله من انقياد للرسول - أنهم لا يجدون في أنفسهم ما يثبتون به وجود الصانع وحدوث العالم من الأساس! فقبل المتكلمون منهم كبرهم وكذبهم وجحودهم وأجابوهم لما شرطوه في طريق الإثبات، ثم رجعوا علينا بادعاء وجوب النظر بأي وجه من الوجوه وبأي طريق من طرق القياس، وبأن الصحابة قاسوا ونظروا لا محالة وإن لم يبلغنا عنهم ذلك، وزعموا بكل نطاعة أن طريقتهم الفلسفية تلك هي طريق تحقيق اليقين في نفوس المسلمين، فبالله أي يقين يا هؤلاء وأنتم تفتحون النظر والاستدلال فيما انعقد الجزم به في نفوس الأسوياء والعقلاء بداهة؟    

ثم قال: "إذن هذا العلم، يعلن عن نفسه بصراحة، يعلن عن نفسه بوضوح، أنه مرتبط بالدين، يهدف إلى تأسيس اليقين، وإلى إضفاء السلام والأمان في حياة الإنسان، في الحياة الدنيا وفي الآخرة بناء على تصوره وفهمه وإدراكه لحقيقة هذه الحياة. فالعلم يعلن عن نفسه بوضوح، بهذا الوضوح." قلت: فأما من جهة الارتباط بالدين، فكل دعاوى الفلاسفة في الغيب وأصل العالم هي من جنس موضوعات الدين والملة أو المرتبطة بها بوجه أو أكثر، فكان ماذا؟ إن كنت تزعم أنها مما ينتصر به للدين، فليس بصحيح، لأنها إنما يعمل المشتغل بها على الانتصار لأصل مبدأ الدين إجمالا، ألا وهو وجود الباري المستحق للعبادة! فإذا ما نصب من البراهين لذلك الأصل ما يتصرف في سوق الفلاسفة (نوعا)، اشتغل بعد ذلك باللوازم والمقتضيات التي يتأسس بها اعتقاده في صفات ربه جل وعلا وأفعاله، ثم عمل على تلبيس الملة التي ينتمي إليها أيا ما كانت، بلبوس تلك الاعتقادات التي انتهى إليها من محصول النظر! لذا لن تجد متكلما (سواء كان من أهل القبلة أو من أهل الكتاب أو غيرهم) إلا وهو مضطر إلى تأويل النصوص والتحكم فيها تبعا لفلسفته التي اعتنقها مسبقا في صفة الباري جل وعلا! والأشاعرة متلبسون بذلك كغيرهم من المتكلمين، فهم لما تبين لهم سعة البون بين عقائد المعتزلة وعقائد أهل السنة، وحرصوا – في نفس الوقت – على اعتماد براهين الحدوث من حيث الأصل، وعلى التزام مقدماتها الميتافزيقية اليونانية التي استعملها الجهمية السابقون في مخاصمة الفلاسفة، حتى لا يزولوا عن تلك المنزلة التي أحرزها المتكلمون الأوائل في أكاديميات الفلاسفة، لم يجدوا أمامهم سبيلا إلا سبيل التلفيق، فتارة تراهم يراجعون بعض مفردات النظرية الكلامية ومقدمات البرهان الكلامي بضرب النظريات التفصيلية الجديدة أشكالا وألوانا، وتارة يرجعون على النصوص بالتأويل والتعطيل والتحريف حتى تنطق بما يريدون أو بما يوافق ما التزموه من لوازم الاعتقاد، سعيا في سبيل الوصول إلى اعتقاد متلائم متوافق غير متناقض! ومع أن الأشاعرة قد اقتربوا من عقائد أهل السنة في كثير من المواطن، مقارنة بالمعتزلة الذين خاصموهم وجادلوهم في كثير من مفردات الاعتقاد، إلا أنهم بقوا على أصل البدعة الجهمية ولم يزولوا عنه، ألا وهو طريقة الكلام نفسها ومنهج الكلام نفسه! ولا يزال المتكلمون من أهل الملل يلتزمون بتأسيس أصل مبدأ الدين (وهو عندهم الاعتقاد بحدوث العالم ووجود الباري) على النظر الفلسفي الكلي، ثم يجتهدون بعد ذلك غاية الوسع في تلبيس ثمرة نظرهم الميتافزيقي ذاك (أي مقدمات البراهين الكلامية ولوازمها) بلبوس الملة التي ينتسبون إليها أيا ما كانت، ويزعمون أن تلك البراهين النظرية واللوازم التي لحقتهم منها هي القطع العقلي الذي يجب أن يُحمل النص عليه حملا، لأن "العقل الصريح" (هكذا) لا يصادم النقل الصحيح! ثم تراهم بعد ذلك يزعمون بكل أريحية أن ما جاؤوا به هو أكمل ما يحصل به الانتصار للدين ودحض الفلاسفة المكابرين!       

وأما تأسيس اليقين، فقد بينا تناقضهم في ذلك، وأن النظر لا يوصِل إلى يقين إلا يقين الترجيح، أي أن يكون مشروطا باعتقاد جواز التحول عنه مستقبلا تبعا لنظر لاحق ومع ظهور مزيد من الأدلة! فمن أورد ذلك النوع من اليقين النظري على إيمانه بوجود باريه فهو من دينه في أمر مريج! ومن زعم أن كمال الإيمان يحصل من ذلك الطريق فهو كذاب أشر! بل لا يزال المتكلم مخضعا دينه و"اعتقاده" للجدل والمناظرة، تابعا للخصومات والمناظرات في كل مفردات الاعتقاد، فلا يدري على أي ملة يهلك وفي أي فرقة يحشر، نسأل الله السلامة! فأي سلام وأي أمان هذا الذي تدعي في الدين والاعتقاد، وأنت تلزم نفسك بقبول كل ضرطة يضرطها فيلسوف من الفلاسفة ويدعوك للجدال عليها، تجعلها من المذاهب الجديرة بالنظر والبحث؟؟ سبحانك ربي ما أحلمك! 

يتبع إن شاء الله تعالى

أبو الفداء ابن مسعود

غفر الله له


إرسال تعليق