إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، فقد جاءني سؤال من بعض الإخوة تعليقا على محاضرة من المحاضرات، قال فيه: "هلا رديتم على الشبهة حول آية (يخرج من بين الصلب والترائب) بما أنكم ذكرتموها يا شيخ؟ بارك الله فيكم"
فرأيت أن أجيبه في مقال أنشره ها هنا ليعم النفع بإذن الله تعالى.
فأقول وبالله التوفيق:
وفيكم بارك الله. يجاب عن هذا، بحول الله وقوته، بجواب مجمل وآخر مفصل. فأما الجواب المجمل، فيقال إن العاقل سوي النفس لا يورد الظني على القطعي التام المنتهي، ولا يجيز أن يتناقض قطعيان منتهيان. وأعني بالقطعي المنتهي ما كان سبب العلم بصحته مانعا عقلا من ورود المعارض عليه. أي ليس يتقوم في العقل أصلا احتمال بطلانه. وهذه هي المنزلة التي يجب أن ينزلها كل مسلم للقرآن ولنصوص السنة الصحيحة التي لا يعرف من السلف مخالف في ثبوتها، ولما أجمع الصحابة عليه من مسائل الدين. فإذا كان المقصود بالشبهة: دعوى تجريبية يستند أصحابها فيها إلى مشاهدات تجريبية، وهي مع ذلك يظهر منها معارضة شيء من هذه الطبقة من المعارف الشرعية التي ذكرناها آنفا (طبقة القطعي المنتهي)، وكان المستفهم عن الشبهة مسلما قد سبق منه اعتناق الإسلام والعمل بشرائعه، فيقال له: لا يورد الظني على القطعي المنتهي، ولا تحتاج إلى أن تقف على الجواب المفصل لكل شبهة من هذا الصنف مهما أكثر الناس منها! فإن قال: كيف تقول إنه ظني، والحال أنه يقوم على التجريب، والتجريب مداره على الحس، والحس لا تشكيك فيما يفيد به؟ قلنا له: ألست قد تيقنت يقينا منصرما بأن رب العالمين حق، وأن التوحيد حق، ولا يتصور من رب العالمين سبحانه أن يقبل من بني آدم دينا يعبد فيه الخلق لبعضهم البعض من دونه؟ لابد أن تقول بلى، قلنا ألست قد تيقنت من أن القرآن حق وأن الرسول صلى الله عليه وسلم حق؟ لابد أن تقول بلى! قلنا فهل يرد على ذلك احتمال البطلان عندك؟ لابد أن تقول: أبدا لا يرد، معاذ الله!
قلنا إذن فلا بد أن يكون كل ما يعارض ذلك الإيمان عندك باطلا ضرورة، سواء عرفت وجه الفساد فيه على التفصيل أم لم تعرف. والحال في التجريبيات عامة أن المدلول عليه من أدلتها ليس هو المحسوس الصريح من حيث الأصل. فإذا كان ذلك كذلك، فمنزلة الدلالة فيها لا تبلغ القطع المنتهي، الذي لا يرد عليه المعارض أبدا، ولا يتطرق إليه احتمال البطلان أو الانخرام يوما من الدهر، كما هو الشأن في إيماننا بالقرآن والسنة. وقد علمت أنه محال أن يتعارض المحسوس الصريح غير المؤول مع الفهم القطعي المنتهي للنص الشرعي الثابت ثبوتا قطعيا! وما لم يعرف في السلف قائل به من فهم للنص الواحد أو تأويل له، مما يتكلف به بعضهم التوفيق بين النص وبين تلك الدعاوى التجريبية، فمردود على صاحبه لمصادمته القطع المنصرم بأن السلف لم يعرفوه أصلا! وإنما نثبت النص على فهم السلف له، ونضع ما يخالف ذلك تحت الأقدام ولا إشكال!
بل إننا نقول حتى لو قدر لمسلم أن شهد بعينيه ما يخالف ما في القرآن أو ما في السنة الصحيحة التي لم يعرف من يضعفها من أئمة الحديث، تعين عليه أن يكذب عينيه ويصدق النص، لأن العين تُسحر والإدراك الحسي يرد عليه التوهم والغلط كما هو معلوم. فإذا كان احتمال بطلان الإدراك الحسي واردا عقلا، وهو مما يقع للناس أحيانا، فاحتمال بطلان ما في القرآن وما في السنة الصحيحة غير وارد البتة، فتأمل! فعلى هذا الأصل الكلي في التعامل مع ما يقال له "الشبهات" يصبح غاية المسلم أن ينفض عن نفسه تلك الدعاوى وقلبه مطمئن لليقين التام الذي هو عليه، سواء وقف على جواب تفصيلي لهذه الشبهة بعينها أو تلك أم لم يقف، يقول: هو باطل قطعا، من مبدأ الطرح، سواء تبين لي وجه بطلانه أم لم يتبين، ولا يضيرني إن شاء الله ولا ينقص من إيماني شيئا ألا أقف له على جواب.
وأما إن كان المتعرض للشبهة غير مسلم، جاء بها وهو يعدها مانعا من قبول الإسلام والدخول فيه، يقول لا أدخل حتى تجيبوني عن هذه الشبهة وغيرها مما يورده الناس على نصوص الإسلام، فهذا فيه هوى يستوجب الموعظة والتخويف. يقال له: أتود أن تموت على تلك السبة والإهانة الكبرى لرب العالمين التي يقتضيها اعتقادك الشركي الذي أنت عليه، تجعل له من خلقه أندادا وشركاء؟ فإن قال لست مشركا، أو لا أسوي بينه وبين خلقه، بينا له وجه كونه مشركا على الحقيقة، وأنه يكابر في نفي الشرك عن نغسه! وإن قال نعم أود ذلك ولا أبالي، فلا خير فيه ولا ثمرة ترجى من دعوته أصلا! وإن قال لا أود ذلك أبدا، بل أريد الفرار منه! قلنا له: فكيف إذن تتخلف عن قبول دين التوحيد الخالص الذي جاءت به رسل رب العالمين، ولم يأت رسول من الرسل إلا به، ولا يتصور في رب العالمين أن يقبل من خلقه دينا غيره، لمجرد أنك وقفت على دعوى بعضهم أن عند التجريبيين ما يخالف بعض ما جاء في القرآن أو في السنة؟؟ لابد أن يكون دين التوحيد هو الحق، وأن تكون جميع الاعتراضات عليه واهية لا صحة لها، سواء عرفت وجه فسادها على التفصيل أم لم تعرف، لأنه لا يتصور في العقل أن يكون رب العالمين قد ترك البشر ليتبعوا رجلا يدعوهم للدين الوحيد على ظهر الأرض الذي يعظم فيه بما هو أهله ويوحد فيه ذلك التوحيد المحض الخالص الذي لا يليق به دين سواه، وهو مع ذلك رجل سوء، كذاب يؤلف الكلام من رأسه ويزعم أنه وحي م رب العالمين!!
هذا مما نجزم بأن فطرتك تحدثك به إن تجردت للحق وتأملت بصدق وسلامة نفس من الأهواء والميول الصارفة عن قبول الحق! فلا تعرض نفسك للهلاك في الآخرة لدعوى تجريبية أو غيرها، لا يرقى مستندها عند أصحابها مهما عظم، للنقض على أصل دعوى التوحيد التي جاء بها الإسلام، وعلى ما في القرآن من دواعي القطع التام المنتهي بأنه الحق من رب العالمين! بل أقبل على هذا الدين سائلا مستعلما، لا معترضا مجادلا مماريا، أقبل عليه متواضعا وأنت ترجو أن تجد فيه طوق النجاة مما أنت فيه، فوالله لأنت أشد افتقارا إلى التوحيد الخالص وإلى الموت عليه من الطعام والشراب والدواء وغير ذلك مما يصح به بدنك! فإن فعلت فيقينا ستنجلي عنك تلك الشبهات كلها أصولا وفروعا، ولن يعرض عليك شيء منها بعد إلا نبذته نبذ النواة كما يكون من كل عاقل سوي النفس، بإذن الله تعالى.
هذا هو الجواب الإجمالي عن تلك الشبهة وجميع ما يناظرها.
وأما الجواب التفصيلي، فنقول إن الله تعالى إذا ذكر في كتابه شيئا مما في الواقع، لم يذكره بغرض إعلام الناس به من حيث هو، يصوره لهم بتفصيله ويعلمهم بحقيقة ما يكون عليه، وإنما يذكره ذكرا إجماليا بما يحصل به المراد من الآيات، وبما يناسب كل مخاطب بالقرآن من أهل اللسان في كل زمان ومكان، على اختلاف الأفهام والمدارك والخلفيات المعرفية.
فعندما يتكلم رب العالمين عن خلق الأجنة في أرحام النساء، فلا يكون الغرض من ذلك تعليم الأطباء تفصيل ذلك الأمر على ما يوافق اصطلاحهم وطريقتهم في هذا العصر أو ذاك، في تأويل المشاهدات التي تحصلت لديهم! وإنما يكون لهداية الناس عامة، كتذكيرهم، مثلا، بما كانوا عليه في بطون أمهاتهم قبل أن يصيروا رجالا كاملي الهيئة، وليذكرهم بأنه إذا كان قد خلقهم من تلك المادة الحقيرة في سوائل الرجال والنساء، فهو على إعادة خلقهم من عظامهم بعدما رمت، قادر كذلك قطعا، سبحانه، كما تدل عليه فطرة المخاطب وبداهته.
فعندما يقول صاحب الاعتراض "التجريبي"، مثلا، إننا لا نجد السائل المنوي يخرج إلا من الغدد التناسلية في أسفل الحوض، فكيف يقال في القرآن إنه يخرج من بين الصلب والترائب، وما علاقة ضلوع الصدر بالمني أصلا، سواء على القول بأن الترائب هنا هي ضلوع الرجل أو على القول بأنها ضلوع المرأة؟ فنقول له: الغدد التناسلية هذه، يصح دخلوها، لغة وعقلا، تحت هذا المعنى المجمل "من بين الصلب والترائب" أم لا؟ فإن قلت لا، اتهمناك بالمكابرة وجحد الحس والعادة! وإن قلت نعم، قلنا لك: ففيم الاعتراض إذن؟؟ وحتى لو قدرنا أن كان المراد ترائب المرأة، أليس ذكر الرجل حال دفقه الماء في فرج المرأة يكون متوسطا بين جسم الرجل وجسم المرأة؟ فإن قلت بلى، قلنا فعلى هذا التفسير، لم يقل إنه يخرج من صدر المرأة، وإنما قال من بين صدرها وصلب الرجل، ففيم الاعتراض؟! فإن قلت: فلم خص الترائب بالذكر دون غيرها، قلنا الله أعلم! ((وما أوتيتم من العلم إلا قليلا))! لا يضيرنا التفويض في هذا، ولا نحتاج إلى تكلف ما يتكلفه بعض الأطباء من المسلمين عند الرد على هذه الشبهة، من قولهم إن المقصود بما يكون بين الصلب والترائب ويخرج منه المني، الدم، فهو ما يخلق منه المني، وهو يتدفق إلى الجهاز التناسلي عند الرجل من القلب الذي في الصدر، أو إن الجهاز التناسلي نفسه يكون في الرجل وهو جنين في ابتداء خلقه محصورا بين الصدر وأسفل الظهر، فإذا اكتمل نموه برز من تلك المنطقة ونزل إلى منبت الساقين! هذا كله تفصيل لا نحتاج إلى تكلفه حتى تندفع الشبهة بأول العقل! والذي يتكلفه قد يعرض كلام رب العالمين للتكذيب إن عورض تفصيله ذاك بما تظهر منه مخالفته فيما بعد، مع أن الجواب الكافي المحقق للمطلوب بإذن الله تعالى، لا يلجئ إليه أصلا كما ترى! والسبب في كونه لا يلجئ إلى ذلك، ما قررناه آنفا من كون المعاني المذكورة في القرآن لا يراد منها تفصيل الأمر على النحو الذي يلائم ما انتهى إليه أهل عصر معين من تصور تجريبي في نفس الأمر، على ما في ذلك التصور من نقص وقصور واجب لبني آدم مهما كملوا! وإنما يراد منه إجمال الأمر على نحو يحصل به المطلوب من هداية الناس على اختلاف أفهامهم وعلومهم ومداركهم، في كل عصر ومصر، دون تطرق إلى تفصيل لم ينزل القرآن من أجل تبيينه!
وهذا من أمارات صدق النبوة عند التأمل، إذ لو كان هذا الكتاب من تأليف النبي عليه السلام كما يزعمه أصحاب الشبهة، لوجدت أمثال تلك المواضع تأتي في الكتاب على نحو فيه من الاختلاف والنقص والغلط الظاهر ما يقع في كتب كبار الأطباء في زمان التنزيل، فكيف والرسول لم يعرف الطب ولا عرف الكتابة أصلا، صلى الله عليه وسلم؟! أي لوجدت في أمثال تلك المواضع، على ما هي عليه من إجمال، ما يخالف المشاهدات الصريحة غير المؤولة التي لم يشهدها الناس في عصر التنزيل، وإنما ظهرت فيما بعد. قال تعالى: ((أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً)) [النساء : 82] أي لوجدوا فيه اضطرابا في موضوعه وتناقضا في نصوصه وكلاما يكذبه الواقع المحسوس ويدفعه العقل الصريح، وحشوا لا طائل تحته ولا ثمرة، إلى غير ذلك من نقائص لا يسلم من مجموعها كتاب من كتب البشر. ولكن هذا لم يوجد، ولن يوجد، وما كان ليوجد، والحال كما بينا، فالحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة.
وكتب
أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له ولوالديه
