قال الأستاذ فودة منتقلا إلى قضية تعريف الفلسفة:
ما هي الفلسفة في الحقيقة؟ الفلسفة كما تعلمون ذُكر لها تعريفات كثيرة جدا! بعض العلماء الباحثين في الفلسفة، قالوا لا يمكن تعريف الفلسفة تعريفا جامعا مانعا، كما يُعرّف أي علم من العلوم! يمكن وضع سمات خاصة للفلسفة! هناك محاولات واقتراحات عبر القرون لتعريف الفلسفة. منها ما ذكره مثلا الكندي، قال: الفلسفة هي علم الأشياء بحقائقها بقدر طاقة الإنسان. مجرد محاولة للمعرفة، مجرد محاولة للعلم والإدراك، للأشياء قاطبة، والأشياء تشمل الأشياء المادية والأشياء المعنوية، الأشياء العقلية والموجودات الخارجية، هذا أحد التعريفات الشهيرة المعروفة للفلسفة. ابن رشد، طبعا نظرا لآليته المشهورة التي يحاول فيها إعطاء صورة جديدة للفلسفة، خلاف الصورة السائدة عن الفلسفة، ما قبل ابن رشد وما بعد ابن رشد، هو في العصر الوحيد، الفترة الوحيدة التي صار للفلسفة المفهوم الذي أعطاه إياها ابن رشد هو فقط في زمان ابن رشد، وهذا المفهوم في الحقيقة هو محاولة لإبدال كلمة "علم الكلام" بدل الفلسفة، أو وضع الفلسفة بدل علم الكلام. فالتعريف الذي جاء به ابن رشد كما ترون (مشيرا إلى عرض الداتاشو خلفه) هو في الحقيقة تعريف لعلم الكلام وليس تعريفا للفلسفة! لأنه يفترض فيه ابن رشد، كما ترون، أنه الفلسفة تهدف لمعرفة الصانع، عن طريق النظر في المصنوعات، هذا في الحقيقة تعريف، أو ينبغي أن يكون تعريفا لعلم الكلام! لا يصح أن يكون تعريفا للفلسفة من حيث ما هي فلسفة، لذلك سنرى أن ابن رشد، أو رأينا في كتب ابن رشد أنه يميز بين الفيلسوف الذي هو حكيم، والفيلسوف الذي ليس هو حكيما، يفرق بين الفلاسفة الحكماء والفلاسفة غير الحكماء، يعني لا يعترف ابن رشد لفيلسوف بأنه حكيم إلا إذا كان مطبقا لهذا التعريف، الذي هو في الحقيقة مآله، إذا التزمنا بهذا التعريف كما يريده ابن رشد، لن تصبح الفلسفة فلسفة، بل ستصبح الفلسفة علم كلام في الحقيقة. لكن لا ابن رشد التزم بهذا التعريف ولا أتباع ابن رشد من المتقدمين ولا من المتأخرين ولا من المعاصرين التزموا بهذا التعريف، بل اتخذوا محاولة إعادة تعريف الفلسفة التي جاء بها ابن رشد (على أنها) عبارة عن جسر يقرب به، عن طريقه، على ظهره، الفلسفة المستوردة من الغرب والشرق، يعني التزموا فقط بالاسم، كما أميل إليه، يعني حسب نظري أنا.
قلت: أما القول بأن الفلسفة لا يمكن تعريفها فباطل ولا شك، وإلا يكون قد نزل إجماع السلف رضي الله عنهم على ذمّ الفلسفة على شيء لا تُعرف حقيقته ابتداءً، وهذا ممتنع قطعا! وأما حقيقة أن الفلاسفة قد تفاوتوا في تعريفات الفلسفة تفاوتا كبيرا لا حدّ له ولا نهاية، فصحيح ولا شك، ومرجعه إلى قيام صنعة الفلسفة (الأكاديمية) من ابتدائها على المذهب الدليلي الجدلي عند فلاسفة اليونان كما بينا! فالفيلسوف هو ذاك الرجل الذي زعم أنه أعقل من غيره من عموم البشر، لأنه طرح كثيرا من اعتقاداتهم للنظر، وأنه كلما توسع في طلب الدليل النظري على المزيد والمزيد من تلك العقائد عند عموم البشر، كان ذلك علامة على كمال عقله، بصرف النظر عن موضوع تلك العقائد نفسها ومادتها والمصدر الصحيح لتلقيها! هكذا بدأت صناعة الفلسفة عند أساتذة اليونان كما هو معلوم، حتى زعم أفلاطون بكل وقاحة أن الفيلسوف هو ذلك الرجل الذي تحرر أخيرا من تلك القيود التي تكبل عامة الناس وتقيد عقولهم، واستطاع أخيرا أن يرى من ضوء الاستنارة ما عميت أبصارهم عنه، فيأتيهم منه بما يستطيع! فأسس أساتذة اليونان بذلك لمفهوم كلي فاسد مفاده أن كل ما يتفق عليه العامة من أنواع الدعاوى فهم به "مقلدون" لا محالة، إلا فيما تكلف الواحد منهم النظر فيه بطريق من طرق القياس حتى تثبت لديه المعرفة به من ذلك الطريق! وعليه جاز عند البعض أن يقال إن اعتقاد العامي من آحاد الناس بأن الواحد نصف الاثنين - مثلا - هو فيه "مقلد"، لأنه لم يكتسبه بناء على دليل قياسي أو برهان نظري! فالذي يعتقد صحة تلك الحقيقة تأسيسا على نظر واستدلال فلسفي ما، هو أحسن وأكمل عقلا عند الفلاسفة ممن اعتقدها تسليما ببدهيتها ابتداءً دون نظر! ولهذا ظهرت مذاهب الشك عند الفلاسفة، ولهذا أصبح المتشكك "بطلا" من أبطال الفلاسفة، محمودا بنبل مقصده وقوة عقله وبأنه يرى ما لا يراه الناس! لماذا؟ لأنه تكلف إخضاع كافة المعارف الفردية لديه للنظر والقياس! لا يهم إلى أي شيء ينتهي به ذلك النظر، المهم أنه "اجترأ" على "التحرر من التقليد" (بزعمهم)، وأصبح لا يمنعه مانع من التكذيب بما أطبقت عليه جماهير العقلاء! ولقد كان الفلاسفة حتى وقت قريب يمتدحون تلك الطائفة التي تقول بسرابية الواقع الخراجي (المسماة عند المعاصرين باسم Solipsists)، فيعتقد كل واحد منهم أنه هو وحده الموجود الحق، وأن جميع ما عداه وهم لا حقيقة له إلا في ذهنه! ثم لما اختار بعض علماء النفس المعاصرين أن يصنفوا ذلك المذهب في جملة الأمراض النفسية، أصبح عموم الفلاسفة ينتقدونه ويتخذونه هزوا! ولهذا أصبحت ترى الدعوى الواحدة يعتنقها رجل عامي لا يؤبه به فيتهم على العقل ويرمى بالجنون، ويعتنقها – هي نفسها – فيلسوف من كبار الفلاسفة، ويأخذ في التنظير لها والانتصار الفلسفي، فيشار إليه بالبنان ويثنى عليه بكمال العقل والحكمة!
ولا شك أن مذهب الجدليين في تجويز النظر في كل شيء مذهب باطل يذهب بأصل العقل عند الإنسان إن ترسل معه! ولهذا أمرنا النبي عليه السلام بالاستعاذة من الشيطان إن وجد أحدنا نفسه وقد استدرجته الفكرة من حيث لا يشعر بالسؤال بعد السؤال حتى سأل نفسه: فمن خلق الله؟ فلا شيء أحب إلى الشيطان – ولا شك – من إذهاب عقول البشر، ولا علاج لمن ابتلي بهذا إلا ذلك العلاج النبوي الناجع، مع زجر النفس وكفها عن تلك الوساوس! ذلك أن مبدأ السؤال والنظر إذا انسحب إلى كل دعوى مهما كانت بدهية واضحة عند العقلاء، لم يبق في العقل شيء يمكن التسليم به أصلا أو البناء عليه، وهو ما سماه القوم بالتسلسل في النظر! وصورته أن تقول لأحدهم: الدعوى (أ) حق، فيقول لك وما الدليل؟ فتقول الدليل هو (ب)، فيقول لك وما الدليل على صحة (ب) هذه، فيقول الدليل (ج)، فيقول لك: لا أسلم لك حتى تثبت لي صحة (ج) بالدليل، وهكذا! وقد ظهر من الفلاسفة من رد على أولئك الجدليين السوفسطائيين بتقرير وجود جملة من الدعاوى المعرفية والاعتقادات الأساسية التي لو لم تثبت في النفس ابتداء لآلت المعارف إلى التسلسل! ولكنهم تناقضوا - بموجب التزامهم بالمنهج الأكاديمي اليوناني نفسه - إذ سعوا في استنباط تلك المعارف وتعيينها بجهة من جهات النظر الفلسفي! فكلما جاؤوا بادعاء أن دعوى معينة هي من الدعاوى الصحيحة بنفسها البدهية التي لا تحتاج إلى برهان أو توضيح (أي أن الجزم بصحتها يحصل بمجرد سماعها)، قابلهم خصومهم من الأقران الأكاديميين بالمطالبة بالبرهان النظري! فلو أنهم امتنعوا عن تقديم البرهان، لحقهم الشين والعيب أكاديميا لقيام الصنعة الفلسفية كلها على ما قدمنا من اشتراط نصب البرهان النظري إجابة لطلب كل من يزعم الخفاء من الأقران! ولو أنهم تكلفوا البرهنة (كما وقع من عمومهم)، فقد هدموا مذهبهم بأيديهم!
والقصد أنه لا نجاة ولا سلامة للعاقل بعقله ودينه وفطرته إلا بالخروج من ذلك المستنقع العفن جملة واحدة! فوالله ليس من فراغ أن تضاربت وتفاوتت تعريفات الفلسفة بين أصحابها أشد التضارب والتفاوت، فإنه لا يزال كل واحد منهم فاتحا لنفسه باب النظر في كل شيء بلا قيد ولا حدّ إلا ما يختاره هو لنفسه بهواه ومزاجه، فيجعله شرطه المنهجي في النظر، ثم يؤسس بناء عليه تعريفه الخاص لصنعة الفلسفة نفسها وما ينبغي أن تكون عليه! فإذا وجد من تعجبه بضاعته ويتابعه عليها، صار رأسا لمدرسة من المدارس الفلسفية في موضوعه ذاك أيا ما كان، وأصبح من غير المتصور إزالة تلك المدرسة في يوم من الأيام أو منع أصحابها من الانتصار لها في أوساط الفلاسفة! فمن جعل همه أن يسفسط على قضية وجود الباري، وأن يسقط الأصل البدهي الذي يقوم عليه مبدأ الدين نفسه، أو يتفنن في إسقاط بعض الأديان بعينها، لم يجد في أوساط الفلاسفة إلا كل ترحيب! وسيسهل عليه إذن أن يجعل تعريف الفلسفة عنده متوجها إلى أصل الدين وقضايا الدين، وهو ما أصبح يعرف اليوم كتخصص فرعي تحت صنعة الفلسفة بفلسفة الدين Philosophy of Religion. ومن جعل همه أن يتنطع على غيب السماوات والأرض وأن يضع لنفسه نظرية "طبيعية" واسعة يعلو بها في تلك البابة، اتجه تعريفه إلى جهة تناسب ذلك، ولن يعدم فرعا من فروع الفلسفة الأكاديمية المعاصرة أو العلوم الطبيعية يقبل نشر بضاعته! ومن جعل همه أن يتنطع على قضايا التشريع الأخلاقي والسياسي وأن يجعل من نفسه إماما في تقرير الخير الأسمى والقيمة الأخلاقية العليا التي يجب أن يعمل من أجلها كل فرد في المجتمع، وجه تعريفه لصنعة الفلسفة إلى تلك الجهة القيمية، وهكذا! بل إن منهم من بلغ به عبثه وسفسطته أن ادعى أن موضوعات أولئك الفلاسفة لا حق فيها ولا باطل أصلا، وأن المذاهب والمدارس كلها إنما وضعت بالتراضي العرفي والاجتماعي (كما هو مذهب فلاسفة ما بعد الحداثة)، فإذا ما سئل هذا عن تعريف الفلسفة فسيضرب لها ما يناسب ذلك عنده ولا شك!
قول الأستاذ فودة: "مثلا الكندي قال الفلسفة هي علم الأشياء بحقائقها بقدر طاقة الإنسان. مجرد محاولة للمعرفة، مجرد محاولة للعلم والإدراك، للأشياء قاطبة، والأشياء تشمل الأشياء المادية والأشياء المعنوية، الأشياء العقلية والموجودات الخارجية، هذا أحد التعريفات الشهيرة المعروفة للفلسفة." اهـ. قلت: فهذا التعريف يبين لك تشبع الفلاسفة جميعا، عربهم وعجمهم، بأصول المدرسة اليونانية القديمة، التي تجعل من الفيلسوف حاملا للواء الاستنارة المعرفية الكلية بكل شيء، مزيلا لأواصر "التقليد" الذي نسبوه لعامة العقلاء ممن عداهم في كل شيء! وإلا فما معنى أن يظهر رجل يتخصص (على سبيل الصناعة المعرفية) في "محاولة المعرفة بحقائق الأشياء قاطبة"؟؟ وهل يعقل أن يتخصص رجل في تحصيل المعرفة الجزئية بكل شيء؟ وهل يتصور أن يجتمع ذلك لإنسان مهما تكلفه؟ أبدا! وإنما المقصود أن يقوم الفيلسوف بضرب النظريات الكلية الشمولية (الميتافزيقية غالبا) التي يتخذها الناس من بعده أساسا لنظرهم في كل شيء ولفهمهم كل شيء! فإذا اتكأ الفيلسوف على أريكته ثم أطلق القول بأن العالم (هكذا!!) يتركب من مركبين كليين اسمهما كذا وكذا (مثلا)، كما صنعه آباء الأكاديمية اليونانية القديمة من قبل، أصبح لديه إذن "معرفة" بكل شيء (فيما يزعم)! إذ كل شيء في العالم لابد وأن يتركب مما زعم هو بكل جرأة (وكأنه شهد خلق السماوات والأرض أو كان شريكا فيه) أن العالم بأكمله من أوله إلى آخره يتركب منه، وجعله من ثم هو "حقيقة" الأشياء كافة! فكل الأقيسة لابد أن تكون أقيسة شمول، وكل النظريات لابد أن تكون نظريات كلية تغطي كافة الموجودات، وكل دعوى يدعيها لابد أن تتسع حتى لا يصح أن يسمى موجود من الموجودات "بالشيء" لغة ولا يدخل تحتها!
فإن تنزل الفيلسوف من مقعد عظمته وأقر بإمكان أن يكون للعالم حد ونهاية وأن يكون له صانع من ورائه، لم يقبل التسليم بشيء من ذلك إلا من طريق نظرياته الميتافزيقية المتنطعة نفسها، التي تابعه عليها من التلامذة والمريدين من تابعه، لا سيما إن صارت تلك النظريات مما اعتمده عامة الفلاسفة الأكاديميين كمعرفة معتبرة صناعيا في عصره، لأنه (أي الباري) يكون إذن بحسبها "شيئا وجوديا" مفتقرا إلى إثبات! والفيلسوف صاحب نظرية تغطي جميع الموجودات كما تقدم، بل وتغطي جميع الممكنات والممتنعات كذلك! وهذا ولا شك من كبر فلاسفة اليونان وغطرستهم التي أورثوها لأكاديميات الغرب ومن بعدها عامة أكاديميات الفلسفة والعلم الطبيعي في كل مكان! فهم ما تكلفوا هذا الصنف من الدعاوى العريضة الفاحشة والنظريات الكلية المتنطعة (الميتافزيقية) من الأساس إلا ليجعموا الناس تحتهم وليصيروا أئمة ينيرون للبشر طريقهم في المعرفة بكل شيء، وليقوموا فيهم مقام الأنبياء والرسل، كما علمهم أستاذهم أفلاطون! فالفيلسوف يقعد نفسه مقعد النبي المتبوع بما يدعيه بشأن الغيب وما فيه! فإذا جاء أتباع المرسلين بالحجة الرسالية، لم يقبلها منهم الفيلسوف حتى يقدموا له البرهان (من طريق ميتافزيقاه المعتمدة عنده يومئذ) على أن العالم حادث من الأساس وعلى أن له صانعا أحدثه، وحتى يبرهنوا له على استحقاقه صفات الكمال وببينونته عن العالم وعلوه فوقه، باستعمال نظرياته الغيبية نفسها التي تابعه الناس عليها، وهو الشرط المتغطرس الساقط الذي خضع له بعضهم وأجابوه إليه مذعنين، فصاروا به "متكلمين"، ونشأ به ما يسمى "بعلم الكلام"، الذي يزعم صاحبنا أنه هو الطريق لنصرة الملة وإثبات المعتقد!
هذا هو أصل علم الكلام الذي لو صدق الأستاذ فودة وتجرد لاعترف به، ولاعترف كذلك بأنه سبب ذمّ السلف والأئمة رضي الله عنهم لتلك الصنعة الخبيثة التي أفسدت على المسلمين عقولهم وعقائدهم بل ولغتهم نفسها (كما تراه في بعض المعاجم من حدود وتعاريف كلامية فاسدة، أخرجت معاني كثير من الألفاظ عن أصول الاستعمال اللغوي إلى مجاري تنظير الفلاسفة والمتكلمين!)! ولو صدق كذلك لاعترف بأن ما كرهه من ابن رشد من التسوية بين تعريف الفلسفة وتعريف الكلام لا مستند له فيه إلا التحكم الصناعي لا غير! فلولا أن صارت صنعة الكلام تخصصا صناعيا (أكاديميا) لفئة من المشايخ والعلماء الذين تربى الأستاذ فودة على كتبهم ونظرياتهم، ما وجد مستندا يستنكر به تلك التسوية الإجمالية في التعريف!
فقوله: "ابن رشد، طبعا نظرا لآليته المشهورة التي يحاول فيها إعطاء صورة جديدة للفلسفة، خلاف الصورة السائدة عن الفلسفة، ما قبل ابن رشد وما بعد ابن رشد، هو في العصر الوحيد، الفترة الوحيدة التي صار للفلسفة المفهوم الذي أعطاه إياها ابن رشد هو فقط في زمان ابن رشد، وهذا المفهوم في الحقيقة هو محاولة لإبدال كلمة "علم الكلام" بدل الفلسفة، أو وضع الفلسفة بدل علم الكلام. فالتعريف الذي جاء به ابن رشد كما ترون (مشيرا إلى عرض الداتاشو خلفه) هو في الحقيقة تعريف لعلم الكلام وليس تعريفا للفلسفة!" اهـ. قلت: فما هو ذلك التعريف الذي كره صاحبنا أن يُجعل تعريفا لصنعة الفلسفة، وأراد أن ينزله على صنعة الكلام؟ إنه قوله: "الفلسفة تهدف لمعرفة الصانع، عن طريق النظر في المصنوعات"! مع أن هذا هو عين ما يتكلفه فلاسفة الإلهيات من يوم أن ظهر شيء يقال له "فلسفة": "النظر العقلي" في الموجودات (وهو ما حقيقته التنظير الميتافزيقي الكلي المتنطع الذي ابتدعه فلاسفة اليونان) لمعرفة أصلها وما إذا كانت ترجع إلى صانع صنعها (وهي الدعوى المحورية في أصل كل ملة من الملل المتألهة بطبيعة الحال: وجود الصانع)، ثم إن ثبت ذلك بالنظر، انتقل الناظر لمعرفة صفات ذلك الباري وأفعاله وما يجوز عليه وما لا يجوز، ومن ثم معرفة "الراجح" من "المرجوح" (بحسب تلك الطريقة الفلسفية) من دعاوى أهل الأديان في حقه، فإن كان منتسبا لملة من الملل، نصر ملته التي ينتسب إليها (كما مال إليه أكثر فلاسفة اليونان القدماء)، وإلا جعل من فلسفته ونظره معيارا "عقليا" في رد الأديان كلها على أصحابها، بداية من دعوى وجود الصانع نفسها (كما هي طريقة الدهرية اللادينيين)! وإلا فما الغرض الكلي الذي يضعه الفلاسفة الباحثون في الإلهيات لأنفسهم إن لم يكن هو هذا؟ وما المنهج الكلي الذي ينتهجونه في البحث والنظر إن لم يكن هو هذا؟ وإذا كان ذلك كذلك، فما الفرق المنهجي بين المتكلم والفيلسوف على التحقيق؟ أليس هذا هو منهج المتكلم من أي ملة من الملل؟ بلى هو كذلك!
فصحيح إن الفلسفة ليس هذا هو تعريفها الجامع المانع كما يقول الأستاذ، ولكنه منهج الفلاسفة عند تناولهم الإلهيات وما يتعلق بها ولا شك: التنطع على البدهيات بالنظر، وعلى أعظم الغيبيات المحضة (ذات الباري جل وعلا وصفاته) بأنواع القياس! فإذا كانت كل الدعاوى المعرفية خاضعة عند الفيلسوف للقياس العقلي بصورة من الصور (تبعا لداعي الجدل بين الأقران)، فما كان الفيلسوف ليقبل دعوى وجود الباري ومخلوقية هذا العالم من غير قياس (نظر)! وعلى ذلك القياس قامت فلسفة الإلهيات، وهو نفس نوع القياس الذي يتكلفه المتكلم إجابة لشرط الفيلسوف الجدلي في نفس الأمر! فلسنا نرى في تمسك الأستاذ فودة بإنزال هذا التعريف على علم الكلام إلا تأكيدا لما قررناه من كون الكلام صنعة من صناعات الفلسفة على العموم، وفلسفة الإلهيات على الخصوص، يدور عليها من موجب الذمّ ما يدور على الفلسفة ولا فرق، وإنما استقل بها ثلة من المتشرعين فصارت علما دينيا مستقلا (أكاديميا أو تخصصيا)، لا سيما بعدما استفاض تأثير نظرياتهم وحدودهم وتأويلاتهم على جملة كبيرة من العلوم الشرعية التي اشتغلوا بها وصنفوا فيها!
يتبع إن شاء الله تعالى
د. أبو الفداء ابن مسعود
عفا الله عنه
