فائدة في كون العلم بحدوث العالم علم فطري سمعي، وليس علما نظريا كسبيا

 


العلم بحدوث العالم علم فطري سمعي، وليس علما نظريا كسبيا، لا نحتاج إليه للعلم بوجود الباري،

ولا يمكن أن يوصل إليه بالنظر القياسي

الحمد لله وحده، أما بعد، فقد علق أحد إخواني الفضلا على المحاضرة الأخيرة (المحاضرة الأولى في شرح كتاب مسألة حدوث العالم لشيخ الإسلام رحمه الله) باستشكال مهم رأيت أن أنشر جوابه هنا لتعم الفائدة.

قال الأخ وفقه الله:

انتهيت من الاستماع الحمدلله جزاك الله خيرا دكتور وأحسن إليك انتفعت غاية الانتفاع من المحاضرة ولازلت متحمسا للباقي إن شاء الله دكتور عندي بعض الأسئلة فقط أتمنى إن كان لك وقت أن تجيبني عنها وتزيل الإشكال فيها جزاك الله خيرا السؤال الأول: قلت خلال تعلقيك على أن قياس الأولى تستخدمه عند الرد لا عند التأسيس. طيب يا دكتور.. عند من فسدت فطرته وتشوهت ألسنا بحاجة حينها إلى تأسيسه من جديد بالأدلة العقلية التي تُذكٌر بصفات الباري واستحقاقه للكمال ؟ بل لشيخ الإسلام رحمه الله في بداية الرسالة الأكملية كلاما مثل هذا يقرر فيه بأن لكمال الخالق أدلة يحتاج إليها من فسدت فطرته فهنا أثبت استخدام الدلائل للتأسيس فما قولكم في هذا نفع الله بكم؟ الثاني: تطرقت في آخر المحاضرة تقريباً إلى قول أهل الكلام بأنهم يثبتون حدوث العالم لامتناع تعدد القدماء وقد قلت حتى وإن كان قولكم سليما فإنه مما لا تصل إليه عقول عامة الناس ثم تطرقت إلى نقد قولهم فقلت بإنه من الممكن أن يقول قائل بأن جنس العالم قديماً لكنه متحول من صورة إلى صورة من الأزل قديما بقدم الله وسؤالي هنا يا شيخ... أليس مقصدهم هنا هو أن إثبات شيء قديم (سواء كان متحولا أم لا) مع الله هو أصل كلامهم ؟ يعني إذا قلنا بأن العقل يفرض وجود واجب قديم واحد.. إذ إن تعدد القدماء ممتنع عقلا لما يلزم من ذلك محالات وإذا ثبت هذا قلنا بحدوث ما سوى الواجب أليس هكذا يُعد الدليل صحيحا ؟ مع أني مقتنع تماماً بأن حدوث العالم الأصل فيها السمع والحمد لله لكن لزيادة التثبت فقط يعني أصل وجود العالم(ولا يعنيني أنه متحول من مادة إلى مادة من الأزل) إن كان قديما مع قدم الله فهذا مخالف لما تقرر من أن الواجب القديم لابد أن يكون واحدا فحتى لو قال قائل بأن العالم قديم محول من شكل إلى شكل في الأزل يكون الرد عليه بأن أصل قدمه هو محل الإشكال وهو ما نحن نثبت امتناعه بل ويقال له إذا كان متحولا من شكل إلى شكل من الازل فهذا تسلسل ممتنع لتوقف الشكل الحالي على شكل قبله يتحول منه وعلى الذي قبله على الذي قبله إلى مالا نهاية في الماضي ولو كان كذلك لما وصلنا إلى حالة الشكل الحالي والله أعلم وبهذا ينتفي الاعتراض فما قولكم في هذا...مشكورين ونفع الله بكم وأنا ممن أحبكم وأنتفع بكم غاية الانتفاع بل وصححت لي كثيرا من المعتقدات الفاسدة كتب الله لكم الأجر في ذلك هو الكريم سبحانه وأتمنى أن تبينوا مكمن الإشكال إذا كان عندي اشكال وكتب الله لكم القبول"

انتهى

فقلت في الجواب:

عليكم السلام ورحمة الله وبركاته

حياك الله أخي وأنت فجزاك الله خيرا وأحسن إليك. أما فيما يتعلق بالنقض والتأسيس، فالذي فسدت فطرته هذا هل فسدت لزوال المعرفة الجبلية في نفسه أم فسدت لأن أهواءه زينت له قبول واعتقاد صحة ما يناقضها؟ القضيتان لا تستويان، بارك الله فيك. نحن لا نقول إن الفطرة تفسد، بمعنى أنها تزول من النفس بالكلية، وإنما تفسد بأن يقبل الإنسان من الدعاوى والاعتقادات ما يناقضها، فتصبح تلك الدعاوى عنده هي الحق الذي عليه الاعتقاد والعمل، وتفقد النفس دواعي استحضار الحق الفطري المخالف لتلك الدعاوى، كما هي مجبولة عليه، لغلبة الهوى وشدة الغفلة! فالنفس تظل على علم بهذا الحق وإن كانت لا تعلم أنها تعلم، ولا تشعر به. وهذه المقامات الثلاثة، العلم، والعلم بالعلم، والشعور بالعلم، فرق بينها شيخ الإسلام رحمه الله في بعض كتبه. فالمشركون من أهل مكة كانوا يعبدون غير الله تعالى، وكانوا مع ذلك يعتقدون أنه الرب الذي لا رب سواه. وكانوا يعلمون كذلك أن الرب الذي خلق هو وحده المستحق للعبادة والتأليه بداهة وضرورة، ولكن هذه المعرفة كانت دفينة في نفوسهم، لا يشعرون بها، لأن ميراث الآباء والأهواء الداعية لقبوله والعمل به، أغفلتهم عن استحضاره. ففساد فطرتهم كان بأن ورثوا عن آبائهم عقائد وأعمال أغفلتهم عن تلك البداهة والضرورة، لا أنها أذهبت تلك المعرفة الضرورية نفسها من نفوسهم بالكلية، فصاروا يحتاجون إلى من يؤسسها لهم تأسيسا نظريا!! ولهذا لم يخاطبهم رب العالمين بإثبات صحة ذلك التلازم نفسه نظريا: أن الذي انفرد بالخالقية والربوبية، لا يجوز عقلا أن يشرك به غيره في التأليه والعبودية! وإنما شنع عليهم بمناقضتهم ذلك اللازم الذي غفلوا عنه أو تغافلوه. فكان الحجاج العقلي هنا لا بتأسيس المعرفة بوجوب تأليه الباري وإفراده بالعبادة، ولكن بنقض الدعاوى التي تخالفها وتقتضي خلافها عندهم، ببيان اللوازم والمقتضيات التي نقطع سلفا بأنها قائمة بنفوسهم وليست عادمة عندهم بالكلية! ولو أننا ادعينا أن المشرك الوثني إنما عبد تلك الأوثان لأنه بلغ أن لم تعد توجد في نفسه أسباب المعرفة ببطلان عبادتها على الإطلاق، للزمنا إن دعوناه للتوحيد أن نخاطبه بخطاب تنظيري قياسي، وهو ما أسميه بالخطاب التأسيسي، أي نؤسس لديه تلك المعرفة التي قد يدعي هو أنها فاقد لها. والتأسيس لا يكون ببيان المقتضيات واللوازم، لأن ذلك إنما يلتمسه من يسلم ابتداء بأن المخاطب يعلم صحة تلك التلازمات العقلية، وإنما هو غافل عنها، متلبس لما يناقضها، فننقض عليه ما يعتقده من الباطل، بتنبيهه إلى شناعة تلك اللوازم التي نرجو إن نبه إليها أن ينتبه. أي نشعره بما غفل عن كونه معلوما لديه، مما يوجب إبطال الباطل الذي عنده. وأما الخطاب التنظيري التأسيسي، فهو أن تخاطبه على أنه لا يعلم أصلا بذلك المقتضى، وليس أنه غافل عنه، غير ملتفت إليه. فتبدأ بأن ترجع به إلى أصل عقلي كلي أولي تدعي أنه معلوم عنده، ثم تحاول أن تفرع عليه ذلك المعنى بنوع من أنواع القياس، كالتمثيل أو الشمول، على طريقة: كل أعزب غير متزوج. زيد أعزب، إذن هو غير متزوج. فالفرض في مثل هذا هو أن المخاطب لا يدري أن زيد غير متزوج، مع أنه يعلم أنه أعزب!! فاحتاج إلى من يبين له بقياس الشمول، أن حالة زيد هي فرد من أفراد قضية كلية هو يعلمها، مفادها أن كل أعزب غير متزوج! ولو أنك تكلفت مثل ذلك في دعوة المشرك، لقلت له: كل من كان خالقا لكل شيء، فهو مستحق لأن يعبد وحده لا شريك له! الله خالق كل شيء! إذن هو مستحق لأن يعبد وحده لا شريك له! فإن زعم أنه لا يسلم بصحة المقدمة الأولى، ولا يجد في نفسه ما يدله على صحتها، وهي القضية الكلية التي تؤسس البرهان على التسليم بأنه يعلمها، دون القضية الثانية (وهي أن الله خالق كل شيء)، أصبحت مطالبا ولنفس السبب، بالبحث عن قضية كلية أعلى منها، لتفرع عليها تلك القضية بقياس شمول آخر، وهكذا بلا حد ولا نهاية. والذي يخاطَب بتلك الأقيسة بدعوى أنه يحتاج إليها لأجل أن يعلم بصحة النتيجة التي تنبني عليها، لا يجوز التشنيع عليه ولا تبكيته ولا معاتبته، لأن الفرض أن نفسه خالية من المعرفة الفطرية في الباب! بل يصبح من يدعوه إلى الخروج من باطله، مطالبا هو أيضا بأن يراجع قياسه واعتراضات الناس عليه مرة بعد مرة، وأن يظل حريصا على ذلك ما دام حيا (بالنظر إلى عظم المسألة وخطورتها) لعله يظهر له أنه هو الذي كان على باطل من الأصل، فيخرج مما هو فيه ويكف عن محاولة دعوة الناس لموافقته! ولهذا انتقد ابن تيمية رحمه الله المناطقة فيما انتقدهم به، بأن أقيستهم الاستنباطية لا يحتاج العاقل لأن يصيرها حدودا منطقية، بحيث يدعى خفاء النتيجة على النفس وأن المقدمات نتفيد بكشفها وتقريبها. بل لولا أن قام التلازم البدهي بين المقدمات والنتيجة في فطرة المخاطب ابتداء، ما كان للبرهان فائدة أصلا! فإذا كان ذلك كذلك، فحسبك أن تبين له شناعة ما يترتب على قوله بما يخالف ذلك اللازم، لا أن تخاطبه خطاب من لا يشعر بأن النتيجة تترتب على مقدمات برهانك حتى تحرره له على نحو مخصوص!! فالطريقة اليونانية تصطحب أن (أ) و(ب) إن جمعهما العاقل في نفسه، تبين له لزوم (ج). ولكنها تدعي أن (أ) و(ب) أظهر للمخاطب من (ج) معرفيا، فلا يعرف (ج) هذه حتى تبنى بين يديه على الجمع بين (أ) و(ب)، بما يكون معذورا إن قال إنه لم يتكلفه يوما ما، ومن ثم لم يجد دليلا يدله على صحة (ج)، بل وإن زعم بعد الخطاب بذلك البرهان أن التلازم بين (أ) و(ب) لا يظهر له أصلا! 

فهل نحن نعلم بداهة وفطرة أن العالم كله حادث؟ نعم نعلم ذلك قطعا. ولهذا فكل من أراد منا أن يستحضر مقتضيات حدوثه، أو مقتضيات قدم محدثه سبحانه، وما يتلازم معها في نفسه من القضايا الفطرية الضرورية، لم يعجزه ذلك. ولكن على الطريقة اليونانية، فلا حدوث العالم ولا وجود من أحدثه، من القضايا الفطرية البديهية عندهم. بل يحتاج من يقول بأي واحدة منهما إلى أن يبدأ أولا بتأسيسها على قياس شمول من معنى كلي متقدم عليها في نفسه، أو بقياس تمثيل على نحو ما. فكيف نعرف أن العالم حادث؟ ننظر في الوجود الموجود وما يوجب للشيء الموجود في الأعيان أن يوصف بالحدوث، فإن استطعنا أن نثبت بقياس ما، أو بطرد استقراء، أن العالم كله على هذه الحقيقة نفسها، حصلت لدينا إذن المعرفة بحدوثه. ونقول حينها إن المعرفة تكون قد "تأسست" عندنا بذلك، بعد خلو النفس منها. فمن أراد أن يثبت له محدثا ما، بعدما أثبت حدوثه، طولب بأن يصل إلى ذلك بقياس شمول أيضا. يقول: كل حادث لابد له من محدث، العالم حادث، إذن فله محدث! ثم تمضي في تأسيس المعرفة بصفات ذلك المحدث تفريعا من المقدمات الكلية الأولى في الوجود والموجود التي تزعم أنها كانت هي طريقك لتأسيس المعرفة بحدوث العالم! فهذا التأسيس اليوناني لأمثال تلك القضايا على أقيسة شمول وتمثيل، هو ما نرده ولا نقبله في خطاب المشركين والملاحدة. فنحن نقطع بأنهم تقوم بفطرتهم معرفة هم يتغافلونها بأن كل ما في الوجود خلا الباري حادث ممكن بالضرورة، لولا أن اقتضت حكمته ومشيئته أن يكون على ما هو عليه ما كان. فإذا دعوناهم للإسلام، لم نتكلف إثبات حدوث العالم بقياس شمول أو تمثيل، فإن هذا غير ممكن أصلا!! فمن شرط النظر القياسي على الطريقة اليونانية للوصول إلى الحكم بحدوث العالم، ثم جعل العلم بحدوث العالم شرطا للعلم بوجود الباري، هذا يلزمه أن يعتقد بقاءه جاهلا بالسبب العقلي الصحيح لقبول رسالة الرسول، إن لم يكن قد حصل له ذلك النظر اليوناني، لأنه إذن لا يكون لديه سبب عقلي صحيح للتسليم بصحته! فالطريقة اليونانية توجب ألا تكون المعرفة بوجود الباري ممكنة إلا من تلك الأقيسة، يرتب بعضها على بعض على ما سلكه المتكلمون. مع أن الحق أن حدوث العالم لا يمكن إثباته لا بقياس شمول ولا تمثيل، وأننا لا نحتاج لإثباته أصلا حتى نعرف أننا مخلوقون مربوبون! فالخطاب الصحيح لا يكون بتكلف ذلك التأسيس الواهي، وإنما ببيان الشنائع التي تترتب على نفي ما نفوا، مما نعلم ابتداء أنهم يعلون لزومه وضرورته وإن غفلوا عنها أو تغافلوها. نحن نعلم أن العالم حادث، ولكن هذا عندنا من المقتضيات الفطرية لوجود الباري، وليس العكس! لا نحتاج أبدا لا إلى أن نؤسس حدوث العالم على وجود صانعه حتى نعرف أنه حادث، ولا إلى من يؤسس لنا وجود الصانع على حدوث العالم حتى نعرف أنه موجود! ولكن قد يحتاج بعض الناس إلى من يصدم نفوسهم صدما بتذكيرهم بشناعة مقتضيات نحلتهم في نفي وجود الباري، حتى يقروا بأن الرسول حق.   

فقولك: "عند من فسدت فطرته وتشوهت ألسنا بحاجة حينها إلى تأسيسه من جديد بالأدلة العقلية التي تُذكٌر بصفات الباري واستحقاقه للكمال" قلت: إذا تبين لك حقيقة ما يراد بفساد الفطرة والتشوه، تبين لك حقيقة ما أراده الشيخ رحمه الله بالأدلة العقلية في هذا المقام. فليس المقصود أن نتكلف برهانا نظريا قياسيا من طريق الشمول أو التمثيل نثبت به أن الله مستحق لكل كمال! وإنما المقصود أننا ننقض على من ينفي الكمالات عن الله تعالى، نشنع عليه نسبته إلى خالقه ما ينزه عنه نفسه! فإن كان الشيخ قد صاغ ذلك النقض على الطريقة الصورية في رسالته الأكملية، فلا يجعلها هذا التصرف في الصياغة من جنس أقيسة الشمول والتمثيل التي يبدأ بها الفلاسفة كل نظر في الموجودات، ومن ثم يثبتوا ما يثبتونه بشأن العالم بكليته! فقولك: " يعني إذا قلنا بأن العقل يفرض وجود واجب قديم واحد.. إذ إن تعدد القدماء ممتنع عقلا لما يلزم من ذلك محالات وإذا ثبت هذا قلنا بحدوث ما سوى الواجب أليس هكذا يُعد الدليل صحيحا" أقول في جوابه: بلى! هو صحيح ولا شك. ولكنه ليس برهانا سيلوغيا نظريا، على قياس الشمول أو التمثيل الذي يبدأ به اليونانيون تأسيس معرفتهم! وإنما هو كما ترى نقض على من يجوزون تعدد القدماء، بإظهار اللازم العقلي الشنيع لما يقولون. هذا نرد به على من قالوا بقدم العالم ولا إشكال. لكن هل يحتاج عاقل سوي النفس إلى أن يتكلفه حتى يعرف هو نفسه ابتداء أن العالم حادث؟؟ أبدا! وإلا فليست قضية وحدانية القديم أظهر عقلا من قضية حدوث العالم، بل هذه مرادفة لتلك، وكلتاهما مركبتان في الفطرة تركيبا جبليا. فلا نخاطب الناس بإعلامهم بإحداهما، تأسيسا على الأخرى، ولكن نخاطبهم بأن ننقض عليهم ما اعتقدوه مما يناقض ذلك التلازم الفطري بينهما. هذا هو الفارق بين طريقة شيخ الإسلام وطريقة الفلاسفة، وإن حرر الشيخ كلامه على نظير هذا الترتيب الذي حررته أنت، وحررته أنا في المحاضرة. ولهذا قلت إن هذا ليس دليلا على حدوث العالم بالمعنى النظري القياسي الذي يشترطه الفلاسفة ويتكلفه المتكلمون خضوعا لشرطهم! لأنه كما ترى لا تتأسس به معرفة كانت عادمة في النفس سلفا! وإنما يذكر به المخاطب بشناعة ما هو عليه مما ينافي تلك اللوازم الفطرية. ونظير ذلك ما تكلفه الشيخ نفسه في نفس المحاضرة من تقرير ما سماه دليلا على وجود الباري، يقول ما حاصله، إذا كنا نجزم بأننا لم نخلق أنفسنا، وبأننا لم يخلقنا العدم، فقطعا لم يبق إلا أن نكون قد خلقنا خالق عليم ذو إرادة، فهو لا يخاطبهم به خطاب من لا يعرف ذلك سلفا، وإنما يخاطبهم به خطاب نقض لما هم عليه من مكابرة الفطرة والبداهة! ونظير ذلك يقال فيما سماه المتكلمون ببرهان التمانع. فهم لفساد طريقتهم يعرضونه على أنه برهان نظري تأسيسي، يحتاج كل عاقل إلى تكلفه حتى يعرف، بعد جهل، أن الباري واحد لا يتعدد! لكن رب العالمين ما جعله مقدمة نظرية يجب التقديم بها قبل دعوة كل مشرك إلى الإسلام! وإنما أورد ذلك في سياق التبكيت والتشنيع على من يجعلون للرب أندادا وشركاء! فهو تذكير وإحضار للمعرفة الفطرية المدفونة في نفوس هؤلاء تحت ما عندهم من أهواء زينت لهم الباطل وأغفلتهم عن الحق، وليس أنه تأسيس لها هي نفسها بعد خلو النفس منها. طبيعة الخطاب ما كانت لتكون على هذه الصورة التي جاء بها القرآن أبدا لو كان الأمر على ما زعمه المتكلمون! فكل ما تفضلت به، نحن نرد به على من يزعمون قدم العالم ولا إشكال، ولكنه ليس كما يرد به المتكلمون في نفس الأمر! ليس في هذا الذي حررته أنت ما يقال إنه قياس شمول أو قياس تمثيل! وإنما هو ترتيب للوازم على ملزوماتها، تنبيها على فساد الملزوم! وأما المتكلمون فلا يثبتون حدوث العالم بمثل ذلك، لأنهم سلموا للفلاسفة بأن الفطرة تخلو من تلك التلازمات ابتداء، ومن ثم سلموا لهم زعمهم بأن حدوث العالم يحتاج إلى أن يتأسس بقياس شمول أو تمثيل، على ما يبدؤون هم به في نظرهم الميتافيزيقي! فبينما ننقض نحن على الفلاسفة شنائعهم، يلتزم المتكلمون بإجابتهم إلى ما شرطوه عليهم في التأسيس المعرفي. وهذا هو الفارق المنهجي الذي نبهت عليه في المحاضرة. 

انتهى الجواب

والله الموفق للرشاد

أبو الفداء ابن مسعود

غفر الله له


إرسال تعليق