الرد المتين على الأستاذ سعيد فودة في تفريقه بين الفلاسفة والمتكلمين (الجزء الثالث)

ثم قال: 

الأركان الأساسية لعلم الكلام تدور حول أمرين اثنين: الأول بيان العقائد، الثاني هو الدفاع عن العقائد. والدفاع عن العقائد يتألف من ركنين أساسيين أيضا: محاولة إثبات العقائد، بإعادة البحث فيها والنظر فيها، الثاني محاولة مناقشة ومباحثة ومحاورة الآخرين الذين يدافعون، الذين يناقضون الذين يعارضون هذه العقائد. هذا الموقف موقف طبيعي جدا، هل هناك علم بهذه الطريقة هل هناك علم بهذا المفهوم؟ طبعا، هناك علم أصيل، هذا العلم أصيل جدا عند المسلمين، لم يزل موجودا ولا يزال موجودا، ولن يزال موجودا، هذا العلم، وإن أنكره كثير من المسلمين للأسف، وخصوصا في البلاد العربية، لظروف سياسية، ولظروف اجتماعية خاصة مر بها المسلمون في هذا العصر على سبيل التحديد، يعني لو رجعنا إلى ما قبل حوالي مئة سنة، إلى أكثر من مئة سنة، سنجد كثيرا من الناس، ومنهم من بقي حيا إلى الآن، يعرف تماما، من له أدنى صلة بالبحوث العلمية، أن هناك علما أصيلا اسمه علم الكلام. لكن للأسف، هذا العلم صار نسيا منسيا في الجامعات، نسيا منسيا في المعاهد، يتقصد إعدامه، يتقصد بطريقة أو بأخرى، جعل الناس غافلين عنه، الأسباب سنفهمها بإذن الله تعالى وإياكم من خلال هذا العرض الموجز. من خلال هذه النقاط التي سنبينها. هذا هو التصور الإجمالي لعلم الكلام.

قلت: يزيد الأستاذ فودة من الكلام المجمل ما يحسب أنه به يحصل المطلوب من إثبات فضل علم الكلام وضرورة تعلمه للمسلمين! فيقول إنه علم يقوم على إثبات العقائد والدفاع عنها، وأن ما كان كذلك فهو موقف "طبيعي"، أي لا يصح أن يستنكره أحد أو أن يشنع على أصحابه في أصل الاشتغال به (كما سلكه أهل السنة في ذمّ الكلام وأهله)! وهذا تلبيس ظاهر، لأننا ننكر عليهم طريقة الإثبات وطريقة الدفاع نفسها (منهجيا) كما تقدم، وهي طريقة الكلام التي لا يصير الرجل متكلما إلا بها! فصحيح إن موقف الدفاع عن العقائد موقف "طبيعي" وهو واجب شرعا على الكفاية كما هو معلوم، ولكن الغاية عند المسلمين لا تبرر الوسيلة، فإذا كانت الغاية شرعية فيجب أن تكون الوسيلة شرعية كذلك وإلا لم يجز التلبس بها! والشرع مداره على التوقيف، فلا ينتهج في الإثبات والدفاع عن العقائد منهج بدعي فاسد بالكلية، ثم يُنتصر له بمثل هذا الكلام المجمل الساقط! 

ولهذا نقول إنه من التلبيس غاية التلبيس أن ينسب إلى "الكلام" كل من جعل همه الرد على الفلاسفة وبيان بطلان كلامهم وإظهار العقيدة الصحيحة حتى لا يغتر المسلمون ببهرج أهل الزيغ والضلالة! فقد تعمد المتكلمون – كما ترى – ضرب الحدود والتعريفات المجملة الموهمة لصنعة الكلام حتى يسلموا من ذمّ السلف وأتباع السلف وحتى يظهر للعامة والجهلاء من المسلمين أن المتكلم هو كل من انتصب للرد على الفلاسفة وأهل الزيغ بوجه من الوجوه، وأنه – إذن – لا غنية للمسلمين عن الكلام وأهله، وحتى يقول أحدهم في جواب من ينكر عليه: لقد جئتَ ما نهيتنا عنه، وتلبست بما نفرت الناس منه .. إلخ، وحتى يقول قائلهم: إن العلم الذي نهينا عنه غير الذي ألفنا فيه، والذي ذمه السلف خلاف ما تكلفه علماؤنا وسادتنا وما خاضوا فيه .. إلخ، كما وقع في كلام القوم كثيرا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! 

والحق أن المتكلم هو كل من سلك طريقة معينة ومنهجا معينا في الرد على الفلاسفة، هو منهج الكلام وطريقته، وإلا فقد رد الإمام أحمد رحمه الله على الجهمية بالمنقول والمعقول معا، فلم يكن متكلما بذلك، ولا اجترأ أحد من أهل الكلام على عده من جملة المتكلمين! وقد رد الشافعي على أهل البدع فلم يكن متكلما بذلك، ورد مالك على أهل البدع فلم يكن متكلما بذلك، ورد شيخ الإسلام ابن تيمية على جملة عظيمة من الفلاسفة وأهل الكلام فلم يكن فيلسوفا ولا متكلما بذلك! كيف وقد صنف رحمه الله في بيان فساد المنهج الكلي عند أهل الكلام وعند الفلاسفة كما لم يسبقه إليه أحد رحمه الله تعالى؟؟ وإنما يكون الرجل متكلما إن تكلف طريقة معينة في الاستدلال والنظر في العقائد الخبرية الغيبية، مبناها التنظير الميتافزيقي بعموم، والتسليم بميتافزيقا الخصم الدهري خصوصا ونظرياته الكلية بشأن العالم وما ورائه، وحدوده الكلية المجملة المتنطعة وبسلامة مذهبه في مصادر التلقي المعرفي، أي في نوع الأسباب التي تحصل بها المعرفة عند العقلاء بوجود الباري وحدوث العالم وفي مصادر تحصيل المعرفة بالإلهيات والغيبيات بعموم! وهي تلك الطريقة التي لزم منها عند كافة طوائف المتكلمين ما الله به عليم من إفساد للدين والعقل معا، ولا تزال تُنتهج مع دهرية هذا العصر من الطبيعيين الدراونة وغيرهم وإن اختلفت النظريات الميتافزيقية المعتمدة في مقدمات البراهين، تحت راية الانتصار للدين وتأسيس العقائد ودفع الشبهات عن عامة المسلمين ... إلخ، فلا للدين نصروا ولا للفلاسفة كسروا، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فالمتكلم يسلم للخصم الدهري الجاحد بشيء من ثمرات عدوانه بالنظر على الغيب وما فيه حتى يؤسس عليه برهانا نظريا يرجو أن يقنعه به بقضية هي من مسلمات الفطرة والبداهة عند العقلاء الأسوياء أصلا: ألا وهي حدوث العالم ووجود صانعه! وممن نهجوا منهج المتكلمة (إجمالا) في الانتصار للدين في هذا العصر، من غير أن يشتهر بين الناس (لا سيما المتشرعين منهم) نسبتهم إلى أهل الكلام: مصطفى محمود في رده على الملاحدة، وزغلول النجار في إثباته إعجاز القرآن، وسيد قطب في رده على الشيوعيين، ومحمد باسل الطائي في الرد على الفيزيائيين الدهرية، وعمرو شريف في أسلمته نظرية داروين، وغيرهم كثير! 

وحتى يفهم القارئ أصل الفساد الكلي العظيم في منهج المتكلمين حتى في إجابتهم عن أهون أسئلة السائلين، فهذا مثال وقفت عليه من قريب في صفحة من صحفات أحد الأشاعرة، إذ سأله أحدهم فقال: "هل السواد (اللون الأسود) مخلوق أم هو انعدام المخلوق؟" فأجاب الرجل قائلا: "السواد لون، كما ذكرت، واللون عرض، والأعراض حادثة، فبالتالي هو مخلوق. وأما العدم فهو اللاموجود أصلا." قلت: فبالله يا عقلاء، لو قوبل أحدكم بهذا السؤال فبأي شيء يجيب؟ لعله سيقول: "هذا سؤال سخيف ولا نحسب أن سائله يخفى عليه جوابه! فمعلوم بالبداهة أن كل ما سوى الله تعالى مخلوق، فما نراه وما لا نراه من صفات المخلوقين أيا ما كانت هي مخلوقة كذلك ولا شك"، وبس وانتهت القضية! أي أن العاقل المتجرد من أصول المتكلمين سيستنكر نوع السؤال نفسه أولا، ويراه سخفا لا داعي له، ثم يذكر السائل بأن بداهة العقل فيها الجواب من غير حاجة إلى تكلف العبارة عنه واستحضاره! فإذا كان العدم هو انعدام الخلق، فالألوان صفات وجودية للمخلوقات الموجودة بالفعل كما هو واضح، ولا يقال في صفة الشيء الموجود إنها عدم! وكذلك لا يقال في البرودة إنها عدم، لأنها صفة حقيقية خارجية يميزها الإنسان عن صفة مضادة لها (الحرارة)، وليست معن مجردا في الذهن أو نحو ذلك، فهي مخلوقة قطعا بصرف النظر عن كيفية حصولها في الخارج، وعن النظرية المعاصرة القائلة بأنها إنما تلحق (أي صفة البرودة) بالجسم بانصراف الطاقة الحرارية عنه! والقصد أن هذه مسألة لا تحتاج أصلا إلى عبارة وبسط (اللهم إلا ما قد يلزم من تفصيل الإجمال المتصور في معنى العدم)! فمن فهم معنى كلمة "لون" في اللغة، ومعنى كلمة "صفة" وكلمة "مخلوق"، أدرك بالبداهة الأولى أن كل صفة للمخلوق (ومن ذلك لونه) مخلوقة لا محالة، بصرف النظر عن كيفية حصولها! 

ولكن المتكلم لا يعجبه هذا الجواب ولا يرتضيه ولا يحصل به المطلوب عنده! بل قد يعده من أجوبة "العامة"! لماذا؟ لأن المتكلمين قد اعتمدوا لأنفسهم نظريات ميتافزيقية معينة ضربوا لها الحدود والتعاريف، وصنفوا في ضوئها موجودات العالم كافة تحت أسماء كلية وأحكام كلية وضعوها تبعا لتلك النظريات المتهافتة نفسها وتأسيسا عليها، كما هي طريقة الفلاسفة! فعندما تسأل المتكلم هذا السؤال، لن يقول لك إن اللون الأسود المنظور هذا صفة لشيء مخلوق فهو مخلوق بالضرورة وليس عدما! وإنما سيقول كما قال صاحبنا هذا: اللون عرض، والعرض حادث، إذن فهو حادث، والحادث ليس بمعدوم! فهو قد تعلم من أئمة الخلف وأساتذته الذين أشربوه بالكلام، أن المخلوق هو ما سماه الفلاسفة القدماء (الذين اتبعهم أساتذته من قبل) إجمالا "بالحادث"، فما كان ليجيب السائل عن شيء ما أهو مخلوق أم لا، إلا بحسب نظريته الميتافزيقية التي تأسس عليها التعريف الكلي للمصطلح "حادث" عنده، ألا وهي نظرية "الجوهر والعرض"! فإن صح أن يكون اللون عرضا، بحسب النظرية المعتمدة عنده في ميتافزيقا الجوهر والعرض، وبحسب الحد المجمل "للعرض" المستمد منها، فهو إذن مخلوق (حادث)، وإلا لم يكن مخلوقا! لهذا نقول إن المتكلمين في الحقيقة – على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم - أتباع وأذناب للفلاسفة الذين تشربوا منهم بتلك النظريات الكلية، وفرعوا عليها الحدود والتعاريف المجملة المتنطعة كما صنعوا، فهم في الحقيقة فلاسفة مهما تفننوا في التعديل على تلك النظريات والتغيير فيها، وادعوا أنهم وصلوا بها إلى الحق واليقين .. إلخ!

فلعل التعريف الصحيح للفيلسوف، الذي تظهر فيه علة ذم السلف رضي الله عنهم للفلاسفة على أحسن وجه، وذمهم المتكلمين تبعا، هو أن يقال إنه ذلك المسفسط المتنطع بالسؤال على البدهيات والغيبيات، المتكلف الجواب فيها بأنواع القياس والنظر، سواء بارز بثمرة نظره ما جاء به المرسلون أو زعم أنه يوافقهم عليه! فهو من هذه الجهة لا يحده في النظر والقياس حدّ ولا يمنعه مانع، إلا ما ارتضاه هو لنفسه على أثر النظر! ولا يقرر في شيء إنه معلوم بالضرورة إلا على أثر النظر، وإلا فبحسب ما تقتضيه مصلحة الجدال مع خصومه! وكل شيء عنده خاضع للاستدلال، قابل للنزاع والجدال إذا دعاه إلى الجدال عليه من يكره أن تلحقه التهمة بالتهرب والخوف من المواجهة إن رد عليه دعوته. هذه هي مدرسة اليونان التي أسسها فلاسفة اليونان وجعلوها أساسا للأكاديمية الغربية التي افتتن بها بعض أهل الكتاب فصاروا لاهوتيين، وافتتن بها بعض أهل القبلة فصاروا متكلمين! إنها نظرية المعرفة الجدلية الدليلية Evidentialist التي اعتنقها فلاسفة اليونان وتابعهم عليها المتكلمون من أهل الملل كافة، لا من أهل القبلة وحسب! فكل سؤال يطرحه أحد معظميهم للنظر، فهو حقيق بالنظر والاستدلال، داع للبحث والقياس، مسوغ للخلاف والنزاع والجدال، ولظهور المذاهب والمدارس والآراء المتفاوتة فيه، مهما شطّ الرأي بأصحابها، ومهما كان موضوع السؤال نفسه من البدهيات الأولى أو من الغيبيات المطلقة التي نقطع بأننا لا ندري لها نظيرا في محسوسنا ولا نملك أساسا لقبول القياس (أي قياس) في تصورها ابتداءً! 

فهؤلاء لما كان هذا هو مفهومهم للمعرفة والنظر والعقل بعموم، لم يقم في اعتبارهم شيء من الدعاوى قيام الضرورة العقلية أو البداهة الواضحة التي لا تحتاج إلى برهان، إلا ما بدا للواحد منهم أن يجعله كذلك بالمزاج والهوى، وبحسب داعي المناظرة مع الخصوم! ولذا فمهما وُجد من الأقران من يدعي خفاء المسألة البدهية الضرورية عليه، أيا ما كانت، أو يدعي إمكان نفيها بنحو من أنحاء القياس، لم يجز تسفيهه أو إهماله عندهم، بل لم يجز أن يجاب إلا بقياس مقابل ونظر مضاد، يستند فيه الخصم إلى ما يعده صاحب الدعوى من المسلمات! أما أن يُتهم هذا في عقله وقلبه ويقال له: أنت مجنون لا عقل لك، أو مكابر جاحد كذاب، إذ تدعي أنك لا يظهر لك هذا المعنى البدهي الواضح (كوجود من صنعه مثلا، وأنه هو صانع كل شيء!) أو أنه يحتاج إلى دليل يوضحه، فهذا موقف ما كان أساتذة اليونان القدماء ليقبلوه من أحدهم فيما بينهم! ولهذا حتى لما ظهر من اعتبروهم غلاة في السفسطة والتنطع السخيف بين صفوفهم، لم يجيبوهم بالتسفيه والاتهام على العقل كما هو حقهم أن يعاملوا، وإنما أجابهم أرسطو وغيره بالتنظير الكلي والقياس الشمولي المقابل بقواعد ما صار يعرف "بعلم المنطق"، وكأن الإنسان يحتاج – من حيث المنهج المعرفي الكلي – إلى أداة نظرية للقياس الشمولي حتى يبرهن بها على أفراد ما هو بدهي وما هو ضروري من أنواع المسائل في عقل كل عاقل، فيجيب بها كل من يتنكر لتلك البدهيات أو يطلب برهانا لإثباتها! هذه هي الآفة المعرفية الكلية التي انتهض شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بالتصنيف الطويل في الرد على المناطقة من أجلها، فتأمل! 

ولهذا لا تجد فيلسوفا (أي متخصصا أكاديميا له نشر وتأليف في الفلسفة) يتهم نفسه وعقله أبدا، إلا فيما يندر ويشذ! حتى عندما يتراجع عن قول قديم تراه يعظم عقله الذي هداه بعد "فكر عميق" و"نظر دقيق" لذلك القول الجديد! وكيف لا وقد اتخذ لنفسه طريقا ومنهجا حاصله أن ما يراه هو بمزاجه بدهيا فهو البدهي، وما يراه هو بهواه نظريا ملجئا للاستدلال فهو كذلك! ولا يخالفه مخالف في شيء مما يقول إلا أتاه بالبراهين النظرية الثقيلة التي تديره حول ذيله فلا يدري على أي شيء يعترض! فما يعجبه ويأتي على هواه من الأقوال فهو عنده الحق الذي يتفنن في نصرته بكل طريق! وما يخالف هواه وما أسسه لنفسه من نظريات ومزاعم عملاقة بشأن الغيب وما فيه، فهو عنده باطل وخرافة، وهو قادر على الإتيان بكل مزخرف ومنمق من أشكال الحيل النظرية في تكذيبه والتشغيب عليه، مهما كان ذلك القول المكروه لديه واضحا صريحا عند العقلاء الأسوياء! فلا يصبح الرجل فيلسوفا معظما في تلك الصناعة الخبيثة حتى يصبح إلهه هواه ويصبح هو إمام نفسه باسم العقل وسلطان العقل، وحتى يتبعه الأتباع بعدئذ على هواه وعلى ما أنتجه عقله! وحتى تكون له نظرية في المعرفة ونظرية في الميتافزيقا ونظرية خاصة في الإلهيات والطبيعيات .. إلخ! وهل صار الفلاسفة فلاسفة إلا من إباء نفوسهم المستكبرة أن تخضع لغيرهم من الناس خضوع التابع لمتبوعه، كما هو واجب على كل مكلف بإزاء أنبياء الله ورسله؟ وهل يتفلسف من يتفلسف في الواضحات البدهيات إلا ليصبح رأسا في الناس بما ذهب إليه، على طريقة "خالف تعرف"؟ 

وأما دعوى الأستاذ فودة أن "الدول العربية" قد صارت إلى التضييق على الكلام وأهله في المعاهد والجامعات والأكاديميات في هذا العصر بسبب ظروف سياسية واجتماعية وكذا، فدعوى مجردة كما هو واضح، والدعاوى إن لم تقم لها بينات فأصحابها أدعياء! كيف يكون الكلام مضيقا على أهله في "الدول العربية" (بهذا العموم)، وقد كان الكلام ولم يزل أساسا لتدريس العقيدة من عدة قرون خلت في أكثر الجامعات الشرعية الكبرى في بلاد المسلمين، وعلى رأسها الأزهر في مصر (نسأل الله أن يطهره من اعتقاد الأشاعرة ومن متون أهل الكلام)؟ وأي جامعات تلك التي صارت تتقصد تهميش الكلام والتضييق عليه حتى صار نسيا منسيا بعد أن كان معتمدا فيها كمنهج علمي قبل مئة سنة أو يزيد؟ إن كنت تقصد جامعات المملكة وبعض دول الخليج، فهذه الجامعات لم تنشأ على علم الكلام أصلا ولله الحمد والمنة، فلم يكن معتمدا فيها أولا ثم ضيق عليه حتى صار "نسيا منسيا"! بل المؤسف أشد الأسف أنه قد بدأت نبتة الكلام تضرب في بعضها بعد أن كانت منه في عافية ولا حول ولا قوة إلا بالله! وإن كنت تقصد جامعات العلوم الشرعية في غير المملكة ودول الخليج، فالعقيدة في عامة تلك الجامعات إنما هي علم من علوم الفلسفة، وعلى هذا الأساس تدرس، والكلام داخل في ذلك! وإن كنت تقصد جامعات العلوم الدنيوية فما شأن هذه بتدريس الكلام أصلا؟ فأنا لا أدري حقيقة على أي شيء يتباكى ذاك الدعي، والله المستعان!     

يتبع إن شاء الله تعالى ..

د. أبو الفداء ابن مسعود

غفر الله له

إرسال تعليق