الرد المتين على الأستاذ سعيد فودة في تفريقه بين الفلاسفة والمتكلمين (الجزء السادس)

ثم قال محررا ما يزعم أنه شرط المتكلمين في نظرهم: 

الفلاسفة، طائفة كبيرة منهم يقولون لا علاقة لنا بالدين من حيث هو دين، يعني نحن ننظر لا بشرط، ما هو النظر بشرط والنظر لا بشرط؟ سنعرف أن النظر بشرط عند المتكلمين، هو النظر بشرط عدم مصادمة مقطوع به أو معلوم من الدين بالضرورة. هذا هو الشرط الذي يجب على المتكلم أن يلتزم به عندما ينظر. يمكن أن يكون المعلوم من الدين بالضرورة محل إثبات ويمكن أن يكون منشأ للإثبات، لكن على كل الأحوال، لا يجوز للمتكلم أن يكون متكلما، لا يصح أن يكون الإنسان متكلما، يعني ناظرا بشرط، ثم يقدح وينقض هذا الشرط الذي هو الالتزام بما سماه الإمام التفتازاني والعضد الإيجي وعبد القاهر الجرجاني والإمام السمرقندي صاحب الصحائف الإلهية، ما سموه بقانون الإسلام. قانون الإسلام، ما هو قانون الإسلام؟ هو الالتزام وعدم مناقضة المعلوم من الدين بالضرورة. مجرد أن تقع هذه الكلمة على أسماعنا: المعلوم من الدين بالضرورة، يعني القطعيات. القطعيات من الدين. هذه الكلمة صارت نشاذا، لم يعد مسموحا لنا أن نتكلم بشيء في هذا العصر، صار من المستغرب أن يقال إن من الدين ما هو معلوم بالضرورة. أنه من الدين، لا أنه حق، هذه مسألة أخرى، مسألة أنه حق هذه مسألة أخرى، لكن لا يسمح لنا الآن أن نقول إن هناك أمرا نحن نعلم على سبيل اليقين إنه من الدين! مجرد هذا القول صار أمرا نشاذا! بل الأمر فيه نوع من النسبية، نوع من العندية: هذا عندك من الدين، عندي ليس من الدين! هذا عندك، في رؤيتك، في رؤيتي ليس من الدين! إذن لا ينبغي لك في أي مستوى من المستويات - هكذا يراد - هكذا هي المسيرة أو هكذا التيار السياسي والاجتماعي هذا هو المقصود حسب رؤيتي ونظرتي للصيرورة الاجتماعية والسياسية والدولية، هذا هو الغاية، المآل الذي يراد للمسلمين أن يؤولوا إليه! عدم القطع بأي شيء في الدين! تجويز الشيء وتجويز نقيض الشيء. لا يصح لك أن تقول إن هناك قطعيات من الدين! لأ! هناك قطعيات عندك، أما من الدين، لأ! الدين كما هو، بناء على التفريق الذي فرقه إيمانويل كانط بين الأمر في نفسه والأمر عندي، كما أراه، الأمر في نفسه، هذا الأمر في نفسه غير مقدور على استكناهه، غير مقدور على اختراق جوهره، وإدراك حقيقته. الأمر في نفسه هو الدين. أما الذي أستطيع أن أعرفه فهو ما أفهمه أنا من الدين. فهو في الحقيقة نوع من العندية. نوع من إيش، السفسطة. السفسطة أقسام، منها العندية، التي تسمى الآن النسبية: نسبية العلم، نسبية المعارف، نسبية الإدراك، نسبية أي شيء، الأيديولوجيا نسبية، لا يوجد هناك قطعيات. هذا السؤال محل إشكالية كبيرة جدا! هل هناك قطعيات؟ إذا عرفنا أن الاتجاه السائد الآن ينزع إلى محو القطعيات، في فهم الدين، سنعرف بالطبع، لماذا يرفضون بالتحديد، ولماذا ينزعون في الجامعات، في المعاهد، في المؤسسات والحكومات تيارات كثيرة جدا لا ترغب أن تسمع اسم علم الكلام! مجرد سماعه، توحي لهم بأننا نرجع إلى عصور سحيقة! بالعكس! أنا سأبرهن الآن بإذن الله سبحانه وتعالى، على أن منهجية علم الكلام هي في الحقيقة، وليس مجرد ادعاء كما يحلو للبعض أن يقول، هي المنهجية العلمية الصحيحة! آخر نظرة توصل إليها - كما يحلو لهم أن يقولوا - آخر نظرة توصل إليها علماء وباحثون في العلوم وفي فلسفة العلوم، هي النظرة التي ينبني عليها علم الكلام وليست النظرة التي تنبني عليها الفلسفة! 

قلت: ما من شيء أهون ولا أسهل على أي فيلسوف أن يزعم من أن مدرسته الفلسفية (أيا ما كان موضوعها) تقوم على قطعيات عقلية في أصلها ومبدئها الأول! وهذا بالضبط ما يدعيه صاحبنا بكل ثقة وبكل أريحية في علم الكلام، ثم ينطلق ليكلمنا عن حال العالم بعدما ساحت فيه القطعيات وأصبح الفلاسفة يدعون فيه إلى نسبية ما بعد الحداثة وكذا، ويشكو من كون علم الكلام محاربا في الجامعات والمعاهد (بزعمه) لأن قطعياته المزعومة ترجع بالناس إلى الوراء وكذا. وهذا الكلام قد ينطلي على من لا يدري حقيقة منهج الكلام وطريقته اليونانية السفسطائية، لكنه ولله الحمد لا ينطلي علينا ولا نغتر به! فإذا كان أصحاب الكلام يقولون إنهم ينتصرون لعقائد الدين وقانونهم الأول هو التزام كل معلوم من الدين بالضرورة وكل قطعي من قطعيات الملة، فلابد وأنهم هم الحرس الأمين والحصن المتين ضد أعداء الدين الذين يريدون إذابة قطعيات الدين حتى يصبح كل شيء فيه خاضعا للرأي والنظر، أليس كذلك؟ هذا ما قد يتوهمه السامع الجاهل لأول وهلة! ولكن واقع الأمر أن الدين لم تنقض عراه ولم تؤت رواسخه وقطعياته وضرورياته (على اصطلاح العلماء لا على اصطلاح أهل الكلام) كما أتيت من قبل المتكلمين ونظريات المتكلمين وتأويلات المتكلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله! ووالله ما أفسدت فرقة من الفرق المتوعدة بالنار من أهل القبلة في دين العامة معشار ما أفسده المتكلمون على اختلاف طوائفهم ونحلهم! ولو أنك أردت أن تحصي الفرق البدعية في تاريخ هذه الأمة لوجدتها ترجع كلها، فيما عدا الأصل الأول للشيعة الرافضة والأصل الأول للخوارج، إلى ذلك المنهج البدعي الفاسد الذي قام عليه علم الكلام! وهذه حقيقة تاريخية لا أحسب أن صاحبنا يماري فيها! وإلا فإلى أي صنعة كان ينتمي المعتزلة القدرية، إن لم يكن إلى صنعة الكلام؟ 

وأقول إن إفساد المتكلم لعقائد المسلمين أعظم من إفساد الفيلسوف، لأن الفيلسوف يصرح بأقوال تناقض علم العامة بكلام لا يخفى عليهم بطلانه ومصادمته لقطعي الدين غالبا! وأما المتكلم فيرد عليه - فيما يظهر للعامة – على أنه عالم من علماء الشريعة (غالبا)، بكلام يعده العامي الجاهل هو الجواب الحق والرد الدامغ والعلم الرصين، ولا يظهر له في الأعم الأغلب وجه مصادمته هو نفسه لقطعيات الملة وثوابت الاعتقاد من جهة أخرى! فعندما يخرج أمثال ابن سينا مثلا بالقول بقدم العالم، ثم يعرض كلامه على العامة، فكل من سبق منه أن قرأ القرآن يوما من الدهر سيرد قوله وينفر منه وينفيه نفيا مجملا، من غير أن يتكلف الدخول في تفصيله ولجاجته! ولكن عندما يعرض العامي لكلام الغزالي - مثلا - في الرد عليه، فسيستحسنه - غالبا - وستدخل نظريات الغزالي وتأويلاته إليه مدخل الجواب التفصيلي الحاسم والقول الفصل الذي به يظهر أمر الدين وينتصر للاعتقاد الصحيح، مع أن فيه من وجوه الفساد والبطلان ومصادمة الاعتقاد السلفي الصحيح (في نفس الأمر) ما فيه، سواء من جهة المنهج الكلي أو من جهة آحاد وأفراد العقائد والأقوال التي تفرعت على ذلك الجواب ولزمت منه! ولهذا كان المتكلمة ولا يزالون أعظم فتنة وأعظم تابعا في أهل القبلة من الفلاسفة وأحظى بتأسيس الفرق الاعتقادية الضالة أشكالا وألوانا كما لا أحسب أن يخالفني فيه فودة أو غيره من أشاعرة العصر! فإن فرقته الكلامية نفسها التي ينتمي هو إليها (الأشاعرة) ما ظهرت – تاريخيا - إلا كرد فعل لفرقة كلامية أخرى كما هو معلوم! كل هذا إن دلك على شيء، فإنما يؤكد ما بيناه آنفا من كون صنعة "علم الكلام" (من حيث هي صنعة نظرية) سببا في الضلالات والانحرافات الاعتقادية أشكالا وألوانا وفي تضييع القطعيات الدينية وتذويبها وتبديلها على التحقيق، وليس طريقا إلى حفظها والانتصار لها كما يريد صاحبنا أن يقنع العامة من أتباعه! 

ومن تناقض القوم في منهجهم النظري الكلي أنك تراهم يطرحون تلك القطعيات السمعية للنظر العقلي (مع ما يستتبعه ذلك من تأويلات بدعية للنصوص)، ثم إذا وقع بينهم الاختلاف عليها – كما هو واقع لا محالة من أثر دوران النظر وتقلب الرأي! – رأيتهم يكفر بعضهم بعضا ويفسق بعضهم بعضا، ويتهمه بجحد الضروريات! فكأن أحدهم يقول لمخالفه من أهل الصنعة نفسها (علم الكلام): "لك حرية النظر كما نظرنا إن شئت، ولكن اعلم أنك إن أداك نظرك إلى خلاف ما أوصلنا إليه نظرنا فأنت عندنا كافر مرتد حلال الدم والمال"! فبالله كيف أجزتم لأنفسكم – من الأساس – النظر فيما لا متسع فيه للنظر في دين المسلمين، ثم منعتم غيركم من مخالفتكم فيه؟ النظر إنما يطلب فيما يُتصور خفاؤه من أنواع المسائل، والفرض أن تلك القضايا "قطعية" بل قد تكون من ضروريات الملة، فإلى أي شيء يفضي النظر القياسي الشمولي الفلسفي المتراكم عندكم (بداية من براهين الحدوث ووصولا إلى آحاد تلك العقائد "القطعية" ذات الصلة) إن لم يكن إلى ورود الرأي والرأي المخالف بل ودخول تكافؤ الأدلة والأقيسة، أو على الأقل تقاربها واشتباهها، على نظر الناظر في أصل ملته؟ وإذا كان ذلك كذلك، وكانت كافة المسائل عندكم راجعة إلى ذلك الصنف من النظر، الذي تصبح ثمرته هي أساس التأويل وفهم النص لديكم، فما وجه القطعية والضرورية عندكم أصلا في أي اعتقاد من عقائدكم على التحقيق؟ 

هذا التخبط إنما جاء من أثر تلبسهم بالطريقة الجدلية السفسطائية كما بينا! ففي الوقت الذي يريدون فيه إظهار موافقة الفلاسفة في فتحهم كل شيء للنظر والرأي والجدال الفلسفي، ويجتهدون في تأسيس البراهين الفلسفية المنمقة لأصول دينهم على طريقة فلاسفة العصر حتى لا يتهمهم الفلاسفة بالتقليد في الإيمان وضيق العطن وخفة العقل وقلة العلم وكذا، تراهم في نفس الوقت يتهيبون من ثمرة إظهار مخالفة أئمة السلف رضي الله عنهم في نسبة القطع الجازم والصارم المنتهي إلى قضايا الاعتقاد المستمدة عند أولئك الأئمة من الكتاب والسنة على فهم الصحابة رضوان الله عليهم، ومن ثم مخالفتهم في مبدأ تبديع "أهل الأهواء" أو تكفيرهم! لذا لا تجد عندهم حدا منضبطا (على الحقيقة) يفرقون به بين ما هو قطعي وما هو نظري من الأقوال، وبين الضرورة وما دونها من أنواع المعارف، إلا ما تقتضيه مجاري الجدال والخصومة بينهم وبين مخالفيهم في النظر والقياس، سواء من الفلاسفة أو من المتكلمين! 

ولست أعني بهذا أنك لن تجد في مصنفات أئمتهم وسادتهم الكبار بسطا واسعا في التفريق بين البدهي والضروري ومراتبه وأنواعه والتفريق بينهما وبين المسلمات الجدلية ونحو ذلك، فهذا موجود ولا شك، وفيه عندهم من التنطع والتعمق المذموم ما يفاخرون به بين الفلاسفة! وأقول التنطع لأن العاقل سوي النفس لا يحتاج إلى من يعرفه بصفات تلك الدعاوى التي إذا سمعها جزم بأنها بدهية صحيحة بنفسها لا تلجئة للنظر، أو إلى من يصنفها له حتى يمتاز نوعها عن خلافه في علمه! لا أحتاج إلى من يعرفني إن هذه الدعوى أو تلك بديهية فطرية، حتى أراها كذلك إذا سمعتها وفهمتها على ما هي عليه! ولكن قد جرت طريقة الفلاسفة من أيام مدرسة اليونان على تكلف ذلك العبث بالنظر وأدواته، فتكلفه القوم وتعمقوا وأبدعوا فيه تبعا! بل إنك تجد في كتبهم التصريح بإرجاع البداهة إلى أصل الوجود الإنساني وطبيعة العقل نفسه من حيث هو عقل، وتجد عندهم اشتراط سلامة الفطرة والغريزة العقلية في الإنسان حتى يرى البدهي بدهيا والواضح واضحا! فلسنا نقصد عندما نرميهم بنفي الفطرة أنهم ينفون الغريزة العقلية بإطلاق! وإنما نقصد أنهم يقصرون الفطرة والجلبة المعرفية المركبة في نفس الإنسان على آلات بناء المعرفة واكتسابها، دون أن يجعلوا من آحاد الدعاوى المعرفية ما هو مركب تركيبا فطريا في نفس الإنسان ابتداءً، يعرفه الإنسان بمجرد أن يعقل من غيرما اكتساب بصورة من الصور! ولهم في ذلك شبهة مشهورة يتأولون فيها قوله تعالى ((وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً)) الآية [النحل : 78]، وهي شبهة مردودة بآية ميثاق الذر وحديث "يولد على الفطرة" كما ذكره أهل العلم! وما ألجأهم لذلك النفي المتنطع ولإخراج بعض أنواع المعارف البديهية من مسمى الفطرة إلا ما نزعم أنهم تلبسوا به من مبدأ السفسطة اليوناني في تجويز السؤال والنظر على قضايا معينة يثقل على نفس الفيلسوف المكابر أن يسلم بها كحدوث العالم ووجود الباري، تلك القضايا التي نزعم نحن أنها تكون معلومة للإنسان بمجرد أن يحصل لديه التمييز والعقل، فيعرفها الصبي الصغير وينكرها الفيلسوف الكبير، والله المستعان! 

فكما أن الإنسان يجد نفسه عليما بأن الواحد نصف الاثنين (وهي من البدهيات الأولى عند المتكلمين)، شاهدا بهذه الحقيقة مقرا بها إذا سمعها دون بحث أو نظر، بمجرد أن يميز معنى كلمة "واحد" ومعنى كلمة "نصف" ومعنى كلمة "اثنين" عند السماع، فكذلك الشأن في علمه بأنه مخلوق مربوب، هو وجميع ما في هذا العالم من حوله، وأن ربه وخالقه مستحق لصفات الكمال كافة، منزه عن النقائص كافة، ومستحق لألا يشرك معه أحد من خلقه في العبادة! هذا نعلم صحته كذلك بمجرد أن نفهم معاني تلك الكلمات في اللغة عند سماعها، وهو معلوم عندنا بمقتضى ميثاق الذرّ الي أخذه الله علينا من قبل أن يصورنا في بطون أمهاتنا كما هو ثابت في السنة! فإذا ما بعث الله الرسل إلى الناس، قامت عليهم الحجة الرسالية بمجرد السماع وفهم الخطاب بألسنتهم، واستحقوا العذاب وانتفى عنهم العذر إن كذبوا أو أعرضوا، لأنهم يعلمون بالبداهة أن ربهم ما كان ليدعوهم إلى غير ملة التوحيد الخالص، وما كان ليصف نفسه بغير صفات الكمال الواجبة له، كما جاء به الأنبياء والمرسلون في وصفه جل وعلا! فمن رحمة الله تعالى وفضله أن جعل العذاب الأخروي مشروطا ببلوغ الحجة الرسالية ((وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)) الآية [الإسراء : 15] فلا يعذب الكافر مهما كان معاندا لفطرته وبداهة عقله حتى تبلغه الرسالة بلسانه الذي يفهمه. فإذا ما كذب أو أعرض أو ادعى الاشتباه والخفاء عليه بعد السماع، فإنما يكون ذلك من مرض قلبه ومن الأهواء الصارفة عن قبول الحق الواضح، لا لأن الحق غير واضح في نفسه أو لأنه يحتاج إلى ما يقربه للأذهان ويوضحه ويزيل عنه اللبس والإشكال حتى يظهر أنه الحق! وإنما تأتي المعجزات على أيدي المرسلين إلزاما بمزيد من الحجج، بحيث إذا ما اجتمعت تلك الآيات إلى الفطرة القاضية بصحة دعوى الرسول في نفوس المخاطبين، بلغت الحجة الرسالية بذلك مبلغا يوجب مزيدا من العقوبة في حق المكذب إذا أصر على التكذيب! ((رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً)) [النساء : 165] ولكن لأن أهل الكلام تابعوا الفلاسفة على نفي المعرفة الفطرية، كانت المعجزات عندهم هي عمود الحجة الرسالية الذي لا تقوم إلا به. 

فمدار الحجة الرسالية عندهم على المعجزات الحسية وحدها، وليس على بديهية وفطرية المعنى الذي جاءت رسالة التوحيد لدعوة الناس إليه! مع أن أصل موضوع الرسالة هو ما به يفترق النبي الصادق من الساحر والدجال، وبه تمتاز معجزات المرسلين إذا ظهرت من خوارق الشياطين! 

ولهذا قالت المعتزلة إن مجرد كون الفعل خارقا للعادة هو الآية على صدق الرسول، واستدلوا لذلك بقوله عليه السلام "ما من نبي من الأنبياء إلا أعطي من الآيات ما على مثله آمن البشر"، فزعموا أن المراد بالآيات هو الخوارق الحسية وحدها، مع أن أعظم آيات النبي والرسول إنما هو جلاء وبداهة موضوع الرسالة نفسه الذي بعثه به ربه، وهو أساس الحجية وقاعدتها العقلية التي لا تقوم إلا عليها! فالمعجزة في الحقيقة لا تكون آية إذا ظهرت إلا بمواطأة دعوى صاحبها لما في الفطرة، ودلالة المعرفة الجبلية المركبة في الفطرة على أنه صادق في موضوع دعوته ولابد! تعرف أولا بفطرتك أن ما جاء به من الدين هو الحق في نفس الأمر (معنى التوحيد المضاد للشرك)، فتجد – إن سلمت نفسك من الأهواء – ما يحملك حملا على الخروج من دين الشرك والدخول في دينه، فإذا انضاف إلى ذلك علمك بخصاله وشمائله وبما أجراه الله على يديه من الخوارق، ازددت إيمانا وتصديقا بأن الله قد أرسله كما زعم. ولكن هم لم يبقوا في الفطرة شيئا يدل على أن معنى التوحيد هو الحق خلافا للشرك، بل أوجبوا النظر من أجل ذلك، لأنهم ارتضوا من الفلاسفة طريقتهم في طرح جميع البديهيات للنظر العقلي، لذا لم يبق لهم إلا التعلق بالمعجزات! 

ولهذا لم يجد المعتزلة إلا أن يمنعوا من وقوع الخوارق لغير الرسل البتة، فأنكروا الكرامات وأنكروا من تأثير السحر كل ما سوى التخييل، فلا تخرق العادة عندهم إلا لنبي! مع أن انخرام العادة أمر نسبي أصلا، فما يعتاده قوم قد لا يعتاده غيرهم، وهذا مشاهد معلوم، وإذن فلا ينضبط كما بينه شيخ الإسلام رحمه الله في "النبوات"! قال القاضي عبد الجبار المعتزلي: "إنّ العادة لا تُخرق إلا عند إرسال الرسل، ولا تخرق لغير هذا الوجه؛ لأنّ خرقها لغير هذا الوجه يكون بمنزلة العبث" (المغني في أبواب التوحيد والعدل). فلماذا جعله عبثا؟ لأنه لا تعرف نبوة النبي عنده إلا بخرق العادة على يديه! والأشاعرة، على عادتهم، أرادوا موافقة أهل السنة في إثبات هذه المنفيات كلها، ولكن لما لم يجدوا أن يردوا على المعتزلة إلا بنفس الأصول الفلسفية التي انطلقوا هم منها في مبدأ النظر، أثبتوا الخوارق لغير الأنبياء، ولكن اشترطوا في التفريق بين النوعين أن يكون الخارق مقترنا بادعاء النبوة، وبالتحدي أن يأتوا بمثله فلا يقدرون، مع السلامة من المعارضة، حتى يصح أن يستدل به على صدق النبوة! فما وجه السلامة من المعارضة إن لم يكن في الفطرة معرفة تمنع من ورورد المعارض على أصل دعوى التوحيد التي يزعم النبي أنه جاء بها من عند الله؟؟ مجرد اشتراط النظر من أجل إثبات وجود الباري ووحدانيته في العقل، يهدم عليكم شرطكم في حجية المعجزة ودلالتها على النبوة، لأن فتح باب النظر يورد المعارض ضرورة! فإذا جاء رجل بخارق من الخوارق، وادعى النبوة، وكان يدعو إلى التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، كما دعا إليه محمد صلى الله عليه وسلم، وعورض بأنه ليس بين يديه براهين عقلية تكفي لإثبات حدوث العالم، ولترجيح وجود الباري على عدمه، لزمكم أنتم والمعتزلة وجميع أهل الكلام أن تسقطوا حجته مهما جرى بين يديه من الخوارق والمعجزات! أنتم تجعلونها خوارق ولكن يلزمكم التشكيك في نسبتها إلى نبي وتجويز أن تكون من شيطان أو ساحر أو كاهن، والمعتزلة يكذبون في أصل خرقها للعادة ويزعمون أن الذي جرى لم يكن خارقا أصلا!

وبسبب الإجمال الظاهر في مسألة "عدم المعارضة" هذه، كان مما رد به شيخ الإسلام رحمه الله في "النبوات" على تعريف الأشاعرة للمعجزة أن كثيرا من الكذابين أتوا بخوارق وادعوا النبوة ولم يعارضوا، أي لم يقع بين أيدي أتباعهم من يعارضهم فيما زعموا، كالأسود العنسي ومسيلمة والحارث الدمشقي ومكحول الحلبي وبابا الرومي وغيرهم! وهم، أي الأشاعرة، يزعمون أن الله لابد أن يمنع من اجتماع تلك الثلاثة (الكذب في دعوى النبوة، وظهور الخارق المعجز، وعدم المعارضة) حتى لا يجد الناس أنفسهم مضطرين للقبول والتصديق لا لشيء إلا لأنهم قد رأوا خارقا يقع على يد كذاب يدعي النبوة! فإن لم يجعلوا عدم المعارضة هنا بمعنى وجود المعرفة الفطرية البديهية التي لا تجيز ورود المعارض على موضوع الدعوى التي يبعث الله بها رسله، وتوجبه على كل من يأتي بخلافها بلا نظر ولا استدلال (وهو ما يسقط به موضوع علم الكلام نفسه كما ترى)، لزمهم أن يصبح المرؤ محجوجا بخوارق هؤلاء إذا رآها، مضطرا لقبول دعاواهم، مهما كانوا يدعون الناس إلى الشرك والوثنية! 

ولهذا لا يأمن المتكلم على نفسه من فتنة المسيح الدجال في آخر الزمان، نسأل الله السلامة!       

يتبع إن شاء الله تعالى

د. أبو الفداء ابن مسعود

عفا الله عنه


إرسال تعليق