تعطيل صفات الباري تحت ميتافيزيقا "الزمان النسباني والكمومي"!!







التعليق على بحث جديد للدكتور باسل الطائي

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله.

أما بعد، فقد نشر الدكتور باسل الطائي مؤخرا بحثا جديدا في دورية من دوريات الفيزياء بعنوان

Time and Quantum Clocks: A Review of Recent Developments

قدم له في صفحته على الفيس بوك بمنشور قال فيه:

الزمن في الكون المغلق

"جاءت نظرية النسبية التي اكتشفها ألبرت أينشتاين بمفاهيم جديدة للزمن أهمها: إن الزمن معيار نسبي لقياس التغيًر وليس معياراً مطلقاً، وإن هذا المعيار يعتمد على الحالة الحركية للمشاهد وإنه يمكن أن يتمطى فتطول وحدات الزمن. لكن لعل أهم ما جاءت به نظرية النسبية العامة هو أن (القَبل) و (البَعد) أمور نسبية فليس من (قَبل) مطلق وليس من (بَعد) مطلق فهي نسبية مثل (الفوق) و (التحت). وإن الزمان ينبغي معاملته مثل المكان على صعيد واحد. وتقول النسبية العامة أيضاً بأن الكون بجملته كيان مغلق ليس له خارج والخارج هو سطحه."

قلت: دعونا أولا نبدأ في الجواب عن هذا الكلام بسؤال الدكتور: أحقا تصدق يا دكتور، أن هذا الكلام الذي حررته، هو حقائق علمية تجريبية Empirical Facts أو حتى نظريات تجريبية Empirical Theories، بمعنى أن الدعوى التي جاء بها صاحب النظرية، تقبل، من حيث المبدأ العقلي، الإثبات والنفي، أو التأكيد والتضعيف، من طريق التجريب والحس؟؟ إن قلت نعم أصدق ذلك وأقول به، كما هو المتوقع، وكما يدل عليه قولك في النسبية "التي اكتشفها ألبرت أينشتاين"، فلا أملك إلا أن أرميك بالتقليد المحض في فلسفة الفيزياء! وهذه في الحقيقة مسألة مهمة للغاية وتحتاج إلى تجريد النفس من الهوى حتى يتبين وجهها للمشتغلين بالفيزياء العصرية، لا سيما الأستاذة الكبار منهم أمثال الدكتور باسل الطائي! وذلك أنهم يتترسون بمسألة دقة التخصص وصعوبة الآلة الرياضية المستعملة في صياغة معادلات المجال في النسبية العامة، في صد كل من ينقدهم من خارج دائرة التخصص الأكاديمي الدقيق! فيقال ما حاصله: لا يملك النقد على الأستروفيزيائيين في شيء من نظرياتهم، إلا من كان أستروفيزيائيا متخصصا كتخصصهم. فالواجب على جميع الخلق أن يقلدوهم فيما يقولون، وإن كان من أبطل الباطل، لا لشيء إلا لأنهم لم يدرسوا الرياضيات المتقدمة التي تكتب بها معادلات النسبية العامة!! وهذا في الحقيقة كلام فاسد وغير مقبول بحال من الأحوال! والدكتور باسل مشهور بتقديمه بين يدي الرد على كل من ينتقده في شيء مما ينشر، كما صنع مع سعيد فودة وغيره، والله المستعان!!

فالعبرة في قبول النقد أو رده عند العقلاء، بالدليل والحجة، لا بالتخصص الأكاديمي الدقيق! والحقيقة التي يغفل عنها كثير من الفيزيائيين أو يصرون على تغافلها، أن نظرياتهم وإن كانت تستعمل الآلة الرياضية ولغة الرياضيات في العبارة عن أفكار أصحابها وأقيستهم وفي نمذجة وتمثيل النظاميات السببية المطردة في طبائع المواد المعتادة، إلا أن هذا لا يكسب تلك الأفكار والدعاوى الكلية والأقيسة التمثيلية العصمة من التلبس بالفساد العقلي والمغالطة! أي لا يمتنع عقلا أن تكون النظرية منطوية على مقدمات فلسفية فاسدة، ومع هذا تؤسس عليها تلك النماذج والتمثيلات الرياضية المعقدة بالغة الدقة، المتناسقة داخليا فيما بينها، وتظل المعادلات، مع ذلك، موافقة للواقع المحسوس في عامة تطبيقاتها، مع أن في أساس التصور التمثيلي الذي تقوم عليه مغالطات عقلية ودعاوى أنطولوجية (وجودية) لا يصح اعتقاد مطابقتها للواقع في نفس الأمر!! وأظهر مثال على ذلك، فيما يحلو لي أن أمثل به في هذه المسألة: معادلات الجاذبية عند نيوتن. فالفيزيائيون اليوم لا يوافقون نيوتن في التصور الأنطولوجي الذي افترضه الرجل وعليه أسس قياسه وتمثيله الميكانيكي للعلاقة بين كل جرمين لهما كتلة ما وبينهما مسافة ما! أي لا يوافقونه في اعتقاده بشأن حقيقة الجاذبية وما الذي يجري فيما وراء الحس حتى يكون المحسوس منها على ما نراه عليه! أنت يا دكتور باسل لا تقول بأنطولوجيا نيوتن في حقيقة الجاذبية وسببها وجوديا! ومع هذا، لا تمانع من استعمال معادلاته المبنية عنده على هذه الأنطولوجيا في تتبع مسارات الأقمار الصناعية والأجرام السماوية، كما يجري عليه عمل الفيزيائيين والفلكيين في وكالات الفضاء كل يوم، بل لعلك لا تجد عنها بديلا، بالنظر إلى صعوبة معادلات أينشتاين وإلجائها الفيزيائيين إلى استنباط "حلول" خطية Deriving Linear Solutions لمعادلة المجال، من أجل أن يتمكنوا من دراسة كل حالة بحسبها!

فلماذا تابعت الفيزيائيين المعاصرين في نبذهم ميتافيزيقا نيوتن (وهذا هو اسمها في الاصطلاح الفلسفي، ميتافيزيقا أو تصور أنطولوجي وجودي لما وراء المحسوس) وتقديم ميتافيزيقا أينشتاين عليها، مع أنه ليس في المشاهدات ما يُنتصر به لإحداهما على الأخرى إلا بالتأويل المستمد من نفس النظرية المراد الانتصار لها، ومع أنك ما زلت ترى النفع العملي Instrumental Utility في معادلات نيوتن، وما زلت تتكلم أحيانا بلغة القوة الخطية الإقليدية التي تكلم بها نيوتن؟؟ أي لماذا سلمت لأينشتاين بصحة زعمه فيما يتعلق بحقيقة الزمان والمكان وجوديا، ومعهما حقيقة ما يقال له "جاذبية" وجوديا، مع أن أينشتاين لم يثبت في الحقيقة بطلان أنطولوجيا نيوتن في نفس الأمر، ولا فساد المعادلات التي أسسها عليها نيوتن في ميكانيكاه؟؟ ألمجرد أن حظيت النسبيتان بجملتهما، بالقبول الأكاديمي العام في هذا العصر، فرفعها الناس فوق ميكانيكا نيوتن؟

القضية أدق من هذا كما هو واضح، وليس الباب فيها على طرفين: القبول التام للنظرية بجميع ما فيها والرد التام للنظرية بجميع ما فيها!! النسبية الخاصة ليست "اكتشافا" بهذا اللفظ الذي عبرت به! وإنما هي قياس ذهني بدعه أينشتاين في الأصل من أجل أن يتأول به ما هو مشاهد معتاد من خصائص شعاع الضوء وانبعاثه وما يتعلق به من ظواهر كهرومغناطيسية ذات صلة، في إطار مبدأ النسبانية الغاليلية القديم فيما يتعلق بميكانيكا الأجسام المحمولة في أطر قصورية أو غير قصورية، إذ صور حقيقة الزمان والمكان على أنهما عنصران وجوديان في محاور إقليدية تتمدد وتنكمش بتأثير حركة الأجسام في إطارها، لمصلحة أن تبقى سرعة الضوء ثابتة مطلقا بصرف النظر عن حركة أي متحرك! ولأن معادلات لورنتز في التحويل الإحداثي يمكن تأويلها، على ما هي عليه، تبعا لميتافيزيقا أينشتاين الجديدة هذه، لم يجد الرجل غضاضة في استيعابها في نظريته كما هي، مع تغيير معنى الزمان ومعنى المكان وحقيقة التمدد والانكماش وكذا، فيزيائيا، عما كان يعتقده لورنتز صاحب المعادلات! فالجديد عند أينشتاين في النسبية الخاصة لم يكن إلا الاختراع الميتافيزيقي الذي اخترعه في تعريف كل من الزمان والمكان في الحقيقة، وأجرى عليه جميع المعادلات! ولا شك أنه يستوي في ميزان الحس، أي فيما يقبله المحسوس من تأويل، أن يقال: إن سرعة شعاع الضوء تشاهد بالمقدار (س) في كل إطار قصوري بصرف النظر عن سرعة حركة نفس الإطار، بسبب أن الأثير ينكمش فيزيائيا ومعه جسيمات المادة تحت تأثير حركة الإطار وفي اتجاه الحركة، بأن يقال إن سبب ذلك هو أن الزمان عنصر وجودي في الإطار الإسنادي الإقليدي الوجودي أيضا، يتراخى ويتمدد تحت تأثير حركة الإطار، بما يبقى السرعة المشاهدة على المقدار (س) على كل حال! فلا مستند في مجرد المشاهدة، مهما شاهدنا، في الترجيح بين أنطولوجيا لورنتز وأنطولوجيا أينشتاين في تعريفهما للزمان والمكان وتصورهما الوجودي لهما!

وكذلك النسبية العامة ليست "اكتشافا" وإنما هي إجمالا، تصوير أو تفسير مفترض لظاهرة التجاذب بين الأجسام على أنها تأثير ذلك الخليط الوجودي الذي زعمه أينشتاين لكل من الزمان والمكان معا، على حركة الأجسام الموصوفة بالكتلة! فالذي اكتشف في الحقيقة إنما هو جواز تأويل المشاهدات التي تنبأ بها أينشتاين، على ما تأولها به أينشتاين (على التسليم بمعقولية التصور النسباني للزمان والمكان معا). وإلا فأصل النظرية تمثيل وقياس ميتافيزيقي على نفس طريقة فلاسفة اليونان القدماء التي لا يتعرض لها الدكتور الطائي إلا سخر منها وسفهها، وزعم أن "العلم الحديث" قد أغنانا عنها وجاء بالعلم النهائي الذي لا مزيد عليه ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه!

فآفة الفيزيائيين المعاصرين تأتي من ذلك التعامل السطحي الساذج مع الأصول الفلسفية الأولى التي تقوم عليها نظريات كبرائهم ومعظميهم، التي يرجع بعضها إلى تأسيس الأكاديمية الغربية نفسها في عصر ما قبل سقراط، ويرجع بعضها الآخر إلى عصر النهضة الأوروبية الذي دمجت فيه الطريقة التجريبية الصحيحة (استقراء العادة) بالطريقة اليونانية القديمة في توليد الفروض والأقيسة الميتافيزيقية الكونية دمجا لا ينتبه إلى فساده أكثر المشتغلين بفلسفة الفيزياء، دع عند الفيزيائيين المتخصصين! وقد كان أينشتاين نفسه يشكو من تلك السطحية عند كثير من تلامذته، ويحثهم على تعلم فلسفة العلوم وعلى أن يكون لهم فيها مذهب محرر، إن أرادوا أن يتحلوا بعقلية متحررة من تقليد السابقين، ومؤذنة بالتجديد كما فعل هو نفسه. وسبب تلك الآفة في الحقيقة (التقليد المحض في الأصول الفلسفية التي تقوم عليها النظريات الأساسية عند الفيزيائيين المعاصرين)، سبب سوسيولوجي صرف عند التدبر! وهو نفس السبب الذي لأجله أصبح كثير من الكتاب في أدبيات الفيزياء العصرية وتبسيط العلوم ونحو ذلك، يرون أنه قد بات من غير المتصور أن تظهر ثورة علمية جديدة في علم الفيزياء Scientific Revolution على غرار ثورتي نيوتن وأينشتاين، على الرغم من شدة رغبة كبار الفيزيائيين اليوم في ذلك وطموحهم إليه! ذلك أن جملة المؤلفات التي احتاج نيوتن لأن يطلع عليها حتى يتمكن من وضع تصور نظري جديد تلتئم معه جميع معطيات عصره في إطار تصوره الجديد، أقل بكثير مما احتاج أينشتاين لأن يقف عليه ويلم به، وهو ما لا يبلغ، مجتمعا، معشار ما يحتاج، أو يظن فيزيائيو العصر أنهم يحتاجون لأن يلموا به قبل أن يطمئنوا لصلاحية القياس الميتافيزيقي الجديد الذي قد يطمعون في إحلاله محل قياس أينشتاين! وأهم من هذا، ظاهرة التشعب والتفرع الأكاديمي، وهو اضطرار الأكاديمية الواحدة إلى أن تصبح أكاديميتين تخصصيتين مستقلتين، ثم انشقاق كل واحدة منهما انشطاريا إلى قسمين علميين منفصلين أو ثلاثة أو أكثر Departmentalization، ثم تفرع التخصصات الفرعية الأدق ثم الأدق، وغرق كل تخصص في إشكالاته الدقيقة وسجالات أصحابه في تصميم التجارب وتوليد النتائج، وتعديل أذرع دقيقة وفروع من فروع من فروع من أصل النظرية الكبرى التي تشعبت تحتها جميع تلك المجالات الدقيقة!! فعندما ترى معادلات النظرية تعمل وتفيد بالمطلوب تطبيقيا في كل مرة، وترى الأكاديميات تتفرع وتتشعب عليها، والتجارب تؤول كلها بما يوافقها ويتناسق معها، وترى العلم كله جاريا على اعتمادها والتسليم بصحتها، فمن البعيد للغاية في حقك، وقد تربيت عليها كما تربى غيرك، أن تجد سببا أو باعثا للرقي فوق تلك الفرعيات كلها وتجاوزها بنظرك وتأملك إلى الأصول الفلسفية التي سلم القوم بها تسليما من مبدأ الأمر، تعرض ذلك على ميزان النقد والمراجعة! لا سيما إن صرت في المجال رأسا من الرؤوس وأستاذا من الأساتذة المعظمين فيه، والله المستعان. ولهذا يصعب جدا على عامة البيولوجيين الغربيين، وإن لم يكونوا ملاحدة طبائعيين، أن يقبلوا فكرة أن تكون نظرية داروين باطلة جملة وتفصيلا، من مبدأ الطرح! كيف وقد تأسس عليها (أي على تصورها الأنطولوجي والميتافيزيقي لأصول الأنواع الحية) علم البيولوجيا الحديث كله من أسفله إلى أعلاه؟؟ إذا تصورت هذا، لم تعجب إذا رأيت أكثر البيولوجيين الأكاديميين الغربيين المعاصرين نشاطا في الرد على نقاد نظرية داروين: كينيث ميلر البيولوجي الأمريكي النصراني الكاثوليكي!!

والقصد، وخروجا من الاستطراد الذي طال بنا ونحن ما زلنا نعلق على أول فقرة في كلام الدكتور، أن قوله "جاءت نظرية النسبية التي اكتشفها ألبرت أينشتاين بمفاهيم جديدة للزمن" يدلك على هذه السطحية التي يعاني منها القوم! إذ حقيقة الأمر أن أينشتاين طور نظرية النسبية Developed the theory بما أدخله من تعديل فلسفي صرف على التصور الميتافيزيقي لحقيقة الزمان والمكان معا، ولحقيقة الجاذبية ولحقيقة السرعة النسبية فيما اختص به الضوء عن غيره من المتحركات، وفي حقيقة ما يقال له الإطار الإسنادي والإطار القصوري وغير القصوري، لا أنه "اكتشف" Discovered النظرية!! والتفريق في هذا المقام من الأهمية بمكان، لأن عامة الفيزيائيين، لا سيما في الخمسين عاما الأخيرة، قد باتوا يعاملون ميتافيزيقا النسبيتين معاملة الوحي المنزل، أو معاملة الحقيقة المنصرمة التي اكتشفت أخيرا وشوهدت مشاهدة صريحة لا مدخل فيها للتأويل! وأعني بميتافيزيقا النسبيتين: تلك الجوانب من النظرية التي تطلق فيها التعاريف والدعاوى القياسية الكلية بشأن حقائق تلك الأمور التي ذكرناها آنفا! فهذه ونحوها وإن كانت الأكاديمية الغربية قد درجت على معاملتها معاملة النظر الفيزيائي أو الفيزيقي، إلا أنها في حقيقتها مزاعم ونظريات ميتافيزيقية صرفة! وقد كانت من صميم وظيفة الفيلسوف المتخصص في الميتافيزيقا حتى نزل سيف الفصل الأكاديمي الصارم بين الفيزيقي والميتافيزيقي، فصار يقال للأول "فيزيائي" أو "عالم فيزياء" Scientist وللثاني فيلسوف Philosopher! ثم بقليل من الجهد من أقلام الفلاسفة المتحمسين للطريقة التجريبية في القرنين الأخيرين، حقر دور من يقال له "الفيلسوف" في الفيزياء، ولم يبق تحت اسم العلم Science إلا من يقال له "العالم الفيزيائي" Physicist وإن كان من أغرق الخلق في التقليد الأعمى لأصول فلسفية لا يدري أولها من آخرها ولا مبدأها من منتهاها، ولا يتنبه ولا يقبل أن ينبه لمقتضياتها العقلية والعقدية، لأنه أصلا لا يقبل أن يخاطبه فيها أحد من غير أقرانه "الفيزيائيين"!! فالنظرية لا تكتشف من حيث الأصل، وإنما تفترض افتراضا، وهذا من أبجديات العلوم النظرية كافة! ولكن هذه النظريات، يدخلها المشاهدات والنظاميات الطبيعية المطردة، وتستعمل فيها الرياضيات في محاكاة تلك النظاميات على أدق ما يكون، فما مبلغ الاكتشاف فيها وما مبلغ الاختراع والتمثيل التوهمي، وهما متداخلان فيها بالضرورة؟؟ هذا مما أزعم أنه لا يجوز لمثل الدكتور ألا يحرر لنفسه مذهبا فيه، لأن الناس تقصده من أجل أن تتعلم منه ما العالم وما فيه وما حقيقة ما تشهده حواسنا وتجري عليه عادتنا! فإن لم يكن مثله ضابطا لحدود النظر الرياضي والتمثيل الهندسي وحدود الدعوى الوجودية والإطلاق القياسي في الحكم على ما في الأعيان، ومتنبها غاية التنبه بما يسلم به من الوقوع في مغالطة الخلط بين ما في الأذهان وما في الأعيان، فإنه سيضل الناس من حيث يحسب أنه يهديهم إلى العلم والمعرفة الصحيحة! ولو كان الإضلال غايته أن يكون إفسادا لمعرفة الناس بشأن بعض الطبائع في بعض المواد وما شاكل ذلك، لهان الخطب، ولما وجدنا ما يدعونا لرفع هذه الراية التي رفعناها في كتبنا ومحاضراتنا، ولكن آفة الأمر أيها الإخوة الكرام، أنه باب عظيم للزندقة والإفساد في الدين والاعتقاد، بالنظر إلى الطريقة اليونانية الفاسدة في إطلاق النظر، التي كانت ولم تزل هي طريقة الأكاديمية الغربية في الفرض والتنظير والقياس إلى يوم الناس هذا! وسنبين بحول الله وقوته كيف لا يسلم الفيزيائي المتعلق بميتافيزيقا أينشتاين التي يقدمها لك الدكتور هاهنا بكل ثقة وبكل سهولة على أنها "اكتشاف" وكذا، من تعطيل صفات رب العالمين من حيث لا يشعر، في مسائل إنما يتخصص فيها وفي بحثها – أكاديميا – المشتغلون بفلسفة الفيزياء وفلسفة العلوم، والمتخصصون في العقائد والمذاهب الفكرية المعاصرة، وليس الفيزيائيون أصلا! فعندما تشترط على الناس، يا دكتور، ألا يتكلموا في هذه المسائل إلا بأن يكونوا فيزيائيين متخصصين أو رياضيين متخرجين من الكليات والمعاهد المتخصصة في هذين العلمين، فأنت بهذا تفرض عليهم التقليد الأعمى والجهل المركب فرضا من حيث لا تشعر! نعم لا شك أن المتكلم في هذه الأبواب لابد أن يكون قد حصل قدرا وافرا من المعرفة بنظريات الفيزيائيين والفلكيين وتاريخ الفيزياء والعلوم الطبيعية عامة، وقدرا كذلك من المعرفة الرياضية والهندسية، وهو ما لا يكاد يوجد في المتخصصين في العقيدة والفلسفة، لا سيما في بلاد المسلمين، إلا قليلا، ولكن هذا لا يجيز لأحد أن يدعي أن نقد نظريات الفيزيائيين لا يجوز إلا للفيزيائيين الأكاديميين ولا يقبل إلا منهم!!

ليست النظرية التي "اكتشفها" أينشتاين هي التي جاءت بمفاهيم جديدة للزمان يا دكتور، وإنما بدع أينشتاين تلك المفاهيم من رأسه ابتداعا، ثم أبدع هو وأصحابه وتلامذته إبداعا نشهد لهم فيه بالبراعة والنبوغ، في تلبيس جميع قوانين العلم ومبادئه الكلية ومعادلاته الرياضية بلبوسها، وفي إعادة بنائه على قواعدها! وهو كما أطلت النفس في بيانه في سلسلة بيان منهج أهل السنة والجماعة في التجريبيات على قناة إقناع، عند الكلام على النسبية الخاصة، ومن قبل ذلك في كتاب معيار النظر، مفهوم فلسفي ميتافيزيقي فاسد في الحقيقة ولا يجوز للمسلم قبوله أصلا! أعني بهذا إصراره على تعريف الزمان تعريفا ميتافيزيقا على طريقة فلاسفة اليونان، مفاده وخلاصته أنه لا يدخل تحت معنى العلاقة الزمانية بإطلاق إلا جنس الحوادث المادية المرصودة بالقوة أو بالفعل من داخل إطار قصوري أو غير قصوري! فبعيدا عن مفهوم الإطار القصوري عنده، وتسويته بين الإطار الإسنادي الذهني والإطار القصوري الوجودي في الأعيان، فإنه يختار تحكما، على طريقة الفلاسفة القدماء، أن يختزل حقيقة الزمان بإطلاق في التزامن النسبي Relative Simultaneity، الذي لا يحصل لنا غيره معاشر البشر عندما ننظر في الساعات التي نلبسها على معاصمنا ونعلقها على جدراننا! فصحيح إننا لا نستعمل مقادير الزمان في توصيف الحوادث التي تقع من حولنا، إلا استعمالا نسبيا بالضرورة، فنقدم ما يسبق إلى حواسنا على ما يتأخر عليه في الترتيب الزماني، إلا أن هذا ليس هو كل ما يصح عقلا أن يقال إنه ترتيب زماني أو مقدار زماني، وليست الحوادث التي هذا نوعها (الحوادث المادية القابلة مبدئيا للوقوع تحت إدراكنا الحسي) هي كل ما يصح عقلا أن يقال فيه حادث Event! ولكن لأن أينشتاين تدرب على الطريقة اليونانية في التنظير الطبيعي، أبى إلا أن يختزل الحقيقة العقلية لهذا الإطلاق الكلي للفظة "تزامن" في هذا النوع المعتاد المحسوس من الحوادث وفيما به نحكم نحن البشر على حادثين من الحوادث بأنهما قد تزامنا، تماما كما كان هو دأب فلاسفة اليونان الطبيعيين الأوائل أن يتحكموا في الحقيقة العقلية للمعاني الكلية المشتركة يختزلون حقيقتها وكيفيتها (على شرط الإطلاق والوجود) في نوع واحد من أنواع الموصوفات بها في الأعيان، فلا يتحقق المعنى الكلي في شيء إلا لزم أن تكون حقيقته على ما قاسوا وما فرضوا! يراد البحث في حقيقة "الحركة"، فيقال – مثلا – هي شيء خفي لا يتحرك المتحرك إلا بانتقاله إليه من شيء متحرك يلامسه، كما تنتقل الحرارة بين المتلامسات (ولهذا لا يزال تصور الحرارة إلى اليوم على أنها لا حقيقة لها البتة وجوديا إلا أن تكون هي اهتزاز الجسيمات والجزيئات في المادة، وانتقال تلك الطاقة الاهتزازية بين المتلامسات)! فما الذي يترتب عقلا على ذلك التكييف أو التحقيق الميتافيزيقي المطلق لكل موجود يجوز عند صاحب النظرية أن يقال إنه "متحرك" أو إن فيه "حركة" أو حصل له "تحريك"؟؟ يترتب المنع من أن يوجد في الأعيان موصوف بمعنى الحركة أو ما يقتضيه، إلا أن تكون حقيقته أنه قد نقلت إليه حالة الحركة تلك بالملامسة! وإذن فلا يتحرك إلا ما قد سبق إليه ما يحركه، وهو ما أفضى بأرسطو إلى نفي معاني الحركة عن الصانع، الذي سماه بالمحرك الأول الذي لا يتحرك!! لماذا لا يتحرك؟ لأنه لو جعله هو نفسه متحركا، لوجب على النظرية أن تكون قد نقلت إليه الحركة من غيره، وإذن امتنع أن يكون هو المحرك الأول الذي يحرك كل شيء!!

ذكرت هذا المثال في هذا المقام، حتى أبين تلبس أينشتاين بنفس تلك الآفة في التنظير، في تعريفه للزمان ولمعنى الزمان! فهو لما عرف التزامن على نحو ما فعل، مختزلا إياه في التزامن النسبي وحسب، وسع الأمر ليجعل معنى الزمان بإطلاق، محصورا الوصف به فيما يصل إلى عين الراصد بالقوة أو بالفعل، وتقاس امتداداته المكانية المادية على محاور الإحداث الكارتيزي بالقوة أو بالفعل! فلا حقيقة لاتصاف أي موجود أو حادث، بمعاني الزمان والزمانية، بهذا الإطلاق، إلا هذه!! فما المترتب على هذا؟ يترتب نفي ما يقال له التزامن المطلق وجوديا! أي لا حقيقة لمبدأ المقدار الزماني أصلا إلا ما يظهر لنا نحن حين نقيس ونقدر المسافة الزمانية بين هذا الحادث وذاك! وهو ما عبر عنه الدكتور هنا بقوله: " إن الزمن معيار نسبي لقياس التغيًر وليس معياراً مطلقاً، وإن هذا المعيار يعتمد على الحالة الحركية للمشاهد وإنه يمكن أن يتمطى فتطول وحدات الزمن. لكن لعل أهم ما جاءت به نظرية النسبية العامة هو أن (القَبل) و (البَعد) أمور نسبية فليس من (قَبل) مطلق وليس من (بَعد) مطلق فهي نسبية مثل (الفوق) و (التحت)." فأول ما يجب أن نتوجه به إلى الدكتور في التعليق على هذا الكلام أن نسأله: هل هذا الكلام مما يشاهد في المراصد ومن ثم يتصور أن يكون أينشتاين قد "اكتشفه" كما نكتشف نوعا جديدا من الحيوانات أو الحشرات مثلا؟؟ من الواضح للغاية أن الجواب لا! ليس كذلك! وإنما هو تعريف ميتافيزيقي صرف، أحدثه أينشتاين من كيسه، لمصلحة أن يتمكن من تحرير سرعة الضوء من مبدأ نسبية السرعات العقلي Relativity of Velocity، فيقول إن متغير الزمان في معادلة حساب السرعة (المسافة على الزمان) هو الذي يستطيل ويتمدد وجوديا في الأعيان عندما يرصد الجرم المتحرك شعاع الضوء، وكذلك تنكمش المسافات وجوديا أيضا، لمصلحة أن يبقى شعاع الضوء في رصده جاريا بنفس السرعة على أي حال، مهما كانت سرعته هو حال الرصد! من هنا اضطر ليس فقط لأن يصير الزمان والمكان عينين وجوديين خارج الذهن ينكمشان (فيما صوره في كتبه بمسطرة القياس وشبهه بالأخطبوط الوجودي الذي تقع المساطر على أذرعه)، ولكن اضطر كذلك لأن ينفي معاني الزمانية عن كل ما سوى الحوادث المرصودة أو القابلة لوقوع الرصد عليها داخل هاتين العينين الوجوديتين (اللتين صيرهما أستاذه مينكاوسكي عينا واحدة وسماها بالزمكان Spacetime ثم أسس هو على ذلك التصور الوجودي فيما بعد نسبيته العامة)! فإنه لو جاز أن يدخل تحت معنى الزمانية شيء خارج عن إطار "الزمكان" المزعوم، لجاز أن يتحرك شيء بحيث تكون سرعة الضوء بالنسبة إليه على خلاف المقدار C، وإذن لفات المطلب الفلسفي الأعلى من تكلف التنظير الطبيعي في هذا الباب عند القوم، وهو أن تكون النظرية مفسرة لحقيقة الزمان من حيث هو، أي يجب أن تكون طبيعة الشيء، أي شيء، على نحو ما جاءت به النظرية من أجل أن يصح أصلا أن يدخل في معنى الزمان! فقد تعلم الفلاسفة من آباء المدرسة اليونانية القديمة أنه لا يجوز ترك شيء من حقائق الموجودات بحيث لا تتناوله النظرية أو جملة النظريات التي يقدمها الفيلسوف للناس! ولهذا تجد القوم لا تُنقد عليهم نظرية من نظرياتهم إلا طالبوا الناقد بتقديم البديل فورا! فإن لم يقدم بين يدي نقده فرضا نظريا بديلا يُحل به الإشكال، بحيث يكون جاريا على نفس الطريقة، لم يقبل منه اعتراضه، وبقي الأمر على ما هو عليه لحين ظهور البديل الذي يروق لهم ويلقى قبولهم واستحسانهم! تعترض على نظرية داروين مثلا بما فيها من فساد عقلي ومنهجي كلي، فيقال لك في الجواب: فكيف إذن تفسر أنت كذا وكذا، وكيف تفسر كذا وكذا؟ إن لم تقدم لنا تفسيرا بديلا نقبله على شرطنا، لم نقبل منك نقدك لما عندنا! فالتفسير لا يكون علما أو معرفة من حيث المبدأ الكلي، حتى يكون نابعا من نظرية من نظرياتهم الطبيعية! ولهذا كان من اعتراضات الملاحدة الأكاديميين المعاصرين كريتشارد دوكينز على القول بخالقية الباري جل شأنه، أن هذا يكون إذن فرضا مفتقرا إلى تفسير أكبر وأعظم وأصعب بكثير من الظاهرة المراد استعماله هو نفسه في تفسيرها! وبما أنه من غير الممكن تفسير صفات الرب الذي يثبته المسلمون وأهل الكتاب تفسيرا طبيعيا، وهم يرفضون ذلك رفضا قاطعا، لزم أن يكون إثباته جهلا وتأسيسا للجهل، أو للدقة: حملا للناس على قبول الجهل! ولهذا يعترضون على أصحاب النظريات الإثباتية Theistic Science في الكونيات وفي الجيولوجيا وفي البيولوجيا وغيرها بأن أصحابها يحاولون سد الفجوات العلمية الحالية Scientific Gaps بإدخال أمر غيبي محض يؤتى به من عقائدهم الدينية! وإذن فهو إحلال للجهل محل العلم! ولذا تراهم لا يجيزون إثبات خالق للبشر إلا أن يكون نوعا من أنواع الإي تي أو الكائنات الفضائية الذكية! لماذا كل هذا؟ لأن أحدهم من شرطه المنهجي وطريقته النظرية فيما يثبت، كما تربى عليه الفلاسفة منذ تأسيس المدرسة الغربية في اليونان قبل ثلاثين قرنا، ألا يكون الشيء الوجودي المثبت لديه إلا أمرا تستوعبه نظريته، كيفما اتفق لها أن تكون، أو قابلا نوعا ومبدئيا للدخول تحتها! فوظيفة الفيلسوف على أي حال (أو العالم الفيزيائي بلغة أهل العصر)، وكما تعلم القوم من فلاسفة اليونان، إنما هو كشف الغيوب وتحقيق العلم الكاشف بحقيقة كل موجود من حيث هو موجود!

قوله: " لكن لعل أهم ما جاءت به نظرية النسبية العامة هو أن (القَبل) و (البَعد) أمور نسبية فليس من (قَبل) مطلق وليس من (بَعد) مطلق فهي نسبية مثل (الفوق) و (التحت)." هنا لابد أن نسأل الدكتور أولا: ما معنى أن النظرية "جاءت به"؟؟ هذه إجمالات يجب الاستفصال عنها، لأن الفساد يدخل منها! هل المقصود أنها أثبتته وحققته تحقيقا نهائيا وقضي الأمر؟؟ أم المقصود أن أينشتاين فرضه فرضا في أصل التصور الميتافيزيقي الذي أسس عليه نظريته؟؟ فإنه يجب أن يجزم المسلم بأن من الأمور الوجودية التي يدخل عليها معاني التتابع الزماني، أفعال ربه سبحانه وتعالى، وإن رغمت أنف أينشتاين!! لم يزل سبحانه يفعل الفعل بعد الفعل، ويقول القول بعد القول، ويشاء المشيئة بعد المشيئة، فيما يتحقق فيه وجوبا وضرورة معنى البعدية والقبلية الذي قلد الدكتور أينشتاين في هذا الكلام في جعله إياهما أمورا نسبية، وفي نفيه ما سماه إجمالا "بالقبل المطلق" و"البعد المطلق"! وأنا أعجب والله، هل يتصور الدكتور، مثلا، أنه ثمة إطار إسنادي قصوري فيزيائي بحيث يكون فيه فعل رتق السماوات والأرض الذي كان في بدأ الخلق، واقعا بعد انشاق البحر لعصا موسى، لا قبله، مثلا؟؟ لو سألته هذا السؤال لسارع بالإجابة قائلا: لا، الله لا يدخل في الأطر الإسنادية ولا في الزمكان الفيزيائي، معاذ الله!! بل الواجب تنزيه ذاته العلية عن القبلية والبعيدة والزمانية بإطلاق، وكذلك تنزييه عن الفوقية والعلو، لأن هذه كلها من صفات الحوادث المخلوقة! ولو نظرت في تراث المتكلمين لرأيت نظير ذلك عند الغزالي، فأنا أتكلم بسلف من أهل العلم ولا أشذ عن طريقتهم!!

وإذن فلا نجيب إلا بأن نقول: سبحان من لا تتخلف عادته في أهل الأهواء والبدع! تشابهت قلوبهم، واتحدت عللهم وأمراضهم ولله الأمر من قبل ومن بعد! توضع النظرية أولا بحيث تستوعب، بحدودها الميتافيزيقية الفاسدة، كل حقيقة وكل كيف لكل موصوف بمعنى الزمان والزمانية والتزامن، على شرط الوجود، ثم يقال لمن يثبت ذلك المعنى لرب العالمين سبحانه كما هو حقه، وكما هو واجب بالعقل والسمع جميعا: هذا تمثيل وتشبيه بالمخلوقات، إذ يوجب دخوله في الزمكان المخلوق، ولا يحل في الزمكان المخلوق إلا المخلوق! ولعلهم إذن أن يخترعوا لنا مصطلحا جديدا، يقال لنا "المزمكنة"، كما قال سابقوهم لسابقينا "المجسمة"! إذ على مذهب الأولين يلزم من إثبات صفاته سبحانه جعله جسما من جواهر وأعراض، وهنا كذلك يلزم جعله شيئا ماديا له كتلة واقعة في الزمكان الوجودي وقوع الموجودات المخلوقة!! يا دكتور: هل الرب سبحانه عندك يراك الآن في هذه اللحظة التي أقول فيها هذا الكلام، على ما أنت عليه الآن فعلا وتحقيقا، كما يراني الآن في اللحظة نفسها، بحيث يقع في علمه أني أفعل كذا في نفس اللحظة التي تفعل فيها أنت كذا، إذا ما قدرت تلك اللحظة بالنسبة إلى ما تقدمها في علمه من حوادث متقدمة عليها؟ فإن قلت نعم ولا شك، كما هو الواجب على كل مسلم، ألزمناك بإثبات التزامن المطلق الذي نفاه أينشتاين، ومن ثم إبطال حده الميتافيزيقي الاختزالي الباهت هذا للزمان! وإن قلت لا يمكن أن يقع في علم الله تزامن معين "مطلق" لحادثين من حوادث العالم على هذا النحو، لأن التزامن أمر نسبي البتة كما قرره أينشتاين، ألزمناك بإبطال كل ما في القرآن من تقرير لسبق شيء على شيء، ومن ترتيب زماني يقرره رب العالمين تقريرا مطلقا!

فمثلا، الله تعالى يقول: ((ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)) [المؤمنون : 14]! فعلى مذهب أينشتاين، لا يكون هذا الترتيب في أفعال الله ترتيبا مطلقا، أي صحيحا في نفسه مطابقا للواقع بصرف النظر عن رصد الراصد وحركته! وإنما يكون كلاما نسبيا لا يصح إلا على رصد راصد معين وحسب، وإذن يجوز أن يقول قائل ما بل الذي وقع في فعل الله إنما هو خلق العلقة قبل النطفة، لأني أرصد الأمر (على تقدير أن موجات ضوئية انبعثت إليه من كلتا الحادثتين) على هذا الترتيب بالنظر إلى سرعة حركتي وموضعي واتجاهي بالنسبة إلى بطن المرأة التي يقع فيها ذلك! وفي هذا من تكذيب القرآن ما لا يخفى!

ويقول تعالى: ((قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)) [المجادلة : 1]، ففي الآية إثبات لكون الله تعالى قد سمع المجادلة المذكورة قبل نزول الآية بتقرير ذلك، وهو أمر يجب على المسلم اعتقاده على هذا الترتيب، ولكن على ميتافيزيقا أينشتاين في التزامن، يلزم تجويز أن تكون الآية قد نزلت قبل وقوع السماع لا بعده، بالنسبة إلى إطار إسنادي ما، وألا يكون أحد الترتيبين هو الحق المطابق للواقع، وإنما يكون الأول الذي يقتضيه الخطاب القرآني اقتضاء صريحا، هو الحق بالنسبة لله تعالى وحده، ويكون الثاني هو الحق بالنسبة للراصد الاعتباري الذي يرصد الأمر على ذلك النحو (على تقدير أن فعل السماع الإلهي مما يرد عليه الرصد البشري)!! أي يكون الحق المطابق للواقع في حقه هو بخصوصه أن الله لم يسمع بعد، خلافا لما هو صريح في الآية!!

وقال تعالى: ((وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً)) الآية [الأنعام : 99] فإنزال الماء يكون قبل إخراج النبات، ويكون سببا فيه، لا أنه يقع بعده، الله تعالى يفعل هذا بسبب هذا وعلى أثره لا العكس! وإخراج الحب المتراكب يكون بعد إخراج الخضر، لا قبله، لأن الله يخرجه منه! وهي قبلية وبعدية حقيقية قطعا، بصرف النظر عن رصد الراصدين وما يقع لهم من ترتيب ذلك إذا وقع، وهذا ما يجب على كل مسلم أن يعتقده تصديقا للقرآن، أن حقيقة التزامن هنا هي أن الله تعالى يخلق هذا أولا ثم ذاك بعده ومنه وبه كما وصفه في كتابه، مهما قدرنا أن رصد أحد الناس عكس ذلك! ولكن على ميتافيزيقا أينشتاين، يصبح لراصد ما في مكان ما، أن يقول إن العكس هو ما وقع من الله تعالى على الحقيقة بالنسبة إليه، وإذن فالآية ونقيضها يصدقان ويطابقان الواقع في نفس الأمر، وهو تكذيب للقرآن!

والله تعالى يقول لبني إسرائيل ممتنا عليهم: ((ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) [البقرة : 52]، فمن قال إنه يجوز أن تكون حقيقة الأمر أن العفو وقع قبل ذلك لا بعده، كما قد يرصده بعض الراصدين (على تقدير جواز ذلك) فهذا مكذب لصريح القرآن!

ويقول: ((ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) [البقرة : 56] فالذي يقول إن حقيقة ما وقع لبني إسرائيل هي بالنسبة لراصد ما أن الموت وقع قبل البعث، وأن له أن يعتقد أن هذا ما وقع تحقيقا لأن البعدية والقبلية نسبيتان، فهذا يجيز لرجل أن يكذب القرآن!!

ويقول: ((ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً)) الآية[آل عمران : 154]، فعلى هذا المذهب، يكون الحق أنه أنزل النعاس بعد الغم بالنسبة لبعض الراصدين كما صرح في الآية، وأنه أنزله قبله بالنسبة لغيرهم خلافا للآية! ويقول: ((وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا)) [النازعات : 30]، فعلى نسبية البعدية هذه، يكون الحق المطابق للواقع بالنسبة لبعض الراصدين أنه دحاها قبل ذلك لا بعده! ويقول: ((وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون)) [التوبة : 127]! فعلى نسبية البعدية هذه، يصبح من حق بعضهم أن يقول بل الحق المطابق للواقع هو أنهم انصرفوا أولا ثم نظر بعضهم إلى بعض، لأني هكذا رصدتها، وليس على هذا الترتيب المثبت في القرآن! ويقول جل شأنه: ((إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ)) [يونس : 3] فهل يجوز لمسلم أن يعتقد أن الله استوى على العرش قبل خلق السماوات والأرض، على الحقيقة، على تقدير إطار إسنادي يكون هذا هو الترتيب بالنسبة إليه؟

ويقول تعالى: ((فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ)) [يوسف : 70] فعلى نسبية البعدية هذه يجوز أن يكون المؤذن قد أذن بهذا قبل جعله السقاية في رحل أخيه، وأن يكون هذا هو الترتيب الحقيقي لهاتين الواقعتين، كما أن خلافه حقيقي كذلك!

وغير ذلك في القرآن والسنة كثير لا يكاد ينحصر! فهل فكر الدكتور في هذا اللازم يوما من الدهر أو تأمل فيه البتة؟؟ أبدا! بل أكاد أجزم بأنه سينصدم من هذه الإلزامات إن وقف عليها!

والعجيب حقا، ومما يدلك على أن الدكتور قد اكتفى في هذا الباب بالتقليد السطحي المحض، بكل أسف، أن فلاسفة العلم الغربيين غير متفقين على قبول نفي أينشتاين للتزامن المطلق، وهذا مشهور في أدبياتهم، وهو خلاف مستساغ عندهم لا يتهيبون منه ولا يتعرضون بسببه لنقد أقرانهم من الفيزيائيين! فلو أنه بحث كما كان حقه أن يبحث، لوجد أن من كبار الفلاسفة الغربيين المعاصرين من يعترض على نفي أينشتاين للتزامن المطلق نفيا مطلقا في ميتافيزيقا نسبيته الخاصة، كما تطرق ريتشارد سوينبورن مثلا إلى إثباته من طريق ما سماه بالزمان الكوني Cosmic Time وقرر في ورقة بحثية له أن في كون ماض في التوسع والتمدد باطراد في جميع الجهات على نفس الوتيرة، فلابد أن يوجد زمان مطلق يوصف عليه تباعد المجرات عن بعضها البعض لحظة بلحظة، بمتري روبرتسون ووكر الخطي Robertson-Walker Line Element، بما لا يقبل مبدئيا أن تنقلب فيه البعدية إلى قبلية أو العكس في أي إطار إسنادي اعتباطي! وهذا ويليام لين كريغ الفيلسوف النصراني المعروف، يقرر في كتبه التعلق بميتافيزيقا لورنتز ونسبيته Lorentzian Relativity عوضا عن نسبية أينشتاين الخاصة، لأنه يرى أن نفي التزامن المطلق يقتضي تعطيل أفعال الرب المتتابعة في هذا العالم!! ولا شك أن رد ميتافيزيقا أينشتاين لا يلجئ من يقول به لأن يعتنق ميتافيزيقا لورنتز أو غيره في محلها، ولكن الرجل تربى في وسط فكري وأكاديمي يحرج على الناقد أن يرد نظرية معتمدة أكاديميا في عصره دون أن يحل غيرها في محلها في نفس الأمر!

والفيزيائيون على أي حال لا يرون بأسا في إخراج جرم الزمكان المزعوم نفسه (الذي هو موضوع ذلك التوسع المزعوم، وفيه تسبح جميع موجودات العالم) عن قيود النسبية الخاصة، فيقولون إنه تتباعد أجزاؤه عن بعضها البعض بسرعة تجاوز سرعة الضوء، ولا إشكال، لأن قيد سرعة الضوء إنما ينطبق على الموجودات الواقعة في الزمكان لا على نفس الزمكان! وهذا عند التدبر تفريق لا أساس له إلا التحكم! فإنه إن قدرنا وجود ما يقال له الزمكان هذا في الأعيان تحقيقا كما تزعمون، وقدرنا كذلك أنه يتوسع ويتمدد كما تعتقدون، فلابد من جواز أن يقدر لتوسعه جهة يمضي فيها كل جزء منه بالنسبة إلى الجزء الآخر! وإذن وجب أن يكون ذلك التوسع والانتشار، فيما يوجبه له العقل بمجرد إثبات معنى التوسع لشيء ما، واقعا في خلاء ما أو مكان ما! وأن يكون له مركز هندسي يتوسع وينتشر بالنسبة إليه، خلافا لما يعتقدون، حتى على تمثيلهم لتوسعه بتوسع سطح الكرة الذي تتباعد عليه جميع النقاط الواقعة على سطحه عن بعضها البعض بنفس الوتيرة، فإنهم حتى في ذلك المثل لا يمكنهم نفي مركز الكرة الذي يكون هو نقطة الانبعاث في تمدد الكرة نفسها! ولكن لأن الزمكان المزعوم ليس عندهم شيئا واقعا في الخلاء ثلاثي الأبعاد، وإنما هو شيء رباعي الأبعاد يعامل فيه الزمان معاملة البعد الفراغي الكارتيزي، فليس لامتداده وانبعاجه وتحور هيئته الرباعية تلك حقيقة إلا في الأذهان والأوهام، بصرف النظر عن حقيقة أن الزمان والمكان كليات ذهنية لا وجود لها في الأعيان من الأساس!! ولكن لأنهم ينسبون لذلك الشيء التوهمي أحوال الأعيان الواقعة في جهات الفراغ الستة، لزمهم أن يخضعوه بكليته لمعاني المكانية، وأن يكون كذلك خاضعا لمعنى الزمانية، إذ كان فيما مضى على هيئة معينة، ثم صار بعد مدة على هيئة أوسع وأكثر انتشارا منها! فهذا تناقض عقلي في غاية السخف، إذ يُنسب الامتداد والأحوال المتغيرة لشيء كان الفرض الميتافيزيقي في تصوره أنه لا يوصف الموجود بتلك المعاني إلا بأن يكون واقعا في داخله أو على "نسيجه" المزعوم! هذا شيء الفرض فيه أنه يستوعب كل موجود داخل تحت المعنيين على شرط الوجود، فكيف يوصف أصلا بأنه موجود الآن في هذه اللحظة التي أقول فيها هذا الكلام، بما يدخله بالضرورة في معنى الزمان؟!!

ولهذا لم يجد سوينبورن إلا أن يسلك مسالك أقرانه في استيلاد المفاهيم الميتافيزيقية الجديدة للزمان بحيث لا يكون الموصوف به واقعا داخل الزمكان! فقال بزمان سماه بالزمان الكوني Cosmic Time بحيث لا يُعترض عليه بأن كلامه يضطره لإخضاع الزمكان لميتافيزيقا النسبيتين التي منها نفي التزامن المطلق! ولهذا أيضا اضطر الفيزيائيون لفصل مفهوم الزمان الكمومي Quantum Time أو الزمان غير الكلاسيكي كما يسمونه، في مصطلح مستقل، بحيث تكون له حقيقة أنطولوجية مخالفة للزمان الكلاسيكي (الزمان النسباني)!

والشاهد يا إخوان من جميع ذلك، أن هذه كلها مباحث فلسفية ميتافيزيقية، وتنظير ميتافيزيقي شديد التهافت، وليست مباحث علمية تجريبية لا من قريب ولا من بعيد!

والدكتور كما يبدو وكما سنبين، ضعيف الاطلاع للغاية على كلام الفلاسفة المعاصرين في ذلك، بل لعلي لا أبالغ إن قلت إنه لا اطلاع له البتة، ويأبى إلا أن يقلد التصور السائد أكاديميا بين أقرانه من الفيزيائيين في ميتافيزيقا النسبيتين، ثم يرجع إلى نصوص المتكلمين السابقين ويقول: ها هم قد قالوا بمثل ما أقول من "التنزيه" كما سموه، وهو يحسب أنه بذلك قد وجد لنفسه مخرجا وسبيلا للسلامة من النقد الشرعي ومن التهمة في الدين، والله المستعان!! ينقل عن المتكلمين الأشاعرة بعض كلامهم، كما سلك هنا، فإذا نقدوا عليه ذلك وغلطوه فيه، وفرقوا بين مذهبهم ومذهبه بما لا يرضى، كما وقع له مع سعيد فودة، قال لا يهم، فلا يلزمني أن أكون مقلدا لمذهب معين من مذاهب المتكلمين! بل التراث كله بين يدي، أخرج منه ما أراه أوفق للحق، وأغلطكم أنتم وخصومكم من الفلاسفة القدماء بما جاء به "العلم"! إذ الحق والعلم عنده، الواجب الاحتكام إليه على الجميع، السابقين واللاحقين، هو ما قرره أينشتاين في ميتافيزيقاه، وما اتفقت عليه الأكاديمية الفيزيائية العصرية، إذ معاذ الله أن يكون الحق أو العلم في غير ما اتفق عليه الفيزيائيون!!

مع أن الباب كما ترى باب تفلسف ميتافيزيقي صرف بل وسفسطة بالغة، فيحق لكل عاقل يحترم عقله، وليس فقط للباحث في العقيدة والمذاهب الفكرية المعاصرة، أن يرد من النظرية ما حقه أن يرد، بالدليل العقلي والسمعي معا، دون أن يُعترض عليه بأنه ليس ملما إلماما تخصصيا دقيقا بالرياضيات المتقدمة التي استعملها أينشتاين في صياغة النظرية! الفيزيائي يعرض على الناس في ابتداء الأمر جملة من المفاهيم الكلية التي أسس عليها نظريته، فإما أن يقبلوها ومن ثم تصبح معادلاته عندهم مخبرة عن الواقع بالمطابقة، على الأقل في حدود موافقة المعادلة للواقع المعتاد الذي يحاكيه بها صاحبها، وإما أن يردوا تلك المفاهيم بعضها أو كلها، وإذن ينظر في المعادلات الرياضية المبنية عليها هل تحقق مصلحة نفعية أداتية Instrumental Utility كما مثلت عليه في ابتداء هذه المحاضرة بمعادلات الجاذبية النيوتونية، فإن كان، قبلوها مع رد ميتافيزيقاها أو تصورها الأنطولوجي لما وراء الحس، على أنها مجرد تمثيل توهمي يشبه الواقع من بعض الوجوه وفي حدود معينة، وإما ردوها بالكلية مستعيضين عنها بما يقوم بالمطلوب العملي والتطبيقي من غيرها من النظريات البديلة في نفس الأمر، كما ترك كريغ فيما مثلنا عليه من قبل نسبية أينشتاين مستعيضا عنها بنسبية لورنتز، ولم يجد مانعا من ذلك بالنظر إلى كون معادلات نسبية أينشتاين هي بعينها معادلات نسبية لورنتز، فلا إشكال من الناحية الأداتية التطبيقية الصرفة! فالقضية لابد فيها من التفصيل الدقيق والتحقيق فيما حقه أن يقبل عقلا من مسلمات القوم، وما حقه أن يترك ويرد على أصحابه، لا أن نبدأ بأن نقول بكل سعادة إن أينشتاين "اكتشف" أن البعدية والقبلية نسبيتان مطلقا، فلا قبل ولا بعد إلا ما كان منسوبا إلى الراصد المعين في إطاره القصوري أو غير القصوري! هذه هذرمة فيلسوف وإن أطبقت أكاديميات العالم كلها على تسميتها بالعلم التجريبي!

يعني لا أملك إلا أن أضحك في الحقيقة من قول الدكتور "وإن الزمان ينبغي معاملته مثل المكان على صعيد واحد. وتقول النسبية العامة أيضاً بأن الكون بجملته كيان مغلق ليس له خارج والخارج هو سطحه." ينبغي؟؟ أينشتاين اكتشف أن الزمان "ينبغي" معاملته مثل المكان؟ لا والله لم يكتشف ولم ينبغ! وإنما هو فرض ذلك فرضا في نمذجته النظرية للعلاقة بين الزمان والمكان، فصير الزمان بعدا كارتيزيا رابعا لمصلحة أن يدمجه في أخطبوطه الوجودي المزعوم الذي تتمدد أذرعه وتنكمش في الأعيان!! فالصعيد الواحد هذا الذي يشير إليه الدكتور هنا، إنما هو تصور ذهني تجريدي صرف، لم تزل المشاهدات تُتأول بما يخدمه، كما يجوز أن تؤول بما يخدم غيره (كنسبية لورنتز مثلا)! وهو تصور مغالط كما بينا، يعاني من مغالطة تصيير الكليات الذهنية حقائق عينية في الخارج، وهذا اعتراض لا يملك الدكتور ولا غيره من فيزيائيي العالم مهما عملوا، أن يردوه علينا بدعوى أن التجارب قد أثبتت خلافه أو المشاهدات قد أكدت على خلافه أو نحو ذلك، وأن تطبيقات الجي بي إس وكذا وكذا قد دلت على وهائه .. إلخ، لأنه اعتراض يتجاوز النظر في المشاهدات وتأويلها مبدئيا، إلى بناء النظرية نفسها في مسلماتها العقلية الأولى التي أنبتت ما يقال له "الزمكان" في ذهن أينشتاين! فمثل هذا يكون كالذي تقول له: هذا البيت مبني على أرض غير صالحة للبناء والتأسيس، كالأرض المغصوبة أو التربة الرخوة أو نحو ذلك، فيقول لك: بل هو بناء محكم تام الإحكام، بالغ من الحسن والبهاء غايته! ألا ترى ما فيه من براعة تصميم الغرف وفتحاتها وجمال التشطيب الخارجي والداخلي و... إلخ؟؟ فهو دفاع من لا يدري أصلا على أي شيء نعترض! تقول له اطفئ المصباح فيقول لك باب الثلاجة مغلق! أمر معيب للغاية وحالة مزرية بصاحبها والله المستعان! وكما تقدم فإنه ليس وحده الذي يعاني من هذه النقيصة، التقليد المحض في فلسفة الفيزياء، وإنما هي خصلة غالبة على الفيزيائيين في عصرنا هذا، لا سيما الفيزيائيين العرب نظرا لحاجز اللغة وضعف الصلة بالأدبيات الانكليزية ذات الصلة! وهي خصلة كان يحذر منها أينشتاين نفسه كما مر، وإن كانت نظرياته قد أغرقت الفيزيائيين في أوحالها فوق ما كانت عليه الحال قبله أضعافا مضاعفة! فلست أتصور أن يكون من الفيزيائيين من اضطر لتقليد نيوتن، مثلا، في ميتافيزيقاه من غير أن يفهمها حق الفهم، خلافا لنسبية أينشتاين التي بلغت أن قيل فيها: ليس يفهمها حق الفهم إلا ثلاثة منهم أينشتاين نفسه!! وهو أمر كانت ولم تزل تنصب به حواجز من الإرهاب الفكري أمام الناس عن مجرد الاقتراب إلى جناب النظرية بالنقد أو التفنيد، حتى وإن كانوا فيزيائيين أو فلاسفة متخصصين!

يواصل الدكتور فيقول: "وهذه المفاهيم الثلاثة (نسبية القبل والبعد ومعاملة الزمان والمكان على صعيد واحد وأن الكون ليس له خارج) كان قد قال بها أبو حامد الغزالي في (تهافت الفلاسفة، تحقيق: مايكل مرمورا صفحة 31-33) وهذا من لمحاته العبقرية التي أشرت اليها في البحث المشار إليه ادناه." قلت: من جديد ينسب الدكتور لمتكلم من المتكلمين القدماء تصورات ميتافيزيقية أكثرها لم يخطر له ببال، لا لشيء إلا لبعض التشابه بينها وبين ميتافيزيقا الفيزياء العصرية، لمصلحة أن يقول إن تراث المسلمين فيه إرهاصات الفيزياء العصرية، ومن ثم ينسب بعض الصحة الموضوعية ومطابقة الواقع لشيء مما خاضوا فيه، زاعما أنه بذلك ينتصر للتراث الإسلامي جملة! فصحيح إن أبا حامد قال بأنه ليس للعالم خارج، وهي من بدع الأشاعرة التي أوقعتهم فيما حقيقته تعطيل صفة العلو عن الله تعالى، إلا أنه لم يقل بذلك تأسيسا على تصور أينشتاين لحقيقة ما يملأ خلاء العالم (الزمكان المزعوم الذي تنشأ فيه وبه ظاهرة الجاذبية)! وإنما قال به تأسيسا على نظرية زعم أصحابها أن خلاء الكون مشحون بجواهر متناهية الدقة، لا صفة لها ولا هيئة ولا محل ولا شيء إلا معنى الوجود المجرد، فإذا حلت بتلك الجواهر أشياء وجودية أخرى يقال لها الأعراض، صارت الجواهر أجساما لها صفات! فلأن مبدأ الاتصاف بالمعاني الوجودية – أيا ما كانت - مفسر في النظرية بحلول الأعراض المخلوقة بالجواهر المخلوقة، لزم ألا يوصف الشيء الموجود في الأعيان، بأنه في الزمان أو يجري عليه معنى الزمان، إلا أن تكون حقيقته أنه جواهر تتقلب عليها الأعراض! وهذا هو حدوث الزمان ونفس مبدأ الحدوث عند الغزالي! فهل يقول الفيزيائيون المعاصرون بنظرية الجواهر والأعراض أو يعرفونها أصلا؟؟ أبدا! وهل طرأ ببال الغزالي يوما من الدهر أن ينفي التزامن المطلق مطلقا، أو يقول إن حقيقة الزمان محور من محاور إطار إسنادي كارتيزي موجود في الأعيان، يتطاول أو يتمدد بتأثير حركة الإطار؟؟ أبدا!! ومن زعم ذلك فهو كاذب مماحك! وإنما انتهى الأشاعرة إلى التعطيل (تصريحا أو بالمقتضى) كما انتهت إليه الفلاسفة لاتفاقهم معهم إجمالا في أصل التنظير الميتافيزيقي اليوناني الدهري، وإن اختلفت النظريات والأقيسة والتصورات التي تعلق بها هؤلاء وهؤلاء! تختلف الأقيسة والتمثيلات المفترضة في كل عصر لكن مع بقاء أصل القياس وطريقته عند الجميع، ذلك الأصل الذي هو بيت الداء عند الجميع، الأولين والآخرين على السواء! لا نحتاج أصلا إلى من يعرفنا ما هو الزمن وما حقيقته! هذا مطلب سوفسطائي من مبدأ النظر! ولا يترتب على تكلف الفيلسوف الإتيان بنظرية فيه، إلا أن يُختزل المعنى الكلي المعروف في أذهان الناس من مبدأ الاستعمال اللغوي، إلى حقيقة بعض الأنواع الداخلة تحت معناه المشترك دون غيرها، أي إلى الكيفية التي يتحقق المعنى المشترك بها في بعض الأنواع المخلوقة، فيصبح من شرط اتصاف الموجود، أي موجود بإطلاق، بالمعنى الكلي المشترك، أن تكون حقيقته وكيفيته على ما اختار الفيلسوف في قياسه كيفما اتفق له أن يكون!! وهو ما يهدر الاشتراك المعنوي الأصلي ويورث لا محالة تعطيل رب العالمين عن الدخول فيه، كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى! وهذا ولا شك من أعظم ما بليت به البشرية في تاريخها من إفساد العقل والعلم واللغة والدين جميعا!! وليس من عبقرية الغزالي رحمه الله، وإنما هو مما بلي به من الضلال والفتنة ببضاعة الفلاسفة، والله المستعان لا رب سواه!

وهذا مما ينقض به "مشروع الدكتور الفكري" كما يسمونه، من أوله إلى آخره! فهو يزعم أن المتكلمين والفلاسفة الأقدمين إن اتفق لهم أن وافقوا ما عليه الفيزيائيون المعاصرون في هذه المسألة ونحوها، أو شابهوهم، فإنما كان ذلك للأولين من دقة نظرهم وسداد عقولهم وعبقريتهم .. إلخ! وهذا كلام فاسد قطعا، وإنما تشابهت قلوبهم لتشربهم جميعا بأصول الطريقة اليونانية في التنظير الميتافيزيقي، التي ألبستهم جميعا بمغالطات شتى كالطبيعية المنهجية الصرفة (التي توجب ألا يكون في الوجود إلا كما في العادة) وتشييء الكليات الذهنية (تصييرها أعيانا في الخارج) وهدم الاشتراك المعنوي اللغوي (الذي يورث تعطيل الباري عن صفاته عند من يثبته لا محالة)! أما أن يكون ذلك التوافق مما يحمد به الأولون لأن "العلم الحديث" قد أثبت صحته أو سلامته أو حتى معقوليته، لا لشيء إلا لأن نظريات المعاصرين تصاغ بلغة الرياضيات المتقدمة، وتصمم التجارب والمراصد المتطورة التي يمكن تأويلها بما يوافقها، فكلام من لا يدري في أي معمعة أقحم رأسه، والله المستعان!

الطريف أن الدكتور يبدأ مقدمة المقال هو وصاحباه اللذان شاركاه كتابته بقوله: "لم يزل مفهوم الزمان من قديم، مادة للتأمل الفلسفي وللحكم الفيزيائي نظرا لدوره في تعريف ديناميكية النظم. فعند أرسطو، كان الزمان مقياسا للحركة، فهو مقدار عددي للحركة. فإن لم توجد حركة، لم يوجد زمان. أو بعبارة أخرى، إن الزمان إنما يوجد متى وجدت الحوادث. حتى إن لم توجد تغيرات خارج أذهاننا، فإن الزمان السيكولوجي عند أرسطو هو نوع من التغير في دواخل أنفسنا. وهذا يجعل الفراغ والحركة والمادة تشكل الساحة التي يظهر فيها الزمان. في هذا التصور كان العالم يفترض فيه أنه قديم، بلا بداية، ولذا كان الظن أن الزمان لم يزل موجودا بلا بداية."

قلت: تأمل كيف لم يستطع أن يبدأ مراجعة الأدبيات للورقة البحثية Literature Review إلا بذكر أرسطو وحقيقة الزمان عنده! والورقة كما سنبين، كلها في الفلسفة وميتافيزيقا الزمان، وكما عبر هو نفسه في مستخلص المقال بقوله: "هذه المراجعة الأدبية Review قد تكون خطوة إلى الأمام في سبيل إصلاح تصورنا لمسألة توحيد نظريتي النسبية والفيزياء الكمومية، من خلال تشييد القاعدة المفاهيمية المطلوبة لتحقيق هذه الغاية"! فنحن نسأله: القاعدة المفاهيمية هذه Conceptual Ground فيزيقا أم ميتافيزيقا يا دكتور هداك الله؟؟ وإن كانت ميتافيزيقا فمن الذي قال إن النظر فيها والحكم عليها حكر على المتخصصين في الفيزياء، ومن الذي قال إن بناء النماذج الرياضية القياسية في التنظير يجعل للاحق فضل على السابق في هذا؟؟ صاحب هذا الزعم الساقط ما حجته وما مستنده العقلي؟؟

لعلنا لو قلنا إن الرجل نشر بهذا مقالا خارجا عن دائرة تخصصه الأكاديمي الدقيق، لما بالغنا بذلك! فكأنما يريد أن يتفلسف دون أن يعترف بأن ما يكتبه فلسفة وليس "علما تجريبيا"، مستغلا حقيقة أن الأكاديمية الفيزيائية العصرية لا فصل فيها بين الفيزيقا والميتافيزيقا، لينشر أفكاره تحت راية النشر الفيزيائي الأكاديمي المحكّم! فإذا راجت بين الناس على أنها ورقة بحثية فيزيائية محكمة، حصل المطلوب من جعلها هي العلم الأعلى في بابها، وصار متعينا على الفلاسفة والمتكلمين جميعا أن يتابعوه هو وأقرانه على ما حرروه فيها! فهو يعتقد – في وهم وخلل منهجي عميق الغور قد بيناه بتوسع عندما رددنا عليه في كتاب معيار النظر – وكما يعتقده أكثر الفيزيائيين وللأسباب نفسها، أن العلم الحديث والفيزياء العصرية قد جاءت أخيرا بما يحسم ما تنازع فيه فلاسفة القرون السالفة في مباحثهم الميتافيزيقية، ويكشف فعليا تلك الحقائق الخفية التي كانوا هم قد توهموا أنهم كشفوها بنظرياتهم وأقيستهم القديمة! ولهذا يقول إن من معالم عبقرية الغزالي أن قال بكلام يوافق – في تصوره وزعمه – ما عليه الميتافيزيقا العصرية المعتمدة عند الفيزيائيين! فهو بهذا يكون قد "سبق عصره" كما يقال، إذ انكشف له في عقله الألمعي وجه من الحق المطابق للواقع في تلك البابة، ذلك الحق الذي انكشف أخيرا للفيزيائيين كما لم يكن لينكشف للفلاسفة القدماء لفقدهم الآلات الموصلة إليه: آلة النظر الرياضي المتقدمة وآلة الرصد المتطورة! وهو ما يجعلنا نتساءل: كيف إذن يكون توصُّل الغزالي لما توصل إليه في ذلك من معالم عبقريته مع أنه كان عادما للآلة الموصلة إليه من جهته في اعتقادك، تلك الآلة التي بها عرف المعاصرون ما لم يعرفه هو ومن سبقوه، حتى صار كلامهم مهيمنا في الباب، رافعا للنزاع بين الفلاسفة في اعتقادك؟؟ هو إذن مجرد اتفاق بمحض الصدفة لا غير! توهم أوهاما جوفاء لا أساس لها في "العلم"، العلم الذي لم يعرف له طريقا أصلا من جهته، ثم اتفق لتلك الأوهام أن جاءت الفيزياء الحديثة (العلم) أخيرا فأقرته عليها!!

والواقع أنك بقليل من التأمل، تجد أن كلام أرسطو الذي نقله في ماهية الزمان، أقرب إلى الحق بكثير من سفسطة أينشتاين على معنى الزمان وحقيقته! فهو يقول إن الزمان إنما هو مقياس ذهني لقياس الحركة والتغير، فإن لم يوجد تغير لم يوجد ما يُعمل عليه ذلك المقياس مبدئيا! وهذا حق لا غبار عليه! فلولا أن قال بقياس ميتافيزيقي فاسد في حقيقة الحركة والتغير، أدى به إلى تعطيل الرب عنهما، لما لزمه تعطيل الرب سبحانه عن معاني الزمانية كما لزم أينشتاين! فقد سلم الرجل من نفي التزامن المطلق الذي وقع فيه أينشتاين، ومن تصيير الزمان حقيقة عينية خارج الذهن، وهذا يجعل أينشتاين أبعد بميتافيزيقاه النسبانية عن العلم وعن العقل السوي في هذه المسألة من أرسطو على التحقيق!! على عكس ما ترجو أنت أن تصوره للناس! ولا يغني عنه شيئا أن حظيت نسبيته الخاصة بما لا يكاد ينحصر من التجارب التي أظهرت أن الساعات تتباطأ في الأطر المتحركة كما زعم، وهو تباطؤ يحسب بمعادلة المعامل غاما بدقة تستعملها الأقمار الصناعية في الجي بي إس، وهذه الأمور! كل هذا لا تأثير له على هذا المبحث من قريب أو بعيد، لأننا لا ننفي – كما لم ينف لورنتز وغيره ممن سبقوا أينشتاين – أن المتحركات في الأطر القصورية وغير القصورية تتباطأ حركاتها تحت تأثير الحركة الإطارية الكلية، وإنما ننفي أن يكون تفسير ذلك هو أن في الأعيان شيء وجودي اسمه الزمان، يتمدد تحت تأثير الحركة بما يختلف من إطار لإطار دون وجود تزامن مطلق غير نسبي!! فلا يلزمنا من رد ميتافيزيقا النسبية الخاصة، إسقاط التجارب والمشاهدات والتطبيقات العملية، كما قد يشغب به الدكتور وغيره، وكما سمعناه من بعضهم، وقد تقدم أن موقفنا هذا لسنا منفردين به في المعاصرين، بل من كبار نظار العصر من لا يرى بأسا في القول به، في سجال طويل لا يشعر به الدكتور ولا يلتفت إليه أصلا، ومع هذا يصر على أن يدلي فيه بدلوه "الفيزيائي" بمثل ما كتب وما نشر، وكأنما جاء أخيرا بما فيه حسم النزاع وفض الجدال، والله المستعان!

قوله: "وهذا يجعل الفراغ والحركة والمادة تشكل الساحة التي يظهر فيها الزمان. في هذا التصور كان العالم يفترض فيه أنه قديم، بلا بداية، ولذا كان الظن أن الزمان لم يزل موجودا بلا بداية." قلت هذا تشخيص ساذج وغير صحيح للمسألة. وقديما قالوا: من تكلم في غير فنه أتى بتلك العجائب! فهو أولا لم يقل إن الزمان يظهر في الأعيان كما يوحي به كلامك يا دكتور! وإنما هو عنده تقدير ذهني صرف! فلم يكن أرسطو يظن أن الزمان لم يزل "موجودا" بلا بداية لأنه كان يرى قدم العالم!! وإنما قال بقدم العالم لأنه لم ير في نظريته ما يرجح حدوثه بعد أن لم يكن! فإذا جاز قياس الماضي على الحاضر، والحال في الحاضر أن العالم موجود، تتحرك فيه المتحركات وتتغير فيه المتغيرات على نحو ما حقق في نظريته، فليس في الطريقة اليونانية إلا طرد ذلك القياس في كل ما يجوز أن يدخل تحت معنى الزمان الماضي بوجه من الوجوه! فإذا كانت الحركات والمتغيرات لا تزال تقع على ما هو جار الآن، بلا بداية يوجب القياس انتهاء إليها، فلابد من المصير إلى القول بقدم العالم حتى تكون النظرية قد استوعبت الوجود بإطلاق كما هو الغرض من وضعها أصلا! ولهذا فلم يزل من الممكن عنده تصور التقدير الزماني في جهة الماضي بلا غاية ينتهى إليها ذهنيا في ذلك! إذ لم تزل الحوادث تحدث ولم تزل المتحركات تتحرك ولم تزل المتغيرات تتتابع من الأزل بلا بداية عنده! أما أن يقال إنه ظن أن الزمان كان "موجودا" في الأعيان بلا بداية، لا لشيء إلا لأنه شرط للزمانية وجود ما يتحرك في الخارج، وهو يقول بقدم العالم، فهذا مما لا يقال فيه إلا: حشفا وسوء كيلة!

الدكتور عقد نفسه على أن الزمان شيء متعين خارج ذهنه، وجوبا وضرورة، ثم أخذ في تتبع كلام الفلاسفة في "تفسيرهم" لحقيقة ذلك الشيء الوجودي المزعوم، حتى يصل في النهاية لأن يقول إن لديه حلا لإشكال الجمع بين تصور الزمان في النسبية العامة (أنه شيء متعين في الخارج) وتصوره في الفيزياء الكمومية (وهو أنه مجرد مقياس ذهني رياضي لتغير أحوال الجسيمات تحتالذرية)، بأن يُجعل الزمان كيانا كموميا نسبانيا في الأعيان على نحو ما، كما اقترحه بعضهم!! فمن طريقة الدكتور المطردة في كتاباته، حمل كلام الفلاسفة والمتكلمين على ما يريده هو لا على ما يريدون، وهذا من أعيب ما يكون!

يقول الدكتور: "إن غياب القبل المطلق والبعد المطلق يجعل الماضي والحاضر والمستقبل مجتمعة في كون مغلق. وهذا ما يعني أن كل شيء (مقدّر ومكتوب) كما يقال. لكننا لا نعرف ما هو المقدّر والمكتوب، لأننا نعيش داخل الكون فلا نرى المستقبل."

قلت: هذا كلام فاسد ولا شك! فعندما يقال إن الماضي والحاضر والمستقبل مجتمعة في كون مغلق، بهذا الإطلاق، فهذا يقتضي ألا يكون للرب الصانع وجود قبل ابتداء الكون، لأنه ليس قبله قبل، ولا بعد الكون لأنه ليس بعده بعد! وقد بينت في غير موضع أن القول بابتداء الزمان بعد أن لم يكن، تناقض ودور ظاهر، إذ قولك "بعد أن لم يكن" يقتضي إدخال حالة عدم وجود الكون في معنى "الزمان" الماضي، بالنسبة إلى حادث ابتدائه! نقول "بعد أن لم يكن" أي، إنه لم يكن قبل أن كان! فهذه قبلية يجب ثبوتها فيما زعمتم أنه ليس فيه "قبل"، حتى يصح أصلا للكون أن يحدث وأن يخلق!

ومع هذا، سلمنا تنزلا بأن حادث ابتداء الكون لم يكن قبله زمان ولا دخول لشيء في معنى "القبل" إلا بعد حدوث العالم! فعلى هذا، إما أن يكون الرب الذي تعبده يا دكتور، حادثا مسبوقا بعدم نفسه، لأنه ليس ثمة "قبل مطلق" خارج إطار الزمكان المزعوم، أو أن يكون العالم قديما معه، أزليا معه، حتى لا يلزمك من نفي القبل المطلق، نفي وجود الصانع قبل ابتداء العالم!! ونظير ذلك نلزم به الأشاعرة والغزالي كما ألزمهم به ابن رشد، إذ القول بأن الزمان والمكان لا يتجاوزان هذا العالم المخلوق، ولا يطلقان إلا على الموجود الواقع في خلائه، يقتضي ألا يكون لشيء خارج عنه وجود في الأعيان أصلا، لا في الزمان ولا في الجهة! فليس فوق العالم رب صنعه، ولا من قبله رب متقدم عليه في جهة الماضي، كان قبل أن يكون العالم!! وبصرف النظر عن أن ابن رشد كان ينتصر بذلك الإلزام لقوله بقدم العالم، إلا أن الإلزام صحيح في نفسه وهو لازمهم قطعا، ويلزمك نظيره يا دكتور، شعرت بذلك أم لم تشعر!

تأمل كيف يستنبط أن كل شيء مقدر ومكتوب "كما يقال"، ولا أدري كما يقال هذه، يقال عند من؟؟ هذا من المعلوم من الدين بالضرورة يا دكتور، وليس مما "يقال"!

على أي حال، فمن السخف أن يقال إن دليل كون الحوادث كلها مقدرة في علم الله تعالى، الدليل العقلي، هو أن الماضي والحاضر والمستقبل كلها موجودة معا في قالب واحد خاضع لسمع وبصر الباري معا من الأزل، على مذهب الأبديين Eternalists من أمثال توما الأكويني وغيره، الذين قالوا إن الرب لابد وأنه لم يزل يرى الماضي والحاضر والمستقبل جميعا في نفس اللحظة، كما نرى نحن ما نراه في هذه اللحظة الحاضرة، وكل ذلك موجود الآن بالنسبة إليه كوجود ما يوجد في اللحظة الحاضرة في وعينا نحن الحاضر، يريدون بذلك الخروج من إلزام فاسد ألزمهم فيه بعض الفلاسفة بنفي العلم الإلهي لأنه يتعارض مع حرية الإرادة!! فبناء على خرافة الكون القالب Block Universe التي يقال فيها إن الزمكان إنما هو كالقالب الذي تملؤه الحوادث المنتشرة في أنحائه كما تنتشر حبات الرمل داخل قالب الطوب، يتحصل لدينا بزعم الدكتور، دليل عقلي على أن الله قد كتب كل شيء وقدره تقديرا!! هذا المذهب ينفي أصحابه تتابع الحوادث نفيا وجوديا Temporal Becoming ويقولون إنه مجرد وهم ذهني يتحصل لدى كل راصد بحسب موضعه واتجاه حركته وسرعتها داخل قالب الزمكان! وهذه خرافة بينة ولا شك، تغني حكايتها عن تكلف إبطالها! إذ الحوادث Events ليست أعيانا وجودية أصلا، بحيث يوجد كل واحد منها في موضع معين داخل قالب وجودي متعين خارج الذهن! وإنما هي أحوال تتجدد على الأعيان الوجودية الموجودة خارج الذهن، فيكون الموجود المعين على حال حاضرة ثم تكون تلك الحال حالا ماضية ينتقل منها إلى التي تليها ثم التي تليها، وهو ما يحصل لجميع الموجودات على الإطلاق ما دامت موجودة خارج الذهن. يعني أنا الآن موجود وحالي أني أفعل ما أنا فاعل الآن في هذه اللحظة، فما ينشأ عني في كل لحظة، هو Event يحدث ثم يمضي لتمر علي من بعده حال أخرى أكون أنا فيها، ويقع مني فيها حادث آخر، وهكذا، في سلسلة لا تزال تمضي من المستقبل إلى الحاضر إلى الماضي، حادثا بعد حادث، حتى ينقضي وجودي في هذا العالم ويحين أجلي! فليس للفعل الذي أحدثته فيما مضى، قبل خمس دقائق مثلا، وجود عيني الآن خارج الذهن، بل ولا للحادث الذي أحدثه الآن، في هذه اللحظة التي أكلمكم فيها، ولا للذي سيحدث بعده، وإنما توجد الموجودات العينية التي تعرض عليها تلك الأحوال والتغيرات التي نعبر عنها نحن بمعنى الحادث Event في حال وقوعها، وقد تنشأ موجودات لم توجد من قبل عن "أحداث" بهذا المعنى العصري Events فتكون أحداث خلق أو تكوين أو نحو ذلك، وقد ننسب تلك "الأحداث" تنسيبا ذهنيا صرفا لحادثة أخرى وقعت قبلها في الترتيب الزماني، أو تقع بعدها أو تزامنها في تقديرنا، فنقول كان للشيء الفلاني كذا وكذا، ووقع من فلان كذا ثم كذا، وهكذا! فحادث فتحي لجهاز الكمبيوتر الخاص بي مثلا، حادث وقع فيما مضى، فأين هو الآن؟ لا وجود له بعينه في الخارج، وإنما توجد ذكراه قائمة بنفسي، ويوجد أثره العيني في مادة العالم، ويوجد العلم به قائما بنفس الباري سبحانه، وتقديره السابق في علمه وفي اللوح المحفوظ. أما الوجود العيني خارج الأذهان فلآحاد الموجودات لا للوقائع و"الأحداث" Events على المصطلح الفيزيائي، التي نشأت عنها أو تولدت منها! وهذه مسألة بديهية لا تختلط على عاقل سوي النفس، سالم من سفسطة الفلاسفة! (1) ومع هذا، فقد أبى فلاسفة الميتافيزيقا الغربيون إلا أن يصيروها مذهبا من جملة المذاهب المستساغة في "فلسفة الزمان" عندهم، يقال لأصحابه الحاضريون Presentists أي الذين يقولون إنه لا وجود الآن في الأعيان إلا لما يوجد في اللحظة الحاضرة! مع أنها كما تقدم قضية بديهية ضرورية، وجاحدها جاحد للبداهة قطعا، إذ من التناقض والسخف الظاهر أن يقال: إن الوجبة التي أكلتها بالأمس، لا تزال جلستي التي جلستها من أجل أن آكلها موجودة الآن في شيء وجودي في الأعيان، بحيث لو نظرنا إليها من خارج الكون لرأيناها كما نرى ما نحن فاعلون الآن! كيف نشهد لها بأنها قد وقعت في الماضي، ومع هذا نقول إنها واقعة الآن؟؟ هذا ينسف مبدأ المضي الزماني أصلا!

ولكن لأن مينكاوسكي استحسن مخطط الزمكان الرباعي الذهني المحض، ذلك المخطط الهندسي الألمعي الذي شرح به النسبية الخاصة وتتابع الحوادث فيها هندسيا، ولقي إعجاب أينشتاين نفسه، أبى إلا أن يصيره هو حقيقة وجود ما يقال له الحوادث Events في الأعيان، وتابعه أينشتاين فيما بعد على ذلك التصور الأنطولوجي في نسبيته العامة! الحوادث حقيقتها الوجودية أنها نقاط عالقة في بحر "الزمكان" الوجودي، كما يمثله المخطط على الورق! وهذه يا إخوان هي كبرى آفات النسبيتين في الحقيقة، التي من أجلها نقول إن الفيزياء قد غرقت في المئة عام الأخيرة في حمأة عقلية لا يتصور لها خروج منها لا أن يشاء الله! تلك الحمأة التي لا يجد عامة الفيزيائيين المعاصرين ما يدعوهم لأن يتدبروا فيها أصلا، ولا لأن يشعروا بسخافتها، في ظل الطريقة التي تدرس بها النسبيتان في الجامعات والأكاديميات الفيزيائية حاليا! ومن شعر منهم، كانت غايته أن ينزوي باعتراضه تحت اسم ISM أو مذهب فلسفي يطرحه طرح الاقتراح النظري على أقرانه من الفلاسفة، دون أن يكون له أدنى تأثير أكاديمي على مسيرة الفيزيائيين فيما هم ماضون فيه! قل ما تحب ونحن نفعل ما نحب، ولا تثريب علينا ولا عليك، ما لم تطالبنا بترك بعض أقوالنا والنزول عنها لأسباب دينية واعتقادية وما شاكل ذلك! نحن نقول إن البراعة الرياضية والإبداع الهندسي المبهر حقا في نظرية المخطط الرباعي الزمكاني هذه لا ينكرهما إلا مكابر، ولكن هذا لا يسوغ لأصحابها تصييرهم ذلك المخطط حقيقة وجودية في الأعيان، كما كان هو أساس النسبية العامة عند أينشتاين، في مغالطة قديمة قدم الفلسفة نفسها!! لا وجود في الأعيان لشيء اسمه الزمكان أصلا، لأنه لا يمكن ولا يصح عقلا أن يوجد! ولا يدل على وجوده مجرد أن الرياضيات التي استعملت في تصوره وتوصيفه بارعة للغاية، تامة الإحكام والتناسق المنطقي! فإنه ليس كل ما تجوز العبارة عنه رياضيا، يجوز وجوده في الأعيان، ولا كل ما تمنع العبارة الرياضية وجوده فإنه يمتنع وجوده عقلا بالضرورة، بل ولا حتى فيزيقيا! وها أنت ترى كيف أن عامة الكوزمولوجيين اليوم لا يقبلون من النسبية العامة نفيها مطلق الوجود عما كان قبل الفردية الأولى المزعومة، بل يعلمون ويقرون بأن تلك الفردية لا حقيقة لها أصلا إلا أن تكون ناشئة عن طرد المعادلات في جهة الماضي إلى غاية ما يمكن من ذلك نظريا!! ولكن لا يدل مجرد إمكان تصور تلك الخطة على الورق، وبمعادلات دقيقة محكمة بالغة التناسق فيما بينها، وتتلاءم مع المشاهدات والقوانين المتحصل لدينا استقراؤها، لا يدل مجرد ذلك على وقوع ذلك الوهم أصلا، بل ولا يلزم منه حتى جوازه العقلي!! وهذه قاعدة عقلية يجب أن يتعلمها الفيزيائيون المسلمون في الجامعات من قبل أن تعرض عليهم تلك النظريات، حتى لا نرجع بعدما أفسدنا عليهم عقولهم وفتحنا عليهم أبواب الزندقة من حيث لا نشعر ولا يشعرون، لنقول: كيف ولماذا يلحد من يلحد منهم أو يقول بأمثال تلك العقائد الفاسدة الأجنبية عن دين المسلمين، التي يقررها الدكتور هاهنا؟!


قوله: "وهذا ما يعني أن كل شيء (مقدّر ومكتوب) كما يقال. لكننا لا نعرف ما هو المقدّر والمكتوب، لأننا نعيش داخل الكون فلا نرى المستقبل" قلت: الله أكبر! السبب في أننا لا نعرف ما هو المقدر والمكتوب، هو أننا نعيش داخل الكون لا خارجه، لأنه لا خارج له! طيب ما رأيك يا دكتور في نماذج أولئك الكوزمولوجيين الذين جعلوا هذا الكون مجرد فرد واحد من أفراد منظومة لا نهائية من الأكوان المتجاورة، لكل واحد منها زمكانه الخاص؟ هؤلاء عندهم أننا يمكن نظريا أن نخرج من كوننا هذا إلى كون آخر، في إطار تصور لديهم للجاذبية الكمومية والزمان والمكان الكموميين! وإذن فما الذي يمنعنا من أن ننظر إلى الماضي والحاضر والمستقبل في عالمنا هذا من خارجه (الذي يتجاوز تعريف الخارج في ميتافيزيقا أينشتاين عند من يجيزه ولا إشكال)، فنعلم الغيب كله كما يعلمه رب العالمين؟ إن قلت هذا لا يكون أبدا ولا يمكن أن يقع، لأن الفيزياء فيها ما يمنع من ذلك، والنسبية العامة نفسها تمنعه، قلنا لك فهي نفس الفيزياء ونفس النسبية العامة التي كان فيها ما أجاز لهم هم ما تمنعه أنت!! القضية في النهاية قضية تعريف ميتافيزيقي يتلاعب به المنظر الفيزيائي كما يحلو له، وكما تحاوله أنت في بحثك هذا ومن تابعتهم عليه، رجاء تأسيس الأساس المفاهيمي والفلسفي لنظرية يروق لك التعلق بها! فما الذي يجعل رأيك حجة على آراء مخالفيك والحالة هذه؟؟ الآفة المنهجية التي لن يتنبه إليها الدكتور هاهنا ولن يقبل أن ينبه إليها أصلا، هي في مبدأ حجية النمذجة الرياضية ودلالتها على الواقع الوجودي في هذا الباب! في باب التنظير الميتافيزيقي! فهذا أيها الإخوة، الذي أوصل الفيزيائيين إلى هذه الحالة البائسة عقلا، خليط تاريخي أسود بين طريقة المدرسة اليونانية في التنظير الميتافيزيقي (الإطلاق على شرط الوجود) وطريقة الرياضيين العصريين في الإغراق في التجريد الذهني الرياضي على أنحاء قد انقطعت صلتها بالواقع المعتاد من غير أن يأبهوا لذلك أو يبالوا به أصلا!
يقول الدكتور: "خلال بحثي في موضوع الزمن الكمومي وبالأخص ما طرحه دون بيج وزميله وليام ووترز بهذا الخصوص (أنظر البحث أدناه والذي نشر في Frontiers in Physics أمس) وجدنا أن أحداث العالم في وصفهم يجمعها كون سكوني شامل تكون الأحداث فيه أشبه بلقطات فيلم سينمائي. هذه اللقطات جميعاً هي ساكنة في منظور مراقب خارجي (مفترض) ومتحركة في منظورنا نحن الذين نعيش داخل الكون. جميع اللقطات حاضرة في منظور الرقيب الخارجي الذي هو ليس في زمان فهو على كل شيء رقيب يرى السابق واللاحق فالزمن لا وجود له بالنسبة لهذا الرقيب. أما المراقبين في داخل الكون فهم يرون الأحداث كما يراها المشاهد في عرض سينمائي يمكنهم مشاهدة ما مضى، ولكنهم لا يعرفون ما سيأتي."
قلت: وجدت في بحثك في أدبيات معاصريك من الفيزيائيين ما يفيد أن هذا هو التصور الميتافيزيقي السائد عندهم لحقيقة الحوادث أو الأحداث Events وجوديا، ولحقيقة الزمان، فاتخذت ذلك دينا وعقيدة، تؤسس عليه اعتقادك في صفات باريك سبحانه، والآن تدعو الناس لأن يقلدوك كما قلدت أنت من قلدتهم، فبئس الدعوة وبئس الداعي، ولا حول ولا قوة إلا بالله! أي رقيب خارجي هذا أصلا الذي تجيزه هذه الميتافيزيقا يا دكتور، وقد قررت بنفسك أن الكون فيها لا خارج له أصلا؟؟! هذا إذن على عقيدتك، خارج الكون وليس خارجه، وهو من الوصف بالمعنى ونقيضه معا! والموصوف بالمعني ونقيضه لا يكون إلا من الممتنعات عقلا، لأن اجتماع النقيضين من المحالات، ولا جديد في هذا التعطيل المحض والله! بل هي بعينها نحلة الفلاسفة القدماء في الإلهيات، ولكن تحت خرافة عصرية من نفس النوع وعلى نفس المنهج! ولا شك أن وصفك إياه بالرقيب الذي يرى كل شيء يكون تناقضا، لأن الفعل "يرى" فعل مضارع، والمضارعة من معاني الزمان Tense قطعا، هو يرى الآن وكان يرى في الماضي وسيرى في الحاضر، وهو ما يناقض قولك قبل: "ليس في زمان"، كما لا يخفى إلا عليك أنت ومن هم على شاكلتك وعلى نفس طريقتك النكدة! لا يجوز في العقل أصلا أن تنسب معنى الوجود لموجود ما، دون أن تنسبه بذلك إلى معنى من معاني الزمانية وجوبا وضرورة! تقول فلان موجود، أي موجود الآن، في هذا الزمان الحاضر! وإلا وجب أن تقول، كان موجودا ثم هو الآن عادم غير موجود، أو تقول سيكون موجودا ولكنه لم يوجد بعد، أو لا وجود له على الإطلاق!! هذه القسمة الرباعية لا خامس لها في العقل أصلا، وليقل من يشاء ما يشاء! فالرب الذي تعبده يا دكتور، يوصف كذلك بالوجود والعدم معا، ويوصف بأنه يفعل فعل الإبصار الآن ولا يفعله في الزمان معا وبأنه يرى الآن (في اللحظة الزمانية الحاضرة) ما كنا عليه في الماضي (أي في غير اللحظة الحاضرة)، أي يرى الآن ما لم تعد موجودات العالم عليه من الأحوال أصلا، بل هي الآن على خلافه، وهو أيضا من الوصف بالمعنى ونقيضه معا!! فهنيئا لك صانع الفلاسفة الذي هو من جملة الممتنعات العقلية المحضة!
لا تملك والله إلا أن تضحك حتى تنقلب على قفاك حين تراه بعد كل هذا العجن الفلسفي المبين يقول بكل أريحية: "هذه خلاصة الأبحاث العلمية الحالية في استخلاص الزمن الكمومي وهذا الكلام ليس مبنياً على منطلقات دينية عقائدية، بل هو الكلام الذي تقرره النظرية العلمية الآن ..."
قلت: إذا كان الرب المعبود يوجد الآن ولا يوجد الآن معا، ويفعل ولا يفعل معا، وهو خارج العالم وليس خارجه معا، إلى آخر تلك التناقضات، فلا بأس بأن يقال إن هذه التقريرات بشأن الزمان وحقيقته وما يتعلق بها من لوازم ومقتضيات في الإلهيات: فلسفة وليست فلسفة في نفس الوقت، وعقيدة وليست عقيدة معا في نفس الوقت!! لسنا نبني العلم على عقيدة سابقة، معاذ الله!! بل نبني العقيدة على العلم! وهو العلم الذي يواصل ليقول في صفته: "وهو سيخضع للفحص التجريبي وبالتالي فهو خاضع للتبديل والتغيير." نعم! فهي إذن عقيدة وليست عقيدة معا، ولا عجب!!
آفة هؤلاء يا إخوان وكما بينت آنفا، أنهم تعلموا في الأكاديمية الفيزيائية المعاصرة أن الدعوى الأنطولوجية (الوجودية)، أي دعوى أيا ما كان مضمونها، إذا أمكن أن تصاغ أو تصور في معادلات رياضية متناسقة، وتؤول المشاهدات بما يوافقها، وتلاءم تمام الملاءمة مع عامة ما اتفقت عليه الأكاديمية الآن من نظريات وتصورات وأقيسة وحدود ميتافيزيقية، فهي إذن "علم تجريبي" وليست "فلسفة" أو "منطلق اعتقادي" أو "ديني"، وإذن فهي أرقى في ميزان المعرفة مما كان الفلاسفة السابقون يتنازعونه فيما بينهم قديما، وجوبا وضرورة!! وهذه سطحية وسذاجة منقطعة النظير، لو وقف عليها الفلاسفة الأقدمون لضحكوا منها ملء أفواههم، والله المستعان! ترى الواحد من هؤلاء يؤسس جميع ما عنده من نماذج رياضية على مسلمات ميتافيزيقة لا يدري أصلا أنها دعاوى فلسفية منها ما هو محض تحكم ومنها ما يرده العقل السوي وجوبا وضرورة، ومنها ما ينقض عليه اعتقاده في الرب الذي يدعي أنه يعبده، وإذا أردت أن ترد عليه كلامه لما فيه من تخليط عقلي وفلسفي عميق الغور، طالبك بأن تصوغ ما عندك في معادلات رياضية تخاطبه بها، ويا حبذا لو تنشره في دورية علمية فيزيائية محكمة، وإلا لم يقبل منك أن تخاطبه بشيء أصلا! وكأن الرياضيات هذه طلاسم سحرية من تلفظ بها، انفتح له باب إلى العلم بما في الغيب لا يلجه إلا الرياضيون!! حتى الفيثاغورسيين الذين عبدوا الأعداد الرقمية من دون الله، لم يبلغ بهم افتتانهم بالنظر الرياضي ذلك المبلغ المزري بصاحبه! يجب أن تسلم نفسك لكاهن معبد الرياضيات إن أردت أن تتحصل على أساس "علمي" تبني عليه اعتقادك في ربك وفهمك لأصول دينك، وأن تسلم له بكل ما يمليه عليك، لأنك يا مسكين لن تفهم مصطلحات القوم ولن تقترب أصلا من أن تفهمها، حتى تدرس كما درسوا وتتدرب كما تدروبوا!
يقول الدكتور: "فضلاً عن ذلك فإن هذه القفزة العلمية في فهم العالم يمكن أن ترتقي بفهمنا لعقيدة الدين وبعض مفرداته، في زمن ضعف الإيمان الحقيقي بالله تعالى، لنفهم ما تعنيه الآية الكريمة {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}. ولنفهم معنى الرمزية التي يتضمنها الحديث الشريف الذي ورد في كتب الصحيح: (لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر).
{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}
فهل نحن نعيش في كون مغلق لو تحقق وجود الزمن الكمومي فعلاً؟"
قلت: كل هذا العجن الفلسفي المبين الذي قرره آنفا، هو "قفزة علمية في فهم العالم"! وهي قفزة لابد وأنها سترتقي بفهمنا لعقيدة الدين وبعض مفرداته! ذلك الفهم البدائي البائس الذي لم يعرف أصحابه الزمان الكمومي والجاذبية الكمومية!! يجب أن تعتنق نظرية الكون القالب Block Universe التي ذكرها لك قبل قليل، إن أردت أن تفهم قوله تعالى ((قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)) فهما صحيحا! ودعكم من الفهم السطحي الساذج الذي توارثه علماء الملة لقوله عليه السلام "فأنا الدهر"! هذا الكلام له باطن "رمزي" لا يفهمه إلا من ضبط هذه "القفزة العلمية في فهم العالم"! وكذلك قوله إنه "على كل شيء شهيد"! هذه هي الآيات التي سيرينا إياها حتى نتبين معنى كونه "شهيدا على كل شيء"! فهلموا إلينا معاشر المسلمين، إلى محافل الفيزياء الرياضية وإلى أبواب الكوزمولوجيا والفيزياء النجمية، إن أردتم فهم دينكم كما يفهمه الخاصة ممن انكشفت لهم حقائق الكون!
فما نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!!
أبو الفداء ابن مسعود
أ.م.د. / حسام مسعود
أستاذ مشارك بكلية الهندسة جامعة عين شمس
------------------
(1) ولا أعني بهذا أن الحوادث التي تقع للموجودات أو منها أو عنها، وتعرض عليها، ليست موجودة في الأعيان، وانتبه، بل صفة الشيء أو حاله القائمة به هي في الأعيان على ما هي عليه قطعا، وإنما أقصد أنه ليس يوجد شيء معين خارج الذهن اسمه الحادثة الفلانية، وإنما هذا تجريد ذهني كلي لجملة تلك الأحوال والصفات والوقائع التي يقال لها الحادثة الفلانية Event. فحادثة فتحي لجهاز الكمبيوتر، مثلا، هي جملة الأحوال التي كنت أنا والجهاز عليها حال وقوع تلك الحادثة، كانت يدي تتحرك على نحو معين، ثم الجهاز يستجيب ويتأثر بحركتها على نحو معين، مما هو واقع كله في الأعيان، ومما نعبر نحن عن مجموعه ذهنيا بالمعنى الكلي: "حادث فتح الجهاز"! فنفس الحادث، بهذا الاسم، لا وجود له عينا في الخارج، حتى يقال إنه هو وغيره من الحوادث الماضية موجودة الآن في الزمكان كوجود حوادث اللحظة الحاضرة!! أي أن العبارة عن الحادثة أو الواقعة المعينة Event بنقطة في مخطط الزمكان، إنما هو تجريد ذهني لمعنى كلي توصف به جملة من الصفات والأحوال والتغيرات في موجودات معينة، وليس هو في نفسه موجودا متعينا خارج الأذهان، حتى يصح أن يقال إن ما مضى من ذلك وانصرم يستوي وجوديا في الأعيان بما هو حاضر وما هو مستقبل، ويقبل عقلا أن يراه الناظر إليه من خارج العالم، كما نرى الأشياء الحاضرة أمامنا الآن!

إرسال تعليق