جواب سؤال في مسألة العلاقة بين إثبات الروح في البشر وبين قضية الحتمية السببية والجبر


الحمد لله وحده، أما بعد، فقد راسلني أحد إخواني الأفاضل بسؤال قال فيه:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 

كيف حالكم يا شيخ ان شاء الله بخير 

لدي سؤال في ما يخص تعليقًا كنت اراجعه لكم حول كلام ويليام لين كريغ وشون كارول في ما يخص الحتمية وحرية الإرادة.

وبالحقيقة كان تعليقًا رائعًا لكن أشكلت علي مسألة، الآن نحن أهل السنة والجماعة وسائر العقلاء نثبت ارادة للبشر متعللة بأسباب ومصالح وطبائع شخصية وقبل كل ذلك ارادة ربانية "القدر" تعلل بها كل شيء بترتيب بديع.

لكن أليس اعتراضا وجيها منا على الملاحدة أن نقول أن الإرادة الحرة التي هي عندنا منشأها الروح لا محل لها اساسا في التصور الحتماني الطبيعي، حيث ان الارادة لا تنشأ من التفاعلات الحتمية التي لا عقل ولا وعي فيها؛ فهو شبيه باعتقاد المسلمين من وجه كونه اعتقادا حتميّا ومخالف من وجه كون هذه الحتمية مغلقة سببيا على عمليات كلها غير واعية وغير عاقلة ينبثق عنها العقل والوعي من عدمه من مادة صماء مع بقائها صماء على المستوى الصغروي الكوانطي للمادة، قنحن نزعم امتناع ذلك عقلا وبداهة

فهذا وجه كون الجبرية تلزمهم ولا تلزمنا

حيث اننا نعلل ارادة الذات الواعية باسباب تحملها على الارادة والفعل وهم ينكرون الذات ويجعلون الارادة نفسها اصلا والذات كلها شعورا وهميا لا حقيقة له الا تفاعلات جبرية غير واعية ولا عاقلة على المستوى الصغروي

وهذا انفصام كما ذكرتم بين الكبروي والصغروي

لكن اليس الاعتراض وجيها بعد تنقيته من لوثات القدرية؟

هذا سؤالي بارك الله فيك

فأجبته بقولي: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته. حياك الله أخي الحبيب. ما تفضلت به يفتح عليك بابا لاعتراض مثبتي الإرادة الحرة من الدهرية الطبيعيين، مفاده أنها عندهم ظاهرة معللة تعليلا تاما بملكة مادية تخضع لقوانين طبيعية في عملها، ولكن تلك القوانين ليست هي التي تملي على تلك الملكة أي خيار تختار إذا اختارت، حتى مع كونهم يعتقدون أن الجسيمات تحت الذرية تجري على نظام حتماني (كما هو اعتقاد شون كارول نفسه). وهذا عنده داخل في إطار ما يسمونه بمبدأ الانبعاث Emergence Principle، وهو مبدأ ينص على أنه لا مانع عقلا من أن يكون للأشياء الكبيرة المنبعثة نظريا من قوانين دقيقة تحكم الأشياء الصغيرة التي تتركب منها، نظام وقانون لا علاقة له (سببيا) بالقوانين التي تحكم الأشياء الصغرى. فمثلا، ليس من تفسير كون بعض أنواع الحيوانات تتمتع بخصال سلوكية معينة، أن الجسيمات تحت الذرية في مواد خلاياها تسلك سلوكا معينا قد تسبب فيه! وإنما تنشأ أسباب ذلك السلوك عندهم، حتى عند القائلين منهم بنفي الإرادة الحرة، عن قوانين علوية higher, Non-fundamental laws أو Subsystems متفرعة عن النظم الطبيعية الأساسية أو التحتية التي تحكم مادة تلك النظم الكبروية، مستقلة عنها، وإن كانت تتعلل بها ووجوديا في أصل الأمر. وهذا التصور لا يخرج أصحابه من الحتمية السببية المغلقة بطبيعة الحال، لأنهم في جميع الأحوال لا يسمحون بتعليل أي حادث، سواء كان على المستوى الصغروي أو الكبروي إلا بجنس الأسباب الطبيعية، وإنما تجد عندهم انفكاكا بين أنماط من القوانين الطبيعية من حيث موضوع تأثيرها ومستواه، وهو أمر لا يلزمهم منه التناقض كما تريد أن تلزمهم به، والله أعلم.

أي أنهم يتفقون على إثبات الوعي Consciousness في الإنسان، ولكنهم يثبتونه وعيا ماديا دون أي عنصر غيبي (فائق للطبيعة)، ثم يتفقون على أنه هو المسؤول عن خياراتنا وأفعالنا، ولكن بعضهم ينفي معنى الإرادة الحرة عنه (كدانيال دينيت وغيره)، إذ يجعل جميع ما ينشأ عن الإنسان من فكر وسلوك، نتاجا لقوانين طبيعية تحكمه، منها ما يرجع إلى النشاط تحت الذري ومنها ما يرجع إلى غير ذلك، وبعضهم يثبت تلك الإرادة ولا يرى - كما هو مذهب كارول - أن إثباتها ينافي الحتمية السببية الطبيعية، لأن مجرد قيام معنى الاختيار والإرادة الحرة بنفس الإنسان، يجعلها حقيقة لا يصح نفيها، بصرف النظر عن أسبابها والقوانين التي تنشأ عنها.

فقال السائل وفقه الله:

"صحيح نعم هم يزعمون ذلك، لكن هي محاولة منا لالزامهم ببطلان مذهبهم هذا.

والاعتراض كما عبر عنه اخ من الاخوة بصورة بسيطة (جبر + جبر + جبر ) = جبر

يقصد لا يوجد عامل حر ومع ذلك تتعلل اختياراته باسباب متقدمة

بل هذه الاسباب المتقدمة هي تنشأ شعور الارادة نفسه كاثر عنها بينما حقيقة الامر ان الانسان ليس الا الجسد والجسد كله غير حر

يعني شعوره بالارادة ليس هو المؤثر حقيقة ولا حتى اسباب متقدمة ارادت ما يريد

انما هي العشوائية الجبرية الازلية التي لا تنتهي لأي ارادة ترجح اي شيء ومع ذلك ستخرج منها ارادة ترجح اشياء بحرية

ومع ذلك انا حاولت وضع حد صارم بين المعقتد الاسلامي ومعتقد التوافقية هذا. فاننا نقول اننا اذا علمنا ما كتب لنا سترتفع الإرادة الحرة عنا وكذلك هم يقولون، ونحن نزعم هذا من وجه انك بعد علمك فلن تستطيع ان تغير ما قد حتم سلفا ان حاولت

وسيكون المكتوب انك ستريد ذلك بكامل ارادتك وستكون اسباب ارادتك مقنعة وملجئة تماما لهذه الارادة 

بينما في الالحاد لن تجد ارادة رجحت ارادتك الحرة بل جبر ازلي لا ينتهي لارادة وانت ذرات جسدك كقطع الدومينو التي لم يزد الامر فيها ان انبثق شعور بان هناك ارادة حصلت مع ان الجسد كله لا يوصف بانه اراد في اي جزء من اجزائه انما النظام كله يوصف بانه اراد مع كون كل جزء من اجزائه لم يرد 

يعني اشبه بجمع النقيضين

اذ الصفة لا بد ان تنزل على موصوف ما

لا يوجد ارادة بلا مريد

وتعريف الانسان عندهم انه هو الجسد وحسب

يعني هي المشكلة اظن تعود لمسالة (الجسد - الروح) واظن عندهم تسمى (body and mind) 

هذا هو الاستشكال كله فوضح لي بارك الله فيك.

يعني مواطن الوفاق ييننا هو اثبات التعلل السببي والحتم السببي السابق للارادة

واختلافنا معهم ان مذهبهم قاصر في تفسير الارادة بارجاعها الى النشاط البيو كيميائي"

فقلت في الجواب:

قولك:

" والاعتراض كما عبر عنه اخ من الاخوة بصورة بسيطة (جبر + جبر + جبر ) = جبر

يقصد لا يوجد عامل حر ومع ذلك تتعلل اختياراته باسباب متقدمة

بل هذه الاسباب المتقدمة هي تنشأ شعور الارادة نفسه كاثر عنها بينما حقيقة الامر ان الانسان ليس الا الجسد والجسد كله غير حر

يعني شعوره بالارادة ليس هو المؤثر حقيقة ولا حتى اسباب متقدمة ارادت ما يريد

انما هي العشوائية الجبرية الازلية التي لا تنتهي لأي ارادة ترجح اي شيء ومع ذلك ستخرج منها ارادة ترجح اشياء بحرية"

قلت: لم أفهم قصدك "بالاعتراض"، هل تقصد أن هذا هو الكلام الذي ترد أنت عليه؟ 

على أي حال فقول القائل: "لا يوجد عامل حر ومع ذلك تتعلل اختياراته بأسباب متقدمة"، هذا من كلام القدرية على التحقيق. فهم من يقولون إن الاختيار لا يكون حرا على الحقيقة حتى يكون غير معلل بأسباب تتقدمه! وإلا فلو كانت له أسباب خارجة عنه، لما حصل فيه معنى الإرادة الحرة على التحقيق! ومهما شعر الإنسان بأنه حر يفعل ما يريد ويختار، فليس ذلك إلا وهما يتوهمه بينما حقيقة الأمر أن شعوره هذا "ليس هو المؤثر حقيقة"! هذا الكلام هو بعينه قول القدرية، وحقيقته خلق العباد أفعالهم! وصاحب هذا الكلام لو حاققته فلن تجده يعتقد أن الله تعالى خلق آحاد المشيئات والإرادات المعينة التي تحصل في نفس الإنسان، وفقا لمشيئة إلهية سابقة لديه سبحانه، وإنما سيزعم أن الله إنما خلق في الإنسان الآلة التي تميز وتختار ثم تركه ليستعملها كما يشاء دون أن يكون لكل اختيار من اختياراته أسباب خارجة عن تلك الآلة، وهو ما حقيقته خلق العبد إرادته المعينة ومشيئته المعينة في نفسه، وهو عين قول المعتزلة الذي به أخرجوا إرادات البشر من أن تكون مخلوقة لله تعالى! 

قولك: 

"فاننا نقول اننا اذا علمنا ما كتب لنا سترتفع الإرادة الحرة عنا وكذلك هم يقولون، ونحن نزعم هذا من وجه انك بعد علمك فلن تستطيع ان تغير ما قد حتم سلفا ان حاولت، وسيكون المكتوب انك ستريد ذلك بكامل ارادتك وستكون اسباب ارادتك مقنعة وملجئة تماما لهذه الإرادة، بينما في الالحاد لن تجد ارادة رجحت ارادتك الحرة بل جبر ازلي لا ينتهي لارادة وانت ذرات جسدك كقطع الدومينو التي لم يزد الامر فيها ان انبثق شعور بان هناك ارادة حصلت مع ان الجسد كله لا يوصف بانه اراد في اي جزء من اجزائه انما النظام كله يوصف بانه اراد مع كون كل جزء من اجزائه لم يرد، يعني اشبه بجمع النقيضين، اذ الصفة لا بد ان تنزل على موصوف ما، لا يوجد ارادة بلا مريد وتعريف الانسان عندهم انه هو الجسد وحسب، يعني هي المشكلة اظن تعود لمسالة (الجسد - الروح) واظن عندهم تسمى (body and mind) هذا هو الاستشكال كله فوضح لي بارك الله فيك"

قلت: ليس في العقل مانع من أن يكون الجسد هو الذي يريد ويختار، وأن تكون ملكة العقل مركبة فيه وفي خلاياه، وليس في شيء وجودي غيبي متعلق به وهو الروح! ألا ترى أن الله تعالى قد أنطق الحجر وأنطق ما لا روح فيه، بل وخاطب السماوات والأرض جميعا بعد خلقهما بالتخيير كما في قوله تعالى ((ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)) [فصلت : 11]؟ فهذا تخيير (بإرادة حرة) لموجود لا روح فيه! وهو غير ممتنع عقلا. فالإصرار على إلزام الماديين ونفاة الروح بالجبر ونفي الإرادة الحرة لقولهم بالحتمانية أو التوافقية، ليس بسديد، بارك الله فيك.

نحن نقول برجوع ملكة العقل فينا، ومنها الإرادة، إلى النفس التي هي عندنا في الروح، بل ونثبت ذلك من طريق الفطرة والمعرفة الفطرية. ولكن تعليق الأمر بمسألة الإرادة الحرة واستعمالها في إلزام الجبرية، من جهة أن من نفى الروح لزمه الجبر، هذا فيه ما تقدم، والله أعلم.

فقال السائل:

صحيح 

هذا الزام قوي بصراحة. انا ما فهمته في مسال خلق افعال العباد

انها اسباب تتسبب بارادتهم ما يريدون وتتعلل ارادتهم بها تعللا كاملا مع كونها ارادتهم التي ارادوها لمصالح واسباب واعية وغير واعية وطبائع نفسية وجسدية عندهم. لكن والله لم يخطر لي على بال مسالة انطاق الحجر وانطاق اليد والالسنة وكذا. وهي ليست انطاق ذات الانسان نفسه

انما تنطق يده بشكل مستقل عنه وعن ما سكت عنه بوعيه هو

ولا يملك ان يمنعها بارادته عن ذلك. اذا هنا يمكننا ان نقول ان الله يمكن ان يحول المادة من مادة جامدة الى حية عند الهيئة الاجتماعية. كما يخرج الحي من الميت او هي كذلك على التحقيق. وحتى مسألة حياة النباتات وهي ليست من ذوات الأرواح.

فقلت معقبا:

الحياة والعقل والإرادة ونحوها، ملكات وصفات مخلوقة في أنواع المخلوقات على درجات وطبقات لا يعلم مدى تفاوتها (في أنواع المخلوقات) إلا الله سبحانه وتعالى. فحتى الجماد له حياة من وجه وموت من وجه، ألا ترى أنه يسبح الله تعالى على نحو لا يعلمه إلا هو سبحانه؟ فلا يجوز حصر معنى العقل ومعنى الإرادة في صنف دون صنف (إلا بنص من الذي يعلم الغيب في السماوات والأرض سبحانه). الله أعلم بما خلق .. ((ويخلق ما لا تعلمون)).

فقال السائل:

نعم سبحان الله. والله انت يا شيخ جاوبتني على سؤال كان يؤرقني، لكن كنت قد نسيته. مسألة تسبيح الحصى وكذا. كنت افهمه على انه الانقياد لاوامر الله وليس تسبيح حقيقي ثم نسيت الامر يعني. لكن هو ظاهر ما جائنا من الوحي انه تسبيح حقيقي والرسول سمعه تحقيقا.

قلت (أبو الفداء): بل هو تسبيح حقيقي. وإنما يريد الفلاسفة أن يتأولوه حتى تسلم لهم نظرياتهم الميتافيزيقية مما يعكر عليها. يريدون ألا يكون العقل إلا على كيفية كذا، لا يثبت هذا المعنى إن ثبت لموجود ما، إلا على كيفية معينة تبينها نظريتهم، وكذلك الإرادة والوعي وكذا. والحياة كذلك، فليس من طريقتنا الخوض في هذا الباب كما يخوضون.


إرسال تعليق