الحمد لله وحده، أما بعد، فقد سألني أحد الأفاضل سؤالا رأيت أن أنشر جوابه هنا لتعم الفائدة. قال:
لدي سؤال للدكتور حسام ان استطاع ان يجيبني ماهو التصور الانطولجي الذي يجب علئ المسلم ان يعتقده في خصوص قوانيين الطبيعة هل هي حاكمة للواقع باكمله ام هي مجرد استقراء العادة من الحوادث التي نراها وهل لقوانين الطبيعة وجود حقيقي تتحكم بالاشياء كما يؤمن بيها الماديين و الدهرية
فقلت في الجواب:
هنا عدة إجمالات يجب التفصيل فيها، بارك الله فيك.
قولك "التصور الأنطولوجي"، إن كان المقصود به أن ثمة شيئا ما في الأعيان اسمه القانون الطبيعي، هو الذي تنشأ عنه الحوادث كلها أو بعضها، فهذا غير صحيح، وهو من قول الأفلاطونيين ومن نحا نحوهم في المثالية من فلسفة العلم، أي في تشييء الكليات الذهنية وجعلها أعيانا خارجية.
وإن كان المقصود أن في هذا القدر الذي اعتدناه من العالم نظما رتيبة ثابتة تجري بأمر الله وخلقه، وهي ناشئة عن طبائع المواد التي جرت عليها عادتنا، مع غيرها من الأسباب الغيبية التي لا يحصيها إلا الله تعالى، فهذا حق ولا إشكال فيه. القانون الطبيعي حقيقة على هذا المعنى.
فقولك "أم هي مجرد استقراء للعادة من الحوادث التي نراها"
إن كان المراد منه أن لتلك العادة نظاما رتيبا ناشئا، في جملة ما تنشأ عنه الحوادث من أسباب لا يحصيها إلا باريها، عن طبائع حقيقية مركبة في العالم ولها تأثيرها السببي الحقيقي، فصحيح، إذ أسباب الحوادث والمتولدات السببية في العالم منها تلك الطبائع المعروفة، ومنها ما تنشأ عنه تلك الطبائع نفسها في الأشياء وبه يحفظها رب العالمين فيها (وهو عمل الملائكة الموكلة بها، بأمر الله تعالى النازل إليها)، وغير ذلك من أسباب لا يحصيها أحد سواه.
وإلا فقد يفهم من قولك هذا إن الأمر ليس إلا عادة في خلق الحوادث خلقا آنيا كما تقوله الأشاعرة، من غير أن يكون لشيء تأثير في شيء، وهذا باطل.
وأما قولك إنها "حاكمة للواقع بأكمله" فإن كان مرادك بالواقع كل ما في الوجود (كما هي عادة الفلاسفة في استعمال هذه الكلمة) فهذا باطل قطعا،
وإن كان مرادك منها كل ما في العالم، فهذا أيضا معنى فاسد، لأننا لا نعلم إلا ما دلنا عليه الاستقراء من انطراد تلك السنن في إطار القدر الواقع تحت عادتنا من هذا العالم، وأما ما لا يطاله الاستقراء والقياس فلا ثبوت له إلا بالسمع.
فما وراء ذلك القدر المعتاد مما لا رجاء لنا في الوصول إليه أو الوقوف عليه بالحس الصريح غير المؤول، فغيب مطلق لا يحيط بعلمه إلا باريه سبحانه.
وأما إن كان المراد بالواقع هو هذا القدر الواقع تحت العادة البشرية من السماوات والأرضين، فنعم، لا نعلم فيها جزءا لا تطرد فيه تلك السنن التي نعرفها، وإن كان بعضها بتفاوت وصفه من موضع إلى موضع كالجاذبية وغيرها. ولا نقول مع ذلك إنها "حاكمة" لذلك الواقع على المعنى الدهري الذي لا يجعل للحوادث أسبابا غيرها، فيجعلها هي والعشواء معا ما تتعلل به جميع الحوادث! وإنما هي من جملة الأسباب التي تتولد الحوادث عن مجموعها. ولهذا تتخلف وتنخرم أحيانا، لأن لاطرادها شروطا سببية غيبية لا يحصيها إلا رب العالمين. فإن كان المقصود بكونها حاكمة، أي مؤثرة مطردة من حيث الأصل، فصحيح، في الحدود التي ذكرنا، وإلا فالدهرية يقولون بالسببية الطبيعية المغلقة أو الحتمية السببية التي هي بمعنى: لا سبب إلا السبب الطبيعي، الذي يتولد عن القانون الطبيعي، فهذا تصورهم لكونها "حاكمة للواقع".
فإن كنت تقصد بالوجود الحقيقي للقوانين هذا المعنى الذي حررناه ودفعنا عنه الاشتباه، فحق ولا شك،
وإلا فهو مما يؤمن به الماديون والدهرية، والله أعلى وأعلم
أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له
