الرد على يوسف سمرين في تلبيسه وبتره لكلامي في مسألة "محاربة الإسلام للفقر"!






الحمد لله وحده، أما بعد، فقد دفع إلي بعض إخواني الكرام بكلام رأيت وجوب الرد عليه، حتى يتبين الناس حقيقة من نهضنا بحول الله وقوته للرد عليهم وكشف أحوالهم! أطلعني الأخ جزاه الله خيرا على هذا المنشور الذي نشره الباحث المتفلسف الفلسطيني "يوسف سمرين" معلقا على موضع اقتبسه من محاضرة من محاضراتي اقتباسا مبتورا وهو قولي:

"لا يجوز أن يقال إن الإسلام يسعى لمحاربة الفقر كدا، فإن الله الذي خلق الفقر هو الذي بعث رسوله بشريعة الإسلام، ولو أنه سبحانه أراد للفقر أن يرتفع من الأرض كلية، لرفعه بأمره الكوني سبحانه وتعالى، وبخلقه وتكوينه ولما أعجزه ذلك، فلا يقال إن الإسلام يحارب الفقر بهذا الإطلاق المجمل إلا على طريقة ماركس ومن تشبعوا بتلك الطريقة الخبيثة" اهـ.

إذ قال معلقا عليه:

"الفقر ليس من الألفاظ المجملة، ولا التي سكت عنها الشرع، بل قرنه النبي صلى الله عليه وسلم بالكفر في الاستعاذة: "أعوذ بك من الكفر والفقر" وكان يقول: "أعوذ بك من الفقر والقلة". فلما يقول شخص بأنه لو أراد رفعه لأزاله، فهذه حجة جبرية، من جنس ما ذكره الله في القرآن: ((سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشكرنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء)) قال ابن جرير في بيان حجتهم: "لو أراد الله منا الإيمان به وإفراده بالعبادة دون الأوثان والآلهة، وتحليل ما حرم من البحائر والسوائب وغير ذلك من أموالنا، ما جعلنا لله شريكا، ولا جعل ذلك له آباؤنا من قبلنا، ولا حرمنا ما نحرمه من هذه الأشياء التي نحن على تحريمها مقيمون، لأنه قادر على أن يحول بيننا وبين ذلك، حتى لا يكون لنا إلى فعل شيء من ذلك سبيل". 

انتهى التعليق!

فأقول مستعينا بالله تعالى، إن هذا النقل والتعليق عليه، فيه من علامات أهل الأهواء ما حقه أن يكون مضربا للمثل، والله المستعان! فالموضع الذي نقله من كلامي، منقول باجتزاء وبتر مفسد للمقصود، ولو أنه تكلف أن يكمل الجملة الأخيرة بتمامها فيما نقل، لبان للقارئ أن الأمر على خلاف ما صوره! ولكنه الهوى نسأل الله السلامة! وهذا هو الموضع بتمامه من متن المحاضرة، حيث قلت: 

"لا يجوز أن يقال إن الإسلام يسعى لمحاربة الفقر كدا، فإن الله الذي خلق الفقر هو نفسه الذي بعث رسوله بشريعة الإسلام، ولو أنه سبحانه أراد للفقر أن يرتفع من الأرض كلية، لرفعه بأمره الكوني سبحانه وتعالى، وبخلقه وتكوينه ولما أعجزه ذلك، فلا يقال إن الإسلام يحارب الفقر بهذا الإطلاق المجمل إلا على طريقة ماركس ومن تشبعوا بتلك الطريقة الخبيثة في التنظير المعياري الاقتصادي والاجتماعي في وضع أهداف عليا أفلاطونية مطلقة، يقال معها القضاء على الفقر والقضاء على البطالة والقضاء على الظلم، هكذا! وكأن ثمة سياسة سحرية إن طبقت في الأرض جاز للناس أن ترجو من أثرها ومن ثمرتها أن تختفي تلك الشرور من البلاد بالكلية.... فقر إيه يا أهبل منك له اللي أنتم عايزين نظام سياسي بحيث لو طبق فسيقضي عليه؟؟! ليس في مقدور البشر مهما عملوا أن يغيروا سنن الله الكونية! ولا يجوز أن يظن بالله تعالى أنه يجعل في شريعته ما إن عمل به، أو عمل به مجتمع ما، بكليته كده، فستتبدل فيه السنن الكونية على أثر ذلك! هذه من الآفات العقلية الكبرى في ذلك المنطق الأوروبي الفاسد في النظر في مسألة الاقتصاد والتنظير المعياري السياسي للمجتمعات ولسياسات الحكومات ... "

وقد كتبت على الشاشة في هذا الموضع من المحاضرة قولي: "الله تبارك وتعالى لم يكلفنا بتغيير سننه الكونية والتعديل على خلقه، حتى نرجو أن إذا عملنا بشريعته وجعلناها هي نظام البلاد، فلابد أن يأتي يوم في المستقبل يقال فيه إن الفقر (مثلا) قد انقرض في "المجتمع" وقضي عليه إلى غير رجعة، أو إن مطلق التفاوت بين أفراده في الثروات والنفوذ قد زال حتى صار الناس في الرزق والثروات كأسنان المشط في السواء!" 

فلو أنه نقل الكلام بتمامه، أو على الأقل أكمل من النقل ما فيه بياني لما وصفته بالطريقة الخبيثة في تمام الكلام، لظهر لمن يتابعونه أن مرادي ليس نفي وجود شرائع في الإسلام قد ترفع الفقر والفاقة عن كثير من الناس بإذن الله تعالى إن شاع العمل بها في البلاد وتقرر، ولا حتى المنع من أن يقال إن الإسلام يحارب الفقر على هذا المعنى الذي ذكرته، وإنما أنقض على الماركسيين ومن شاكلهم، ومن تشبع بفلسفتهم المادية بصورة ما أو بأخرى، اعتقادهم الفاسد أن ثمة نظاما سياسيا ما بحيث لو طبق في بلد من البلدان، فسيفضي إلى زوال الفقر منها بالكلية لا محالة، وإلى غير رجعة! أصحاب هذا التنظير الفاسد، الذين تشبعوا به من فكر ماركس وطريقته في نفس الأمر كما أطلت النفس في بيانه في المحاضرة، يعاملون المجتمع البشري وكأنه ماكينة يملك الساسة لوحة مفاتيحها، فإذا ضبطوها على برنامج ما، تحركت كلها على النحو الذي وضع البرنامج لأجله! فهم أصحاب خطاب معياري تشريعي اختزالي، ينحصر في تكليف الحاكم ومؤسساته، في حتمية سياسية غالية، بإعادة "هيكلة" المجتمع اقتصاديا، وكأن ثمة تشريع ما أو سياسات ما بحيث لو طبقت، لم يبق في البلاد فقير ولا مسكين، ولم يزل المجتمع على ذلك ما دامت الدولة تطبق ذلك النظام أو تلك السياسات! فهذا السخف الفلسفي الأوروبي يخاطب صاحب السلطان بالتصرف فيما لا يملك، لتحقيق غاية لا يقدر على تحقيقها، ولا يتكلف ذلك إلا ظلم من سلطهم الله عليه وأفسد في الأرض لا محالة! فعندما يأتي من تشربوا بهذا المنطق الاختزالي السخيف في التعامل مع ما يسمى إجمالا بالاقتصاد، ليقولوا إن الإسلام جاء بمحاربة الفقر على هذا المعنى الفلسفي السياسي الفاسد الذي لم يزالوا يروجون به لأحزابهم في كل مناسبة على أنه "هو الحل" الذي جاء به الإسلام! فهؤلاء نقول لهم: لا تلبسوا على الناس! فالله تعالى لم يعدنا بتغيير سنته الكونية في الأرض إذا عملنا بشرعه كما أمر! لم يعدنا بذهاب الفقر من الأرض بالكلية إذا جمع الإمام زكاة المال من جميع من تجب عليهم! ولو كان ذلك هو مقصد الإمامة في الإسلام أو من جملة مقاصدها، لرأيته يقع، من باب أولى، لخير أمة أخرجت للناس، في إمامة الخلفاء الراشدين المهديين رضي الله عنهم! ولكن ليس من مقاصد الشريعة ما يصادم السنن الكونية التي خلقها رب العالمين! ليس من مقاصدها تحقيق تلك المساواة التامة الخرافية التي يحلم بها الماركسيون، فيما يسمونه زورا وكذبا بالعدالة الاجتماعية! فإن هذا مما يصادم سنة الله في خلقه، ويقتضي اتهام رب العالمين بالظلم إذ لم يخلق تلك التسوية التامة من الأساس! صحيح إن الله تعالى يقول: ((وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ)) [المائدة : 66] ولكن هذا لا يؤخذ منه استواء الخلق جميعا في الرزق، ولا زوال الفقر والمسكنة بالكلية! وإنما هو فضل الله يتفضل به على من يشاء، ولهذا قلنا إنه يصح أن يقال إن الإسلام من مقاصده تقليل الفقر في البلاد، وأما "القضاء عليه"، هكذا، فمعنى مجمل لابد من التفصيل فيه!

هذا هو ما توجهت إليه بقولي إنه مجمل، وليس لفظ "الفقر" كما لبس الأستاذ على متابعيه! ولم أقل إن الشرع سكت عن الفقر كما زعم! أين قلت هذا؟؟ 

قوله "بل قرنه (أي الفقر) النبي صلى الله عليه وسلم بالكفر في الاستعاذة: "أعوذ بك من الكفر والفقر" وكان يقول: "أعوذ بك من الفقر والقلة"." قلت: نعم ولا شك، ولا يخالفك أحد في هذا! ولكنه لم يدع بهذا الدعاء طالبا من الله تعالى أن يزيل الفقر من الأرض بالكلية، فيكون الناس كلهم سواء في الرزق فلا فقراء ولا أثرياء بعد أبدا! فليست شريعة الإسلام نظرية سياسية اقتصادية "تستهدف" خلق مجتمع ليس فيه شيء من البلايا أو الشرور على الإطلاق، كما يرجو الماركسيون أن يفعلوا فيما يسمونه بإعادة هيكلة المجتمع وما شاكل ذلك من مصطلحاتهم الجذابة، وإنما هي جملة من الشرائع التفصيلية التي تشتمل على حكم وعلل تحسن من حياة الفرد والجماعة إن شاء الله ذلك!

من هنا يتبين لك التلبيس في قوله: "فلما يقول شخص بأنه لو أراد الله رفعه لأزاله، فهذه حجة جبرية من جنس ما ذكره الله في القرآن ((سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء))" 

فإن الكفار احتجوا بالقدر ليتركوا العمل بما أمرهم به ربهم من الخروج من الشرك ومما هم عليه من شرائع باطلة، والدخول في التوحيد وشريعة المرسلين! وأما أنا فاحتججت بالسنن الكونية لا على من يطالبنا بالعمل بشريعة رب العالمين، معاذ الله! ولكن على من يطالبنا بأن نعمل بنظرية سياسية "إسلامية" مزعومة في معاندة السنن الكونية، إذ يطمع في تحقيق العدالة الماركسية، عدالة تذويب الطبقات والتسوية في الأرزاق! فإذا سئل في هذا قال "هذا ما جاء به الإسلام وشرع الإسلام، ولكن أنتم لا تطبقونه!" فهذا يزعم أن في السنن الشرعية ما تبدل به السنن الكونية تبديلا، ويغير خلق الله تغييرا، وهذا باطل كما أطلت النفس في بيانه في المحاضرة وسابقتها في نفس السلسلة! فافهم هذا ولا تلبس على الناس، ولا تدلس في الاقتباس! 

يقول "الشيخ أبو الفداء الذي يرى أن الإسلام لا يحارب الفقر وأن ذلك من الماركسية الخبيثة، كان يرى أن الإسلام حارب موقع فيسبوك، لا يوتيوب الذي يعمل عليه" ثم ينقل موضعا من كتاب قديم كنت قد كتبته في التحذير من موقع فيسبوك في بداية ظهوره، وكأنما يريد أن يلبسني بالتناقض إذ أنشر الآن على يوتيوب وكنت من قبل أقول بتحريم الفيسبوك! مع أن الفيسبوك واليوتيوب ليسا موقعا واحدا كما لا يخفى، ولكن لا بأس! والظاهر أنه يريد أن يوحي لمتابعيه بأني "أعمل على يوتيوب" بمعنى أني أتربح من النشر عليه، وهذا باطل ولله الحمد، ولو نقب بنفسه في محاضراتنا أنا وإخواني على القناة فلن يجد عليها إعلانات ولا شيء مما يُتربح به! ولكن هو على أي حال يراهن على شناعة مجرد فكرة أن أنكر على الناس أن يدخلوا على الفيس بوك، ويعلم أن تأثير الصدمة سيكفي! وأنا أقول إن هذه طريقة أهل الأهواء في محاولة التماس شيء يشنعون به على مخالفيهم، أيا ما كان ذلك، وإن لم يكن فيه ما يستشنع في نفس الأمر! هي بحذافيرها طريقتهم في الكذب والتهويش والتهويل، ولا جديد! 

فهذا الذي نقل منه كتاب كنت قد ألفته في عام ثمانية وألفين من الميلاد، أي بعد أربعة أعوام فقط من إطلاق الموقع في 2004. وكان الموقع يومئذ على صورة وطبيعة تختلف كثيرا عما صار إليه اليوم، وهذا يعرفه كل من كان مشتركا عليه من ابتداء ظهوره! ولم يكن قد عمت البلوى بما صار إليه اليوم من ابتلاع شبه كلي لشبكة الإنترنت! وقد كان الشباب يستقطبون إليه بطرق مشبوهة تمارسها الشركة نفسها من أجل زيادة أعداد المشتركين، حتى إنهم أرسلوا إلي دعوة للاشتراك في الموقع، باسم أستاذ من أساتذتي جاؤوا به من قوائم البريد الإلكتروني للمشتركين عندهم، مع أن الرجل ما أرسل شيئا ولا علم بما فعلوا إلا لما أخبرته!! ثم تبين لي بعد أنهم يرسلون دعاوى الاشتراك كذبا بناء على القوائم البريدية التي يجمعونها من الأعضاء! وقد كان الموقع في ابتدائه موقعا للتعارف بين الشباب والفتيات، فكانت مسألة الشبكات الاجتماعية هذه في ابتدائها تورط الناس في صور من علاقات الصداقة الوهمية شهد باحثون في علم النفس والاجتماع بخطورتها على المجتمع، حتى كنت ترى المرأة تطلق بسببه، والرجل يفصل من عمله بسببه، وأنا أعلم أناسا بأعيانهم وقع لهم ذلك! وقد تنبأت في الكتاب بأن الموقع سيكون سببا في قيام الثورات والفتن في البلاد وتفشي الفساد في الأرض، لما وجدته عليه من مقدمات ذلك، وقد كان والله المستعان! 

فعندما يأتي هذا الرجل بمثل هذا الكلام اليوم ليوقع في نفوس متابعيه تسفيه الكتاب وصاحبه وتسخيف رأيه، فهذه حيلة البليد! حيلة من أعياه التنقيب في كلامي فلم يجد إلا هذا، والنقل المبتور قبله، ليهجم بهما عليه! 

يا أخي لو سلمنا جدلا بأني كنت أرى تحريم الاشتراك على الموقع قديما بإطلاق، ثم اليوم تغير موقفي منه، فكان ماذا؟ لم يزل العلماء تتغير فتاواهم لتغير صور المسائل بين أيديهم، وهذا مشهور لا نكارة فيه! ومع هذا فلو بحثت عن حساب لأبي الفداء ابن مسعود على الموقع فلن تجد! فما زلت أكره الاشتراك على الموقع إلا لمن تترجح المصلحة الشرعية باشتراكه فيه، إذ معلوم أن ما يمنع سدا للذريعة يباح للمصلحة الراجحة. ولولا عموم البلوى كما أشرت آنفا، ما قبلت أن أكون اليوم ممن يكتبون عليه وينشرون فيه من الأساس!   

هذه هي قصة الكتاب بإيجاز، ولكن أنت ما تريد إلا التهويش والتهويل، على عادة أهل الأهواء، والله المستعان لا رب سواه.

وفي الختام أقول للأستاذ سمرين هداه الله: قبل أن تنتصب بالرد على أحد، افهم كلامه بتمامه أولا، ثم انقله نقلا يحصل به فهمه كما ينبغي دونما بتر أو تشويه أو اجتزاء، ثم حرر ردك بعد ما شئت! أما هذه الطريقة ففيها من علامات الهوى ما فيها، والله الهادي إلى سبيل الرشاد، والحمد لله أولا وآخرا

وكتب أبو الفداء ابن مسعود

غفر الله له ولوالديه وللمسلمين

إرسال تعليق