تأمل قول الرجل: "يمكن أن يكون المعلوم من الدين بالضرورة محل إثبات، ويمكن أن يكون منشأ للإثبات"، قلت: فبالله كيف إذن يكون النظر عندكم مقيدا بكل ما هو معلوم من الدين بالضرورة، إذا جاز أن يكون ذلك المعلوم من الدين بالضرورة نفسه محل إثبات، أي أصبح ملجِئا لنظر عقلي سابق عليه حتى يثبت ويتحصل في النفس (معرفيا)، فلا يثبت بمجرد السماع؟ ولو طالبكم الخصم بإثبات كافة المعلومات من الدين بالضرورة عندكم بنظر سابق عليها كلها – كما هي طريقتكم – فكيف يصح إذن أن تزعموا لأنفسكم التزاما وتقيدا بشيء من المعلوم من الدين بالضرورة؟ هو إذن نظر فلسفي محض، لا يلتزم فيه المتكلم إلا بما اختار أن يجعله من "قطعيات العقل"، لمصلحة ما يضعه من البراهين والنظريات عند تكلفه إثبات ما يطالبه الفيلسوف المسفسط بإثباته، ثم يزعم بعد ذلك أن ما خرج به من ذاك النظر هو عين ما قطع به السلف وعدوه من المعلوم بالضرورة! ونحن نسألهم: إذا كان السلف قد أجمعوا على تكفير من خالف معلوما من الدين بالضرورة أو كذّب به، فكيف ساغ لهم ذلك وهم لم يتكلفوا من إثباته ما تكلفتم؟ وكيف تكون المعرفة المنتهى إليها بعد نظر وبحث وقياس، من نوع المعلوم بالضرورة الذي يكفر من يخالفه؟ كيف يصح في دين الله تعالى إطلاق النظر فيما إن أخطأ فيه الرجل حُكم عليه بالكفر والردة؟؟ لو صح مذهبكم في إيراد النظر على آحاد المعلومات من الدين بالضرورة، لما جاز أن يُكفر المخالف فيها المنكر لها، بل للزم إكرامه كما يكرم المجتهد المخطئ ويشكر له جهد البحث والنظر، ولا يتهم في عقله ولا في دينه! هذه هي المسألة أيها القارئ الكريم، وهي الآفة التي تشرب بها المتكلمون من فلسفة الجدليين من حيث لا يشعرون، فتأمل! فالمتكلم يلزمه في الحقيقة أن يعذر كل ملحد وكل فيلسوف وكل مسفسط ومخالف مهما شذ به الشطط، ومهما جادل في النص الواضح الصريح، وألا يتهم منهم أحدا مهما طال لججه ونظره وجداله، لأن المتكلم كالفيلسوف يجيز فتح الضروريات للرأي والنظر وجعلها هي نفسها محلا للإثبات إن طولب به! بل ما قام الكلام نفسه (كصنعة) إلا على فتح أولى الضرورات العقلية والدينية للنظر والجدال (ألا وهي وجود الباري نفسه ومخلوقية هذا العالم)! فإن قال "أنا إن طولبت بإثبات ضروري من ضروريات الملة، فلا أفتح النظر بلا حدّ ولا قيد، وإنما ألتزم بحدود العقل الصريح والبداهة الظاهرة"، قلنا له: هذا هو عين الوهم الذي يتوهمه كل فيلسوف ويزعمه لنفسه، فما الفرق بينك وبينه إذن؟ الفرق أنك اعتقدت اعتقادا موجبا (ألا وهو وجود الباري) ثم لم تبال من أي طريق وصلت إلى إثباته، ما دام المخالف المسفسط سيسلم لك بمقدماتك، بينما اعتقد الفيلسوف الدهري اعتقادا سالبا، ولم يبال – أيضا – بأي طريق أقنعك به ما دمت ستسلم له بمقدماته نوعا (أي من حيث مبدأ المناظرة على الأقل)! فالفيلسوف هو المتكلم والمتكلم هو الفيلسوف، وإنما اختلفا في الغاية والمنتهى الذي يرومه كل منهما والغرض المراد من المناظرة لا غير، مع زيادة المتكلم على الفيلسوف بالتزامه تطويع نصوص الملة التي ينتمي إليها، لما ينتهي إليه اعتقاده من ثمرة النظر!
ومن آفة الكلام أنه يستدرج أصحابه لا محالة إلى الخلط بين الضروريات الواضحة بنفسها والمسلمات المتفق عليها عند الجدال، مهما ظهر منهم إبداع وإحكام في التفريق النظري بين النوعين (الضرورة والمسلمة)! ومرجع ذلك إلى منهج الفلسفة الجدلية الذي ورثوه عن فلاسفة اليونان كما بينا! فها هو الأستاذ يقول في الضرورة الدينية إنها قد يدخل المتكلم بها المناظرة مع خصم من الخصوم كمنشأ للإثبات أحيانا (أي يثبت بها غيرها يؤسسه عليها)، وقد يدخل المناظرة في أحيان أخرى مع خصوم آخرين ليثبتها هي نفسها ابتداء! هذا عنده جائز وذاك جائز ولا إشكال! "ما يطلبه المستمعون" كما يقال! عندي المسألة (أ) والمسألة (ب) ضروريتان! فإن كنت أيها الخصم توافقني على (أ)، وتخالفني في (ب)، فسأجعل (ب) محلا للإثبات، وقد أجعل (أ) منشآ لذلك الإثبات حتى أبنيه على قضية أعلم أنك تسلم بها! وإن كنت لا توافقني في (أ) لكن توافقني في (ب)، فلعلي أبلغ من النبوغ وقوة العقل ما به أثبت لك (ب) تأسيسا على (أ) (يعني عكس البرهان الأول)! وإن خالفتني فيهما جميعا، أثبتّهما لك تأسيسا على ما هو أسبق منهما عندك مما تعده أنت من الضروريات وأسلم أنا لك به، فإن لم تقتنع بذاك الأساس نفسه، وكنت لا أرى من أهواء نفسي ما يصرفني عن المواصلة معك، بل رأيتها تدعوني إلى ذلك وتحملني عليه، جعلته محلا للإثبات أيضا، وهكذا!! فمن أراد من المتكلم أن يثبت له أي دعوى أيا كانت، مهما كانت واضحة جلية ظاهرة في نفسها عند العقلاء الأسوياء، ووجد أن إجابة طلبه من شأنها أن تظهر تفوقه وعلوه في "العقليات" و"النظريات" كما يحب، أو أن الصدود عن ذلك قد يرجع عليه بالتهمة في العقل والعلم كما يكره، أجابه إلى طلبه ولا إشكال! هذا الالتزام المنهجي المخزي هو طريقة الجدليين الدليليين في الحقيقة، وهي تلك الطريقة التي تفتح باب التسلسل في الاستدلال والنظر، وتورث الخلط بين المسلمة والضرورة، إذ لا تصبح الضرورة مسلمة إلا إن سلم بها الخصم، وإلا صارت مسألة نظرية خلافية جدلية كغيرها من موارد النظر! ولهذا فطن كثير من المشتغلين بالكلام إلى أنه يفضي إلى تعادل الأدلة لا محالة، فالحجج كلها تسليم في تسليم، يجري بالقوم على مقتضى الجدل! فما كان كذلك فلا يفضي بصاحبه إلى معرفة ثابتة فضلا عن إيمان منعقد ويقين منصرم!
وتأمل كذلك قوله: "مسألة أنه معلوم من الدين بالضرورة، ومسألة أنه حق، هذه مسألة أخرى"! قلت فبالله هل يعقل أن يكون معلوما من الدين بالضرورة وليس بحق؟ الجواب: يعقل عند الخصم المخالف المسفسط الذي التزم المتكلم بطريقة الفلاسفة الجدليين في التسليم له بسفسطته السخيفة وشرطه المتهافت حتى يأتيه من أنواع البرهان بما يحب ويشتهي! فكما تقدم من كلام صحابنا: المعلوم من الدين بالضرورة عند المتكلم قد يكون محلا للإثبات وقد يكون أساسا للإثبات!
ولنا هنا أن نسأل: إن سلمنا لكم تنزلا بأن الفيلسوف يجهل حقا أن العالم مربوب مخلوق، وأن هذا الأمر يحتاج إلى برهان نظري ميتافزيقي يدله عليه، ثم قبلنا منكم – تنزلا أيضا - ما جعلتموه برهانا لإقناعه بأن له ربا خالقا قد أرسل رسولا جاء بالحق من عنده، ألا يكون قد حصل بذلك المقصود من الكلام وانتهت المسألة؟ يعني ألا يفترض أن ينتهي الجدال عند هذا الحد، بحيث إن قبل منكم البرهان وشهد بأن الله هو خالق السماوات والأرض وأن محمدا عليه السلام هو عبده ورسوله، دخل إذن في الإسلام ثم أخذ في تلقى خبر الغيب ومسائل الاعتقاد ورواسخه من السمع كما يتلقاه كل مسلم، وإن لم يقبل تركتموه وشأنه وانقطعتم عنه؟ نقول: هذا لا يكون على أثر الكلام أبدا! فما كان الخصم المتفلسف ليشهد ولا ليقر بشيء أصلا، لأنه إنما اشترط النظر الفلسفي من كبر نفسه ومرضها ومن حرصه على إخضاع أهل الملة لفلسفته هو ورأيه هو! فلما أجابه المتكلم إلى شرطه، ودعاه إلى الإسلام بمقدمات ميتافزيقية مسلمة عنده، لها من المقتضيات في صفات الباري وأسمائه وأفعاله ما لها، ما كان ذلك الفيلسوف المسفسط ليترك المتكلم حتى يلزمه بتلك المقتضيات واللوازم في مفردات عقيدته واحدة واحدة، ويجادله في كل واحدة منها حتى يوقعه في التناقض من أي طريق كان! ومن ثمّ يصبح المتكلم مطالبا في سياق الخصومة والجدل مع الفلاسفة والزنادقة والدهرية وغيرهم بأن يفتح كافة العقائد الخبرية في دينه لنفس الشرط النظري الساقط: إثبات "معقوليتها" كلها من طريق النظر العقلي (الفلسفي) على شرط الخصم المكابر (البناء على النظريات الميتافزيقية نفسها التي اعتمدها المتكلم أساسا لبرهانه الأول)، أو من طريق غيرها من عقائد الإسلام التي سبق من الخصم التسليم بها! وإذن يعاد اصطناع تلك العقائد نفسها (التي زعموا أنها عندهم ضروريات قطعية لا مساس بها!) وتأسيسها على نظريات المتكلمين وبراهينهم وثمرة جدالهم، إذ تصبح كافة عقائد الملة موردا للجدال والنظر، وتصبح مادة ذلك النظر تعرض على المسلمين وكأنها طريق لإثبات تلك العقائد والانتصار لها "بالدليل العقلي"، مع أنها في واقع الأمر طريق أكيدة لتحريفها وتبديلها وإفسادها! والناظر معرض للخطأ لا محالة ما دام ناظرا، وكلما تعمقت المسائل والأقيسة والنظريات، أصبح باب الزلل والغلط أوسع وأوسع، وهذا أمر لا مفر منه لنوع البشر! فما الذي خرجنا به من علم الكلام على التحقيق؟ خرجنا منه بانفتاح كافة قطعيات الملة وضرورياتها للنظر والرأي والجدال، وبما استتبعه ذلك من اختلاف الأنظار فيها أشكالا وألوانا، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
ولهذا روي عن المزني رحمه الله أنه قال: سألت الشافعي عن مسألة في الكلام فقال: سلني عن شيء إذا أخطأت فيه قلت أخطأت، ولا تسألني عن شيء إذا أخطأت فيه قلت كفرت! وروي عن الشافعي كذلك أنه قال: إن سألك رجل عن شيء من الكلام فلا تجبه، فإنه إن سألك عن دية فقلت درهما أو دانقا، قال لك: أخطأت! وإن سألك عن شيء من الكلام فزللت قال لك: كفرت! ونظير ذلك في كلام السلف كثير مبسوط في مظانه، والشاهد منه أن أئمة السنة رحمهم الله تعالى كانوا على علم ودراية بأصل الخلل المنهجي الكلي في "علم الكلام" ولأجله ذموه، لا لغلط من أساء النظر من آحاد المتكلمين فأنشأ بغلطه هذه الفرقة أو تلك! انظروا ما شئتم فيما يتسع الدين للنظر فيه، ويحتمل فيه الغلط والزلل بما لا يرجع بالضرر على دين صاحبه! أما أن يُفتح أصل الملة نفسها للنظر بدعوى إثبات أصول الملة بين أيدي الفلاسفة، ثم يقال نحن نلتزم بالمعلوم من الدين بالضرورة ألا نناقضه، فهذا تناقض بين، والله المستعان!
يتبع إن شاء الله تعالى.
أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له ولوالديه
