إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد، فقد سألني أحد الإخوة في تعليقات اليوتيوب سؤالا رأيت تعميم النفع بنشره مع جوابه هنا، والله الموفق. قال:
دكتور.. أحسن الله إليك.. في محاضرتك الأخيرة عن الأخلاق قلت فيما معناه :
" أن الإستدلال بأمر فطري على أمر فطري أخر يُعد ضربا من السفسطة" وأن الإستدلال بالأخلاق المفطورة في نفوسنا لا يصلح إلا بعد إثبات وجود من خلقنا عند نقاشنا مع الملحد الجاحد.
وأن هذا يعد من (ثبت العرش ثم انقش)
لكن يا دكتور.. أليس قولنا بأن السببية تدلنا على وجود مسبب الأسباب الأول الذي ليس قبله شيء نفس الشيء أيضا هو استدلال فطري على أمر فطري اخر ؟
وهذا كما تعلم استدلال ببدهي فطري على بدهي فطري أيضا؟
(أي تذكير البدهي الضروري ببدهي ضروري اخر)
ولتعلم يا دكتور أن مقصد قولي (استدلال) لا أقصد به أن قضية وجود الخالق مسألة نظرية بل أقصد بها هنا التذكير فقط!!
بمعنى نذكر بسببية على وجود مسبب أول
ونفس الشيء في مسألة الأخلاق.. نذكر بوجود الأخلاق الموضوعية لدينا كحسن العدل وقبح الظلم على وجود من فطر فينا هذا الشعور الأخلاقي.
فما قولك يا دكتور جزاك الله خير الجزاء وبارك الله فيك؟
فقلت في الجواب:
وجزاك خيرا أخي، وأحسن إليك. أولا، ينبغي في هذا المقام أخي الكريم أن نحرر ما نقصده من لفظة "الاستدلال" تحريرا واضحا حتى لا يختلط علينا الأمر. وهو كما أشرت في نهاية السؤال، أن نقرر هل يراد بالاستدلال: تأسيس المعرفة في نفس خالية منها أصالة، بالبناء على مقدمات إذا اجتمعت على نحو مخصوص، ترتب عليها العلم بالنتيجة (أ)، أم المقصود: التذكير بالحق مع تنبيه النفس الغافلة إلى شناعة ما عليه الجاحد، بإلزامه بإسقاط جميع البديهيات من تكذيبه بوجود من خلقه (ب)؟ فأنا أزعم أن الاستدلال في القضايا الفطرية البديهية، يأتي في القرآن، وكما عليه أهل السنة السالمون من بدعة التفلسف والكلام، على المعنى (ب) وليس المعنى (أ). بينما الاستدلال في نفس الأمر عند المتكلمين والفلاسفة، ومنهم كريغ صاحب البرهان المذكور، لا يكون إلا على المعنى (أ)، أو الاستدلال النظري إن شئت: ننظر رجاء أن نكسب النفس معرفة الفرض أنها تخلو منها في الابتداء. ولهذا قلت ونبهت على أن أهل السنة إذا جمعوا ما يسمونه بالأدلة على وجود الله تعالى، لم يقصدوا بها المعنى (أ)، ولهذا لا تجدهم يدخلون شيئا من براهين الحدوث وما شاكلها في نفس الأمر!
فإذا تحرر هذا، تبين لك أني إذا قلت ما معناه أن الاستدلال بأمر فطري لإثبات أمر فطري آخر هو من السفسطة، فإنما أقصد الاستدلال على المعنى (أ)! وهو كالذي يأتيه رجل يقول له، مثلا، أثبت لي بالبرهان النظري أني أراك الآن بعيني هاتين على الحقيقة ولست أتوهمك توهما، فيتكلف الرجل أن يخترع له البرهان النظري الذي شرطه عليه ليجيبه لما طلب! وهذا هو مسلك المتكلمين في التعامل مع الفلاسفة! خلافا لأهل السنة، فإن السني الصادق إذا جاءه مثل هذا فسيتهمه على العقل من فوره، ولربما ضربه على رأسه ثم قال: هل آلمك هذا؟ فإن قال نعم آلمني، قال: فهذا جوابك!! المتكلم خضع لشرط سوفسطائي في الإثبات والنفي، فوقع على أثر ذلك في إثبات القضايا الفطرية الجلية بنظيرها، بل بما هو أخفى منها أحيانا، لا لشيء إلا ليقدم للفيلسوف المستكبر برهانا نظريا كما اشترط عليه! فنحن نقول إن الشرط من أصله فاسد لا يجوز قبوله والتسليم له! وقد ترتب على تسليم المتكلمين لذلك الشرط من الفساد ما ترتب، كمسألة وجوب النظر على المكلفين ومسألة إيمان المقلد ومسألة نفي المعرفة الفطرية وغير ذلك مما بينته في محاضراتي هنا على القناة. ولهذا لما علقت على برهان كريغ، قلت إنه – على شرط الفلاسفة في مفهوم الاستدلال، أي على المعنى (أ) – يكون برهانا فاسدا لا قيام له بالمطلوب أصلا، إذ على طريقة الفلاسفة، يكون الحكم بأن وجود الأخلاق الموضوعية في نفوسنا راجع للخلق الإلهي، مجرد فرض تفسيري، تجد لدى الطبيعيين في المقابل فرضا آخر يتأسس على طبيعيتهم! وهو ما يتأسس – ابتداء – على الأدلة النظرية التي لابد وأن الفيلسوف سيشترطها لإثبات معنى الموضوعية هذا لبعض القيم الأخلاقية ابتداء، بصورة منفكة عن اتفاق الناس! وكثير منهم لا يسلمون بأي معنى للموضوعية أصلا في تلك البابة، وهم مجادلون مخاصمون عليه لا محالة! يعني تقول له الظلم قبيح وقبحه موضوعي، يثبت بصرف النظر عن اتفاق الناس، مثلا، فيقول لك: لا أسلم! وإنما اتفق أن بدا كذلك لأجل أن الأمم كلها قد اتفقت على استقباحه، وليس أنهم اتفقوا على قبحه لأنهم يجدون ذلك مركبا في نفوسهم على هذا النحو! وقد يزيد فيقول: وحتى على التسليم بأن سبب اتفاق الناس على هذا، أنهم يجدون ميلا مركبا في نفوسهم لتقبيح هذا المعنى، فتفسيري أنا - على طبيعيتي - هو أن وراء ذلك سببا جينيا تطوريا (مثلا). وإذن يأول الأمر إلى الجدل بين الطبيعية وما يخالفها، فإن صحت، صح تفسير صاحبها تبعا، وإلا فلا! ولو أنهم اعترفوا أصلا بالمعرفة الفطرية (التي منها التحسين والتقبيح الموضوعيين) لاعترفوا من باب أولى بأن مخلوقيتهم ومربوبيتهم أظهر في البداهة والفطرة من مسألة الأخلاق الموضوعية هذه، ولكن ما كانوا ليفعلوا!!
ولهذا قلت إن صاحب هذا البرهان لم يثبت العرش قبل أن ينقش عليه، وهو مستدرَج في الجدال – لا سيما إن وقع بين يدي من قرأ في البابة لهؤلاء الفلاسفة - إلى ما يقلب عليه الطاولة ويخرجه صفر اليدين على أحسن الأحوال! ولو تابعت ما سيأتي بعد، بحول الله تعالى وقوته، من تعليق على مناظرة كريغ وكاغان سيتبين لك عمق الفجوة التي أغرق فيها كريغ نفسه، بسبب التزامه شروط الفلاسفة في إثبات وجود من خلقه، على طريقة المتكلمين!
فقولك: " أليس قولنا بأن السببية تدلنا على وجود مسبب الأسباب الأول الذي ليس قبله شيء نفس الشيء أيضا هو استدلال فطري على أمر فطري اخر ؟" قلت: فرق بين المعنيين (أ) و(ب) للاستدلال، وسيظهر لك الجواب. هذا نقوله لمن، وفي أي إطار، ولأي غرض؟ تقوله في مناظرة مع "ملحد جاحد"؟؟ إذن هو على المعنى (أ)، وهو إذن سفسطة تقابل بها سفسطة، وهو مفض إلى ما الله به عليم من المزيد من السفسطة لا محالة!
ثانيا: لسنا من أصحاب "النقاش" مع الملحد الجاحد أصلا، بارك الله فيك، ولا نرى مشروعيته! هذا ليس عند أهل السنة في عصرنا هذا – على الأقل - أنه يناقش أو يحاور أو هذه الأشياء، هذا من لوثة الكلام والجهمية التي أصيب بها إخواننا هداهم الله فيما يسمونه "بلمف الإلحاد"! فهم من جعلوا الأصل أننا "نحاور" كل أحد على كل شيء (وهو أصل ضلال الفلاسفة قديما)، فإن لم يكن لمصلحة هدايته، فلمصلحة كسره أمام الناس وإحراجه وهذه الأشياء. ومع أن هذه المصلحة (مصلحة فضح وكسر الرأس الإلحادية بين أتباعها) قد يقول بعض أهل السنة إنها من المصالح التي تعتبر في المناظرات أحيانا بشرطها وضابطها، بحيث إن قام الداعي وتحققت الشروط وانتفت الموانع، جاز ولم يمنع، وهو مذهب شيخ الإسلام وغيره، إلا أن الراجح والصحيح، لا سيما في عصرنا هذا، أنك لا تقدر أصلا على ترجيح المصالح في المناظرات العلنية مع الفلاسفة ومن شاكلهم، ولا تدري مَن الفئات التي سيصل إليها جدالكما ومن الذي سيقع عليه، وهل هو سالم من أن يفتتن ببضع ما يقع من كلام الدهري في أثناء المناظرة أم لا يؤمن عليه ذلك، إلى آخر هذه الأمور. فمن الغلط الظاهر أن تقاس صورة المناظرة العلنية في عصرنا هذا (التي تنقل للملايين عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي وما شاكل ذلك)، على صورتها على زمان ابن تيمية رحمه الله، فلينتبه لهذا!
الملحد المجاهر بإلحاده هذا يرفع أمره لولي الأمر، ولا شأن لنا به، والله أعلى وأعلم!
أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له
