الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فقد طالعت حلقة من حلقات المدعو أحمد الغندور المعروف بالدحيح تحت عنوان "تجارة الأفكار" فألفيتها مشحونة بتأسيس الضلالة والجهالة تحت ستار التجارب المعملية والأبحاث المحكمة والله المستعان.
خطورة هذا الشاب، عامله الله بعدله، أنه داهية حويط، يعلم كيف يؤسس للدهرية (على طريقة الوجوديين الأوروبيين في القرن التاسع عشر الميلادي على وجه التحديد)، تأسيسا بطيئا خفيا لا يشعر به أحد من متابعيه، إلا من رحم الله!
يوهمك بأن فلسفته الخبيثة التي يدسها كالسم في العسل إنما تأسست عنده في كل أصل من أصولها على "العلم" وعلى "المصادر العلمية المحكمة" المحضة، ويحرص أشد الحرص على إحالتك على المصادر في نهاية كل حلقة، وكأنما يقول: من أراد أن يجادلني، فليجادل العلم وأهله إن كان فاعلا (كما قال في هذه الحلقة نفسها عن ورقة بحثية في علم الجينات استعان بها في كلامه: "روح اتكلم معاه بقى، هو اللي بيشتمك مش أنا")!
فهو في تلك الحلقة يبدأ بتقرير أن الإنسان كان فيما مضى كغيره من الحيوانات، تطوره الطبيعة بالانتخاب الطبيعي، لا بموجب مهاراته الجسدية على وجه الخصوص ولكن بمقتضى تميزه العقلي وذكائه، ولكن اليوم بعدما تطور المجتمع البشري ماديا، لم يعد للانتخاب الطبيعي تأثير عليه، لماذا؟ لأن الإنسان يمتاز على الدواب كلها، لا بذكائه في الحقيقة، ولكن بقدرته على التعاون الشامل مع نوعه بأعداد ضخمة للغاية، وعلى اختراع الأفكار المجردة وتمريرها بين أفراد نوعه على نحو يضمن لهم قدرا من ذلك التعاون الشامل والموسع والتكيف الاجتماعي فيما بينهم لا تجد له نظيرا في الأنواع الأخرى في "مرونته". وانتبه لكلمة "مرونته" هذه!
فبعيدا عن دعوى الانتخاب الطبيعي هذه، وعن محاولة تفسير تميز النوع البشري عن أنواع الدواب الأخرى من طريقه، فلا شك أن الإنسان يمتاز على كافة أنواع الدواب بقدرات اجتماعية هائلة، بالنظر إلى مهمة الاستخلاف في الأرض التي خلقه الله تعالى من أجل القيام بها.
ولكن الدحيح يريد أن يقنعك – من طريق المدخل الدارويني – بأن تلك الخصلة فيه، إنما هي نتاج خصائص مخية معينة تطورت فيه عبر القرون الطويلة، فجعلته قادرا على اختراع الأوهام المعقدة في صورة أديان وعقائد وفلسفات تسوغ لأفراد الجماعة الواحدة أن يبقوا على تناسق واتفاق وانسجام وتعاون شامل في إطار أدوار معقدة يعتقدها كل فرد منهم لنفسه في تلك المنظومة الكبيرة، تفضي بهم إلى ذلك العلو الاجتماعي على الأرض فوق سائر الأنواع الأخرى. وإذن فجميع الملل والأنساق الاجتماعية والعادات والمواريث الفكرية والقوانين والنظم المعقدة التي توارثتها الأمم، إنما هي وهم لا مادي يتميز الإنسان بقدرته على اختراعه والتكيف به مع أفراد نوعه بمرونة كبيرة!
وفي هذا المعنى يقول مفسرا تلك القدرة الاجتماعية الهائلة:
لأن الإنسان هو الكائن الوحيد اللي بيقدر يخترع أفكار، أنت ممكن كقرد تعمل لي تول tool تعمل لي حاجة زي الجاكوش، تكسر بيها جوز الهند بتاعتك، شاطر حلو نسقف لك، ممتاز، لكن الإنسان قادر على إنه يعمل Abstract Concepts. أفكار ومصطلحات مجردة! طايرة كده في الهواء، مالهاش أي وجود حقيقي في الواقع! يعني إيه ديموقراطية؟ يعني إيه رأسمالية؟ يعني إيه نظام قضاء؟ يعني إيه حقوق إنسان؟ يعني إيه قوانين؟ كل الحاجات دي مش ممسوكة، دي أفكار! البني آدم عملها! الواقع ممكن نقسمه حاجتين، Objective Reality، حاجات ليها وجود حقيقي، بره وعيك وإدراكك! على سبيل المثال الجاذبية الأرضية! الجاذبية الأرضية Objective Reality، هي كده كده موجودة سواء إحنا مدركين أو مش مدركين. قبل ما نيوتن يكتشفها، كانت موجودة، بعد ما اكتشفها، بردو موجودة، هي كده كده موجودة، أنت واخد بالك منها أو لأه، ما يفرقش معاها بنكلة! فيه حاجات تانية مش موجودة غير في الوعي المشترك ما بيننا إحنا كبني آدمين، حاجة مثلا زي سيادة القانون! سيادة القانون دي فكرة إحنا اخترعناها، عشان نقدر نتوقع تصرفات بعض، ونتعامل معاها، عشان بالرغم إننا ما نعرفش بعض بشكل شخصي، نقدر نتعاون مع بعضينا! لكن سيادة القانون مالهاش وجود بره وعينا إحنا أو إدراكنا إحنا! عمرك مثلا وانت ماشي في الشارع اتكعبلت في سيادة القانون؟؟ وخد عندك من ده كتير! الدولة مثلا! ده مع كامل احترامي للدول، ما لهوش أي وجود موضوعي خارج إدراكنا! مع كامل احترامي، أنا باحب الدول! الدولة في الحقيقة قطعة أرض وعليها مجموعة من البشر! بس احنا قررنا إن مجموعة البشر دول هايبقوا حاجة واحدة مع بعض اسمها الدولة، بقوانينها بقى بإعلامها، كل هذه الحاجات! لكن كونسبت الدولة، we cannot touch ما نقدرش نلمسه، أفكار! إحنا عظماء في كده! ودي حاجة ما تقللش هذا الكونسبت، دي حاجة تعظمه، لأن أسمى الكائنات، اللي هم طبعا الجنس اللي أنا بانتمي إليه، عندهم هذه الTalent في خلق منتجات مجردةAbstract! طب احنا عايزين بدل ما كل واحد يهتم بمصلحته هو، يهتم بمصلحة الدولة، بدل ما كل واحد يشتغل لنفسه، يتعاونوا مع بعض كده، عشان يشتغلوا للدولة، فاخترعنا فكرة تانية سميناها الوطنية، أقنعنا بيها الناس إن هم يحبوا الفكرة الأولانية، اللي هي الدولة! الأفكار اللي مالهاش أي وجود غير في الوعي المشترك بتاعنا ده، إسمها Inter Subjective Reality! مثال أوضح بكتير، الفلوس (......) الفلوس فكرة إحنا اخترعناها، بتستمد قيمتها مننا إحنا ومن إيماننا بيها! ولإننا كبشر، في الوعي العام متفقين عليها (.....) الفلوس فكرة بتسهل التعاون بيننا وبين بعض، زيها زي الدولة، زيها زي الوطنية، في النهاية هو ده اللي بيميز الإنسانية، إن هي تقدر تخترع أفكار، مالهاش وجود موضوعي نقدر نمسكه ونلعب بيه، وتقدر مع الوقت تطور من الأفكار دي، وتزيدها تعقيد! أفكار مهمة، بتسهل التعاون ما بيننا. أفكار زي الفلوس والدولة والقانون والوطنية، مع إنها بتستمد قيمتها مننا إحنا، إلا إنها بتأثر فينا وبتشكل حياتنا اليومية، وبتتحكم في أقدارنا.."
انتهى النقل من كلامه في مختتم الحلقة، وهو كلام خطير جدا، يؤسس للتفسير الدارويني الوجودي المعاصر Darwinian Existential Explanation لوجود جميع الأفكار والأديان والمبادئ والمعارف الذهية عند الإنسان! فهي كلها ليست إلا مخترعات فردية Subjective لا حقيقة لها ولا قيمة لها إلا أن اتفقنا نحن البشر في مجتمعنا البشري على قبولها!
فليس مفهوم سيادة القانون، مثلا، مفهوما موضوعيا Objective ملزما للنوع البشري بصرف النظر عن قناعات وأفكار المجتمعات البشرية المعينة، وإنما هو مفهوم اتفاقي اخترعه المجتمع البشري قديما من أجل أن يسهل التعاون (داروينيا) Facilitate Reciprocityفيما بين أفراد ذلك المجتمع، بما كانت ثمرته استقرار المجتمع البشري وتحقيق الأمن العام والعلو للجماعة الواحدة على غيرها من الجماعات، بما يرجع في النهاية على الفرد الواحد في تلك الجماعة بجلب المرغوبات ودفع المكروهات!
فإن اتفق لذلك المجتمع نفسه غدا، أن رأى أن القانون نفسه لا حاجة إليه ولا يخدم مصلحتهم الجمعية والفردية، فسيخترع العقل الجمعي أفكارا أخرى تحل محله، وتصبح هي الواقع القيمي الملزم لجميع أفراد تلك الجماعة، من غير أن يكون لأحد من البشر أن يعيب عليهم تركهم لحقيقة أخلاقية صحيحة في نفسها موضوعيا، وتحولهم إلى باطل وفساد في نفس الأمر!
هذه هي نسبية الحقيقة الأخلاقية Moral Relativism التي هي ركن من أركان المذهب الوجودي الدارويني الأوروبي المعاصر الذي يعمل هذا المجرم الخبيث على نشره والترويج له بين مشاهديه من حيث لا يشعرون!
فهو دارويني مادي من جهة تعريفه للوجود الموضوعي Objective Reality على أنه كل ما يقبل اللمس وله حقيقة في الأعيان، وأما ما سوى ذلك فكله نسبي لا حقيقة له إلا ما يتفق عليه أفراد المجتمع البشري فيما بينهم، أيا ما كان! فإن اتفقوا على الإلحاد مثلا، فليس لأحد أن يتهمهم ببطلان ذلك الموقف، لأنهم إنما انتهوا إليه بموجب المصلحة الجمعية والفردية لتلك الجماعة البشرية، وليس في العقل ولا في الغيب ما يلزم تلك الجماعة بمفهوم موضوعي معين يحتكم إليه في قبول أو رد الأفكار! وإنما المسألة اختراع في اختراع، وتواضع اجتماعي لا أكثر ولا أقل!
والخلاصة أنه لا يلزمك أيها المشاهد أن تقبل من أحد من الناس زعمه بأن هناك دين اسمه الدين الحق، ولا بأن في الغيب شيء اسمه رب العالمين، لأن هذه إنما هي أفكار اتفق عليها مجتمعك الذي أنت جزء منه، من أجل أن يسهلوا عملية التعاون الاجتماعي والتوافق الجمعي فيما بينهم، فهي جزء من الواقع غير الموضوعي الذي تواضعوا عليه، لا أكثر ولا أقل.
هذه هي رسالة الحلقة وهدفها الفلسفي، وإنا لله وإنا إليه راجعون!
مقال للمشرف العام
الدكتور أبي الفداء حسام بن مسعود حفظه الله
