إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أما بعد. فقد دفع إلي بعض إخواني الكرام النبلاء وفقهم الله بكلام للأستاذ الدكتور محمد أبي موسى في مسألة السلفية وما يصح عليه اسم السلفية، وطلب مني التعليق عليه. قال الدكتور:
"بقي شيءٌ يجب الكلام فيه، وهو المذهب السَّلفي، والكلام في السَّلَف لم يتوجَّه إلى الكلام في المذهب السَّلفي، وإنما هو ناظرٌ إلى من يُمثِّلون المذهب السَّلفي، أو يعتقدون أنهم يُمثِّلونه، وهذا نظرٌ باطل، ويكون صوابًا لو ابتعد عن المذهب السَّلفي واتجه إلى هؤلاء، كما أن القول بأنه «لا سياسة في الدين» ناظِرٌ إلى الجماعات التي تُزاول سياسة الدنيا بالدين."
قلت: هذا الكلام فيه نظر. فلا شك أنه من الواجب النظر في أحوال من ينتسبون إلى السلفية و"المذهب السلفي" في هذا العصر، حتى يعرف الناس عمن يأخذون مذهب السلف! ومن الواجب جرح من حقه أن يجرح من أدعياء السلفية حتى لا يغتر به الناس، ويتابعوه على أن ما معه هو طريقة السلف وليس الأمر كذلك! فجميع طوائف المسلمين تزعم صحة نسبتها إلى سلف الأمة في الاعتقاد والمنهج والعمل، وقد أنبأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الأمة يقع فيها من الفرقة والاختلاف في المعتقد ما وقع لمن كانوا قبلها من الأمم، وهذا أمر يشهد له الحس، ولا يماري فيه عاقل! ثم إن العقل يشهد كذلك بأن دينا أنزله رب العالمين ليكون هو خاتم الرسالات الإلهية إلى أهل الأرض، وتكفل سبحانه بحفظه ليكون رحمة للعالمين إلى يوم الدين، لابد أن يكون محفوظا على ما نزل عليه إلى يوم الدين، ولا يكون ذلك في أمة قد افترقت في الدين واختلفت كما هي سنة الله في أمم بني آدم، إلا بأن تبقى فيها طائفة واحدة لا تزال ظاهرة على الحق والمحجة البيضاء، تتدين بما تدين به السلف الصالحون تحذوه حذو القذة بالقذة، فلا يكون المسلون في كل عصر أحوج إلى شيء منهم إلى معرفة هذه الطائفة وتصحيح النسبة إليها! فإنها لم تزل تتوارث مشكاة النبوة الصافية بالسند المتصل، كابرا عن كابر، كما في قوله عليه السلام "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريفَ الغالينَ وانتحالَ المبطلينَ وتأويلَ الجاهلينَ! وقد قال السلف فيما هو مشهور عنهم "إن هذا العلم دين فلينظر أحدكم عمن يأخذ دينه"! فإذا قلنا إن أول واجبات المسلم في كل عصر، أن يقصد إلى رجل صحيح المعتقد صحيح المنهج، صحيح النسبة إلى سلف الأمة، من أجل أن يتعلم منه الاعتقاد والعمل، لم نبعد النجعة! لأن ما لا يقوم الواجب إلا به (وهو تعلم الدين الصحيح كما يحب ربنا تبارك وتعالى أن نتعلمه) فهو واجب، ولا يتحقق المشروط إلا إذا تحقق الشرط، كما يشهد به العقل! والذي يفرط في معرفة وتمييز علماء أهل السنة الصادقين في اتباع السلف الصالح في هذا العصر، ولا يعتني بمعرفة الأكابر العدول الذين أورثهم رب العالمين هذا التراث المبارك، وجعلهم به رؤوسا بين الناس يدعون إليه وينافحون عنه ويدفعون كل فرية وكل تحريف يأتي به مخالفوهم، الذي يفرط في معرفة هؤلاء، أنى له أن يعرف سبيل أهل السنة وأن يهتدي إلى طريقة السلف الصالح وما كانوا عليه حقا؟؟ جميع الطوائف والفرق والنحل من أهل القبلة يزعمون سلامة النسبة إلى ما كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وصحابته! وكلهم (اللهم إلا غلاة الجهمية والفلاسفة) إذا جئت إلى ما معهم، وجدت آثارا وتأويلات ينتصرون بها لاعتقادهم وطريقتهم، فيما يخالفهم فيه غيرهم من الطوائف والفرق المتعلقة بنفس الدعوى!
قال الدكتور: "وحقيقة المذهب السَّلفي مما لا يجوز أن يختلف فيه اثنان؛ لأنه يعني ما كان عليه سَلفُ الأمة، وسلفُ الأمة هم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والذين معه، وكل مسلم يدعو الله أن يلقاه – جلَّ وتقدَّس – وهو على ما كان عليه سَلفُ الأمة، يعني يبرأ إلى الله من أي بدعة دخلت في الدين، ويبرأ إلى الله من أي تقصير في فِعْل ما أمر الله به وتَرْك ما نهى عنه،"
قلت: صحيح ولا شك. نسأل الله ألا نموت إلا على ما مات عليه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وتابعيهم ومن تابعهم بإحسان. بيد أن الدكتور يواصل فيقول:
"وهناك شيء واحد ومحدود ولم يَرِدْ على خاطر من يهاجم المذهب السَّلفي؛ لأنه من خصوصيات البحوث في العقائد، وهو أن الآيات المتصلة بالذات الإلهية من مثل قوله تعالى: «يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ»، ومثل «وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ» يؤمن السَّلفُ بها ويُحِيلُ علمَها إلى الله – سبحانه وتعالى – لأنه ليس كمثله شيء،"
قلت: هنا لابد من وقفة، فالسلف لم يفوضوا العلم بالمعنى كما هو ظاهر الكلام، وإنما فوضوا العلم بالكيفية والحقيقة، وأما المعنى فأثبتوه قطعا، لأنه بدون معرفته، يفقد الخطاب قيمته ويذهب نفعه في باب هو من أعظم أبواب الدين، وبه تفترق الملل وفيه يختلف أهل الديانات والنحل! ولهذا كانت هذه المسألة مما يتعين أن يمتاز فيه طريق السلف عن غيره من الطرق البدعية الفاسدة، بعلامات ظاهرة لائحة لا يخطئها من يفهم لغة العرب ويعرف طريق الأثر! ولم تزل تتنازع هذه المسألة (مسألة حقيقة التفويض في الصفات) طائفتان من الطوائف التي تنتسب إلى ما كان عليه السلف، تتنازعان تلك النسبة كما يعلمه الدكتور وغيره من الباحثين في العقائد، منذ أن خرجت جماعة من أهل الكلام على المعتزلة والجهمية الغلاة، بطريقة كلامية بدعية تحاول بها الاقتراب مما كان عليه السلف، فقالوا نثبت مع التفويض، أو نثبت مع التأويل! فالدكتور يريد أن يصور للسامعين أن مذهب السلف يتسع للتفويض أو التأويل على طريقة الأشاعرة، تلك الطريقة التي بدعتها تلك الفئة من أهل الكلام المشار إليها آنفا، ولم تكن في السلف ولا عرفوها ولا قالوا بها أصلا!
قال الدكتور: "ويقولون: له يدٌ ليست كأيدينا، وهو الأعلم بها، وله وجهٌ ليس كوجوهنا، ونُفوِّض العلم به إلى الله، والخَلَفُ يقولون إن القرآن نزل بلسان عربي مبين، واليد في اللسان العربي قد يراد بها القدرة أو يراد بها النعمة، ويُؤوِّلون الآيات على أصل اللسان، وكنا ندرس هذا في الابتدائي في المعهد الديني، ويُعقِّب الشيخ بكلمةٍ لا نزال نحفظها منه، وهي قوله: «مذهب السَّلف أَسْلَم ومذهب الخَلَف أَحْكَم، وخُذْ بالذي تراه ولا حرج عليك فيه»."
قلت: وهنا تظهر المغالطة، والله المستعان! فهذه المقالة جناية على مذهب السلف لا تخفى! كيف يكون مذهب الخلف أحكم من مذهب السلف، ونحن ما عرفنا الحكمة ولا عرفنا الدين ولا كملت لنا عقولنا به، ولا امتزنا عن عبدة البقر والحجر، إلا بما ورثناه من السلف رضي الله عنهم وأرضاهم، أصولا وفروعا؟؟ كيف وبأي عقل يكون الخلف أحكم من السلف في شيء قالوه، لا سيما والباب باب اعتقاد في الأسماء والصفات، وهو أعظم ما يجب على الإنسان أن يصحح فيه اعتقاده من أمور السمعيات، حتى يتوجه بدينه إلى رب العالمين سبحانه حقا، يعرفه على صفته التي هو عليها سبحانه، لا على غيرها مما تنازعه أهل الملل؟؟ إن كان السلف قد آثروا السلامة، فلابد أنها هي الحكمة قطعا، ولابد أن الخلف مخالفون للحكمة مفارقون لسبيل أهل السنة، بتكلفهم ما لم يتكلفه السلف في نفس الأمر!! فما هو الذي تكلفه الخلف وفارقوا به طريق السلف، حتى زين لهم شيطانهم اعتقاد أنهم أحكم من السلف؟ إنه تلك الفلسفة اليونانية الخبيثة التي يقال لها الكلام وعلم الكلام!! أوهمتهم شياطينهم أنهم إذ غاصوا في ذلك وتعمقوا فيه، فقد حازوا من الحكمة ما لم يحظ به السلف، لأنهم ما عرفوا الكلام ولا قالوا به ولا أصلوا فيه شيئا مما أصله هؤلاء! فالكلام بدعة الخلف على التحقيق وهم به ضالون مفارقون للحكمة والسلامة معا، لا أن السلف سكتوا طلبا للسلامة، بينما اجترأ الخلف فحازوا بالكلام من الحكمة ما لم تستطعه الأوائل!! هذا من أفسد الأقوال وأفسدها لدين المسلمين، والله المستعان! إما أن السلف كانوا يرون الحكمة والسلامة معا (لأنهما متلازمان عقلا كما تقدم) في أن يتأولوا نصوص الصفات البتة، أو أنهم كانوا يرون الحكمة والسلامة في أن يثبتوا معانيها على ظواهرها ويفوضوا العلم بالكيفية، أو أنهم كانوا يرون الحكمة والسلامة في تفويض المعنى حتى تبقى، في علمهم ودينهم، وكأنها لا معنى لها!! فالواجب أن يتحقق المسلم ما كان عليه السلف في ذلك إن صدق في طلب الحكمة والسلامة جميعا، لا أن يقول: خذ بالذي تراه ولا حرج!! إن خيرتمونا بين الحكمة والسلامة، فنحن إذن ما بين أن نكون أهل حكمة على شفير هلكة، أو أن نكون على سلامة لا عقل فيها ولا علم، فأي عقل في هذا وأي دين؟؟ وكيف يكون صاحب خيار كهذا، داعيا إلى ما كان عليه السلف وإلى مذهب السلف، وهو يصرح بتخيير الناس بين طريقة السلف وطريقة من خالفوهم؟؟
نسأل الله الحكمة والسلامة جميعا!
ثم يقول الدكتور: "وأسمع هجومًا مكررًا وكأنه مِنْ تسابيح مَنْ يُزاوله، وليس في هجومه شيء من ذلك، يعني يهاجم سلفًا لا يعرفهم؛ لأنه لو عرف أن السَّلَف هم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأصحابُه والتابعون لهم بإحسان لأمسك لسانه، ويُدهشك أن تسمع تكرار القول بأن المذهب السَّلفي من أهم أسباب تخلُّف مصر، وأن الإسلام السياسي من أهم أسباب تخلُّف مصر، وأن الدولة المدنية القائمة الآن في مصر يجب أن تتطهَّر من السلفية ومن الإسلام السياسي، ويأسف المتحدث بهذا الذي لا أصل له لتغلغل المذهب السَّلفي في مصر، وأنه داخَلَ نفوسَ كثير من المسئولين، وأن رحمًا قائمة بين هذه الثلاثة [المذهب السَّلفي، والإسلام السياسي، والإرهاب]، وكل هذا من الخطأ المَحْض الذي صنع له سيبويه مثاله المشهور ليزرعه في نفوس الناس، وهو قوله: «سأشرب ماء البحر أمس»، وإذا كنتُ أزعم أني كتبت هذا لحماية عقول الجيل الناشئ من الخطأ المَحْض فالواجب على من يرى دليلاً على نَقْضِ شيء من كلامي أن يُبيِّنه، ورحم الله مَنْ بيَّن لي خطئي، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين."
قلت: هنا تظهر لك ضرورة بيان أي الطوائف العصرية المنتسبة إلى السلفية هي على ما كان عليه السلف حقا، لأنك إن عرفتهم، وعرفت بأي شيء كانوا يفتون الناس في مصر في خضم تلك الفتن الكبرى التي اجتاحت البلاد قبل عقد من الزمان أو يزيد، ولم يزالوا يفتون الناس به ثابتين على المنهج لا يتبدلون بفضل الله تعالى، إذا عرفتهم وعرفت ما هم عليه، عرفت أنهم أبعد الناس عن أن يكونوا من أسباب تخلف مصر! وعرفت الفرقان الحق بينهم وبين من يقال لهم جماعات الإسلام السياسي والجماعات الحركية وهذه الأشياء، وعرفت كيف يقفون الموقف الوسط الصحيح بين دعاة ما يقال له الدولة المدنية، ودعاة ما يقال له "الإسلام السياسي"! وعرفت كيف كانوا أعظم الناس صيانة لأمن هذا البلد ولاستقراره وترقيه في مدارج الدنيا والدين جميعا! ليس في الفرق والطوائف، والله، من هم أحرص على جميع ذلك منهم، ولا أشد على المخالفين والمفسدين والخارجين على السنة والجماعة منهم، ولا أعظم تمسكا بكتاب الله وسنة رسوله وهدي السلف الصالح وآثارهم وعلومهم منهم! فلا يرد على من ذكرت يا دكتور، وغيرهم من أهل الباطل، بأن يقال دعكم من جميع الطوائف المنتسبة إلى السلفية اليوم، فإنهم ليسوا هم سلف الأمة، وليسوا على شيء أصلا، والسلف هم النبي عليه السلام وأصحابه!! نعم السلف هم الصحابة رضي الله عنهم وتابعوهم وتابعو التابعين، ولكن أين من يعرفك أنت، رحمك الله وغفر لك، بما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم من الاعتقاد والمنهج، وعمن تلقيت أنت ما تزعمه اعتقاد الصحابة والتابعين وما كانوا عليه، إن لم تعرف العدول من أهل السنة، تتلقى منهم ذلك العلم كما تلقوه هم عمن قلبهم بالسند المتصل؟؟ قد بينا أنه ليس من السلفية ولا من طريقة السلف أن يقال طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم أو أحكم، واختر ما شئت لا عليك من شيء!! فلو أن الدكتور نشأ على أيدي من درسوه السلفية الصافية في تلك المعاهد التي ذكرها، لأجاب بغير ما أجاب به!
والقصد أن الكلام عن السلفية وعن منهج السلف لا قيمة له ولا ثمرة إن لم يبين للناس من هم دعاتها الصادقون في هذا العصر ومن الذين شذوا عنها وخالفوها ولا يزالون يلبسون على الناس أنهم عليها وأنهم هم أهل السنة والجماعة حقا، مع أنهم أهل فلسفة وكلام وأمور تصل إلى الزندقة في كثير منهم ولا حول ولا قوة إلا بالله!! ما لم نبين ذلك بالدليل الواضح الجلي، فلا فائدة من أن نقول للناس، هذه الفرقة ليست على ما كان عليه السلف، وتلك النحلة كذبت في الانتساب إلى السلف، إلى غير ذلك مما ذكره الدكتور.
فأنا أدعو الدكتور الفاضل وفقه الله وأرشدنا وإياه إلى سواء السبيل، لأن يراجع كلامه، إذ نحن نزعم أننا قد رأينا دليلا على نقض بعض كلامه كما ترى، فندعوه لأن يراجعه كما شرط على نفسه، وأن يراجع طريقه وسبيله إلى علم السلف، فإن لسبيل المؤمنين علامات لائحة جلية من أخطأها، ضيع دينه ودنياه وهو يحسب أنه يحسن صنعا، نسأل الله السلامة لنا وله وللمسلمين، والحمد لله رب العالمين.
وكتب،
د. أبو الفداء حسام بن مسعود، عفا الله عنه.
