الرد على كلام "مولود السريري" في مسألة التجسيم وتفويض الكيف - الجزء الثالث




الحمد لله وحده، أما بعد، فبعد أن قرر الشيخ السريري أن إثبات المعنى اللغوي للصفة، يقتضي بمجرده إثبات العرض القائم بالموصوف، يواصل في المقطع المردود عليه فيقول:

"فإذا فوضت في صورة العرض القائم بذلك المحسوس فقط، فأنت قد أثبت ذلك المحسوس إن كان جسما، وفوضت فقط في العرض القائم به من طول وقصر أو لون أو تركيب أو ما شابه ذلك. فقط." قلت وهذا مبني على ما تقدم، فإذا انتقض الأصل، سقط ما تفرع عليه! فالقوم كما تقدم غارقون لآذانهم في نظرية يونانية توجب ألا يثبت أي معنى لأيما صفة، أيا ما كانت، لموجود ما في الأعيان، أيا ما كان، إلا بأن يكون ذلك الموجود جسما مركبا من جواهر وأعراض، ولكنهم يتكلفون تحميل تلك النظرية بما لا تحتمله، في أصل منهجها، وبما لا يؤتى به من طريقها، ذلك الطريق الذي التزموا سلوكه تأسيسا لأصول الدين بين أيدي أصحابه من الفلاسفة! فيزعمون – في تناقض منهجي فج – أنها لا تقتضي إلا نفي معان معينة مخصوصة عن الصانع الذي يؤسسون إثباته عليها، وليس جميع ما يثبته المسلمون له من الصفات والأفعال كما التزمته المعتزلة والجهمية الأولون. قد بينا أن هذا باطل غير صحيح، وأن نفي جميع ما يصح فيه أنه "صفة" لموصوف ما، عن ذلك الموجود الذي يثبتونه خارجا عن معنى الجسمية والتركب من جواهر وأعراض الذي قررته النظرية، هذا يلزمهم لزوما لا فكاك لهم منه! لأن النظرية قد استحوذت بحدودها من مبدأ الوضع على جميع ما تمتاز به الموجودات في الأعيان عن بعضها البعض، من صفات وأحوال ومعان، تفسر ذلك كله بالأعراض المركبة في الجواهر كما بينا. فلا وجه لقصر معنى "العَرَض" هذا على نوع مخصوص من أنواع تلك المعاني دون غيره إلا بالتحكم المحض! وهو تحكم ناقض لأصل النظرية عند التدبر، أي يلزمهم على أثره نقض ذلك الأساس الذي أقاموا عليه إثبات الصانع من طريقها! 

وبيان ذلك أن الغرض من وضع النظرية، إنما كان هو تفسير مبدأ اتصاف كل موجود في الأعيان، بما يثبت له من معاني الصفات جملة! الفلاسفة الأقدمون حين قالوا بتركب الأشياء من جواهر وأعراض، لم يخصصوا، وإنما أطلقوا ذلك على كل ما يصح فيه معنى الوجود، لأن النظرية من الأساس إنما يراد منها أن تقدم تفسيرا معرفيا لقيام الصفات بالموصوفات بها في الأعيان، ولاختلافها فيما بينها في تلك المعاني! فالموجود المعين (خارج الذهن) يكون في مكان ما أو في زمان ما، لأن ثمة أعراضا مركبة فيه على هيئة وصورة بخلاف ما تكون عليه في غيره، ويكون موصوفا بأنه تتقلب عليه الأحوال أو تصدر عنه الأفعال والأقوال، لأن فيه أعراضا حادثة قائمة بجسمه، مركبة فيه تركيبا، لا تزال تتبدل وتتحول! فكل ما يصح أن يكون معنى يفترق به موجود ما في الأعيان عن غيره من الموجودات في الأعيان، فالنظرية قد استوعبته بالكلية في أصل وضعها وفي مطلبها المعرفي الذي من أجله وضعت! يقال: لماذا هذا الشيء أبيض اللون، فيكون جواب النظرية: لأنه يقوم به عرض يجعله كذلك! ويقال: لماذا له امتداد في الخارج، في الطول والعرض والعمق، فيكون الجواب: لأنه قد ركبت به أعراض أخرى تجعله كذلك! فلو تصورنا عدمها لعدم ذلك المعنى فيه! (1) بل إن قيل بأي شيء نفرق بينه وبين غيره من الموجودات في الأعيان، لوجب أن يكون الجواب: باختلاف العرض القائم فيه عن الأعراض القائمة في غيره! لذا فلا يجوز للأشعري، وقد تعلق بتلك النظرية وتقلدها في عنقه تقلد الحقيقة العقلية القطعية، أن يجيب عن السؤال: "بأي شيء يفترق الصانع الذي تثبته في الأعيان عن غيره من الموجودات في الأعيان؟" إلا بأن يقول: "يفترق ويمتاز عنها بأعراض تقوم به، لا يقوم نظيرها بغيره!" لماذا؟ لمجرد أنه يصح فيه معنى الوجود في الأعيان، ومن ثم استحقاقه جميع المعاني التي يقتضيها كونه موجودا في الأعيان، ماثلا خارج الأذهان! هذا لازمهم من أصل وضع النظرية وموضوعها عند واضعيها، نظرية الجوهر والعرض! فالعرض كما بينا إنما هو ما لأجله تتفاوت الموجودات خارج الأذهان فيما ننزله عليها من المعاني والصفات بإطلاق. 

فإن قالوا ولكن ليس هذا هو تعريف العرض عند الفلاسفة والمتكلمين، قلنا قد تقدم بيان أن تعريفات القوم للعرض كلها لا تفيد بمعرفة أصلا، وأنها كلها ترجع إلى كونه شيئا موهوما في الذهن، يفترض أنه لأجله (أي بسبب قيامه في الأعيان بالأشياء الموجودة قيام الشيء بعنصره أو بجزئه الذي يتركب منه) تتفاوت الموجودات في الأعيان في صفاتها وما يصح فيها من المعاني! فإذا فهمت حقيقة "العرض" في أصل النظرية، والغرض من فرضهم إياه حين وضعوها، وأنه ما "يفسر" به الفيلسوف تعلق الصفة بالموصوف بها في الأعيان، أيا ما كانت وأيا ما كان، تبين لك أنه من غير المتصور أن تقوم صفة معينة، بموجود معين خارج الذهن، بحيث لا تكون حقيقتها أو لا يكون سبب قيامها به، هو تركب ذلك الموجود من الجواهر والأعراض! فإذا كان ذلك كذلك، لزم ألا يكون إثباتهم ما يزعمون أنهم يثبتونه لله تعالى من المعاني، من حيث هو موجود في الأعيان، إلا مقوضا لأركان النظرية من الأصل! فمجرد قولهم إن في الوجود في الأعيان صانع هو من خلق الجواهر والأعراض وركب هذه في تلك، فإن هذا بمجرده يكون صفة فعل (فعل الخلق) تنسب لموجود في الأعيان، والحال أن النظرية قد استوعبت في حدها الميتافيزيقي لما يقال له "عرض"، مبدأ اتصاف موجود ما في الأعيان بالفاعلية وما يتعلق بها من المعاني! فالموجود المتعين في الخارج الذي يفعل فعلا ما، إنما يمتاز في النظرية عن الموجود غير الموصوف بذلك الفعل، لكون العرض القائم بالأول مختلفا عن القائم بالثاني! هذا يوصف بفعل (أ) خلافا للأول الذي لا يوصف بأنه فاعله، لأن الأعراض في هذا غير الأعراض في ذاك! ولكن هم يريدون أن يثبتوا صانعا لجنس الأعراض والجواهر جميعا، بحيث يكون موجودا في الأعيان موصوفا بذلك الفعل! وهو ما يقتضي ألا تكون النظرية مطردة على شرط الإطلاق والوجود كما تقتضيه الطريقة اليونانية التي عليها تأسست! أي أن يجوز وجود موجودات في الأعيان توصف بصفات أو معان معينة، مما تمتاز به تلك الموجودات عن غيرها من الموجودات في الأعيان، من غير أن تكون حقيقة ذلك فيها وكيفيتها أنها أعراض تقوم بجواهر! فإذا شرط الإطلاق في النظرية، لم يقم في العقل مرجح لاختصاص بعض الموجودات بكونها مركبة من جواهر وأعراض من الأساس! لماذا يقال إن جميع المخلوقات إنما توصف بصفاتها (من امتداد في الجهات وتركب ولون وملمس وكذا) بسبب أنها أجسام متماثلة تقوم بها "أعراض"؟ هذا لا يسلم، ولا يجوز أن نسلم به (إن سلمنا أصلا بمعقولية أن يوجد في الأعيان شيء يقال له العرض على تصورهم له)! ومسلك الأشاعرة يقتضي عدم التسليم به من حيث لا يشعرون! فهم يثبتون موجودا في الأعيان يوجد بحيث تثبت له معان في الفعل والفاعلية تميزه عن غيره من الموجودات في الأعيان، مما جميعه قد استوعبته النظرية في إطلاقها الميتافيزيقي على أنه مما لا حقيقة له إلا تركب الأعراض في الأجسام! فإذا سقطت نظرية المتكلم في أقسام الموجودات، وبطل إطلاقها، سقط ما أسسه عليها بالضرورة ولم يجد له أن يستدل بها على شيء كما هو واضح! 

ولهذا انتقدهم المعتزلة وعابوا عليهم مسلكهم وألزموهم بالشنائع، لأنهم يؤسسون على النظرية ما ينقضها نقضا! فإما أن الذي تثبتونه موجود لا يوصف بأيما معنى أصلا مما جاءت النصوص بنسبته إليه، لأنه لا يوصف شيء في الأعيان بصفة ما إلا وجب أن تكون حقيقة ذلك و"تفسيره العلمي" هو الجواهر والأعراض، وهو ما يكون به الجهمية الغالة المتمحضين بالتعطيل، أصدق في التزام نظريتهم الميتافيزيقية وفي البناء عليها من الأشاعرة والماتريدية ولا شك، وإما أن تكون لذاك الموجود معان معبرة عن أمور قائمة بذاته في الأعيان على الحقيقة، مع كونها ليست أعراضا، وهو ما ينتقض به مفهوم العرض في النظرية، الذي أثبتوا الصانع بإثبات حدوثه! لذا نقول إن أصدق منهما جميعا، من طوائف الفلاسفة الذين تقلدوا تلك النظرية، من يقول ليس في الأعيان إلا موجودات هذا العالم، لأن النظرية قد استوعبت كل ما يمكن أن يوجد في الأعيان أصلا، إذ لا يتصور في الأعيان شيء معطل عن كل صفة! هذا لا يكون إلا في الأذهان، نثبته ممتنعا في الأعيان كما بينه شيخ الإسلام رحمه الله! ولهذا استطال الفلاسفة على المتكلمين بتلك البراهين أيما استطالة، لأنها لا يوصل إلى إثبات الرب الذي نعبده ونشهد بأنه يبعثنا يوم القيامة، إلا بنقض بعض مقدماتها على التحقيق، نقضا منهجيا أصليا!

وأنت تلمس آية ذلك الاضطراب والتحكم بالتقسيم الميتافيزيقي ظاهرا في كلام الشيخ هنا إذ يقول: "وفوضت فقط في العرض القائم به من طول وقصر أو لون أو تركيب أو ما شابه ذلك" قلت: فما هو هذا الذي "شابه ذلك" وبأي علة شابهه؟ بعلة أن هذا هو جنس المعاني التي لا تكون إلا أعراضا، خلافا لمعنى الوجود مثلا أو معنى الخالقية أو العلم أو الإرادة أو "ما شابه ذلك"؟ شابهه في أي شي على وجه التحديد؟ هذه المعاني التي ذكرت (وما شابهها على عبارتك) أنت تحصر حقيقة العرض اليوناني فيها بالحد الميتافيزيقي التحكمي، على طريقة فلاسفة اليونان التي تشبعت بها، لا على مقتضى لسان العرب والوضع اللغوي كما تدعي، وإلا فبأي مستند وعلى أيما حجة، من العقل، حكمت بذلك، ومن ثم ألزمتنا به؟ هذه هي قضيتنا معكم، التي إلى الآن لم تضبطوا لها جوابا، ولن تفعلوا! ولهذا استهللت هذا الرد على الشيخ بمسألة العرض وتعريف العرض! فإنك إن نصبت هذا التفريق النوعي (بين ما يكون "عرضا حادثا" وما لا يكون) على أساس عقلي صحيح صريح، سلمنا لك بأن إثبات هذا الصنف من المعاني لله تعالى يوجب له التركب من أشياء تقبل الانفكاك من بعضها البعض كما تلزمنا به! ولكن أين؟ هذا لا يوجد! ولو وجد، لسبقنا إليه سلفنا، ولتوافرت به الآثار تقريرا وتأصيلا وتصريحا كما ذكرنا! فإن القضية هنا مدارها على معان لو أثبتناها لله تعالى على الوجه الظاهر لغة، انفكاكا من القرينة العقلية التي تزعمونها، الموجبة بزعمكم للتفويض أو التأويل، لكفرنا بزعمكم ولتلبسنا بالشرك والوثنية! فأمر هذه منزلته، وقضية هذا شأنها في الدين، لا يجوز أن تفقد في صريح النص والأثر الموروث، فلا تلتمس إلا بتأويل متعسف مستكره لكلام بعض السلف! ألستم أنتم من اشترطتم في العقيدة أن يكون الدليل من جنس المتواتر دون الآحاد، لأن أمثال تلك المسائل لا تطمئن لها النفس إلا بالثبوت القطعي والدلالة القطعية؟ فأين في تقرير هذا الأصل الأصيل الذي تفرع عليه مذهبكم في الإثبات والنفي والتأويل، ما يبلغ أن يكون نصا هذه منزلته أو قريبا منها؟؟ الأصل القائل بأن كل معنى يصح - على الحد الكلامي الفلسفي - أن يكون "عرضا حادثا"، فالواجب نفيه عن رب العالمين والتفويض في معنى اللفظ أو تأويله، هذا لا قيام له على النص المتواتر، بل ولا على نصوص الآحاد، وإنما يقوم عندكم على ما تزعمونه قطع العقل، وهو ما لا حقيقة له إلا القسمة اليونانية السوفسطائية للموجودات كما بينا، ثم تنتصرون له بالتأويل المستنكر لكلام بعض الأئمة، وتستشهدون له بتأويلات للصحابة إنما ترجع عند التحقيق إلى قرائن أخرى بخلاف ما تزعمون!    

ثم يقول الشيخ: " إذا لم يكن بعض هذه الهيئات قد أثبتها باللفظ اللغوي أولا، كال(غير واضح) يمكن أن يكون تابعا للغة وليس تابعا للأعراض، التي قد تختلف فتجيء وتذهب. وهكذا الأمر في الفعل أيضا. فإنه يجري عليه نفس القانون." قلت: هذا موضع من مواضع كثيرة في مقاطع الرجل لا يظهر وجهها، لما فيها من ألفاظ تغلب عليها، ولو في المخرج الصوتي وطريقة الإلقاء، لغة المغاربة الدارجة، وهي من أبعد الألسنة الدارجة عن لسان العرب على الإطلاق، وأصعبها فهما! دع عنك أن الشيخ من طريقة كلامه أنه يخفض صوته في ذيل كل جملة، يأكل الكلام أكلا! ولهذا اضطر بعض طلبته، على ما يبدو، لأن يكتبوا كلامه في مقاطع لاحقة، كما يسمعونه منه، على الشاشة حال تلفظه به، وكأنما ينقلون الكلام من لغة أعجمية إلى لسان العرب! 

يقول الشيخ: " فإذا سلمت في فعل ما أنك تحمله على المعنى اللغوي، فأنت تثبت له الحقيقة اللغوية التي وضعتها العرب. فإذا قلت أسلم في كيفه وفي هيئته فأنت لم تسلم إلا الصفة فقط، أنت لم تفوض الأمر إلا في الصفة! أما المعنى اللغوي فهو ثابت."

قلت وهذه من المغالطات التي أكثر بها الشيخ علينا، هداه الله، ودندن حولها كثيرا. يقال له أنت تستند في حقيقة الأمر إلى حدود فلاسفة اليونان وتقسيماتهم للمعاني، وليس إلى استعمالات العرب، فيعترض بأن كلامه كله مداره على الوضع اللغوي! ثم يدعي أن العرب إنما وضعت هذه الألفاظ لإرادة حقائق وكيفيات وهيئات المخلوقات المعتادة دون غيرها! وهذا باطل قطعا، ولو قبلناه للزمنا تعطيل اللغة عن أن تفيد بأيما معنى معقول على الإطلاق في كل ما هو غيب لا دخول له تحت عادتنا، وهو ما يسقط به أصل الإيمان في دين الإسلام سقوطا كليا، ولا حول ولا قوة إلا بالله! يحدثنا ربنا عن نفسه فلا نفهم شيئا، ونقول إن العرب لم تضع هذه الألفاظ من أجل هذا! يحدثنا عن البعث والحساب والنشور، فنفوض المعنى ونقول ليس هذا مما وضعت العرب هذه الألفاظ للعبارة عنه! يحدثنا عن الجنة والنار، فنفوض بذريعة الوضع اللغوي! يحدثنا عن خلقنا وخلق السماوات والأرض، فنفوض لأن الألفاظ لم توضع من أجل هذا! فبالله أي زندقة فوق هذا؟؟ نسأل الله السلامة! القوم مذهبهم مدمر للغة والعقل معا والله، وهم مع هذا يرونه أكمل ما يرام فيهما جميعا، ويصرون على ادعاء أن مبحثهم في الأصل مبحث لغوي راجع إلى مسألة الوضع الأول وما يتعلق بها! نعم نثبت لله تعالى الحقيقة اللغوية التي وضعتها العرب، ولكن ما هي تلك الحقيقة؟ هذا هو نزاعنا مع الشيخ! هو يدعي أن الحقيقة اللغوية التي وضع العرب اللفظ للعبارة عنها، تشتمل على كيفية المخلوق وما به يتحقق المعنى فيه! وهذا باطل ولا شك، وإلا فأي نوع من أنواع المخلوقات التي تتفاوت في تلك الكيفيات، مع دخولها جميعا تحت المعنى الكلي، كان هو المراد عند الوضع خصوصا؟ وإن لم يكن القدر المشترك بين تلك الأنواع هو المقصود بالمعنى، فكيف جاز للعرب أن تستعمل اللفظ على تلك الوجوه جميعا في تلك الأنواع جميعا مع أن حقائقها وكيفيات تحقق المعنى بها متعددة وليست متحدة؟؟ الجواب أن الوضع اللغوي الذي عرفته العرب لا علاقة له بما تريدون أصلا! وإنما أنتم تريدون جعل اللفظ مشتملا في معناه الكلي الذي تتوجه إليه الأذهان العربية عند كل استعمال، على كيفية مخصوصة قررتها لكم النظرية اليونانية، وهي التركب من الجواهر والأعراض المزعومة! وهذا من عدوان النظرية وقرصنتها على استعمالات الناس لألفاظ اللغة، لما فيها من إطلاقات على شرط الوجود! فأنت عندما تقول: مهما وجد في الأعيان شيء يوصف بمعنى كذا، وجب أن تكون حقيقة ذلك المعنى فيه وكيفيته هي كذا وكذا، فأنت بهذا تعتدي على المعنى الكلي المشترك بين جميع أنواع الموصوفات بنفس هذا المعنى في استعمال العرب، لتقصره في كيفية واحدة قررتها لك النظرية، ثم تطرد تلك الحقيقة أو الكيفية لتكون هي ما به يثبت المعنى في أيما موجود وصف به بإطلاق! وهذا إفساد للغة عظيم ولا شك، وليس جريا على قواعدها ونظامها كما تدعون!    

أنتم ترتيب منطقكم في تفويض المعنى يجري على هذا النحو:

مقدمة (1): اللفظ (أ) معناه الظاهر على عرف اللغة والوضع اللغوي هو (س) (سواء قررنا هذا المرادف، كما في قولهم: الاستواء هو العلو بالذات، أو لم نقرره)، ويكون كذلك عند عدم القرينة الصارفة عنه، المعتبرة في الاستعمال اللغوي أو الوضع اللغوي لأهل اللسان.

مقدمة (2): (س) هذا من جنس المعاني التي لا تكون في الموصوف بها إلا "أعراضا حادثة".

النتيجة: لا يجوز إثبات (س) في حق الله تعالى، والواجب التفويض، لاعتبار القرينة في (2).  

فنحن قضيتنا معكم ليست في المقدمة (1) التي موضوعها اللغة والوضع اللغوي، وإنما في المقدمة (2)! وأنتم تصرون على التسوية بين المقدمتين وجعلهما قضية واحدة، وهذا تلبيس عظيم!               

فنحن نثبت المعنى على الحقيقة، تمشيا مع الوضع اللغوي والقرائن المعتبرة فيه، كما عرفها العرب، لا كما اعتبر به فلاسفة اليونان، لأن (2) باطلة عندنا لا عبرة بها ولا التفات إليها! 

قال محمد أكرم أبو غوش فب مقال نشره تحت عنوان (لماذا نقول بامتناع قدر مشترك بين صفات الله وصفات المخلوق): "لماذا نقول بامتناع قدر مشترك بين صفات الله تعالى وصفات العبيد؟ ما المشكلة في ذلك؟ ذلك بأنَّ كلَّ معنى يتَّصف به العبد فهو معنى ممَّا يتَّصف به الممكن، فهو معنى ممكن (وحادث)، لأنَّ العبد بما فيه مرجَّح حادث بلا ريب، فكذا صفاته، والله تعالى ليس له أيُّ صفة ممكنة، فلا يتَّصف بأيِّ معنى من المعاني التي يتَّصف بها العبد. أي: لئن قيل باشتراك بين الله تعالى والعبد في معنى ما [أو في قدر ما من المعنى] فهذا المعنى [أو هذا القدر من المعنى] المشترك إمَّا واجب أو ممكن، إن كان واجباً فلا يتَّصف به العبد، وإن كان ممكناً فلا يتَّصف به الله تعالى."

قلت: تأمل مبلغ ما غرق فيه المتكلمون من إخضاع الحقائق اللغوية والمعاني الكلية للنظرية الميتافيزيقية التي اعتنقوها اعتناقا، ثم مطالبتهم إيانا بأن نكون أمثالهم في ذلك، إن أردنا السلامة من التهمة "بالحشوية" التي اتهمهم بها المعتزلة من قبل لإثباتهم ما زعموا أنهم يثبتونه! لماذا يقولون بامتناع القدر المشترك المعنوي بين صفات الله وصفات المخلوقين؟ لأن قسمة ابن سينا للموجودات إلى قسمين، الواجب والممكن، تترك ذلك القدر بحيث لا يتصور دخوله تحت أي منهما! فالمعنى إن قدرناه واجبا، لم يجز أن يتصف به الممكن، وإن قدرناه ممكنا لم يجز أن يتصف به الواجب! فمثل هذا إن أردت أن تحرقه إحراقا فاسأله: فعل خلق شيء معين (بهذا الإطلاق) وتركيبه، هذا معنى واجب أو ممكن؟ إن قلت هو واجب لأن الله يوصف به، لزمك أن تنفيه عن المخلوق لأنه ممكن وليس بواجب! وإن قلت بل هو ممكن لأن المخلوق كذلك يصنع ويركب، لزمك نفيه عن الباري لأنه واجب والواجب لا يوصف بالممكنات! والحق أن خلق الشيء المعين ليس واجبا حتى في حق الله تعالى، إذ لو شاء ألا يخلق ذلك الشيء بعينه لما فعل، لا مكره له من فوقه سبحانه! ففعل خلقه وإيجاده ممكن تبعا للإرادة والمشيئة! وهو معنى يوصف به رب العالمين فيما يتعلق بهذا العالم وموجوداته! بل إن الإمكان الذي توصف به المخلوقات، إنما يرجع لكون فعل خلقها يتصور عدمه كما يتصور وقوعه! والفعل صفة عائدة على ذات الفاعل بالضرورة، وهي معنى قائم به لا بالمفعول! ولهذا التزم ابن سينا بالقول بقدم العالم، لأن فعل خلقه ليس من نوع الممكنات في قسمته، بل هو واجب لأن الواجب لا يوصف بالممكن! فإذا صار خلق العالم واجبا، صار العالم قديما، ولا يزال يُخلق من الأزل! 

يقول: "سؤال: أنتم تقولون بالاشتراك بين الله تعالى والعبد في السَّمع، فكيف تنكر هذا الآن؟ أقول: لا نقول بالاشتراك المعنويِّ بين الله تعالى والعبد في صفة السَّمع، فصفة السمع لله تعالى لها معنى آخر غير صفة السَّمع للعبد مطلقاً، ليس الاشتراك إلا لفظيّاً عندنا، وإنَّما الاشتراك في متعلَّق الصِّفة في كون زيد مسموعاً لله تعالى وللعبد."

قلت: سفسطة بينة ومكابرة للمعقول، إذ إن قولك في شيء ما إنه مسموع لله كما أنه مسموع للعبد، يوجب أن يكون معنى السمع فيهما جميعا واحدا، وهو ما به يكون الصوت مسموعا عند كل منهما، وما به يتصور في العقل أن يثبت المتعلق للصفة ولازمها العقلي! وإلا فما الذي به يثبت التعلق والاقتضاء، إن لم يكن هو المعنى الموجب لذلك عقلا؟؟ قولنا إن صوت زيد مسموع لله تعالى كما أنه مسموع لعمرو، لا انصراف له في عقول العقلاء إلا أن يكون المعنى متحدا، وإن شئت فسمه معنى مسموعية صوت زيد! فإن فررتم من الاشتراك في كون معنى السمع مشتركا بين الله تعالى وبين عمرو، فلن تفروا من الاشتراك في كون صوت زيد مسموعا لهما جميعا، وإلا فإن لم يكن معنى السامعية مستويا، فيلزم ألا يكون معنى المسموعية متحدا كذلك، فلا نقول إن صوت زيد مسموع لله تعالى كما أنه مسموع لعمرو! "كما أنه" هذه يا أخ أبا غوش، توجب الاشتراك في المعنى الذي اقتضاها بالضرورة، وهو اتصاف الجميع بمعنى السمع! ولكن لأن النظرية اليونانية قد أورثتكم الرعب والهلع من إثبات معنى يقوم بذات الله تعالى، أي معنى أيا ما كان، قلتم نثبت المعنى في متعلقه لا في ذات الله تعالى، ونجعل الفعل هو المفعول، دون أن نثبت منه حالا معينة يكون عليها رب العالمين حال التلبس به! ولكن ليس في العقل السوي ولا في لسان العرب أن يكون الفعل هو عين المفعول، أو أن يُثبت معتلق المعنى ومقتضاه في المفعول دون إثبات المعنى نفسه في الفاعل!! هذا نفي وإثبات في نفس الأمر، وهو تناقض بين!

يقول الأخ في مزيد من السفسطة الباردة: "سيقال: أنتم تقولون بالاشتراك في الوجود. ليجاب: الوجود أمر اعتباريٌّ ليس له مصداق في الخارج، أمَّا اليد فلها مصداق في الخارج، فمعلوم أنَّنا إن قلنا: اليد مشتركة بين زيد وعمرو والقرد، فليس المقصود اشتراك خارجيٌّ، إنَّما المقصود الاشتراك في حقائق هذه الصفات الخارجيَّة، فمعنى اليد لزيد هو هو لعمرو وهو هو للقرد، وإن اختلفت الأشكال والأحجام والألوان، وحتّى لو فرضنا اختلاف المادَّة." قلت: حيدة ظاهرة! المصداق في الخارج هذا إن كان المراد به: حقيقة معينة في الأعيان بحيث إن قامت بشيء ما، صح فيه المعنى الكلي، فهذا يستوي فيه كل من معنى اليد ومعنى الوجود على السواء! أو إن شئت فقل: مصداق وجود الله تعالى هو قيام ذاته على الحقيقة في الأعيان، ومصداق وجود زيد هو قيام ذاته حقيقة في الأعيان كذلك، وإذن فهما مشتركان في هذا القدر وجوبا وضرورة! سم معنى الوجود اعتباريا أو ذاتيا أو حسيا أو ما شئت، لا يعقل أصلا ولا يجوز استعماله في حق الله تعالى دون أن يكون بين المصداقين ذلك القدر المشترك! وإلا فأي وجود هذا الذي تثبتونه لربكم خارج أذهانكم وأنتم لا تعلمون للفظة في حقه معنى أصلا؟؟ ألستم عندما تقولون الله موجود، تقصدون أن له حقيقة في الأعيان خارج الذهن؟ فهذا بالضرورة معنى مشترك مع كل مخلوق يقال إنه موجود! نعم وجود كلٍّ على ما يليق بذاته وحقيقته، ولكن هذا القدر إن لم نثبت اشتراكه، تعطلت اللغة عن أن تفيد بمعنى أو فهم أو علم أصلا!!

يقول: " وقد تقرَّر عند الأئمَّة أنَّ كلَّ متحيِّز ذي مقدار ممكن حادث مخلوق، وأنَّ كلَّ منفعل يحدث له وصف فهو ممكن حادث مخلوق."

وهذه هي المصيبة يا هؤلاء! فإن أئمتكم الذين قرروا ذلك ونحوه، لم يقرروه من قطع العقل الصريح ولا من السمع الصحيح، وإنما قرروه من حدود ومقتضيات نظرية الجوهر والعرض اليونانية الفاسدة، التي قدموا بها لبراهينهم في إثبات الصانع، ومعها نظرية الوجوب والإمكان لابن سينا! وإلا فليس في العقل ما يوجب أن يكون كل موجود يصح فيه معنى الامتداد في الجهات (وهو ما يعبرون عنه بالتحيز)، حادثا بعد أن لم يكن! ليس في العقل السوي ما يمنع من أن يكون لذات الله تعالى امتداد في الخارج، بل إن هذا واجب أصلا، لأنه لا يمتاز منه سبحانه الحد المقابل للعرش عن غيره من ذاته جل شأنه إن لم يكن له امتداد في جهة العلو من فوق ذلك الحد! والموجود الذي لا يمتاز منه حد عن حد لا يوجد إلا تقديرا في الذهن أصلا، لأنه لا يجوز أن يقال فيه إنه خارج غيره من الموجودات أو داخله أو محايث له، أو أن يشار إليه بجهة! ومع هذا نقول، دعونا نتنزل معكم ونقول إن شيئا ما قد يوجد في الأعيان بلا امتداد في الجهات، وأن هذا غير ممتنع عقلا، فأين الدليل العقلي على أن هذا هو المتعين اعتقاده في حق الله تعالى؟ قاعدة مفادها أن كل متحيز حادث؟ من أين تأتي تلك القاعدة وما دليلها عندكم وعند أئمتكم؟ أم أن المطلوب منا الآن أن نقلد الفلاسفة تقليد العميان كما قلدتموهم، رجاء أن نسلم من تهمة "الحشوية" التي لا يكاد هذا الأخ يكتب فقرة واحدة دون أن يحشوها بتلك اللفظة سبا وتحقيرا لمخالفيه؟؟ ليس في العقل المتجرد من ميتافيزيقا اليونان ما يوجب أن يكون كل متحيز حادثا أصلا، ولا أن يكون كل منفعل يحدث له وصف ما، حادثا مخلوقا! إن مطلق معنى الخلق والإيجاد في حق الله تعالى يوجب له تجدد صفة فعل الخلق، أي أن يكون موصوفا به حال الخلق والإيجاد والتكوين، بعد أن لم يكن موصوفا به، مرة بعد مرة! فعلى قاعدتكم هذه لا يكون الخالق إلا حادثا منفعلا ممكنا مخلوقا، والله المستعان!!     

يقول الشيخ السريري: "ولذلك، فإننا نقول إن الكيفية منفصلة عن محلها، لأنها قد تكون هي، وقد يكون غيرها وغيرها وغيرها، لكن اختلاف هذه الماهيات وتعددها وتباينها لا يمكن أن يرفع المعنى الأول الذي أثبته (غير واضح)، لأنك حتى لو أدركت هذه الهيئة لن تدركها إلا وهي قائمة بذلك المعنى اللغوي الذي أثبته أولا. وهذا ما سنمثل له بإيجاز ثم بعد ذلك نوسع القول في هذه المسألة على الوجه الذي يقتضيه تمام ترسيخها وبيان أنها الحق. أن ما قلناه تشهد عليه اللغة والعقل والواقع. ("

قلت: ما معنى قوله "إن أدركت هذه الهيئة لن تدركها إلا وهي قائمة بذلك المعنى اللغوي الذي أثبته أولا"؟ من من العرب قال، مثلا، إن لفظة يمشي، من ضرورة معناها الذي وضعته العرب أن يكون ذلك على رجلين ثنتين، وبنعل هيئته كذا وصورته كذا، إلى آخر ما يقال له الهيئة المدركة للمشي؟؟ إن كان هذا هو المقصود بقيام الهيئة بذات المعنى فهو باطل بين البطلان، وهو كذب على أهل اللسان، وتكلف في غاية العجب، من رجل يفترض فيه أنه من العلماء المتمكنين من علوم الآلة! الهيئة والصورة إنما هي صفة الصفة، وهي معنى زائد على أصل معنى الصفة، الذي هو القدر المشترك بين جميع من يصح دخولهم تحت معنى المشي من آحاد الموجودات. فالرجل يمشي، ومشيته لها هيئة أو صورة تخصه وتناسبه، والحصان يمشي، ومشيته تخصه، والسيارة تمشي، والأمور إذا جرت على نحو مخصوص، صح أن يقال إنها مشت على نحو كذا، وإن توافقت مع غيرها قيل إنها "تماشت" معها، إلى غير ذلك مما كله يشترك في الوضع اللغوي للفظة "مشي"! فلماذا حرص المتكلمون على إلصاق هيئة وصورة مخصوصة بأصل المعنى الكلي المشترك هذا؟ لأن ميتافيزيقا الجوهر والعرض توجب عليهم ألا تكون معاني الصفات متحققة في الموصوفات بها إلا بالأعراض المزعومة، التي تتركب منها الأجسام المخلوقة على النظرية! لا يوصف موجود ما، أي موجود، بالمعنى المعين، إلا وجب أن يكون ذلك على هيئة وصورة الشيء المركب في شيء آخر! من هنا اضطروا لإفساد مبدأ الاشتراك المعنوي، مع أنه لا يستقيم في العقل استعمال للغة أصلا إلا به، والله المستعان لا رب سواه.  

يتبع إن شاء الله تعالى.

أبو الفداء حسام بن مسعود

غفر الله له ولوالديه ولأهله وللمسلمين.

----------------------

(1) وهو ما تفلسف بعضهم فيه فقالوا إن الطول له عرض يخصه، والعرْض له عرَض يخصه، والعمق كذلك، فيتصور أن يكون الشيء بحيث أن ينتفي عنه الامتداد في أحد هذه الجهات الثلاثة، مع بقائه متحيزا في الجهتين الأخريين، وهذا من سفسطة الفلاسفة ومن الدور القبلي الظاهر، إذ الشيء إما أن يكون موجودا في الأعيان أو في الأذهان أو فيهما جميعا! فإن كان العرض هذا موجودا في الأذهان دون الأعيان، فليس إذن إلا وهما لا تأثير لإثباته أو نفيه على ما نحن فيه، وهو المطلوب! وإن كان موجودا في الأعيان، فلابد له بالضرورة من نسبة جهة ومكان لغيره مما في الأعيان كذلك، لامتناع أن يكون الشيء الوجودي هو عين نفسه وغير نفسه معا، ولابد له من نسبة زمان لغيره من الموجودات، لامتناع أن يكون موجودا معدوما معا في آن واحد، ولوجوب أن يكون مزامنا لغيره من الموجودات، بحيث يقال هو موجود الآن أو كان موجودا فيما مضى أو يكون موجودا في المستقبل! بل لا يقال هو قائم في الجوهر مركب فيه إلا بنسبة مكانية ضرورية (كما تقتضيه لفظة "في" هنا)، ونسبة زمانية ضرورية أيضا، إذ يكون موجودا معه وفيه في نفس وقت وجوده بالضرورة! فكل ذلك مما هو من ضرورة الوجود في الأعيان، قد استغرقته النظرية في إطلاقها الميتافيزيقي، تفسره بما يقال له العرض! وإذن فالعرض من أجل أن يوجد قائما بالجوهر، فلابد أن تقوم به أعراض تفرقه عن غيره من الأعراض ومن الموجودات في الأعيان بعموم! وهذا دور بارد وتناقض لا يخفى! والقصد أن أصل النظرية متناقض فاسد! وحاصله وقصاراه أن يقال: تفسير اتصاف الموصوف بصفة ما (بهذا الإطلاق)، إنما هو اتصافه بهذه الصفة بخصوصها (التركب من جواهر وأعراض)! فما تفسير اتصاف نفس العرض باللون أو التركب أو التحيز أو غير ذلك مما جعلوه سببا في قيامه بالأجسام من أنواع المعاني والصفات؟ إن قالوا: عرض آخر أو شيء في معناه، تسلسلوا! وإن قالوا لا وجه لتفسير كون العرض مكسبا الجسم هذه الصفة أو تلك، بشيء آخر مستقل، قلنا فالاعتراض نفسه يرد على مبدأ فرض شيء في الأعيان يقال له العرض بحيث يكون مفسرا لقيام الصفة بموصوفها! يقال لا وجه له ولا داعي له ولا يحتاج إليه عاقل، ولا يفيد بعلم ولا معرفة أصلا! الصفة تكون في الموصوف على كيفية تناسب حقيقته وتستمد منها، ولا موجود في الأعيان إلا وله صفاته التي تليق بذاته بالضرورة، التي صفتها من صفته وحقيقتها من حقيقته! فلا معنى لأن يقال: ما تفسير هذه الحقيقة بإطلاق، بحيث يكون الجواب: تفسيرها أن حقيقة الصفة هي كذا وحقيقة الموصوف هي كذا، وأنهما يتركبان ببعضهما البعض كما يتركب كذا وكذا من كذا وكذا! هذا مطلب سوفسطائي في طرح الأسئلة وفي تلمس الجواب عنها على السواء!

إرسال تعليق