(1) في مسألة شرك الاستغاثة والتوسل
==================
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد، فهذه سلسلة مقالات في كشف مغالطات الدكتور حاتم بن عارف العوني في العقيدة والمنهج، صيانة لدين المسلمين من تلبيسه وسفسطته. فالرجل كان قديما يخفي أهواءه (وإن كانت لم تخف على أهل العلم حفظهم الله) ثم لم يزل في سنواته الأخيرة يتدرج (بل قل: يتدرك) في التزلف إلى أهل الأهواء من الأشاعرة خاصة، يظهر موافقتهم في المسألة بعد المسألة، فيبدأ أولا بدعاوى الإصلاح والمراجعة والتفريق بين مسائل الإجماع ومسائل الخلاف وحجز الغلاة عن نسبة غلوهم إلى أئمة الدعوة النجدية، إلى آخر ما لأهل الزيغ والتمييع من حيل، ثم لم يزل يغرق في إظهار المخالفة حتى صار اليوم يرفع راية الحرب على أهل السنة باسم محاربة الوهابية وغلو الوهابية وجهل الوهابية في العقيدة! فمضت فيه كما في غيره سنة رب العالمين في كشف أهل الأهواء وفضحهم مهما تظاهروا بالانتصار للسلف وبنصرة السنة ومحاربة البدعة، والحمد لله رب العالمين.
وقد كان يحجزني قديما عن الكتابة في الرد على الدكتور، أني كنت أرى غيره من أصحاب دعوى "التوبة من الوهابية" هذه، أولى منه بالرد، كذلك الشاب المتعالم محمد عبد الواحد الذي يلقب نفسه بالحنبلي، الذي ملأ الشبكة صراخا وضجيجا باسم الانتصار لمذاهب أهل السنة وحماية تراث الأمة وعلوم المسلمين من الدخلاء عليها، إلى آخر ذلك. ثم تبين لي أن من رؤوس تلك الدعوى الخبيثة من لا ينتبه كثير من المسلمين لخطرهم، لا سيما في بلاد الحرمين حرسها الله، لما كان لهم من منزلة علمية مرموقة في الجامعات الرسمية في البلاد. فالشيخ حاتم أستاذ في جامعة أم القرى، وكان عضوا في مجلس الشورى بالمملكة، ولم يزل يحظى بمكانة رفيعة بين العامة وأشباههم ممن تتلمذوا عليه أو سمعوا به. ولأنه رجل أكاديمي له دربة على آلة العلم وعلى الإشراف على الرسائل العلمية والأبحاث الأكاديمية ونحوها، كانت طريقته في طرح ما عنده أخطر من طريقة غيره، وأحرى بالرد والتفنيد، والله المستعان.
فسأشرع الآن بحول الله وقوته في الرد على مقطع أرسله إلي بعض إخواني الأفاضل جزاه الله خيرا، وهو ما دعاني للشروع في هذه السلسلة، أسأل الله أن يفتح فيها بالحق وأن يظهر فيها السنة ويقمع بها البدعة، وأن يغفر لي بها من الذنوب ما لم يزل يستره بفضله ومنته، والحمد لله أولا وآخرا.
وموضوع المقطع هو الرد على استدلال أهل السنة على إشراك من يتشفع بالموتى ممن سبق لهم الانتساب إلى الإسلام، بقوله تعالى: ((أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)) [الزمر : 3] فيقول:
"هذه أكثر آية يكررونها، في الاستدلال على أن حال المسلمين الذين يتشفعون بالأولياء والصالحين، كحال مشركي العرب، فإن هؤلاء الذين يتشفعون بالصالحين يقولون هؤلاء يقربوننا إلى الله زلفى، والمشركين كانوا يقولون ليقربونا إلى الله زلفى ... شوف ويش يقول الله عز وجل: ((والذين اتخذوا من دونه أولياء)) من دون مين؟ من دون الله أولياء أي مناصرين، إذن هذا شرك والا مو شرك؟ شرك في الربوبية والا مو شرك في الربوبية؟ إذا اتخذت من دونه أولياء ومناصرين؟ شرك! ثم يقول "ما نعبدهم"، يا حبيبي هنا يأتي يبين لك أهمية تعريف العبادة! هل قال ما نطلب شفاعتهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى؟؟ ما قال كده! ما نعبدهم! فإذا انتهينا من تعريف العبادة، بعدين تعال واستدل بهذه الآية! أما قبل أن تفسر ما هي العبادة، لا يصح وجهل وقفز على الحقائق ومصادرة في الكلام إذا استدللت بها في محل النزاع."
قلت مستعينا بالله عز وجل، إن في هذا الكلام مغالطات شتى. فأولا، الدكتور يجمل في قوله "الذين يتشفعون" ولا يفصل، مع أنه يعلم أن مخالفه لديه تفصيل في الشفاعة وما يكون منها شركا وما لا يكون كذلك! فهو بهذا متلبس بتحريف قول المخالف من أجل إظهاره في صورة القول السخيف الذي يسهل إسقاطه، وهذا من علامات أهل الأهواء ومن حيلهم! يقول: "هؤلاء يقولون يقربوننا إلى الله زلفى، وأولئك يقولون يقربوننا إلى الزلفى، إذن هؤلاء مشركون كأولئك"، وهذا سخف من القول لن تجده عند أحد من المسلمين أصلا، لا عند مخالفيه ولا عند غيرهم! فليس مناط المسألة عند مخالفك هو مطلق التشفع بالصالحين يا دكتور، وأنت تعلم هذا جيدا، وقد كنت تدرسه لطلبتك قديما، فسبحان الذي بيده القلوب يقلبها كيف يشاء! وإنما مناطها التلبس بدعاء الميت الغائب! وإلا فطلب الدعاء من الحي الحاضر ليس داخلا في أفعال الشرك الأكبر، وطلبه من الميت الحاضر بدعة لا يدخله مخالفوك في الشرك الأكبر كذلك! وأنا أجزم بأنك تعلم هذا، فأي شيء يكون الكلام بهذا الإجمال إلا تلبيسا وتعمدا لتسفيه المخالف وتشويه قوله حتى يمجه السامعون وينفروا منه دون أن يقفوا على حقيقته؟؟
قال عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في الدرر السنية: "ونثبت الشفاعة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة حسب ما ورد، وكذلك نثبتها لسائر الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال حسب ما ورد أيضا، ونسألها من المالك لها، والإذن فيها لمن يشاء من الموحدين الذين هم أسعد الناس بها كما ورد، بأن يقول أحدنا متضرعا إلى الله تعالى: اللهم شفع نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم فينا يوم القيامة، أو: اللهم شفع فينا عبادك الصالحين، أو ملائكتك، أو نحو ذلك، مما يطلب من الله، لا منهم؛ فلا يقال: يا رسول الله، أو يا ولي الله، أسألك الشفاعة، أو غيرها، كأدركني، أو أغثني، أو اشفني، أو انصرني على عدوي، ونحو ذلك، مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى. فإذا طلب ذلك مما ذكر في أيام البرزخ كان من أقسام الشرك؛ إذ لم يرد بذلك نص من كتاب أو سنة، ولا أثر من السلف الصالح في ذلك، بل ورد الكتاب والسنة وإجماع السلف أن ذلك شرك أكبر، قاتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم"،
ثانيا، قوله: " شوف ويش يقول الله عز وجل: ((والذين اتخذوا من دونه أولياء)) من دون مين؟ من دون الله أولياء أي مناصرين، إذن هذا شرك والا مو شرك؟ شرك في الربوبية والا مو شرك في الربوبية؟ إذا اتخذت من دونه أولياء ومناصرين؟ شرك!" قلت: نعم الآية في تقرير أن ما يصنعه المشركون من التقرب إلى الله بعبادة من عبدوا، هو اتخاذ الأولياء من دون الله، ولهذا احتججنا بها على من فعلوا ذلك الفعل، فكان ماذا؟!
ثالثا قوله: "يا حبيبي هنا يأتي يبين لك أهمية تعريف العبادة! هل قال ما نطلب شفاعتهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى؟؟ ما قال كده! ما نعبدهم! فإذا انتهينا من تعريف العبادة، بعدين تعال واستدل بهذه الآية! أما قبل أن تفسر ما هي العبادة، لا يصح وجهل وقفز على الحقائق ومصادرة في الكلام إذا استدللت بها في محل النزاع"
قلت بل أنت المصادر القافز على الحقائق المشغب على محل النزاع يا دكتور! فالآية تنسب للمشركين شهادتهم على أنفسهم بأنهم كانوا يعبدون تلك الآلهة، وهي مع ذلك تنسب إليهم أنهم ما كانوا يفعلون ما يفعلون إلا تقربا لله وتزلفا إليه، لأنهم يعتقدون انفراده بالربوبية سبحانه! وإذن فما سماه مشركو قريش عبادة، هو بعينه ما ترفض أنت أن تسميه بنفس الاسم فرارا من الاعتراف بأن فاعله مشرك بالله في العبادة، متخذ غيره وليا من دونه! ما سموه هم عبادة، هو ما يسميه القبوريون اليوم شفاعة مشروعة بالأنبياء والصالحين، سواء بسواء!
هذا هو محل النزاع فافهمه: هل القوم الذين احتججتنا عليهم بهذه الآية، واحتج بها أئمتنا من قبلنا، فعلهم من نوع الفعل الذي سماه مشركو قريش بالعبادة وأقرهم الله على تسميتهم إياه عبادة، وجعلهم به متخذين غيره أولياء من دونه، أم هو من نوع غيره؟ فإن الله تعالى لم يلتفت إلى عذرهم هذا في تصويرهم لحقيقة ما يفعلون، فإن كان الفعل من نفس النوع، لزم أن يكون الحكم هو الحكم، وإلا فرقتم بين المتماثلات! القوم ما توجهوا إليهم بشيء من الأفعال إلا من أجل أن يقربوهم إلى الله زلفى! دعوهم بالغيب رجاء الإجابة، وهذه هي العبادة! وكذلك الذي يدعو الصالح المقبور بالغيب يقول له: "يا فلان اشفع لي لأنجو مما أنا فيه" مثلا، هذا يدعوه بالغيب، وهو عبادة، ولا يدعوه لذاته، بل يطلب منه الشفاعة عند الله، ولو سألته لقال أنا لا أنسب الربوبية إلا لله، هو الخالق الرازق الذي بيده مقاليد كل شيء! فالفعل في الحالتين فعل تعبدي، وهو نفس نوع الفعل، والاعتقاد الذي يصرحون به هو نفس الاعتقاد (أنهم ما يريدون إلا الله)، فلزم أن يكون الحكم هو نفس الحكم! لا مدخل لإعمال آلة العلم في القضية على غير هذا الوجه! نقول إن طلبهم شفاعتهم كما طلبوها، للغاية التي طلبوها من أجلها، هي العبادة التي أدخلها رب العالمين في قوله ((والذين اتخذوا من دونه أولياء))! هذه من بديهيات الشريعة: التسوية بين المتساويات والتفريق بين المفترقات! وإلا فبأي عقل يشترط على المشرك أن ينصب صنما لمن يدعوه من دون الله، يضعه في قعر بيته، ويصرح بتسميته "إلها"، ثم يتوجه إليه بجميع أعمال المشركين، حتى تكون حقيقة فعله وقوله في التوسل الشركي أنه تأليه وعبادة من دون الله، ومن سلفك أنت في هذا؟؟ نعوذ بالله من إرجاء المتكلمين!
الأفعال الشركية والأقوال الشركية تتعدد وتتنوع! فلا يشترط في ثبوت فعل شركي معين في حق الرجل، ثبوت جميع الأفعال الأخرى المقارنة له عند أهل ملة من الملل، حتى يقال إنه قد وقع في الشرك! ولكن المرجئة لا يرون في فعل من الأفعال أنه شرك أصلا! وإنما العبرة بالاعتقاد وحده عندهم! قل "لا إله إلا الله محمد رسول الله" ثم افعل ما شئت، لا نخرجك من الإسلام مهما فعلت حتى نسمعك تصرح بالكفر! وهذا محض الإرجاء! فأهل السنة الإيمان عندهم قول وعمل واعتقاد، وأما هؤلاء فالإيمان عندهم هو الاعتقاد وحسب! وأغلب الظن أننا لو سألنا الدكتور عن مسألة الإيمان فسيقرر هذا الكلام ولن يقول بخلافه، ولكن عند التأصيل والتفريع ينكشف التناقض في الاعتقاد!
يقول الدكتور: "والمشكلة، هذه الآية هي أكثر آية يوردونها! من دون ما يحرروا معنى العبادة! إلا ما حرروه (غير واضح) ... الأول، يوم ألف المعلمي ثم جاء بعده صاحبنا هذا اللي ألف كتابه، وإلا فما فيه تعريف للعبادة، ما فيه تعريف يميز العمل متى يكون عبادة ومتى لا يكون عبادة!"
قلت: وهذا كذب على أئمة الدعوة النجدية رحمهم الله كما سيأتي!
يقول: "ولذلك اضطروا إلى اختراع هذه التعاريف الجديدة التي لم يسبقوا إليها" ونقول: يا رجل كفاك تهويلا وتحريفا لكلام مخالفيك! أي تعاريف جديدة هذه التي اخترعوها ولم يسبقوا إليها؟؟ هلا جئت بكلامهم من كتبهم وبينت وجه كونه اختراعا لم يسبقوا إليه؟؟
يقول: "ما هو يجي يقول لك إيش عبادتهم؟ هو يقول لك العبادة هي مجرد طلب الشفاعة!" ونقول أين قالوا "مجرد طلب الشفاعة" بهذا الإطلاق وبلا تفصيل؟؟ يا رجل أما تستحي؟؟
يقول: "شوف إيش يقول مجاهد في تفسير هذه الآية، قال قريش تقوله لأوثانها، ومن قبلهم يقوله للملائكة ولعيسى بن مريم ولعزير، تخيل، ذكر قريش، مع النصارى، ومع الذين يقولون الملائكة بنات الله ومع الذين يقولون عزير ابن الله، هذا كله شرك في الربوبية والا ما هو شرك في الربوبية؟ قرن هؤلاء، مشركي العرب، بصور من شرك الربوبية الصريحة! فادعاء البنوة في الملائكة وفي عيسى وعزير ليس فيه إخلال بالربوبية؟ وهل شرك من اتخذ الملائكة أربابا وعيسى ربا وعزير ربا ليس شركا في الربوبية؟ إذن واضح حتى عند السلف، أنهم فهموا أنهم كانوا يعتقدون أنهم أرباب! مثل الذين عبدوا عيسى ومثل الذين عبدوا العزير ومثل الذي عبدوا الملائكة، وقالوا إنها بنات الله."
قلت: فبالله من الذي يصادر على محل النزاع على التحقيق يا دكتور، وأي الفريقين أحق بفهم كلام السلف؟ مجاهد يقول إن الله تعالى ألحق قريشا بهؤلاء وإن كانوا لم يصرحوا بالإشراك في الربوبية، لأن فعلهم هو فعل من يشركون في الربوبية! وهذا واضح جدا، وإلا فأين تذهب يا دكتور بجميع ما طفح به القرآن من حكاية تصريحهم بأنهم لا يشركون بالله أحدا في الربوبية؟؟ تأمل كيف فهمت من كلام أئمة السلف في التفسير ما يصادم صريح القرآن! نعوذ بالله من الخذلان!
ثم يقول إن عموم الآية يفهم منه أن من يتخذون من دون الله أولياء هم الذين يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، ونقول صحيح، فكان ماذا؟ هذا حجة عليك لا لك، إذ مقصود الآية إلزام مشركي قريش بأن حقيقة فعلهم هي اتخاذ الأولياء من دون الله، وأنه لا يغني عنهم شيئا قولهم إنهم لا يرون ربا إلا الله، ولا يعبدون ما يعبدون إلا ليقربهم إليه زلفى، إذ مثل هذا قاله من قبلهم من عبدوا المسيح ومن عبدوا عزيرا ومن عبدوا الملائكة، يزعمون مع ذلك أنهم ما يريدون إلا التقرب إلى الله زلفى، مع أنهم صرحوا بالإشراك في الربوبية! كالذي يقول في ولي من الأولياء هو قطب الأقطاب الذي إذا سئل شيئا أجاب، هذا يصرح بالإشراك في الربوبية، ومع ذلك يرى أن توجهه إلى ذاك الولي بالدعاء هو مما يحبه الله ويرضاه، لأن الله في اعتقاده هو الذي أنزل ذلك الولي تلك المنزلة! وكذلك تقول النصارى إن الآب اتخذ الولد لأنه موصوف بالمحبة أزلا، ولا يمكن أن يوجد دون أن يكون محبا، فجعل من نفسه (جعلا لا خلقا!!) ولدا من الأزل وإلى الأبد، ثم أحب من الناس أن يعبدوا ذلك الولد وأن يتقربوا إليه هو بعبادتهم إياه، سبحان الله وتعالى علوا كبيرا! والوثنيون من الهنود يعتقدون أن جميع ما يعبدونه من الآلهة إنما هم صور متجسده للرب الخالق نفسه، فهو يحب منهم أن يعبدوا تلك الصور، وأن يتقربوا إليه بتلك الآلهة، وهكذا! والقائلون بوحدة الوجود يزعمون أن الرب يحب منهم أن يعبدوا كل شيء، لأنه هو عندهم كل شيء!
جميع المشركين تدل أفعالهم على إشراكهم في الربوبية! فإما أن يصرحوا بنسبة بعض صفات الربوبية إلى غير الله تعالى، بدعوى أن الله هو الذي جعل من خلقه من له تلك المنزلة التكوينية، لأنه يحب ذلك ويرضاه، وإما إن يصرحوا بتوحيد الربوبية كذبا على أنفسهم وعلى الناس، وبأنهم إنما يتقربون إلى الرب بعبادتهم ما عبدوا، من غير أن يعتقدوا أن لهم من الأمر شيء، فيتناقضوا بذلك تناقضا فاحشا إذ تدل أفعالهم على خلاف ما يصرحون به! وهؤلاء من جاء القرآن بإلزامهم بتوحيد الألوهية تأسيسا على ما زعموه لأنفسهم من توحيد الربوبية! فلو صدقوا في توحيد الربوبية لوحدوا الرب بالتأليه والعبادة وحده لا شريك له! وإلا فبأي عقل يعبد الرجل من لا يرى أنه يملك النفع والضر، وأنه يجيب الدعاء ويحقق الرجاء، وبأي عقل يجتمع أن يكون الرجل موحدا في الربوبية على الحقيقة، صادقا في توحيده الرب جل وعلا في صفات الربوبية، وهو مع ذلك يصرف إلى المخلوق أفعالا لا تنصرف إلا إلى الرب المتصف بصفات الربوبية، يطلب ما لا يطلب إلا منه؟؟
والقصد أن دعوى اقتصار معنى الشرك في القرآن على التصريح باتخاذ الأرباب من دون الله، هو شبهة المتكلمين المرجئة، الذين جعلوا التوحيد هو اعتقاد أن الله منفرد بالربوبية، ثم لم يبالوا ما يصنع صاحب ذلك الاعتقاد بعد ذلك، فنقضوا بذلك المقصود من التنزيل ومن بعثة الرسول، والله المستعان! والذي حملهم على ذلك الإرجاء، كما بيناه في غير موضع، إنما هو حرصهم على إظهار قدرتهم على حمل الفلاسفة ومن شاكلهم على الخروج من دهريتهم والدخول في موافقتهم! فإذا شهد الدهري أخيرا بين يدي الواحد منهم بأنه يصدق بأن للعالم صانعا ما، شهدوا له بأنه قد صار أخيرا من المؤمنين، ليجعلوا ذلك آية على علو كعوبهم بالعقليات وعلى قدرتهم على إفحام الخصوم في المناظرات وعلى اضطرارهم للاعتراف بصحة ما جاؤوا به! هذا هو أصل الإرجاء ومنبته عند المتكلمين! وإلا فمعلوم عند أهل السنة والجماعة أن الرجل لا يكفي في إثبات إسلامه أن يكون معتقدا بوجود من صنعه، وإلا كان إبليس من جملة المسلمين! ومعلوم أن القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم لم يدع مشركي قريش للإقرار بأن الله هو الرب وحده لا شريك له! فقد كانوا يصرحون بأن هذا هو اعتقادهم الذي لا يقولون بغيره! ومع ذلك رماهم الله تعالى في القرآن بالشرك، إذ لا يستقيم في العقل أن يكون الرجل موحدا في الربوبية كما يصرحون به، ومع ذلك يدعو غير الله معه، يطلب منه النفع والضر، يدعوه بالغيب يتوجه إليه بقلبه وكأنما يخاطب رب العالمين، بدعوى أنه يستشفع به عند الله تعالى!
الذي يدعو صالحا من المقبورين وهو منه في غيب مطلق، مجرد هذا العمل منه يقتضي الإشراك في الربوبية، أيا ما كان ما يطلبه من ذلك المقبور، إذ لا يكون إلا دليلا على أنه يعتقد فيه، على الأقل، أنه يسمع دعاء من يدعوه بالغيب أينما كان، وأنه لا يتوجه إليه الطالب بالطلب إلا أجابه، وأن له جاها عند ربه يجعله بابا مضمونا لإجابة الدعاء، فتراه لا يتوجه بالدعاء في الأمور العظيمة لله جل شأنه، وإنما لذلك المقبور، وهذا كله إشراك في العبادة! فمهما زعم المشرك أنه يوحد الرب بالربوبية وصفاتها لا يشرك فيها أحدا معه، فهو كاذب على نفسه وعلى الناس تحقيقا، ومجرد وقوع هذه الأفعال منه يكون دليلا على كذبه ويكون شركا أكبر في حقه بصرف النظر عما يصرح هو بأنه اعتقاده! ولهذا لم يغن عنه شيئا قوله إنه موحد في الربوبية، إذ إن عمله يكذبه! هم على الشرك مهما زعموا أنهم يفردون خالقهم وباريهم بالربوبية!
ولهذا جعل مناط الحكم بالشرك في مطلق التلبس بالفعل، بصرف النظر عن الاعتقاد! فلا يلزم في المشرك الذي يتوجه بالعبادة لغير الله، أن يكون مصرحا باعتقاده الربوبية في ذلك الذي عبده من دون الله، حتى نحكم عليه بأنه مشرك!
وقد ترى في الملة الواحدة المشرك يتوجه بالعبادة إلى معبودات شتى لعله لا يحصيها، بعضها يصرح باعتقاده أنها تتصرف في أمر العالم، وأنها تجيب الدعاء بنفسها، وبعضها يزعم أنه إنما يستشفع بها لعظم منزلتها عند الرب، لا لأنه يعدها من جملة الأرباب، وبعضها يكون اتخاذه إياها أربابا لا من جهة أنه يصرح بجعلها أربابا، ولا من كونه يتوجه إليها بطلب ما لا يطلب إلا من الله، أو بما ينزلها منزلة الندّ المساوي لله، ولكن لأنه يقبل منها تحليلها الحرام وتحريمها الحلال وهو يعلم أنها تبدل دين الله! قال تعالى: ((اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [التوبة : 31] فكيف اتخذوهم أربابا؟ هل قالوا إننا نؤمن بأنهم شركاء لله في الخلق أو في التكوين أو في الرزق، أو بأنهم أراب مع الله؟ أبدا! وإنما فسر النبي عليه السلام اتخاذهم الأحبار والرهبان أربابا بأنه اتباعهم إياهم في تحليلهم الحرام وتحريمهم الحلال! فالعمل الذي يقتضي الإشراك برب العالمين، مجرد التلبس به شرك أكبر مخرج من الملة، بصرف النظر عن باب الإعذار وعوارض الأهلية، ومسألة كفر العين وكفر النوع، وبصرف النظر هل صرح صاحبه بشرك الربوبية أم لم يصرح! أما أنت فتريد ألا تجعله شركا إلا إن صرح بأنه يجعل ذلك المعبود من دون الله ربا مع الله، وهذا لو اشترطه المسلمون ما كفروا إبليس نفسه كما تقدم!
ونقول إن هذه الشبهة بعينها هي التي ألف فيها الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله كتابه "كشف الشبهات"، وكأن الدكتور ما قرأه يوما من الدهر، والله المستعان!
النصارى عندك يا دكتور مشركون أم موحدون؟! لا أظنك تعدهم في الموحدين! فهل تظن يا دكتور أن النصارى إذا قيل لهم: أنتم تعبدون مريم إذ تدعونها من دون الله، فسيقول قائلهم نعم هي من جملة الآلهة المعبودة في ديننا، ونحن نعتقد فيها الربوبية مع الله؟؟ أبدا! ومع ذلك رماهم الله في القرآن بأنهم يعبدونها من دونه كما في قوله: ((وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ)) [المائدة : 116] فهم يتخذون مريم إلها ويتخذون المسيح كذلك إلها، وليست عبادتهم مريم كعبادتهم المسيح! فالمسيح هم يدعونه من دون الله مع كونهم يصرحون بربوبيته، خلافا لمريم التي يتوجهون إليها بالعبادة في كل مناسبة، ولا يعدونها إلها ولا يصرحون بربوبيتها!
ولهذا كان من أشهر شبهات النصارى على هذه الآية أنهم يزعمون بطلانها لأنهم لا يصرحون بتأليه مريم كما يصرحون بتأليه المسيح! فبأي شيء تجيبهم أنت يا دكتور وأنت ترى هذا الرأي الخبيث؟؟ لن تجد إلا أن تخرج ما يصنعونه من دعاء مريم بالغيب واستشفاعهم بها من معنى العبادة، مع أن القرآن صريح في أن هؤلاء يؤلهونها! القوم ليس فيهم طائفة واحدة تقول بجعل مريم أقنوما في الثالوث أو بأنها في منزلة المسيح، والملة الوحيدة التي وقع فيها ذلك تاريخيا ظهرت في القرن السابع الميلادي، وأجمعت الكنائس على تكفيرها ورميها بالهرطقة، وطاردوها حتى لم يبق لها أثر، فبأي شيء تتأول أنت هذه الآية؟
يا رجل حتى الوثنيين الهندوس وأصحاب وحدة الوجود الذين يعبد الواحد منهم كل شيء، حتى إنه ليعبد نفسه التي بين جنبيه، حتى الواحد من هؤلاء إن سألته فلن يرى نفسه إلا متقربا إلى الله زلفى، بل إنه يراه أكمل من المسلمين توحيدا، إذ ليس معتقدا بأنه لا إله إلا الله وحسب، بل يعتقد أنه ليس في الوجود شيء أصلا إلا الله، ولا يعبد عابد معبودا ما أيا ما كان، إلا كان عابدا لله على الحقيقة (وهو منشأ قولهم بوحدة الأديان)! وقد سمعت من القبوريين من يتكلم بما حاصله أن أصحاب وحدة الشهود (بهذا المعنى) أكمل توحيدا لأنهم لا يرون في الوجود إلا الله! فمثل هذا إذا رأيته يصلي لنفسه في المرآة، أو لبقرة أو لشجرة أو لحجر في الأرض، هل تشترط في الحكم عليه بالشرك أن تسأله عن اعتقاده في الحجر الذي يعبده لماذا يعبده، هل يراه شريكا لله في الخلق والملك أم لا يراه كذلك؟؟ أي إرجاء فوق هذا؟؟
خذ أيها القارئ الكريم هذا النقل بطوله لترى ما تصنعه الأهواء بأصحابها، نسأل الله السلامة! قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتابه "كشف الشبهات"، الذي تشعر وأنت تقرؤه وكأنه إنما كتبه ليرد به على كلام هذا الرجل:
"وأما الجواب المفصل: فإن أعداء الله لهم اعتراضات كثيرة على دين الرسل، يصدون بها الناس عنه، منها قولهم: نحن لا نشرك بالله، بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا عن عبد القادر أو غيرهم، ولكن أنا مذنب والصالحون لهم جاه عند الله وأطلب من الله بهم، فجوابه بما تقدم وهو أن الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرون بما ذكرت، ومقرون أن أوثانهم لا تدبر شيئا وإنما أرادوا منها الجاه والشفاعة، واقرأ عليه ما ذكره الله في كتابه ووضحه فإن قال: هؤلاء الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام، فجاوبه بما تقدم، فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله، وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة ولكن إذا أراد أن يفرق بين فعلهم وفعله بما ذكر، فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو الأصنام ومنهم من يدعو الأولياء الذين قال الله فيهم: ((أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب)) ويدعون عيسى بن مريم وأمه وقد قال تعالى: ((مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ . قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَاللّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) واذكر له قوله تعالى: ((ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون . قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون)) وقوله تعالى: ((وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب)) فقل له: أعرفت أن الله كفر من قصد الأصنام، وكفر أيضا من قصد الصالحين، وقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فإن قال الكفار يريدون منهم، وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار المدبر، لا أريد إلا منه، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء، ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاتهم، فالجواب أن هذا هو قول الكفار سواء بسواء، واقرأ عليه قوله تعالى: ((والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)) وقوله تعالى ((ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله)) واعلم أن هذه الشبهات الثلاث هي أكبر ما عندهم، فإذا عرفت أن الله وضحها في كتابه وفهمتها فهما جيدا فما بعدها أيسر منها."
ثم قال رحمه الله، محررا مسألة العبادة، فيما يُرد به على زعم الدكتور أن أئمة الدعوة النجدية لم يكن عندهم تعريف لما يكون به العمل عبادة وما لا يكون عبادة: "فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله، وهذا الالتجاء إليهم ودعاؤهم ليس بعبادة، فقل له: أنت تقرأ أن الله افترص عليك إخلاص العبادة لله؟ فإذا قال: نعم، فقل له: بين لي هذا الذي فرضه عليك وهو إخلاص العبادة لله، وهو حقه عليك، فإن كان لا يعرف العبادة ولا أنواعها فبينها له بقولك: قال تعالى: ((ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين)) فإذا أعلمته بهذا فقل له: هل علمت هذا عبادة لله؟ فلابد أن يقول نعم، والدعاء مخ العبادة، فقل له: إذا أقررت أنها عبادة، ودعون الله ليلا ونهارا خوفا وطمعا، ثم دعوت في تلك الحاجة نبيا أو غيره، هل أشركت في عبادة الله غيره؟ فلابد أن يقول نعم، فقل له: فإذا علمت بقول الله تعالى ((فصل لربك وانحر)) وأطعت الله ونحرت له هل هذا عبادة؟ فلابد أن يقول نعم، فقل له فإن نحرت لمخلوق نبي أو جني أو غيرهما هل أشركت في هذه العبادة غير الله، فلابد أن يقر ويقول: نعم. وقل له أيضا: المشركون الذين نزل فيهم القرآن، هل كانوا يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك؟ فلابد أن يقول نعم، فقل له وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك؟ وإلا فهم مقرون أنهم عبيده وتحت قهره، وأن الله هو الذي يدبر الأمر، ولكن دعوهم والتجأوا إليهم للجاه والشفاعة، وهذا ظاهر جدا."
إلى آخر كلام الشيخ رحمه الله.
====
ثم يقول الدكتور:
"وبعدين طبعا أقول إنه ما استوقف هؤلاء القوم أن عامة آيات القرآن عندما ذكرت الشفاعة نصت على أنها بإذن الله؟ ......... هذا يدل على إيش؟ يدل على أن الشفاعة التي كان يعتقدها المشركون، كانت بغير إذن الله! .......... فالشفاعة بإذن الله ليست شركا، بالاتفاق، إذن متى تكون الشفاعة شركا؟ إن كانت بغير إذن الله! صح والا لأ؟ ........ فإذا اعتقد إنسان أن شفاعة آلهته أو هؤلاء المعظمين بغير إذن الله، فهذا هو الذي أشرك، ما عندنا إشكال، ليش؟ لأنه أخل بالربوبية! ولذلك تذكرون ذكرنا كلام ابن تيمية صريح في ذلك! ........ يصرح بأن الشفاعة التي كان يعتقدها المشركون هي الشفاعة بغير إذن الله. الجميع متفق على أنها شرك! وما عندنا إشكال في ذلك، والمسلمون لا يعتقدون ذلك! لا يعتقدون في الأولياء والصالحين وفي النبي عليه الصلاة والسلام أنه يشفع بغير إذن الله! وإنما يعتقدون أنه بإذن الله سبحانه وتعالى! وبالتالي لا يصح الحكم عليهم بالكفر والشرك! أقل ما يقال إنه ما دام يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فظاهره أنه يعتقد أنه لا شافع إلا بإذنه. فلا يحق لك أن تحمل كلامه أو موقفه على أنه كفر وشرك حتى يثبت عندك أنه نقض الشهادتين بكلام صريح. القاعدة أن من دخل الإسلام بيقين لم يخرج منه إلا بيقين! إذا قال أنا أعتقد أن هذا يشفع بغير إذن الله، عندها يا حبيبي كفره وأنا معك! لكن إذا ما قال كده، ما صرح هذا التصريح، لم يجز لك أن تخرجه من دائرة الإسلام!"
قلت: قولك "متى تكون الشفاعة شركا؟ إن كانت بغير إذن الله!" هذا خلط وحيدة ظاهرة! فإن الآيات التي ذكرتها كلها تقرر ما يجب على الإنسان أن يعتقده، والنزاع بيننا فيما نزعم أنه يلزم من يفعل الفعل محل البحث من أهل القبلة، وأنه يكون به مخالفا لهذا الاعتقاد مهما زعمه لنفسه! فالذي يقول إذا حزبتك الحاجة فعليك بالسيد البدوي، ادعه أينما كنت يجبك، فإنه باب الله في أرضه وحبله الموصول وسره المكنون، ونحو ذلك، هذا كيف يقال إنه صادق في اعتقاده أن البدوي إذا شفع له لم يشفع إلا بإذن الله؟؟ ما معنى الإذن هذا وما تحقيقه عند من كان هذا اعتقاده؟؟ نعم هو إن سألته سيصرح بأن الشفاعة لا تحصل إلا بإذن الله، ولكن حقيقة اعتقاده أن الله مضطر لقبول شفاعة ذلك الشافع إذا شفع، وإلا ما جعله بابا مضمونا لا يقصده المستشفع بالحوائج إلا قضيت، ولا يدعوه في محلة أينما كانت إلا سمع منه! هذا قول من أنزل الشافع هذا منزلة فوق منزلة الرب سبحانه، أو على الأقل منزلة الند المكافئ، الذي يخاف الرب أن يرد له طلبا إذا طلب، فتلحق به مضرة أو تفوت عليه منفعة، سبحان الله وتعالى علوا كبيرا! هذا اعتقاد من جعل لله وليا من الذل، وإن لم يجعله شريكا له في الملك! ولهذا فرق جل شأنه بين الصورتين فقال ((وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً)) [الإسراء : 111] فالله تعالى لا مستكره له ولا يجب عليه إلا ما أوجبه على نفسه، وليس لأحد عنده من نعمة تجزى! وهؤلاء يعتقدون ما يناقض ذلك المعنى، ويبطل قوله تعالى: ((من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه)) ونحوه مما أوردت علينا، تقول إن المسلمين لا يعتقدون فيمن يستشفعون بهم أنهم يشفعون بغير إذن الله!
نعم المسلمون لا يعتقدون ذلك، ولكن هل هذه حقيقة اعتقاد من يدعو الميت الغائب من دون الله تعالى، يسأله مسألته ثم يقول إنني أشفع به عند الله تعالى لما له عند الله من الجاه والمنزلة العظيمة؟؟ أي إذن هذا الذي يزعمه لله تعالى فاعل تلك الفعلة وقائل تلك المقالة، في مسألة الشفاعة؟؟ الذي يعتقد أن الله تعالى قد مكن عبدا من عباده من أن يسمع دعاء كل من يدعوه بالغيب أينما دعاه ووقتما دعاه، حتى يكون شفيعا للعباد عنده يرفعون إليه مسائلهم، أو يفعل من الأفعال ما يقتضي ذلك الاعتقاد، هذا لا حقيقة للإذن الذي يثبته لله تعالى في الشفاعة، وهذا ظاهر جدا إلا لمن أماتت الأهواء قلبه! وهؤلاء الذين حاربهم الإمام ابن عبد الوهاب رحمه الله وتلامذته، لم يتوجهوا إلى صالحين أحياء بطلب الشفاعة وإنما توجهوا إلى المقبورين وهم يرون أنهم باب مضمون لإجابة الدعاء! إذا عظمت مسألة أحدهم، واشتد فيها رجاؤه وطمعه، أو عظم بلاؤه واشتد رجاؤه في رفع البلاء، لم يرفع أكف الضراعة يتوجه بها إلى الله جل وعلا، وإنما رأيته يتوجه بها إلى النبي أو الولي يدعوه بالغيب من دون الله، وإذا به يصرف الخوف والرجاء كاملا لمن يدعوه، بدعوى أنه يتوسل به ويستشفع! فكيف لا يكون هذا دعاء شركيا، وكيف لا يقتضي هذا الفعل نفسه اعتقاد أن ذلك المشفع لابد أن يأذن له الرب لا محالة، وأن يجيب طلبه أيا ما كان؟؟
لهذا قال الإمام رحمه الله في كشف الشبهات: "وسر المسألة أنه إذا قال أنا لا أشرك بالله، فقل له وما الشرك بالله؟ فسره لي، فإن قال: هو عبادة الأصنام، فقل له: وما معنى عبادة الأصنام؟ فسرها لي! فإن قال أنا لا أعبد إلا الله وحده، فقل له ما معنى عبادة الله وحده؟ فسرها لي! فإن فسرها بما بينه القرآن فهو المطلوب، وإن لم يعرفه فكيف يدعي شيئا وهو لا يعرفه، وإن فسر ذلك بغير معناه بينت له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله وعبادة الأوثان أنه الذي يفعلونه في هذا الزمان بعينه، وإن عبادة الله وحده لا شريك له هي التي ينكرون علينا ويصيحون فيه كما صاح إخوانهم حيث قالوا: ((أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب))." اهـ.
قلت: والقصد أن دعوى المشرك أنه موحد لا تغير من حقيقة ما هو عليه من الشرك شيئا، إذ إن من الأفعال ما هو شرك أكبر لا يماري صاحبه في كونه شركا، إلا كما يماري مشركو قريش في كون ما هم عليه من الشرك! مجرد الفعل نفسه يكذب اعتقاد صاحبه أنه موحد في الربوبية! فلا يشترط التصريح بالاستحلال في أمثال تلك الأفعال إلا المرجئة الغلاة، نسأل الله السلامة! وهؤلاء كما قدمنا، يلزمهم تصحيح عبادة النصارى لمريم من دون الله، وألا يروها عبادة أصلا، مع أن الله تعالى يعدها شركا وتأليها في القرآن! ويلزمهم تجويز دعاء غير الله مع أنه هو الشرك في القرآن!
فقوله: "فلا يحق لك أن تحمل كلامه أو موقفه على أنه كفر وشرك حتى يثبت عندك أنه نقض الشهادتين بكلام صريح. القاعدة أن من دخل الإسلام بيقين لم يخرج منه إلا بيقين!" قلت: نعم من دخل الإسلام بيقين لم يخرج منه إلا بيقين، هذا صحيح قطعا! ولكن هذا الذي صار يدعو من دون الله ما يدعو، وقد كان في الأصل مسلما بيقين، يكون قد أتى بفعله هذا ما يخرجه من الإسلام بيقين ولا إشكال!
والعجيب أنه يختم كلامه بقوله إن المشركين كانوا يستشفعون بآلهتهم في منافع الدنيا لأنهم ما كانوا يؤمنون بالآخرة، وهذه حيدة أخرى وخروج عن محل النزاع! إذ النزاع في هذا النوع من الاستشفاع هل يكون بصاحبه شركا أكبر أم لا يكون كذلك، بصرف النظر هل الشفاعة المطلوبة في أمر من أمور الدنيا أم من أمور الآخرة!!
بهذا نكون قد أتينا على المقطع كله ونرجو أن يكون قد حصل المقصود من الرد، وتبين أن الدكتور إنما يدعو إلى مذهب المرجئة الغلاة، وأنه ليس في حرب مع الوهابية كما يسميهم، وإنما هو محارب للسنة نفسها من حيث لا يشعر، والحمد لله أولا وآخرا.
----------
وكتب الشيخ الدكتور أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
